×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج15 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

عليه وآله) قد تخالف إرادة الله تعالى. مما يعني أنه (صلى الله عليه وآله) نصب علياً (عليه السلام) من عند نفسه..

مع أن الله تعالى يقول: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَ وَحْيٌ يُوحَى}.. ومع أن ثمة آيات قرآنية تدل على أن إرادة الله تعالى هي إرادة رسوله (صلى الله عليه وآله)، مثل آية: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}(١). وآية {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(٢) وغير ذلك من آيات.

٤ ـ ما ذكره عمر من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد إسلام عمه أبي طالب، ولم يرد الله له أن يسلم، غير صحيح.

أولاً: لأن عم النبي (صلى الله عليه وآله) كان مسلماً بلا ريب كما أثبتناه في كتابنا ظلامة أبي طالب.

ثانياً: إن الله سبحانه يحب للبشر جميعاً أن يؤمنوا به، وأن يطيعوا أمره.

ثالثاً: نحن لا نؤمن بالجبر الإلهي في قضايا الإيمان، وفي الأفعال الإختيارية، وقد قال تعالى: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ}(٣)، فما معنى قوله: لم يرد الله له أن يسلم..

١- الآية ٦٧ من سورة المائدة.

٢- الآية ٥٥ من سورة المائدة.

٣- الآية ٢٩ من سورة الكهف.

٢١

وقد بحثنا هذا الموضوع في كتب لنا أخرى.

٥ ـ إن عمر قد صد رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن كتابة اسم علي (عليه السلام) في مرضه، حين قال عن النبي (صلى الله عليه وآله): إنه ليهجر، أو غلبه الوجع.. مدعياً أن ذلك كان منه خوفاً من الفتنة، فهل هو أعرف من النبي (صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى. وهل يكون التخلص من الفتنة المتوهمة بصده عن فعل ما عزم على فعله، وباتهامه بالهجر والجنون، وإهانته، وإلحاق الأذى به؟!

٦ ـ إنه اعتبر ما فعله مع رسول الله من اتهامه بأنه يهجر، ومنعه من كتابة كتاب لن يضل الناس بعده ـ اعتبره ـ من مفردات الجبر الإلهي أيضاً. ولا شك في بطلان هذا الإدعاء، ويعلم ذلك مما سبق وسواه.

وقد تكلمنا عن بعض ما له مساس بهذا الأمر في جزء سابق من هذا الكتاب..

د: الحسد والظلم:

١ ـ في الرواية الرابعة ذكر ابن عباس: أن قريشاً لو اختارت ما كان الله اختاره لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود..

وهذا يدل على وجود النص على الخلافة الذي لا يمكن دفعه ولا المراء فيه عن الله تعالى: ولو أمكن لعمر إثارة أية شبهة فيه لبادر إلى إثارتها، لإنقاذ موقفه على الأقل..

٢ ـ إن عمر قد صوّب قريشاً فيما اختارته.. مع كون ما اختارته جاء

٢٢

مخالفاً لما اختاره الله تعالى لها وللبشر كلهم، وهذا ما لم يكن متوقعاً منه. وكان عليه أن يراعي مشاعر الناس في ذلك، فلا يعلن ما يتضمن تخطئة لله سبحانه ورسوله، أو على الأقل ما ظاهره ذلك..

٣ ـ إن قول ابن عباس إن كراهة قريش جمع النبوة والخلافة لبني هاشم يدخل في دائرة كراهة ما أنزل الله.. قد تضمن التقدم خطوة أخرى نحو تأكيد النص، بالتصريح بأن جمع الخلافة والنبوة لبني هاشم هو مما أنزله الله تبارك وتعالى، وليس لأحد أن يكره ما أنزل الله سبحانه..

ولعله يشير بذلك إلى آيات الولاية:

{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(١).

وقوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}(٢).

فلما بلغهم ولاية علي (عليه السلام) في يوم الغدير نزل قول تعالى:

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}(٣).

١- الآية ٥٥ من سورة المائدة.

٢- الآية ٦٧ من سورة المائدة.

٣- الآية ٣ من سورة المائدة.

٢٣

٤ ـ قول ابن عباس: (لكان غير مردود ولا محسود) يشير:

أولاً: إلى أن قريشاً قد ردت ما اختاره الله ورسوله لها..

ويشير ثانياً: إلى أن الداعي لها إلى ذلك هو الحسد. وليس إيثار رضا الله تبارك وتعالى، ولا التفكير أو الإهتمام بمصلحة الأمة والدين..

٥ ـ لم يكن من المستحب ولا المرضي أن يعرِّض عمر لإبن عباس بأن موقفه هذا وسائر مواقفه في هذا الإتجاه قد أثرت على منزلته عنده، بل كان ينبغي أن يظهر له أن ذلك قد زاده إحتراماً وإكباراً، من حيث دلالته على أن ابن عباس متقيد بالعمل بما يريده الله تعالى ويرضاه. ويدعو الناس إلى العودة إلى ما اختاره الله تعالى لهم.

٦ ـ إن ابن عباس لم ينكر ما نسبه إليه عمر، من أنه كان يقول: إنما صرفوا الخلافة عن بني هاشم حسداً وبغياً وظلماً، بل هو قد أيد ذلك، وقرره مرة بعد أخرى، مع إعلانه مرة ثانية بأنه ليس بوسع أحد إنكار الظلم الذي حاق ببني هاشم في أمر الخلافة، فقد تبين ذلك للجاهل والحليم.

وأما الحسد، فهو وإن كان قد أشار إلى حصوله بقوله: (غير مردود ولا محسود)، ولكنه أحال الأمر فيه على إبليس (لعنه الله)، حيث حسد آدم (عليه السلام).

فهو لم يواجه الخليفة بتهمة الحسد، ولا اتهم قريشاً مباشرة بذلك، ولكنه لم يتنازل عن تهمة الحسد من أساسها، بل بقي مصراً عليها حين قال: بل نحن أبناؤه المحسودون، فأبقاها غير واضحة المعالم، حيث لم يبين أنهم

٢٤

محسودون من قِبَلِ حسد إبليس لأبيهم آدم؟! أم أنهم محسودون من قِبَلِ قريش لهم؟! وهذا من لطائف التورية..

ومما يذكر هنا على سبيل الإستظراف ما يقال من أن خياطاً أعور قال لأحد الشعراء: لأخيطن لك ثوباً لا يدرى، هل هو قباء، أم شيء آخر..

فقال الشاعر: لئن فعلت ذلك لأقولن فيك شعراً لا يدرى، أمديح هو أم هجاء..

فلما خاطه له الخياط حسبما وصف، قال ذلك الشاعر فيه:


خاط لي عمرو قباءليت عينيه سواء
ليت شعري من سيدريأمديح أم هجـاء؟

٧ ـ إن عمر بن الخطاب لم يسكت عن ذلك، بل رد التهمة بمثلها، ولكن لا لإبن عباس وحسب، وإنما لبني هاشم كلهم، فوصف قلوب جميعهم بالحسد، والغش، والضغن الدائم.

فأبطل ابن عباس دعواه بصورة رصينة ومبرهنة لم يجد معها عمر بن الخطاب بداً من البخوع والتسليم، حيث بين له أن تهمته هذه استهدفت بالدرجة الأولى علياً (عليه السلام). وهي تهمة قد أبطلها القرآن الكريم، لأن آية التطهير تدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) وعلياً وفاطمة والحسنين (عليهم السلام) لا يمكن أن يتطرق الحسد والضغينة، ولا الغش إلى قلوبهم، لأنه من الرجس الذي نفته الآية المباركة..

ثم أحرجه أيما إحراج حين لفت نظره إلى أن كلامه هذا يشمل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإنه سيد بني هاشم وفخرهم، ولا يمكن أن

٢٥

يوصف بمثل هذه الأوصاف.

هـ: الرياء في عبادة علي (عليه السلام):

تضمنت الرواية الثانية ما يلي:

ألف: الدلالة على أن اجتهاد علي (عليه السلام) في العبادة كان ظاهراً للعيان، وأن آثاره قد ظهرت فيه (عليه السلام) ذبولاً ونحولاً..

ب: إن هذا الظهور قد ضايق عمر بن الخطاب، ورأى فيه خطراً وضرراً، فأراد أن يفرغه من محتواه، ولو بما يتضمن الطعن في طهر علي (عليه السلام)، وفي إخلاصه وخلوصه..

٢ ـ إن هذا الإتهام الذي وجهه إلى سيد الوصيين، منفي عنه (عليه السلام) بآية التطهير أيضاً، فإن الرياء من مفردات الرجس الذي طهرهم الله تعالى عنه..

٣ ـ إن هذه التهمة تحتاج إلى الإطلاع على ما في القلوب والنفوس من قبل من يطلقها، فكيف عرف عمر أن علياً (عليه السلام) أو أياً كان من الناس يفعل ما يفعله رياء؟!.

٤ ـ لا نظن عمر بن الخطاب كان جاهلاً بطهارة أمير المؤمين عما نسبه إليه، بل هو يعلم أنه بريء من تهمته هذه براءة الذئب من دم يوسف، ولكن الهدف من إطلاق هذه الشائعات هو كسر هيبته (عليه السلام)، بإثارة أجواء الشبهة من حوله صلوات الله وسلامه عليه. وتهيئة الأجواء لإقصائه من جديد عن مقام الخلافة بهدوء، وبأقل قدر ممكن من المتاعب. ولكن بأكبر قدر ممكن من الأضرار بسمعته (عليه السلام)..

٢٦

ويدلنا على ذلك: تصريحه لابن عباس بأنه (عليه السلام) إنما يريد بهذا الرياء ـ والعياذ بالله ـ ترشيح نفسه للخلافة..

أو أنه أراد أن يحط من مقام أمير المؤمنين (عليه السلام) من جهة، ويرفع من شأن من يريد أن يجعلهم منافسين له (عليه السلام)، من جهة أخرى، لتصبح الشورى مقبولة بنظر الناس، حيث يتساوى من يسميهم لها بنظرهم.. ثم إذا جاءت النتائج بعد ذلك وفق ما خطط ودبر، فلن تتسبب لهم بصدمة، ولن تواجه باعتراضات خطرة، أو حتى مزعجة.

٥ ـ إن اعتماد عمر هذه الأساليب لمواجهة علي (عليه السلام) في أمر الخلافة يهدف إلى الإيحاء بأنه (عليه السلام) ليس أهلا لهذا المقام في نفسه، كما لم يكن أهلاً له فيما سبق، ويريد أن يضيف إلى ذلك التشكيك بتقوى وبورع علي (عليه السلام)، الذي هو من شروط الخليفة والإمام.

٦ ـ إن جواب ابن عباس قد عرَّف الخليفة بأن الناس لم ينسوا بعد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي رشح علياً للخلافة. وكان عمر أحد الساعين في صرفها عنه، وذلك يعني: أن رسول لله (صلى الله عليه وآله) كان يرى علياً أهلاً لمقام الخلافة، وبذلك تسقط تشكيكات عمر فيه (عليه السلام)..

٧ ـ إن عمر عاد ليدعي: أن ترشيح النبي (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) للخلافة، إنما هو لأن علياً حينئذٍ صغير السن، فلم تظهر للنبي فيه أية موانع لنيل هذا المقام....

ثم ادعى بصورة صريحة أو مبطنة أموراً لا يمكن إقراره عليها، وهي

٢٧

التالية:

ألف: إن العرب هم الذين أبعدوا علياً (عليه السلام) عن المقام الذي رشحه له النبي (صلى الله عليه وآله).

ب: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أخطأ في اختياره وترشيحه لعلي الذي لم يكن قد بلغ الأربعين، في حين أن الله تعالى لم يبعث نبياً قبل الأربعين.

وكلا هذين الأمرين مردود على عمر جملة وتفصيلاً..

فأولاً: إن الذين أبعدوا علياً (عليه السلام) ليسوا هم العرب، بل كان الناس حين وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يشكون أن الأمر سيكون له (عليه السلام) كما ذكرناه أكثر من مرة.. والذين دبروا لإبعاده وابعدوه بالفعل متوسلين بالقوة والقهر، هم عمر نفسه وأبو بكر، وأبو عبيدة، ومعهم: معاذ، واسيد بن حضير، وبشير بن سعد،، وابن عوف، وخالد بن الوليد، ومحمد بن مسلمة، وأضرابهم، حيث استطاعوا أن يهيمنوا على الناس، وأن يبتزوا هذا الأمر من صاحبه الشرعي بالقهر والغلبة بعد أن استعانوا ببني أسلم، وغيرهم ممن كانوا حول المدينة، وأشار إليهم القرآن..

ثانياً: إن الله تعالى قد جعل عيسى نبياً وهو في المهد، فقد قال سبحانه:

{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ

٢٨

آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً}(١).

وقال تعالى عن يحيى:

{وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيّاً}(٢).

٧ ـ إن ابن عباس قد جهر بالحقيقة، وهي أن العرب على قسمين:

أحدهما: أولئك الذين لا لون لهم ولا طعم ولا رائحة، وهم العوام الذين ينعقون مع كل ناعق، ويسيرون في ركاب كل قبيل.. فهؤلاء ليس لهم رأي.. أو لا يعتدُّ برأيهم.

الثاني: أهل النهى والحجى، وهم العقلاء.. وهؤلاء يعرفون كمال علي (عليه السلام)، وفضله وعلمه وزهده وتقواه، وأنه أهل لهذا الأمر، ويعرفون فضائله وكمالاته منذ رفع الله منار الإسلام.. وإن كان بعض هؤلاء يميل إلى الدنيا، ويسعى لإبعاده عن هذا الأمر، ولكن على قاعدة:

{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ}(٣)..

فالعقلاء يرون علياً (عليه السلام) محروماً ـ على حد قول ابن عباس ـ أي أن صناع السياسة والطامعين في الدنيا هم الذين حرموه.

ومجدوداً: أي لا حظ له، فإن الجَدَّ هو الحظ.

١- الآيتان ٢٩ و ٣٠ من سورة مريم.

٢- الآية ١٢ من سورة مريم.

٣- الآية ١٤ من سورة النمل.

٢٩
٣٠

على الحق، ولو كرهتم)(١).

وقد جرى ذلك لهم بالفعل حين أعلن علي (عليه السلام) أنه سيسترجع الأموال التي حازها الأمويون من بيت مال المسلمين قائلاً: (والله لو وجدته قد تزوج به النساء، وملك به الإماء، لرددته)(٢). وهذا بعض ما كانوا يخشونه منه (عليه السلام).

١- دلائل الصدق ج٣ ق١ ص١٢٠ وراجع: كنز العمال ج٥ ص٧٣٥ و ٧٣٦ وأنساب الأشراف ص٢١٤.

٢- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج١ ص٤٦ ومناقب آل أبي طالب ج١ ص٣٧٧ ودعائم الإسلام ج١ ص٣٩٦ ومستدرك الوسائل ج١٣ ص٦٦ وشرح الأخبار ج١ ص٣٧٣ ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج٢ ص١٤ و ٢٧٥ وبحار الأنوار ج٣٢ ص١٦ وج٤١ ص١١٦ وج٩٧ ص٥٩ وجامع أحاديث الشيعة ج١٧ ص١٥٥ والغدير ج٨ ص٢٨٧ وج٩ ص٣١٥ و ٣٥٧ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١ ص٢٦٩ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٣٢ ص١٩٨.

٣١

الباب العاشر:

هذه هي الشورى..

٣٢
٣٣

الفصل الأول:

الشورى العمرية: حدث ونص..

٣٤
٣٥

بـدايـة:

نعرض في هذا الفصل بعض نصوص الشورى التي قررها عمر لاختيار الخليفة من بعده، ثم نتبعه بفصل آخر نحاول فيه عرض بعض اللفتات.. والملاحظات التي توضح أو تصحح بعض ما لعله يحتاج إلى التوضيح أو التصحيح..

ولكننا نشير أولاً إلى قيمة الشورى في الإسلام فنقول:

قيمة الشورى في الإسلام:

لا ريب في ان للشورى في الأمور التي يعود أمر البت فيها للناس دوراً في التأييد والتسديد، وإصلاح الأمور، ولكن لا صحة لما يدعيه البعض، من أن الإسلام قد جعل لها دوراً حاسماً في إنتاج السلطة.. وما استدلوا به من آيات قرآنية لا يصح الإستدلال به كما سنرى.

وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ:

هناك آيتان تعرضتا للشورى، وهما:

الآية الأولى، قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ}(١).

١- الآية ١٥٩ من سورة آل عمران.

٣٦

ولا يصح الإستدلال بهذه الآية على ما ذكروه، لما يلي:

أولاً: إن المقصود بكلمة الأمر ليس كل أمر، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن يفعل ذلك.. فلم يشاورو أحداً في الأمور كلها، كما أنه ليس المقصود خصوص أمر الخلافة، لأنه (صلى الله عليه وآله) لم يشاورهم في من يجعله خليفة له من بعده.

بل المقصود: هو أمر الحرب، فتكون الألف واللام في كلمة (الأمر) للعهد، لا الجنس. والآيات السابقة واللاحقة لهذه الآية تتحدث عن الحرب دون سواها، فالتعدي عن ذلك إلى غيره، واعتبار (ال) جنسية لا عهدية. ثم تخصيص (ال) الجنسية بخصوص الحكم والحاكمية يحتاج إلى دليل.

ثانياً: إن الآية إن كانت توجب المشاورة، لكنها لا توجب الطاعة منه لهم فيما يشيرون به عليه، والإنصياع لرأيهم فيه.. بل هي تعطيه حق اتخاذ القرار دونهم. فقد قالت: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ}(١). ولا توجب عليه الإنصياع لا للأكثرية ولا للأقلية، أو للإجماع لو حصل، بل توجب عليه أختيار الرأي المناسب، سواء صدر من الأقلية أو الأكثرية، أو لم يصدر من أي منهم.

ثالثاً: تضمنت الآية ما يشير إلى أن هذه المشاورة قد جاءت على سبيل التأليف والتودد، بعد أن صدر من المسلمين ما يحتاج إلى العفو عنهم،

١- الآية ١٥٩ من سورة آل عمران.

٣٧

والتسامح واللين معهم، والإستغفار لهم. وأن لا يعاملهم بما يستحقونه. فقد قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}(١).

بل قد يقال: إن الأمر بالمشاورة لهم بعد صدور هذه الأفعال والقبائح، إنما هو أمر عقيب توهم الحظر، إذ قد يتوهم: أن أمثالهم لا تصح مشاورتهم، ولا الرفق بهم، ولا التودد لهم. فرفع الله تعالى عن نبيه (صلى الله عليه وآله) هذا الحظر، وقال له: لا مانع من أن تفعل ذلك.. والأمر عقيب توهم الحظر لا يفيد أكثر من رفع الحظر عن الفعل.

رابعاً: ويدل على ذلك: ما روي من أن الله ورسوله غنيان عن المشاورة.. فأفاد ذلك: أن مشاورته لهم إنما هي لمصلحة تعود إليهم هم، وهي تأليفهم، وإعادة الإعتبار إليهم، وبث الثقة في نفوسهم وما إلى ذلك.

خامساً: إن الآية تتحدث عن مشاورة الحاكم لرعيته، ولا تتحدث عن إنتاج السلطة من خلال الشورى.

وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ:

الآية الثانية قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}(٢).

ويرد على الإستدلال بها ما يلي:

١- الآية ١٥٩ من سورة آل عمران.

٢- الآية ٣٨ من سورة الشورى.

٣٨

١ ـ إن قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} ليس إلا أمراً تعليمياً أخلاقياً، وليس إلزامياً يوجب التخلف عنه العقاب، وإنما يمكن أن يوجب عدم الإلتزام بمقتضاه وقوع الإنسان في بعض الأخطاء، فيكون عليه هو أن يتحمل آثارها، ويعاني من نتائجها.

٢ ـ إن الضمير في قوله: {أَمْرُهُمْ} يرجع إلى المؤمنين، والمراد به الأمر الذي يرتبط بهم؛ أي أن الشورى تكون في الأمور التي يرجع البيت والقرار فيها إلى المؤمنين وتكون من شؤونهم الخاصة بهم، وليس للشرع فيها إلزام أو مدخلية، كما في أمور معاشهم ونحوها، مما يفترض في الإنسان أن يقوم هو به. أما إذا كان ثمة قرار شرعي ف‍ـ {مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}(١) {وَأَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ}(٢). فمورد الحكم، والسياسة، والإدارة، وغير ذلك، لا يمكن أن يكون شورائياً إلا إذا ثبت أن الشارع أو كله إلى المكلفين، وليس له فيه حكم، أو نظر خاص.

وقد قال العلامة الطباطبائي (رحمه الله): (والروايات في المشاورة كثيرة جداً، وموردها ما يجوز للمستشير فعله وتركه بحسب المرجحات.

وأما الأحكام الإلهية الثابتة، فلا مورد للاستشارة فيها، كما لا رخصة

١- الآية ٣٦ من سورة الأحزاب.

٢- الآية ١٣٢ من سورة آل عمران.

٣٩

فيها لأحد، وإلا كان اختلاف الحوادث الجارية ناسخاً لكلام الله تعالى)(١).

٣ ـ إن هذه الشورى التي دل عليها قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} ليست لكل أحد، وإنما هي خاصة بأولئك المؤمنين الذين لهم تلك الصفات المذكورة في الآيات قبل وبعد هذه الفقرة. وليس ثمة ما يدل على تعميمها لغيرهم، بل ربما يقال بعدم التعميم قطعاً، فقد قال تعالى:

{فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللهَ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ، وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ}(٢).

فهؤلاء الذين صرحت الآيات بإيمانهم وبحيازتهم لهذه الصفات، هم أهل الشورى دون سواهم(٣)، وليس لغيرهم الحق في أن يشاركهم فيها،

١- الميزان ج٤ ص٧٠.

٢- الآيات ٣٦ ـ ٣٩ من سورة الشورى.

٣- واحتمال: أن يكون المعنى: ما عند الله خير وأبقى لجماعات مختلفة وهم:

ألف: الذين آمنوا.

ب: الذين يجتنبون كبائر الإثم الخ.. هذا الإحتمال خلاف الظاهر هنا، فإن المراد أن الذين يجمعون هذه الصفات هم الذين يكون ما عند الله خير وأبقى لهم. وإلا فلو كان أحد ينتصر على من بغى عليه، ولكنه غير مؤمن مثلاً، فلا شك في أن ما عند الله ليس خيراً وأبقى له. وكذا لو كان أمرهم شورى بينهم، وهم غير مؤمنين.

٤٠