×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج09 / الصفحات: ٣٤١ - ٣٦٠

ثم رجع الفضل إلى علي فحدثه، فغضب، وشتم عمرواً، وقال: آذى الله ورسوله، ثم قام فأتى المسجد، فاجتمع إليه كثير من قريش، وتكلم مغضبا، فقال:

يا معشر قريش، إن حب الأنصار إيمان، وبغضهم نفاق، وقد قضوا ما عليهم، وبقى ما عليكم، واذكروا أن الله رغب لنبيكم عن مكة، فنقله إلى المدينة، وكره له قريشا، فنقله إلى الأنصار، ثم قدمنا عليهم دارهم، فقاسمونا الأموال، وكفونا العمل، فصرنا منهم بين بذل الغني وإيثار الفقير.

ثم حاربنا الناس، فوقونا بأنفسهم، وقد أنزل الله تعالى فيهم آية من القرآن، جمع لهم فيها بين خمس نعم، فقال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ}(١).

ألا وإن عمرو بن العاص قد قام مقاماً آذى فيه الميت والحي، ساء به الواتر، وسر به الموتور. فاستحق من المستمع الجواب، ومن الغائب المقت، وإنه من أحب الله ورسوله أحب الأنصار، فليكفف عمرو عنا نفسه.

قال الزبير: فمشت قريش عند ذلك إلى عمرو بن العاص، فقالوا: أيها الرجل، أما إذا غضب علي فاكفف.

وقال خزيمة بن ثابت الأنصاري يخاطب قريشاً:

١- الآية ٩ من سورة الحشر.

٣٤١

أيال قريش أصلحوا ذات بيننا وبينكم قد طال حبل التماحك(١)
فلا خير فيكم بعدنا فارفقوا بناولا خير فينا بعد فهر بن مالك
كلانا على الأعداء كف طويلة إذا كان يوم فيه جب الحوارك(٢)
فلا تذكروا ما كان منا ومنكم ففي ذكر ما قد كان مشى التساوك(٣)

قال الزبير: وقال علي للفضل: يا فضل، انصر الأنصار بلسانك ويدك، فإنهم منك وإنك منهم، فقال الفضل:


قلت يا عمرو مقالاً فاحشاًإن تعد يا عمروٌ الله فلك
إنما الأنصار سيف قاطع من تصبه ظبة السيف هلك(٤)
وسيوف قاطع مضربهاوسهام الله في يوم الحلك
نصروا الدين وآووا أهله منزل رحب ورزق مشترك
وإذا الحرب تلظت نارهابركوا فيها إذا الموت برك

ودخل الفضل على علي (عليه السلام) فأسمعه شعره، ففرح به، وقال: وريت بك زنادي يا فضل، أنت شاعر قريش وفتاها، فأظهر شعرك، وابعث به إلى الأنصار.

١- التماحك: اللجاج.

٢- كناية عن الشدة، والحارك: عظم على الظهر.

٣- التساوك: المشي الضعيف.

٤- ظبة السيف: حده.

٣٤٢

فلما بلغ ذلك الأنصار، قالت: لا أحد يجيب إلا حسان الحسام.

فبعثوا إلى حسان بن ثابت، فعرضوا عليه شعر الفضل، فقال: كيف أصنع بجوابه! إن لم أتحر قوافيه فضحني، فرويدا حتى أقفو أثره في القوافي.

فقال له خزيمة بن ثابت: أذكر علياً وآله يكفك عن كل شئ فقال:


جزى الله عنا والجزاء بكفه أبا حسن عنا ومن كأبي حسن
سبقت قريشا بالذي أنت أهلهفصدرك مشروح، وقلبك ممتحن
تمنت رجال من قريش أعزة مكانك هيهات الهزال من السمن!
وأنت من الاسلام في كل موطنبمنزلة الدلو البطين من الرسن
غضبت لنا إذ قام عمرو بخطبةأمات بها التقوى وأحيا بها الإحن
فكنت المرجى من لؤي بن غالب لما كان منهم، والذي كان لم يكن
حفظت رسول الله فينا وعهده إليك ومن أولى به منك من ومن!
ألست أخاه في الهدى ووصيه وأعلم منهم بالكتاب وبالسنن
فحقك ما دامت بنجد وشيجة عظيم علينا ثم بعد على اليمن

قال الزبير: وبعثت الأنصار بهذا الشعر إلى علي بن أبي طالب، فخرج إلى المسجد، وقال لمن به من قريش وغيرهم:

يا معشر قريش، إن الله جعل الأنصار أنصاراً، فأثنى عليهم في الكتاب، فلا خير فيكم بعدهم، إنه لا يزال سفيه من سفهاء قريش وتره الاسلام، ودفعه عن الحق، وأطفأ شرفه، وفضل غيره عليه، يقوم مقاماً فاحشا فيذكر الأنصار، فاتقوا الله وارعوا حقهم، فوالله لو زالوا لزلت معهم، لأن رسول

٣٤٣

الله قال لهم: (أزول معكم حيثما زلتم).

فقال المسلمون جميعاً: رحمك الله يا أبا الحسن! قلت قولاً صادقاً(١).

ونقول:

يستوقفنا هنا ما يلي:

الأنصار تعظم علياً (عليه السلام):

صرحت الرواية: بأن الأنصار كانت تعظم علياً.. وكأن المقصود أن هذا التعظيم كان هو الأمر الطبيعي لدى الأنصار، لا من حيث أنها تريد ترشيحه للخلافة أو لا تريد.

وذلك على خلاف أكثر المهاجرين الذين كانوا ينأون بأنفسهم عنه، ويسعون إلى تصغير قدره، والحط من مقامه.. وفقاً لما روي عنه (عليه السلام): اللهم عليك بقريش، فإنهم قطعوا رحمي، وأكفأوا إنائي، وصغروا عظيم منزلتي(٢).

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٦ ص٣٦.

٢- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) الرسالة رقم (٣٦) وقسم الخطب رقم (٢١٢) و (٣٢) و (١٣٧) وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٦ ص٩٦ وج٢ ص١١٩ والغارات ج١ ص٣٠٩ وج٢ ص٤٥٤ و٤٢٩ و٤٣٠ وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج٢ ص٧٤ فما بعدها، وبحار الأنوار (ط قديم) ج٨ ص٦٢١ والإمامة والسياسة ج١ ص١٥٥. وراجع كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ج١ ص١٧٥ و١٧٦ للإطلاع على مصادر أخرى.

٣٤٤

الفضل يرجع إلى علي (عليه السلام) لا إلى العباس:

وقد لاحظنا هنا أموراً:

أحدها: أنه يرى أن علياً (عليه السلام) هو مرجعيته، وليس أباه العباس بن عبد المطلب، مع أن العباس أسن من علي (عليه السلام)، وهو عم علي (عليه السلام) ووالد الفضل هذا.

الثاني: إن ما يثير الإعجاب والإكبار هو هذه الإنضباطية التامة من قبل أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلا يتصرفون من عند أنفسهم، ولا يتركون لإنفعالاتهم أن تستأثر بمواقفهم، أو أن تخل بهذا الإنضباط الدقيق والصارم..

فسلام الله عليك يا أمير المؤمنين وعلى من علمتهم، وربيتهم، وهديتهم ورحمة الله وبركاته..

الثالث: إن أصحابه (عليه السلام) صادقون وصريحون حتى مع مناوئيهم، ولا يهابون أن يخبروهم بأنهم سوف يبلغون قادتهم بما كان منهم..

وهذا الصدق وهذه الصراحة، مسؤولية ورسالة وقيمة لا يحملها ولا يؤديها إلا أهلها من الأحرار، والشجعان من الرجال، الذين يحترمون أنفسهم، ويريدون أن يفرضوا قيمهم حتى على أعدائهم، ومنها الإلتزام بالصدق والصراحة، وأن يروا ذلك قيمة ويتخذوه منهجاً، يعطي الإنسان قدراً من الإحترام والقيمة.

الرابع: إن هذا الأمر الذي يجري بين عمرو بن العاص والأنصار لا ربط له بعلي (عليه السلام) بحسب الظاهر، بل هو مسألة مساجلات في

٣٤٥

أمر يخص الفريقين، من حيث تنافسهما في أمر الخلافة وصراعهما على النفوذ، ولم يذكر علي (عليه السلام) في كلام ابن العاص، ولا في كلام غيره، فلماذا يريد الفضل أن يبلغه بما يجري، وبما سمعه من عمرو بن العاص؟!

ولماذا لم يقل ابن العاص للفضل: لا شأن لعلي (عليه السلام) في هذا الأمر؟!

أليس سبب ذلك أنهم يرون أن لعلي الحق في التدخل لنصرة كل مظلوم، وتأييد الحق لكل ذي حق.. وأن يتصدى للفتنة التي يريد أن يثيرها أي كان من الناس.؟!

دفاع علي (عليه السلام) عن الأنصار:

وقد جاء دفاع علي (عليه السلام) عن الأنصار حين بدا أن الصراع أصبح بينهم وبين قريش، ولم يكن هناك أي أثر لقضية أمير المؤمنين في البين.. وبدا أن عمرو بن العاص يريد أن ينكر كل فضل، بل كل أثر للأنصار في نصرة الإسلام، وأن ينكر أن يكون الأنصار قد أحسنوا إلى قريش وسواها ممن هاجر إليهم..

بل هو يقلب الحقائق، ويجعل المهاجرين من قريش هم أهل الفضل على الأنصار، حتى ليقول: (ولنحن الذين أفسدنا على أنفسنا، أحرزناهم من كل مكروه، وقدمناهم إلى كل محبوب، حتى أمنوا الخوف. فلما جاز لهم ذلك صغروا حقنا، ولم يراعوا ما أعظمنا من حقوقهم).

فلما رأى علي (عليه السلام) أن هذا هو منطق التزوير لحقائق التاريخ، بهدف جعله ذريعة للظلم والتعدي، كان لا بد له من التصدي له، والإعلان

٣٤٦

بالنكير عليه..

واللافت: أنه (عليه السلام) لم يتكلم بطريقة المنكر لكلام ابن العاص، أو المؤنب له.. بل تكلم بطريقة المقرر للحقائق، والراوي لها، والمرسل لها إرسال المسلمات، ثم هو يصرح بأن الفريق الآخر لا يزال مطالباً بواجبات لم ينجزها.

وقد أكد (عليه السلام) على البعد الأخلاقي في تعامل الأنصار مع القضايا، وأنه قد تجاوز الحدود في رقيه، وفي قيمته. وفي امتداد آفاقه.

وقد ساق (عليه السلام) بياناته، ورسم حركته وموقفه بطريقة اضطرت قريشاً نفسها لأن تبادر إلى التصدي لعمرو بن العاص، لأنه (عليه السلام) وضعها في مأزق حقيقي، حين صرح بالحقائق الدامغة، بطريقة لا تسيغ لأحد التملص منها، إلا إن كان يريد أن يتنكر لأبده البديهيات، وأوضح الواضحات، ولا سيما في الأمور الأخلاقية والواقعية، لأن هذا التنكر سيلحق بقريش ضرراً بالغاً هي في غنى عنه..

أما إذا غضب علي فاكفف:

وحين وجدت قريش نفسها في مأزق.. ولا يمكنها أن تقدم أي مبرر معقول، أو مقبول لهذا التعدي على الأنصار.. تخوفت من أن يؤدي سكوتها عن عمرو بن العاص، ومن معه إلى تصدي علي (عليه السلام) له ولهم، دفاعاً عن الحق، ونصرة للمظلوم.

وانحياز علي (عليه السلام) للأنصار ضدها معناه انحياز بني هاشم، والأخيار من الصحابة بجميع فئاتهم معه، فبادرت إلى التراجع خطوة إلى

٣٤٧

الوراء، ولكنها لم تعترف بالخطأ، بل اكتفت بالإعلان عن دافعها للتراجع، وهو أن لا يغضب علي (عليه السلام)، فقالوا لابن العاص: أيها الرجل، أما إذا غضب علي فاكفف..

وهذا وإن كان في حد نفسه غير كاف، ولكنه (عليه السلام) لم يكن يريد أكثر من لجم الطوفان، ودرء الفتنة، ولو بهذا المقدار..

الفضل ينصر الأنصار بلسانه:

وقد طلب (عليه السلام) من الفضل أن ينصر الأنصار بلسانه، فإنه منهم وهم منه.. ونعتقد أن المقصود بهذا التعبير هو أنهم أهل مرام واحد. وهناك أيضاً قواسم مشتركة من حيث الأخوة الإيمانية، وسلامة الطوية. واشتراك في الغايات والأهداف الكبرى.. في مقابل الفئة الأخرى التي وإن كان الفضل منها في نسبه، وهم عشيرته، وعصبته، ولكنه غريب عنهم في فكره وفي قيمه، وفي سلوكه، وفي أهدافه وغاياته.

فالمحرك له هو رضا الله، وهدفه الحفاظ على الدين وأهله، والمحرك لهم هو طموحاتهم، وأهواؤهم، وأهدافهم هي الحصول على الدنيا بأي قيمة كانت.

يكفيك ذكر علي (عليه السلام):

وعن شعر الفضل نقول:

١ ـ إن الأمر الذي لم نكن نتوقعه هو أن علياً (عليه السلام) قد منح الفضل بن العباس وسام شاعر قريش وفتاها.. مع أننا إذا راجعنا الكتب

٣٤٨

المهتمة بالشعر العربي نلاحظ: تجاهلهم الواضح للفضل وشعره. ولا حاجة إلى بيان دوافعهم إلى هذا التجاهل.

٢ ـ لقد ظهرت دلائل واقعية هذا الوسام من تحير حسان بن ثابت في الجواب عن شعر الفضل، وإظهار عجزه عن مجاراته: حتى أشاروا عليه بأن يتحاشى ذلك، ويكتفي بطرح موضوع آخر في شعره، لا يتصل بشعر الفضل.. وهكذا كان..

٣ ـ إن مشورة خزيمة بن ثابت على حسان بأن يقتصر في شعره على مدح أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فإنه يكفيه عن كل شيء.. تدل على عظمة أمير المؤمنين، التي كانت قريش تسعى للتعتيم عليها قدر الإمكان، كما تقدم في كلامه (عليه السلام)..

٤ ـ ورد في شعر حسان: أن علياً (عليه السلام) سبق قريشاً بالفضل والمقام.. وتمنى رجال من قريش نيل مقامه.. وهم بالنسبة إليه بمثابة الفاقد من الواجد، والهزال من السمن..

٥ ـ ورد في شعر حسان أيضاً أن علياً أخو النبي (صلى الله عليه وآله) ووصيه، وأعلمهم بالكتاب وبالسنن..

لو زالوا لزلت معهم:

وقد جاء تهديد علي (عليه السلام) لقريش حاسماً وحازماً، مؤيداً بالقسم بالله تعالى.. وعلي (عليه السلام) الذي لا يخيس بوعده، ولا بعهده لا يمكن أن يحنث بيمينه!!. فكيف إذا كان هذا اليمين على فعل أمر كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قرره، فقد قال لهم بعد أن استنكر ظلم

٣٤٩