×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج15 / الصفحات: ٢٨١ - ٣٠٠

الإمامة أجلُّ من أن يكون خاضعاً للتجاذبات القائمة على مجرد التَّنَطُّح والإدعاء، أو أن يخضع لأسباب القوة المادية، أو العشائرية، أو العسكرية، أو أي شيئ دنيوي، بل هو مقام إلهي، عظيم الخطر، بالغ الأهمية، له معاييره ومرتكزاته التي تناسبه. وليس ملكاً عضوضاً، بل هو خلافة النبوة..

ولابد أن تثبت الأفعال، والسيرة العملية، والإمتحان المباشر صحة كل الأقوال والإدعاءات التي تطلق حوله.. ولأجل ذلك ناظرهم في أيامه وأيامهم، وآثاره وآثارهم..

المناشدات بنظر المعتزلي:

ولعل نفس هذا الذي ذكرناه قد أزعج محبي الخلفاء، وأَثار حفائظهم، فاهتموا بالتشكيك في هذه المناشدات، وسعوا ما أمكنهم إلى تكذيبها، والحد من تأثيرها..

قال المعتزلي:

(ونحن نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدته أصحاب الشورى، وتعديده فضائله وخصائصه التي بان بها منهم ومن غير هم.

قد روى الناس ذلك فأكثروا، والذي صح عندنا أنه لم يكن الامر كما روي من تلك التعديدات الطويلة، ولكنه قال لهم بعد أن بايع عبد الرحمن والحاضرون عثمان، وتلكأ هو (عليه السلام) عن البيعة:

إن لنا حقاً، إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السرى.. في كلام قد ذكره أهل السيرة، وقد أوردنا بعضه فيما تقدم.

٢٨١

ثم قال لهم: أنشدكم الله! أفيكم أحد آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بينه وبين نفسه، حيث آخى بين بعض المسلمين وبعض، غيري؟!

فقالوا: لا.

فقال: أفيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من كنت مولاه فهذا مولاه) غيري؟!

فقالوا: لا.

فقال: أفيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)، غيري؟!

قالوا: لا.

قال: أفيكم من اؤتمن على سورة براءة، وقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إنه لا يؤدى عني إلا أنا أو رجل منى) غيري؟!

قالوا: لا.

قال: ألا تعلمون أن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فروا عنه في مأقط الحرب في غير موطن، وما فررت قط؟!

قالوا: بلى.

قال: ألا تعلمون أنى أول الناس إسلاماً؟!

قالوا: بلى.

قال: فأينا أقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) نسباً؟!

قالوا: أنت.

٢٨٢

فقطع عليه عبد الرحمن بن عوف كلامه، وقال: يا علي، قد أبى الناس إلا عثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً.

ثم قال: يا أبا طلحة، ما الذي أمرك به عمر؟!

قال: أن أقتل من شق عصا الجماعة.

فقال عبد الرحمن لعلي: بايع إذن، وإلا كنت متبعاً غير سبيل المؤمنين، وأنفذنا فيك ما أمرنا به.

فقال: (لقد علمتم أنى أحق بها من غيري، والله لأسلمن..) الفصل إلى آخره، ثم مد يده فبايع(١).

ونقول:

إننا لا نوافق ابن أبي الحديد على كثير من النقاط التي أوردها في كلامه هذا.. فلاحظ مثلاً الأمور التالية:

١ ـ من أين وكيف ثبت للمعتزلي أن تلك التعديدات الطويلة لم تكن قد حصلت، فإن هناك المئات من السنين التي تفصله عن ذلك الحدث.. ولا سبيل إلى إثبات شيء أو نفيه بالتشهي، ومحض الرغبة.

٢ ـ لو جمعنا تلك المناشدات كلها، وحذفنا ما كرره الرواة منها، فإن المجموع لا يحتاج إلى أكثر من ساعة أو ساعتين لتداوله. وهذا وقت قصير جداً بالقياس إلى الثلاثة أيام التي قضوها في البحث والمناظرة.

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٦ ص١٦٧ و ١٦٨ وغاية المرام ج٢ ص٦٧ و ٦٨ وج٦ ص٨.

٢٨٣

٣ ـ بالنسبة لما جرى في الشورى نفسها نقول:

لو أردنا أن نقصر النظر على النصوص التي يتداولها الناس، واقتصرنا في المناشدات على ما ذكره المعتزلي، لما احتاجت الشورى كلها إلى أكثر من نصف ساعة، فلماذا بقوا ثلاثة أيام ساكتين؟

وهل نقول: إنه لم يحصل طيلة الثلاثة أيام سوى هذا الذي ذكروه؟! أم أن الإحتمال سوف يقوى عندنا ليصل إلى درجة الإطمينان بأن هناك مداولات كثيرة هي أضعاف أضعاف ما بلغنا جرت فيما بينهم، ولم تصل إلينا..؟!

فإذا جاز لنا أن نترقى في هذا الأمر إلى درجة اليقين، فلم لا يرقى بنا الظن إلى القول بأن ما بلغنا من المناشدات حتى المطولة منها هو جزء الحقيقة أيضاً؟

٤ ـ قول المعتزلي عن علي (عليه السلام): (ثم مد يده فبايع)، غير ثابت، فقد تقدم أن المفيد رحمه الله تعالى قال: إنه لم يبايع أبداً..

وتقدم: أن من المحتمل أن يكون قد جرى له معهم ما يشبه الذي حدث له في بيعة أبي بكر، حيث تكاثروا عليه، فمدوا يده، وهو يقبضها، فجاء أبو بكر، فمسح يده عليها.. فقالوا: بايع أبو الحسن، أو نحو ذلك.

٥ ـ وكنا نتوقع أن يبادر المعتزلي إلى تسجيل تحفظه على تهديد عبد الرحمان بن عوف لعلي بن أبي طالب بالقتل، واستدعائه أبا طلحة ليؤكد جدية هذا التهديد.. من حيث أن هذا التهديد يسقط بيعة علي (عليه السلام) عن الإعتبار، إذ لا بيعة لمكره..

٢٨٤

٦ ـ إن عبد الرحمان بن عوف لم يستند في أمره بقتل علي (عليه السلام) إلى أن علياً خالف عهده الذي أعطاه أن يرضى بمن يختاره عبد الرحمان بن عوف، بل استند إلى وصية عمر لهم بقتله.. لأن ابن عوف كان يعلم: أنه ـ هو الذي ـ لم يفِ بالشرط الذي احلفه علي (عليه السلام) على العمل به، فهو الذي خان العهد، وعلي هو الذي وفى به، وبيَّن له عدم صحة عمله.

هل المناشدات أبطلت خلافة عثمان؟!:

وصرحت بعض نصوص المناشدات بأنها حصلت قبل حسم الأمر بالبيعة لعثمان، الأمر الذي يعني: أنه (عليه السلام) قد اسقط حجتهم ومشروعية اختيارهم غيره، وأبطل هذا الإختيار ـ بالدليل القاطع، والبرهان الساطع، من حيث أنه أثبت أنه يقع مخالفاً للشرط الذي شرطه (عليه السلام) على عبد الرحمان بن عوف والزمه به بواسطة القسم.

فلا أثر لهذا الإختيار الذي جاء على خلاف الشرط، ويتحقق به الحنث بالقسم.. ولا أثر لبيعة تقع بالإستناد إليه..

أوهام المعتزلي والمعتزلة:

وقد أحرجت كلمات علي (عليه السلام) ومواقفه من الخلفاء ابن ابي الحديد المعتزلي وسائر المعتزلة، ومنهم البغداديون القائلون بتقدم علي (عليه السلام) على جميع الصحابة في الفضل، ولكنهم أجازوا تقديم المفضول على الفاضل في الإمامة.. فصححوا بذلك خلافة أبي بكر وعمر، وجهروا بأفضلية أمير المؤمنين (عليه السلام) عليهما وعلى جميع الصحابة..

٢٨٥

وقد ظهر هذا الحرج على موقف ابن أبي الحديد المعتزلي حين بلغ في شرحه لنهج البلاغة إلى قوله (عليه السلام) لما عزموا على بيعة عثمان:

(لقد علمتم أنى أحق بها من غيري، ووالله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة، التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه).

فقد قال: (يقول لأهل الشورى: إنكم تعلمون أنى أحق بالخلافة من غيري، وتعدلون عنى. ثم أقسم ليسلمن وليتركن المخالفة لهم، إذا كان في تسليمه ونزوله عن حقه سلامة أمور المسلمين، ولم يكن الجور والحيف إلا عليه خاصة.

وهذا كلام مثله (عليه السلام)، لأنه إذا علم أو غلب على ظنه أنه إن نازع وحارب دخل على الاسلام وهن وثلم لم يختر له المنازعة، وإن كان يطلب بالمنازعة ما هو حق، وإن علم أو غلب على ظنه بالإمساك عن طلب حقه إنما يدخل الثلم والوهن عليه خاصة، ويسلم الاسلام من الفتنة، وجب عليه أن يغضي ويصبر على ما أتوا إليه من أخذ حقه، وكف يده، حراسة للاسلام من الفتنة.

فإن قلت: فهلا سلم إلى معاوية، وإلى أصحاب الجمل، وأغضى على اغتصاب حقه حفظا للاسلام من الفتنة؟!

قلت: إن الجور الداخل عليه من أصحاب الجمل ومن معاوية وأهل الشام، لم يكن مقصوراً عليه خاصة، بل كان يعم الإسلام والمسلمين جميعاً، لأن أحداً غير علي (عليه السلام) لم يكن يصلح لرياسة الأمة، وتحمل أعباء

٢٨٦

الخلافة، فلم يكن الشرط الذي اشترطه متحققاً، وهو قوله: (ولم يكن فيه جور إلا علي خاصة).

وهذا الكلام يدل على: أنه (عليه السلام) لم يكن يذهب إلى أن خلافة عثمان كانت تتضمن جوراً على المسلمين والإسلام، وإنما كانت تتضمن جوراً عليه خاصة، وأنها وقعت على جهة مخالفة الأولى، لا على جهة الفساد الكلي، والبطلان الأصلي. وهذا محض مذهب أصحابنا(١).

ونقول:

إن هذا الكلام مرفوض من جهات عديدة، نذكر منها ما يلي:

لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين:

أولاً: إن قوله (عليه السلام): لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، لا يعني أنه يرى أن أمور المسلمين قد سلمت بالبيعة لعثمان، وانتهى الأمر. بل هو يقول: إني منتظر لما يجري، وراصد للتحولات.. ولكنه مجرد انتظار وترقب، من دون أن تفرض عليه بيعة، إذ هو لم يضمن سلامة أمور المسلمين بعد..

ثانياً: إن هذه الكلمة قد تضمنت التصريح بما يمنع من مبادرته للبيعة، وهو قوله: (ولم يكن جور إلا علي خاصة)، إذا لا يجوز مبايعة الجائر، حتى لو كان جوره يستهدف شخصاً بعينه، لأن ذلك يفقده شرط الإمامة بأدنى مراتبه، وهو العدالة، فضلاً عن العصمة التي هي الشرط الحقيقي..

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٦ ص١٦٦ و١٦٧.

٢٨٧

كما أن ذلك لا يمنع من أن يكون هذا الجائر فاقداً لسائر الشرائط والصفات المعتبرة في الإمام والخليفة، ويكون توثبه على الخلافة من مفردات العدوان على الحقوق والمخالفات لما أمر الله ورسوله به..

ثالثاً: إن الرواية تقول: لأسلمنّ ـ وهو من التسليم، والقبول بما هو بالأمر الواقع الذي فرض عليه سبب تقصير الناس في القيام بواجبهم تجاه امامهم.. فقراءة بعض الناس لها بصيغة لأسالمن الذي هو من المسالمة، في مقابل المحاربة.. في غير محلها، إذ لم يكن (عليه السلام) قد أعلن الحرب على أحد..

رابعاً: لقد قرر (عليه السلام) أن الحاضرين معه في الشورى قد علموا بأنه (عليه السلام) أحق بها من غيره.. ونحن هنا نذكِّر القارئ الكريم بما يلي:

ألف: إن ذلك ينتج أنهم يتوثبون على أمر ليس لهم.

ب: إن عدم وجود حق لهم في هذا الأمر معروف لديهم، وليس أمراً يغفلون عنه، ويدعيه من لا علم لهم بصحة دعواه، أو بصدقها.

ج: الظاهر من سياق الكلام هو أن مناشداته لهم هي التي قطعت الشك باليقين، واظهرت أنهم إنما علموا ذلك من خلال شهودهم، للوقائع، وسماعهم المباشر لما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قاله في حقه (عليه السلام).

د: إن مناشداته لهم بتلك المواقف والأقوال، والآيات القرآنية كانت تهدف إلى مساعدتهم لاستحضار ما شهدوه وسمعوه، ولم تكن لمجرد الإفتخار.

٢٨٨

خامساً: إن ما ساقه (عليه السلام) من مضامين له هدف ظاهر، وهو تأكيد حقه (عليه السلام) في الإمامة، والخلافة دون كل أحد سواه..

فلاحظ استدلاله بحديث الغدير، وبحديث أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وغير ذلك.

سادساً: إن عبد الرحمان بن عوف قد رد كل ما سمعه من مناشدات بادعاء أن الناس يصرون على تولية عثمان، لأنهم نظروا لأنفسهم في دنياهم، ولم يهتموا لأمر دينهم.

ويلاحظ على ذلك:

ألف: إن الذين أبوا إلا تولية عثمان هم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وبنو أمية.. وذلك في مقابل عمار والمقداد، وسلمان، وأبي ذر، وبني هاشم، وسائر الأنصار، وغيرهم..

ب: إن ما ناشدهم به تضمن تأكيد حق الإمامة، وفيه النص والتأكيد من الله ورسوله.. فلا يصح مقابلته بأقوال الناس، وطلاب اللبانات في الدنيا، ولا يصح الإحتجاج بمواقفهم المستندة إلى ميولهم وأهوائهم، ولا يجوز طاعة الناس ومعصية الله في ذلك.. بل لا بد من حمل الناس على طاعة الله، والإنقياد لأوامره، والإنتهاء بزواجره..

ج: إن ادعاء الناس: أن تولية عثمان أصلح لهم في دنياهم لا مبرر له، ولا دليل لهم عليه، ولا منطق يساعده. بل جاءت الوقائع لتدل على خلافه، لا سيما وأن الموقع هو موقع خلافة الرسول، مما يعني أن مهمة الخليفة هي تطبيق أحكام الله تعالى فيهم، وهدايتهم، ورعايتهم وحل مشاكلهم، وتوفير

٢٨٩

فيئهم، ودفع عدوهم، وتأمين سبلهم وحل مشاكلهم، وتزكيتهم وتربيتهم تربية صالحة.. وما إلى ذلك..

وهل يمكن لأحد أن يقول: إن حكم أي إنسان آخر للناس كان أنفع للناس من حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهم؟!. لأن حكم هذا المتوثب على ما ليس له ينفعهم في دنياهم، وحكم النبي يرتبط بآخرتهم؟!.

سابعاً: قوله (عليه السلام): ولم يكن جور إلا علي خاصة، يريد به أن خلافة عثمان تحمل في طياتها جوراً على علي (عليه السلام) خاصة، لأنه هو وحده الذي له حق في الخلافة، ويغتصب منه هذا الحق، أما سائر أعضاء الشورى فيشاركون في ظلمه (عليه السلام)، لأنهم يسعون لاقتناص حقه منه..

ومن الواضح: أن ظلم علي (عليه السلام) في هذا الأمر ظلم لجميع المسلمين، لأن إبعاده عن الخلافة يؤدي إلى الحيف على الناس، وحرمانهم من حكومة الحق والعدل التي جعلها الله تعالى لهم من خلال علي (عليه السلام).

فظهر أن قوله (عليه السلام) ولم يكن جور أو ظلم إلا علي خاصة يريد به المقابلة بينه (عليه السلام) وبين أعضاء الشورى، لا المقابلة بينه وبين الأمة. أي أنه (عليه السلام) وحده الذي ظلم من بين سائر أركان الشورى، لأن الآخرين لا حق لهم في الخلافة.. ليقال: إنهم ظلموهم بأخذ حقهم منهم..

كما أنه (عليه السلام) يظلم بالمباشرة، والأمة تظلم بالواسطة أي بحرمانها من حكمه العادل الذي جعله الله لها. وما ستتبعه من هدايات،

٢٩٠

وتوفيقات، وعنايات، ونفحات، وبركات.

فظهر عدم صحة قول المعتزلي: إنه (عليه السلام) يذهب إلى أن خلافة عثمان لا تتضمن جوراً على المسلمين والإسلام، بل تتضمن جوراً عليه وحده..

ثامناً: ومما يدل على عدم صحة ما ادعاه المعتزلي، من أن الظلم في عهد عثمان لم يكن عاماً: أن الأحداث قد أظهرت كم كان الإسلام مظلوماً في عهد عثمان، حتى لقد ذكروا: أنهم ليلة بيعة عثمان سمعوا هاتفاً يقول:


يا ناعي الإسلام قم فانعهقد مات حق وبدا منكر(١)

كما أن أبا سفيان مرّ أيام عثمان بقبر حمزة، فضربه برجله، وقال: يا أبا عمارة! إن الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس في يد غلماننا اليوم يتلعبون به(٢).

وحين وصلت الخلافة لعثمان قال له أبو سفيان: صارت إليك بعد تيم وعدي، فأدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك، ولا أدري ما جنة ولا نار(٣).

١- كشف المحجة ص١٧٩ ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج٤ ص٧٨ ونهج السعادة ج٥ ص٢١٥ وبحار الأنوار ج٣٠ ص١٤.

٢- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٦ ص١٣٦ وبحار الأنوار ج٣٣ ص٨٩ والغدير ج١٠ ص٨٣ وقاموس الرجال للتستري ج١١ ص٣٥٢.

٣- الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج٢ ص٦٩٠ و (ط دار الجيل) ج٤ ص١٦٧٩ و = = (ط دار الكتب العلمية) ج٤ ص٢٤٠ وشرح الأخبار ج٢ ص٥٢٨ ومناقب أهل البيت (عليهم السلام" للشيرواني ص٤٠٧ والغدير ج٨ ص٢٧٨ و ٣٣١ وج١٠ ص٨٣ ومستدركات علم رجال الحديث ج٨ ص٣٩٨ وقاموس الرجال للتستري ج١١ ص٣٥٢ والنزاع والتخاصم ص٥٩ والنصائح الكافية ص١١٠.

٢٩١

ودخل على عثمان فقال: ها هنا أحد؟!

فقالوا: لا.

فقال: اللهم اجعل الأمر أمر جاهلية، والملك ملك غاصبية، واجعل أوتاد الأرض لبني أمية(١) فلم يزد عثمان على أن زجره، وأظهر استياءه..

تاسعاً: صرح (عليه السلام): بأن الذين معه في الشورى يتنافسون على زخرف الدنيا وزبرجها.. وقد ميز نفسه عنهم بأنه يزهد فيما يتنافسون فيه.. وأن الداعي له للمطالبة بهذا الأمر هو التكليف الشرعي المناط به من خلال تنصيب الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) له...

أما دخولهم في هذا الأمر، وتنافسهم فيه، وحرص كل منهم على الوصول إليه، فليس له مبرر من شرع، ولا كان لأجل غيرتهم على مصلحة الأمة، ولو من حيث أنهم يرون في أنفسهم مؤهلات لا توجد في الذي نص الله ورسوله عليه.. بل المبرر هو محض الطمع بالدنيا، وحبهم للذهب وغيره من حطامها..

١- مختصر تاريخ مدينة دمشق ج١١ ص٦٧ وتاريخ مدينة دمشق ج٢٣ ص٤٧١ والغدير ج٨ ص٢٧٨ وج١٠ ص٨٣.

٢٩٢

عاشراً: إن هذا الكلام يدل على أن غرضه (عليه السلام) من طلب الخلافة هو استقامة أمور المسلمين، وصلاح حالهم، وتحقيق السلامة لهم من الفتن، ولو في أدنى مستوياتها، إذ لا بد من الكف عن المطالبة إذا كانت ستؤدي إلى ظهور النزاع، وحدوث القلاقل، بسبب سعي دعاة الباطل، وبعض أهل الأهواء إلى ايقاد نار الفتنة، والتحريض على الفوضى، واللعب على الوتر العشائري، وإنعاش الأحقاد.

حادي عشر: قد يدعي البعض: أن الخلافة منصب دنيوي، ولا يتوقع من علي (عليه السلام) العابد الزاهد المعرض عن الدنيا أن ينافس فيه.

وهو كلام غير صحيح، فإن الدنيا هي مضمار الآخرة، وبالخلافة يحفظ الدين، وتصان كرامات الناس، ودماؤهم، وأموالهم وأعراضهم، وسائر شؤونهم. وهذا من أهم الواجبات الدينية، التي لا يمكن التخلي عنها، حين ينحصر الأمر به، من خلال التكليف الإلهي له..

ثاني عشر: بالنسبة لما ذكره المعتزلي من أنه إذا جاز تسليمه (عليه السلام) الأمر لعثمان، ولأبي بكر وعمر، وكانت أمور المسلمين تسلم بذلك، فلم لم يسلم الخلافة لطلحة والزبير ومعاوية منعاً للفتنة، وصيانة لدماء المسلمين، ولكي تسلم أمورهم؟!

وأجاب بالفرق بين هذا وذاك، فإن ما يدعيه معاوية وطلحة والزبير فيه جور على الأمة، بخلاف أبي بكر وعمر وعثمان.

ونقول:

١ ـ لا فرق بين الحكومات المبنية على غصب الحق والتعدي، فإنها كلها

٢٩٣

لا مشروعية لها، ولا أهلية للمتصدين للأمر والنهي فيها. ولابد من منعهم من ذلك، والعمل على إرجاع الحق إلى أهله مع الإمكان..

٢ ـ إن بيعة عثمان قامت على الإكراه إلى حد أنهم أرادوا قتله (عليه السلام)، كما أنها خلافة بنيت على التعدي على الحق الظاهر، بعد إقامة الحجة فيه، ووضوحه إلى حد البداهة.. خصوصاً بعد تلك المناشدات.

٣ ـ إن خلافة عثمان بنيت على خلافة سابقيه أبي بكر وعمر، ومن المعلوم أن خلافتهما بنيت على أخذ الحق من صاحبه الشرعي بالقوة والقهر، كما تقدم.

٤ ـ إن مسار خلافة عثمان تضمن مفاسد جليلة، حيث بسط بنو أمية أيديهم وأكدوا هيمنتهم على الناس، وأوغلوا في تعدياتهم وظلمهم لهم، ونهبوا ثروات الأمة، وعاثوا في الأرض فساداً، حتى استحل الصحابة والتابعون دم عثمان، ووقعت الواقعة، وقتله الناس..

ولم يكن علي (عليه السلام) ليرضى هذا المسار، لا من الأمويين في عهد عثمان، ولا في عهد معاوية، ولا في أي عهد كان..

٥ ـ أما السبب الذي دعا علياً (عليه السلام) للتسليم في عهد أبي بكر وعمر وعثمان، فيمكننا أن نلخصه على النحو التالي:

ألف: إن المقصود بقوله (عليه السلام): ما سلمت امور المسلمين هو سلامتهم من أن يفتنوا عن دينهم، بان يرجعوا كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض، وسلامة أمر الإمامة الذي به حفظ دينهم من التشويه ومن الشبهات حوله، وليس مقصوده بهذه الكلمة مجرد حفظ مصالحهم، وسلامة أحكام

٢٩٤

دينهم من التعدي..

إذ المهم بقاء أصل الدين، فان تعدى أحد على أحكامه، فيمكن التصحيح والتوضيح..

لكن إذا ارتد الناس، وصار يضرب بعضهم رقاب بعض، فتلك هي المصيبة الكبرى..

ويشير إلى أن هذا هو المقصود بسلامة أمور المسلمين: أن علياً (عليه السلام) قد أوضح في الشورى نفسها، وفي حديث المناشدة بالذات: أنه لا يرى صحة خلافة أبي بكر ولا عمر، ولا عثمان، وكان لا يرى أن أمور المسلمين قد سلمت، أو تسلم بخلافتهم: ولكنه سمع وأطاع، لأنه خاف من ارتداد الناس.

فقد روى أبو الطفيل عامر بن واثلة: أنه كان على الباب يوم الشورى، فارتفعت الأصوات بينهم، قال: فسمعت علياً (عليه السلام) يقول: (بايع الناس أبا بكر، وأنا ـ والله ـ أولى بالأمر منه، وأحق به منه، فسمعت وأطعت، مخافة أن يرجع الناس كفاراً، أو يضرب بعضهم رقاب بعض.

ثم بايع أبو بكر لعمر، وأنا أولى بالأمر منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفاراً، ثم أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان إلخ..)(١).

١- تاريخ مدينة دمشق ج٤٢ ص٤٣٣ ـ ٤٣٥ وكنز العمال ج٥ ص٧٢٤ والطرائف لابن طاووس ص٤١١ والصراط المستقيم ج٢ ص٦٤ وكتاب الأربعين للشيرازي ص٢٢٠ وكتاب الأربعين للماحوزي ص٤٣٢ وضعفاء العقيلي ج١= = ص٢١١ والموضوعات لابن الجوزي ج١ ص٣٧٨ ولسان الميزان ج٢ ص١٥٦ والمناقب للخوارزمي ص٣١٣ وبناء المقالة الفاطمية ص٤١٠ وغاية المرام ج٥ ص٧٧ وج٦ ص٥ وسفينة النجاة للتنكابني ص٣٦١ وشرح إحقاق الحق (الأصل) ج٥ ص٣١ وج١٥ ص٦٨٤.

٢٩٥

ب: إن الأمر في عهد عثمان كان أشد خطراً وسوءاً منه في عهد معاوية، لأن الجور في عهد عثمان قد انضم إليه الإفساد الشديد الذي أدى إلى انتقاض الأمور، في الدولة بأسرها، حتى انتهى الأمر بقتله..

والجور والإفساد وإن كان حاصلاً في عهد معاوية، ولكنه لم يصل إلى الحد الذي بلغه في عهد عثمان، بل كانت حكومة الحق والعدل قائمة في الجانب الآخر.. ثم إن الناس قد عرفوا أن ثمة حقاً وباطلاً.. وأن حكومة معاوية لا تمثل دولة الحق بالتأكيد..

ولكننا نجد من جهة أخرى: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) واجه المحنة وحده، بعد أن خذله الأكثرون، وأحبوا السلامة، أو ركنوا إلى الدنيا، والتزم (عليه السلام) بوصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن لا يواجه القوم إلا إذا وجد أنصاراً. ثم هددوه بالإحراق والقتل، وجرى ما جرى على زوجته فاطمة الزهراء، من ضرب، واسقاط جنين، وغير ذلك.

وأوصى أبو بكر بالأمر لعمر، ثم قرر عمر الشورى، ونفذت أوامر عمر بكل إصرار وشراسة، وهددوا علياً بضرب عنقه إن لم يسلِّم لهم..

٢٩٦

فلم يكن علي (عليه السلام) قادراً على استرجاع الحق، إلا إن كان يريد أن يُقتَل أو ينتهي الأمر إلى فتنة عارمة، وتفجير الأوضاع، وانفلات الزمام، وسفك الكثير من الدماء..

ولكن الأمر في عهد أمير المؤمنين قد اختلف، فكان هو (عليه السلام) صاحب السلطة.. وقد أراد طلحة والزبير نقضها، وأراد معاوية أن يتخلف عنها، وشرع بالعمل على تقويضها.

فكان الواجب الشرعي يفرض على أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يدفع هؤلاء البغاة الخارجين على امام زمانهم، والذين كان أمرهم على درجة عالية من الوضوح لأكثر الناس..

فبادر (عليه السلام) إلى دفعهم، موضحاً هذه الخصوصية بقوله:

(لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروُّا على كظة ظالم، ولا على سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها)(١).

وقال (عليه السلام): (فما وجدتني يسعني إلا قتالهم أو الجحود بما جاءني به محمد)(٢).

١- نهج البلاغة (بشرح عبده) الخطبة رقم٣ ج١ ص٣٠.

٢- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج١ ص١٠٣ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٤ ص٦ وبحار الأنوار ج٣٢ ص٥٥٥.

٢٩٧

الفصل الثامن:

وقفات مع مضامين المناشدات..

٢٩٨
٢٩٩
٣٠٠