×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج09 / الصفحات: ٣٢١ - ٣٤٠

(نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)، لإبطال مطالبة الزهراء (عليها السلام) له بإرث أبيها، الثابت لها بنص القرآن الكريم.. مع أن القرآن أعظم الحجج على هذا الأمر وأبينها..

ومع أنه حتى لو صحت مقولة أبي بكر، فإن الصدقة التي يتركها المتصدق لا يستولي عليها أي كان من الناس، بل تبقى بيد القيّم عليها المنصوب من قِبَلِ من تصدق بها نفسه..

فمن الذي يضمن أن يدعي أبو بكر: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد عدل عما قرره في يوم الغدير، ونقضه؟! ولئن تجرأ أحد من الصحابة وأنكر ذلك، فإن هذا الإنكار قد لا يكون كافياً في إزالة الشبهة التي قد تراود أذهان الكثيرين ممن يأتي بعد ذلك من الأجيال..

ثالثاً: إن ما جرى فور وفاة النبي (عليه السلام) لم يترك مجالاً لأي احتجاج نافع، فقد توفي النبي (صلى الله عليه وآله) وأبو بكر في السنح كما يدَّعون.. فمنع عمر الناس من إعلان موته، وتهددهم(١).

ولا ندري لماذا غاب أبو بكر، وهو إنما امتنع من الخروج في جيش أسامة، لأنه لا يريد أن يفارق النبي (صلى الله عليه وآله) الذي كان على فراش المرض، ويخشى أبو بكر أن يموت في غيابه!!.

١- وقد تحدثنا عن ذلك في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله). فراجع ما ذكرناه هناك، حين الحديث عن وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

٣٢١

وجاء أبو بكر، فأعلن موت النبي (صلى الله عليه وآله)، مستدلاً بالآية الشريفة، فاقتنع عمر بها، مع أنهم قرؤوها على عمر قبل ذلك فلم يكترث.. وفيما هم كذلك إذ جاء من أخبر أبا بكر وعمر بأمر السقيفة، فذهبا إليها وبقي علي (عليه السلام) منشغلاً بتغسيل وتكفين الرسول (صلى الله عليه وآله) والصلاة عليه ودفنه، وقد أنجز ذلك كله قبل أن يفرغ أهل السقيفة من سقيفتهم.

وقد صرحت بعض الروايات: بأنهم لما فرغوا من السقيفة جاؤوا فوراً إلى المسجد، وطرقوا الباب على علي (عليه السلام) وكانت الزهراء (عليها السلام) خلف الباب مباشرة، فلما سألت من الطارق، دفعوا الباب بقوة وعنف، وعصرت خلف الباب، وسقط بعض المدافعين في داخل البيت، فسمع علي (عليه السلام) الصوت فبادر إليهم فهربوا، وانشغل (عليه السلام) بمعالجة الزهراء (عليها السلام)..

وطبيعي أن يكون ذلك كله قد حصل خلال ثوان معدودة..

وفي تلك الليلة، أو في صبيحتها امتلأت المدينة بالرجال الذين كان أبو بكر ـ فيما يبدو هو الذي تدبر أمر حضورهم بهذه السرعة، ودلت النصوص أيضاً على أن الهجوم على بيت الزهراء (عليها السلام) قد تكرر في اليوم التالي، وجمع الحطب، وأضرمت النار بالباب، واقتحموا البيت، وأخرجوا علياً (عليه السلام) بالقوة والقهر..

واستخرجوا الناس من بيوتهم، وسحبوهم قهراً إلى البيعة، وواجهوهم

٣٢٢

بالإهانات والتعديات(١). فمتى أمكن لعلي (عليه السلام) أن يحتج وأن يتظلم؟! وأن يتكلم بقليل أو كثير؟! وهم يتعاملون معه ومع زوجته بهذه الطريقة الحادة، التي نتج عنها استشهاد الزهراء (عليها السلام)، وإسقاط جنينها، واحمرار عينها، واسوداد متنها من الضرب..

بل لقد اعتدوا على الزهراء (عليها السلام) بالضرب ثلاث مرات..

رابعاً: بعض المصادر ذكرت أنه (عليه السلام) حين أمكنه أن يتكلم ويحتج بادر إلى ذلك، فاحتج بحديث الغدير، وذلك في نفس يوم البيعة لأبي بكر، فراجع(٢)..

واحتج أيضاً بحديث الغدير يوم أتاه أبو بكر في وقت غفلة(٣).

١- وقد فصلنا ذلك كله حين الحديث عن استشهاد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك في الأجزاء الأخيرة من كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله).

٢- راجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) (الطبعة الخامسة) ج٣٢ ص٧٠ و ٧١ والإحتجاج ج١ ص١٨٤ و ١٨٥ و ٢١٣.

٣- بحار الأنوار ج٢٩ ص٨ والخصال ج٢ ص٥٥٠ ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج٣ ص٢٠٢ والإحتجاج للطبرسي ج١ ص١٦٠ وحلية الأبرار ج٢ ص٣٠٨ ومدينة المعاجز ج٣ ص٢٦ وخلاصة عبقات الأنوار ج٩ ص٣٩ وغاية المرام ج٢ ص١٢٤ وج٦ ص١٣ وكشف المهم في طريق خبر غدير خم للسيد هاشم البحراني ص٩٣.

٣٢٣

وحين لقيه في سكة بني النجار(١).

لماذا لم تحتج الزهراء (عليها السلام) بالغدير؟!:

وبما تقدم يجاب أيضاً على سؤال: لماذا لم تحتج الزهراء (عليها السلام) بحديث الغدير، في خطبتها المشهورة في المهاجرين والأنصار؟!

وهي (عليها السلام) التي تحدد وقت احتجاجها، ومناسبته..

يضاف إلى ما تقدم:

١ ـ أنه لم ينقل أنها (عليها السلام) أشارت إلى حديث الغدير في احتجاجاتها في الفترة الأولى، فإنه لم يفسح المجال لأي احتجاج، لأن الأجواء كانت أجواء عدوان، وإيذاء، واغتصاب وقهر..

٢ ـ كما أن من المحتمل أن يكون قد غلب على ظنها أن الإشارة إلى النص في تلك الأجواء، قد يحمل أبا بكر على معارضة حجتها هذه بما يثير الشبهة حول هذا الحديث، ويبطل أثره.

ولو بأن يدعى: أن النبي (عليه السلام) قد أسر إليه وإلى عمر بأنه قد عدل عن هذا الأمر، كما فعل في موضوع إرثها من أبيها.. وكما فعله حين استدل في السقيفة بمضمون حديث الأئمة من قريش.. وغير ذلك..

٣ ـ يضاف إلى ذلك: أنه لم تكن هناك حاجة للاستدلال، لأن من يفعل

١- بحار الأنوار ج٢٩ ص٣٥ وإرشاد القلوب ص٢٦٤ و ٢٦٥ والهداية الكبرى للخصيبي ص١٠٢ وخلاصة عبقات الأنوار ج٩ ص٤٠ ومدينة المعاجز ج٣ ص١٤ والأنوار العلوية ص٣٠٧.

٣٢٤

ذلك يكون كناقل التمر إلى هجر.. لأن ما جرى في غدير خم لم يغب بعد عن ذهن أحد..

٤ ـ على أنه قد نقل:

ألف: أنها احتجت بحديث الغدير أيضاً، وإن لم نستطع تحديد وقت ذلك ومناسبته، فراجع(١).

ب: كما أن الطبرسي قد روى احتجاج الزهراء (عليها السلام) به على المهاجمين لبيتها بعد أيام من وفاة أبيها(٢).

ج: واحتجت (عليها السلام) به أيضاً على محمود بن لبيد(٣).

١- أسنى المطالب للجزري ص٤٩ ـ ٥١ والغدير ج١ ص١٩٧ وخلاصة عبقات الأنوار ج٧ ص١٨٨ وج٩ ص١٠٦ وقاموس الرجال للتستري ج١٢ ص٣٣٤ والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لأحمد الرحماني الهمداني ص١٣٢ وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكتاب والسنة والتاريخ ج٢ ص٣١٨ عن جامع الأحاديث للقمي ص٢٧٣ وغاية المرام ج٦ ص١٢٢ والمناشدة والإحتجاج بحديث الغدير للشيخ الأميني ص٧٣ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٢١ ص٢٧ وج٢٢ ص١٢٢.

٢- الإحتجاج ج١ ص٢٠٣ وبحار الأنوار ج٢ ص٢٠٥.

٣- راجع: العوالم ج١١ ص٢٢٨ وبحار الأنوار ج٣٦ ص٣٥٢ وكفاية الأثر ص١٩٧ والأنوار البهية ص٣٤٣ وغاية المرام ج١ ص٣٢٦ وكشف المهم في طريق خبر غدير خم ص١٨٩.

٣٢٥

د: قال شمس الدين أبو الخير الجزري الدمشقي المقري الشافعي ما يلي:

فألطف طريق وقع بهذا الحديث وأغربه، ما حدثنا به شيخنا خاتمة الحفاظ، أبو بكر محمد بن عبد الله بن المحب المقدسي مشافهة: أخبرتنا الشيخة أم محمد زينب ابنة أحمد عبد الرحيم المقدسية، عن أبي المظفر محمد بن فتيان بن المثنى، أخبرنا أبو موسى محمد بن أبي بكر الحافظ، أخبرنا ابن عمة والدي القاضي أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد المدني بقراءتي عليه، أخبرنا ظفر بن داعي العلوي باستراباد، أخبرنا والدي وأبو أحمد ابن مطرف المطرفي قالا:

حدثنا أبو سعيد الإدريسي إجازة فيما أخرجه في تاريخ استراباد، حدثني محمد بن محمد بن الحسن أبو العباس الرشيدي من ولد هارون الرشيد بسمرقند وما كتبناه إلا عنه، حدثنا أبو الحسين محمد بن جعفر الحلواني، حدثنا علي بن محمد بن جعفر الأهوازي مولى الرشيد، حدثنا بكر بن أحمد القسري.

حدثتنا فاطمة وزينب وأم كلثوم بنات موسى بن جعفر (عليه السلام)، قلن حدثتنا فاطمة بنت جعفر بن محمد الصادق، حدثتني فاطمة بنت محمد بن علي، حدثتني فاطمة بنت علي بن الحسين، حدثتني فاطمة وسكينة ابنتا الحسين بن علي عن أم كلثوم بنت فاطمة عن فاطمة بنت النبي، رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورضي عنها، قالت:

أنسيتم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم، من كنت مولاه فعلي مولاه؟!

٣٢٦

وقوله (صلى الله عليه وآله): أنت مني بمنزلة هارون من موسى (عليهما السلام)؟!

وهكذا أخرجه الحافظ أبو موسى المديني في كتابه المسلسل بالأسماء، وقال: هذا الحديث مسلسل من وجه، وهو أن كل واحدة من الفواطم تروي عن عمة لها، فهو رواية خمس بنات أخ كل واحدة منهن عن عمتها(١).

خطبة الزهراء (عليها السلام) والإحتجاج بالنص:

أما بالنسبة إلى خطبتها العظيمة في المهاجرين والأنصار، فقد كانت الحكمة تقتضي عدم التعرض ليوم الغدير بصراحة ووضوح..

إذ لو فعلت ذلك لأثيرت شبهة مفادها: أن مطالبتها بفدك وبالإرث جاءت على سبيل التحدي، وفي سياق الصراع على الحكومة والسلطة، وهو أمر يطمح الناس إليه، ويسيل لعابهم عليه..

على أن الأمر الهام جـداً هو: أنها (عليها السلام) قـد وضعت أبا بكـر

١- راجع: أسنى المطالب للجزري ص٤٩ ـ ٥١ وأسمى المناقب للمحمودي ص٣٢ و ٣٣ عن ابن عساكر في ترجمة الإمام علي (عليه السلام) (بتحقيق المحمودي) ج١ ص٣٩٥ وقال: رواه ابن عقدة في حديث الولاية، والمنصور الرازي في كتاب الغدير حديث ١٢٣، وراجع: مودة القربى (المودة الخامسة)، وتوضيح الدلائل.

٣٢٧

ـ في تلك الخطبة ـ بين فكي كماشة..

بيان ذلك:

أنها (عليها السلام) حين ذكرت موضوع الإرث في خطبتها قد بينت بداهة هذا الأمر، وشدة وضوحه، واستدلت عليه بما يزيل كل شبهة. ويقرّ لها به كل منصف، ويفهمه العالم والجاهل..

وبذلك تكون قد وضعت أبا بكر أمام خيارين، لا ثالث لهما:

الخيار الأول: أن يعترف لها بصحة ذلك كله.. ويتراجع عن موقفه، ويسلم لها إرثها من أبيها..

وذلك يعني: أنه كان إما جاهلاً بأبسط الأمور الشرعية، وأبدهها وأوضحها، وبما يعرفه حتى الصبيان.. ومن كان كذلك، فهو لا يصلح لمقام خلافة النبوة، الذي يفرض عليه تعليم الناس أحكام دينهم، وإجراء أحكام الله فيهم وعليهم، وأخذهم بها.. فإن من يجهل هذه الواضحات كيف يمكن أن نثق بمعرفته بالأمور الدقيقة والعميقة والمشتبهة على غيره؟!

ولا تصح دعوى: أنه غفل عن هذا الحكم، فإن الغفلة عن الأمور البديهية غير مقبولة. ولا سيما إذا صاحب هذه الغفلة مبادرة وجهد لإجراء الحكم المناقض لذلك الأمر البديهي والواضح..

الخيار الثاني: أن يصر على مخالفة القرآن، وعلى نقض حكم الله في الإرث حتى مع تنبيهه إليه، على رؤوس الأشهاد، وبخطبة رنانة تنشئها (عليها السلام) في مقام التحدي له، والإحتجاج عليه..

وذلك معناه: أنه لا يملك من التقوى، ومن الإلتزام بأحكام الله

٣٢٨

وشرائعه ما يردعه عن هذه المخالفة الصريحة والواضحة..

ومن كان كذلك لا يستحق أن يجلس مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويحكم باسمه.

كما أن الناس سوف يشعرون أنه غير مأمون على أموالهم، فهل يأمنونه على أعراضهم ودمائهم؟!

على أن من الواضح: أن الكلمة التي أطلقها أبو بكر ونسبها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).. لا تدل على مطلوبه.. فإن قوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورث. إنما اقتطعه من حديث، أريد به بيان زهد الأنبياء بالدنيا، وأنهم لم يأتوا لجمع الأموال، وخزنها، ثم توريثها لأحفادهم..

والعبارة هي التالية: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث درهماً ولا ديناراً، ولاذهباً ولا فضة).

وهذه العبارة لا تنافي أصل مشروعية التوارث بين الأنبياء وعوائلهم، ولذا دعا زكريا ربه، فقال: {..فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً}(١). وهو إنما يدل على إرث المال.

وعبارة: (ما تركناه صدقة)، إنما هي إضافة تفرد بها أبو بكر..

وحتى لو كانت هذه العبارة ثابتة من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإنّها لا تدلّ على مطلوب أبي بكر..

فقد يقال: إنّه (صلى الله عليه وآله) ينشئ التصدّق بنفس هذه الكلمة،

١- الآيتان ٥ و ٦ من سورة مريم.

٣٢٩
٣٣٠
٣٣١

الفصل الخامس:

الأنصار.. بعد فوات الأوان!!

٣٣٢
٣٣٣

حركة الأنصار خنقت قبل ولادتها:

قال الزبير: وحدثنا محمد بن موسى الأنصاري المعروف بابن مخرمة، قال: حدثني إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قال:

لما بويع أبو بكر، واستقر أمره، ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته، ولام بعضهم بعضاً، وذكروا علي بن أبي طالب، وهتفوا باسمه، وإنه في داره لم يخرج إليهم، وجزع لذلك المهاجرون، وكثر في ذلك الكلام.

وكان أشد قريش على الأنصار نفر فيهم، وهم سهيل بن عمرو، أحد بنى عامر بن لؤي، والحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل المخزوميان.

وهؤلاء أشراف قريش الذين حاربوا النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم دخلوا في الاسلام، وكلهم موتور قد وتره الأنصار.

أما سهيل بن عمرو فأسره مالك بن الدخشم يوم بدر.

وأما الحارث بن هشام، فضربه عروة بن عمرو، فجرحه يوم بدر، وهو فار عن أخيه.

وأما عكرمة بن أبي جهل، فقتل أباه ابنا عفراء، وسلبه درعه يوم بدر زياد بن لبيد، وفى أنفسهم ذلك.

٣٣٤

فلما اعتزلت الأنصار تجمع هؤلاء، فقام سهيل بن عمرو فقال:

يا معشر قريش، إن هؤلاء القوم قد سماهم الله الأنصار، وأثنى عليهم في القرآن، فلهم بذلك حظ عظيم، وشأن غالب، وقد دعوا إلى أنفسهم، وإلى علي بن أبي طالب، وعلي في بيته لو شاء لردهم، فادعوهم إلى صاحبكم وإلى تجديد بيعته، فإن أجابوكم وإلا قاتلوهم، فوالله إني لأرجو الله أن ينصركم عليهم كما نصرتم بهم.

ثم قام الحارث بن هشام، فقال: إن يكن الأنصار تبوأت الدار والايمان من قبل، ونقلوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى دورهم من دورنا، فآووا ونصروا، ثم ما رضوا حتى قاسمونا الأموال(١)، وكفونا العمل، فإنهم قد لهجوا بأمر إن ثبتوا عليه، فإنهم قد خرجوا مما وسموا به، وليس بيننا وبينهم معاتبة إلا السيف، وإن نزعوا عنه فقد فعلوا الأولى بهم والمظنون معهم.

ثم قام عكرمة بن أبي جهل، فقال: والله لولا قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الأئمة من قريش) ما أنكرنا إمرة الأنصار، ولكانوا لها أهلا، ولكنه قول لا شك فيه ولا خيار، وقد عجلت الأنصار علينا، والله ما قبضنا عليهم الأمر ولا أخرجناهم من الشورى، وإن الذي هم فيه من فلتات الأمور، ونزغات الشيطان، ومالا يبلغه المنى، ولا يحمله الامل.

١- مواقف الشيعة للأحمدي الميانجي ج٣ ص١٦٢ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٦ ص٢٤.

٣٣٥

أعذروا إلى القوم، فإن أبوا فقاتلوهم، فوالله لو لم يبق من قريش كلها إلا رجل واحد لصير الله هذا الامر فيه.

قال: وحضر أبو سفيان بن حرب، فقال: يا معشر قريش، إنه ليس للأنصار أن يتفضلوا على الناس حتى يقروا بفضلنا عليهم، فإن تفضلوا فحسبنا حيث انتهى بها، والا فحسبهم حيث انتهى بهم، وأيم الله لئن بطروا المعيشة، وكفروا النعمة، لنضربنهم على الاسلام كما ضربوانا عليه.

فأما علي بن أبي طالب فأهل والله أن يسود على قريش، وتطيعه الأنصار.

فلما بلغ الأنصار قول هؤلاء الرهط قام خطيبهم ثابت بن قيس بن شماس فقال: يا معشر الأنصار، إنما يكبر عليكم هذا القول لو قاله أهل الدين من قريش، فأما إذا كان من أهل الدنيا لا سيما من أقوام كلهم موتور، فلا يكبرن عليكم، إنما الرأي والقول مع الأخيار المهاجرين، فإن تكلمت رجال قريش، الذين هم أهل الآخرة مثل كلام هؤلاء، فعند ذلك قولوا ما أحببتم، وإلا فامسكوا(١).

ونقول:

لا حاجة بنا إلى التعليق على هذا النص، غير أننا نحب تذكير القارئ بما يلي:

هتاف الأنصار باسم علي (عليه السلام):

إن الأنصار حين ندموا على بيعة أبي بكر، لم يهتفوا باسم سعد بن

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٦ ص٢٥.

٣٣٦

عبادة، حتى الخزرج منهم، ولا باسم أي كان من الأنصار، أو المهاجرين، بل هتفوا باسم علي (عليه السلام)، دون سواه، لأنه (عليه السلام) هو الذي سمعوا الآيات والنصوص النبوية بالإمامة والخلافة عليه، وهو الذي نصبه لهم في غدير خم في حجة الوداع إماماً وولياً، وبايعوه، وقال له بعض من انقلب عليه:

بخٍ بخٍ لك يا علي، لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة..

وأراد (صلى الله عليه وآله) أن يكتب له بذلك قبيل موته، فاتهمه بالهُجر، بعض من شمر عن ساعد الجد لتشييد بيعة صاحبه، وثم هاجم بيته فكان أن هتفوا باسمه دون سواه، لأنه هو الذي يملك كل المواصفات المقبولة والمعقولة، والمرضية لمقام الإمامة، وخلافة النبوة..

ولأنه (عليه السلام) هو الذي ظهر أنه لا يهتم إلا برضا الله ورضا رسوله، ولو هوجم بيته، وهتكت حرمته، وأحرق بيته، وقتل ولده، وضربت زوجته، وهي سيدة نساء العالمين، ضرباً يودي بها الموت ولو بعد حين.. رغم أنه قالع باب خيبر، وهازم الأحزاب، ونصر الله نبيه بيده يوم بدر وأحد، والنضير، وقريظة وذات السلاسل، ويوم حنين وغير ذلك..

علي (عليه السلام) لم يخرج إلى مؤيديه:

وقد صرحت الرواية: بأن الأنصار هتفوا بإسم علي (عليه السلام)، ولكنه (عليه السلام) التزم داره، ولم يخرج إليهم.

وهذا معناه:

ألف: إنه كان يعلم أن ندم الأنصار كان متأخراً، وأن هتافهم بإسمه لا

٣٣٧

يفيد الآن شيئاً، لأن نقض ما أبرم لن يكون ميسوراً إلا إذا سفكت الدماء، وقتل الناس بعضهم بعضاً، وثارت الفتن، وبثت الأحقاد.

وهذا هو المحذور الذي كان (عليه السلام) يريد للأمة أن لا تقع فيه.

ب: إن هذا الإعتكاف منه (عليه السلام) يدلل على أنه لم يكن هو الذي دبر هذا الذي جرى من الأنصار، بل كان مبادرة عفوية، ومجرد صحوة ضمير منهم، فلا داعي لإصطياد أهل الأهواء، وصناع الفتن بالماء العكر.

ج: إنه يدل أيضاً على أنه لا يريد لهذه الحركة أن تتنامى إلى الحد الذي توجد بسببها مشكلة توجب المزيد من تعقيد الأمور.

كما أنه لا يريد أن يواجه الأنصار بالرد والرفض المؤدي لشعورهم بالفشل والخيبة، لأن شعورهم الذي دفعهم لهذا الموقف شعور نبيل ومرضي لله، لكن المانع من مجاراة هذا الشعور ليس هو خطأ الأنصار، بل هو إصرار المتشبثين بالحكم على الإحتفاظ به، ولو بقيمة إحراق الأخضر واليابس..

جزع المهاجرين:

وتقدم: أن المهاجرين جزعوا لحركة الأنصار هذه..

وسبب هذا الجزع أنهم توقعوا أن تنجرّ الأمور إلى نزاع مسلح يكلفهم أثماناً باهظة جداً، ثم لا يعلم إلا الله ماذا ستكون النتائج..

والمهاجرون وإن كان أكثرهم يؤيد أبا بكر، ويلتزم بالدفاع عن موقعه، ولكن المشكلة بالنسبة إليهم هي:

٣٣٨

أولاً: أنهم ليسوا في بلادهم، ولا بين عشائرهم ولا في محيطهم الذي نشأوا فيه.

ثانياً: إنهم يخشون صولة علي (عليه السلام) والهاشميين.

ثالثاً: إنهم يعلمون أن خيار وكبار الصحابة سيكونون مع علي (عليه السلام)..

أقوال متبادلة بين القريشيين، والأنصار:

ألف: يلاحظ: أن القريشيين الثلاثة الذين كانوا يدبرون للحرب مع الأنصار، بالإضافة إلى أنهم ظنوا: أن علياً (عليه السلام) حين اعتزل في بيته، فظنوا أنه انسحب، وخرج عن دائرة التحدي ذاهلين عن أن اعتزاله هذا ليس معناه أنه يريد أن يلقي الحبل على الغارب، وأن يفسح المجال لقريش لكي توقع بالأنصار.

فإنه (عليه السلام) وجميع من معه من الهاشميين، وخيار الصحابة وسواهم يقرون ويعترفون بفضل الأنصار، وعظيم منزلتهم، وبالغ أثرهم، ولا يمكن التفريط بهم في الساعات الحرجة..

ب: واللافت هنا: أن الأنصار يهتفون بإسم علي (عليه السلام)، ولكن هؤلاء القرشيين ـ وعلى رأسهم سهيل بن عمر يتهمونهم بأنهم: إنهم دعوا إلى أنفسهم، ويعتبرون دعوتهم هذه نقضاً لبيعتهم أبا بكر، فيحتاجون إلى تجديد هذه البيعة.

ج: ويعتبر الحارث بن هشام أن دعوة الأنصار هذه تحبط عمل

٣٣٩

الأنصار، وتسقط كل فضائلهم، وتضيع أعمالهم في خدمة هذا الدين.. حيث قال: فإنهم لهجوا بأمر إن ثبتوا عليه، فإنهم قد خرجوا مما وسموا به.

د: إن عكرمة يحتج بحديث الأئمة من قريش.. ولكنه نسي قول أمير المؤمنين (عليه السلام): احتجوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة..

هـ: لقد حدد ثابت بن قيس خطيب الأنصار ـ الضابطة، وبيَّن المعيار.. وهو أن هؤلاء الذين تكلموا بما تكلموا به هم أهل الدنيا، وكلهم موتور.. فلا عبرة بأقوالهم..

والعبرة إنما هي بأقوال الأخيار، وأهل الآخرة من المهاجرين.. فإن تكلموا بما تكلم به أهل الدنيا، فمعنى ذلك أن المعايير أصبحت مفقودة، والضوابط غير موجودة.. وإن قالوا ما يمليه عليهم العقل والشرع والدين فاقبلوا منهم، ولا تنساقوا مع أهل الدنيا، ولا تجاروهم الكلام، فإنهم يسوقونكم إلى أجواء العصبية الجاهلية، ومنطق أهل الأهواء.

لا نجيبك إلا أن يأمرنا أبو الحسن:

وحين تهجم عمرو بن العاص على الأنصار في المسجد (التفت فرأى الفضل بن العباس بن عبد المطلب، فندم على قوله، للخؤولة التي بين ولد عبد المطلب وبين الأنصار، ولان الأنصار كانت تعظم علياً، وتهتف باسمه حينئذ.

فقال الفضل: يا عمرو، إنه ليس لنا أن نكتم ما سمعنا منك، وليس لنا أن نجيبك، وأبو الحسن شاهد بالمدينة، إلا أن يأمرنا فنفعل.

٣٤٠