×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج16 / الصفحات: ٢٦١ - ٢٨٠

ولكننا نتوقف عند شكوى الشهود إلى علي (عليه السلام) ما فعله بهم عثمان، ودقة علي (عليه السلام) في موقفه الذي اتخذه من هذه القضية.

والبارز هنا: هو هذا الاختلاف الظاهر بين موقفه (عليه السلام) وموقف غيره، فعائشة مثلاً بادرت إلى الإعلان بإدانة عثمان و الوليد بصورة قاطعة، حيث نادت: إن عثمان أبطل الحدود، وتوعد الشهود، وذلك بمجرد شكوى الشهود لها.

أمّا علي (عليه السلام) فلم يستسغ موقفاً كهذا، فقد يدعي مدعٍ أن الشهود كاذبون أو مخطؤن في شهادتهم على الوليد، فإن شربه للخمر لم يكن قد ثبت بعد عند قاضٍ، وشهادتهم لم توثق بعد من قبل من يتصدى لذلك، فلعل فيها خللاً من بعض الجهات يسقطها عن الإعتبار، ولعل.. ولعل.

كما أنّه لم يثبت بعد صحة ما ادعوه ـ عند عائشة وغيرها ـ على عثمان من التهديد والوعيد لهم، فإن القضية لا تزال في دائرة الإدعاء عليه.

وحتى لو ثبت أنه فعل ذلك، فلا يصح إصدار حكم ضده قبل سؤاله عن مبررات فعله هذا، فـ (لعل لها عذراً وأنت تلوم).

كما أنّه لا يجوز تجاهل أمر كهذا، بل لا بدّ متابعته، وإحقاق الحق فيه، وفق أصول الشريعة، وما تقتضيه أحكامها.

ولذلك بادر علي (عليه السلام) إلى الحضور بنفسه ليسمع من عثمان، ولم يكتف بأقوال الشهود في حقه، فيحكم عليه وهو غائب.

وحين أتاه لم يواجهه بإدانة حازمة، ولا بحكم قاطع بأنه قد عطل الحدود، وضرب الشهود. بل طرح عليه سؤالاً ينتظر منه الإجابة عليه، ثم

٢٦١

يتصرف وفق ما يقتضيه.

وجاءته الإجابة التي فتحت له باب التدخل للإصلاح، ووضع الأمور في نصابها، فقد أقرّ عثمان بأنّه يواجه مشكلة فيما يرتبط بأخيه الوليد بن عقبة.

فجاءه الإقتراح الملزم له، والذي لا مجال له للتنصل منه، أو التقاعس فيه، والمزيل لأي وهم في أن يكون لدى علي (عليه السلام) أي تحامل، أو تجنّ على الوليد، إستجابة لأي داع غير رعاية أحكام الشرع.

بل هو قد فتح له باب احتمال براءة أخيه، كما سنرى في الفقرة التالية:

ماذا في اقتراح علي (عليه السلام)؟!:

وقد تضمن اقتراح علي (عليه السلام) أمرين، هما في غاية الدقة، وهما موافقان لأحكام الله تعالى، وليس فيهما ضرر على عثمان والهيئة الحاكمة، بل ربما يجدون أن الأخذ بهما مفيد وسديد. وهذان الأمران هما:

الأول: عزل الوليد عن موقعه، وعدم توليته بعد ذلك شيئاً من أمور المسلمين، لأن تولية شخص عرفت عنه أمور كهذه، سيكون من موجبات سوء الظن بالحكم والحاكمين، وتضعيف الثقة به وبهم، وعدم الإطمئنان إليه وإليهم، كما أن ذلك قد يهيء الفرصة للوليد وحزبه للإنتقام، وإثارة البلابل والقلائل.

وقد تزداد الأمور سوءاً، ويحدث ما لم يكن بالحسبان، ويتسع الخرق على راقعه، وتنتهي الأمور إلى حيث لا ينفع الندم.

٢٦٢

الثاني: إنّه (عليه السلام) أفسح المجال أمام الوليد وحزبه للدفاع عن أنفسهم، بل هو قد فتح الباب أمام التأكد من صدق الشهود، حيث أعطى الحق للمشهود عليه، بأن يثبت بالدليل المقبول والمعقول عدم صحة الاستناد إلى شهادتهم، إذا كانوا من أهل الظنة، أو من أهل العداوة له.

وبذلك يكون (عليه السلام):

أولاً: قد عمل بمقتضى الآية الكريمة: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}(١)، حيث دلت على أنه لا بدّ من رعاية حقوق المتهم، وحفظها له، وأدائها إليه على أتم وجه.

وأعطى الأمثولة في العدل، ورعاية الحقوق، والإلتزام بأحكام الشرع الشريف.

ثانياً: إنّه (عليه السلام) قد أكد مضمون القاعدة التي تقول:

إن المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته، وإن مجرد شهادة الشهود لا يبرر التجني عليه، ولا يسقط حقه في الدفاع عن نفسه، ولا أيا من حقوقه الأخرى.

ثالثاً: لقد شرط (عليه السلام) لإدانة الوليد: أن تتم شهادة الشهود عليه في وجهه، وهذه ضمانة أخرى لحق المشهود عليه، ليس فقط لأجل أن المواجهة تصعِّب على الشاهد الإفتراء والكذب، والشهادة على الغائب هي الأيسر والأسهل على الشاهد، حيث يتكلم بلا رقيب أو حسيب، وإنما

١- الآية ٨ من سورة المائدة.

٢٦٣

يضاف إلى ذلك: أن الشهادة الحاضرة تعطي المشهود عليه الفرصة لإثارة الكثير من علامات الإستفهام حول ما يدلي به الشاهد، وقد يتمكن من كشف بعض مواضع الوهن في الشهادة، وبالتالي من إسقاطها.

موقف الإمام الحسن (عليه السلام) من جلد الوليد:

وتقدم: أن عثمان ألقى السوط إلى من حضره من الصحابة، وقال ـ وهو مغضب ـ: من شاء منكم فليقم الحد على أخي. فتراه قد ضمَّن كلامه ما دل الحاضرين على أن جلد الوليد سيعتبره عثمان بمثابة تعدٍ عليه هو شخصياً، ولذلك قال: فليقم الحد على أخي.

وقد قال ذلك، وهو مغضب، فأحجم الحاضرون عن ذلك ربما خوفاً من عاقبة هذا الموقف الذي يشبه التهديد.

وتقدم: أن الوليد كان يقول لمن يريد أن يجلده من قريش: أنشدك الله أن تقطع رحمي، وتغضب أمير المؤمنين عليك. فينصرفون عنه، وأنّه قال لعلي (عليه السلام) ذلك، فقال الحسن (عليه السلام): صدق يا أبت.

فقال علي (عليه السلام): ما أنا إذاً بمؤمن.

ونقول:

أولاً: إن علياً (عليه السلام) لم ير في جلد الوليد قطيعة لرحمه، بل رأى (عليه السلام) في إجراء حدود الله الرادعة للمذنبين، والموجبة لعبرة المعتبرين سبباً في صلة الرحم، لأنها من وسائل صدهم عن المنكرات، وحملهم على التزام سبيل الصلاح والرشاد، وهذا غاية الإحسان إليهم، والصلة لهم.

٢٦٤

ثانياً: إنّه (عليه السلام) لم يكن يهتم لغضب أي كان من الناس إذا كان يغضب من إجراء أحكام الله، وإقامة حدوده، فإن المطلوب هو رضا الله دون سواه، فإنّه لا طاعة لمخلوق ولا قيمة لرضاه في جانب سخط الخالق تبارك وتعالى.

ثالثاً: إن هذه الكلمة التي تنسب للإمام الحسن (عليه السلام) ـ لو صحت عنه ـ إنّما أريد بها إسماع الناس موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) من هذه المقولة، وتعريفهم: بأن الإلتزام بها معناه الخروج عن دائرة الإيمان، لأنها تؤدي إلى تخطئة الساحة الإلهية فيما شرعته، وشراء رضا المخلوق بسخط الخالق.

بل هي تعني تخصيص أحكام الشريعة بفئات من الناس دون سواهم. والقول بلزوم إجراء حدود الله بغير أقارب الخلفاء، وبغير ذوي الأرحام وهذا هو التشريع الباطل، المخرج عن دائرة الإيمان كما هو ظاهر.

عثمان لا يرضى بتولي الحسن (عليه السلام) جلد الوليد:

وتقدم: أن علياً (عليه السلام) أمر الإمام الحسن (عليه السلام) بجلد الوليد، فمنعه عثمان بقوله: يكفيك ذلك بعض من ترى.

فقد دلّ عثمان بقوله هذا على أنّه يرغب بأن يتولى مهمة الجلد أحد المتعاطفين مع الوليد، ربما لأنه ظن أنهم سيكونون به أرفق، لا سيما مع علمه بأن الحسن كعلي (عليهما السلام)، لا يحابي ولا يتساهل في إجراء حدّ الله، ولا يمكن أن تأخذه الرقة على الوليد.

غير أن تولي علي (عليه السلام) نفسه لهذه المهمة قد أفشل ما خطط له

٢٦٥

عثمان، ولم يكن يمكنه الإعتراض عليه في ذلك، لأن الأمر سيصبح مكشوفاً إلى حدّ الفضيحة.

وهذا يعطي: أنه لا مجال لتأييد الرواية التي تقول بتولي عبد الله بن جعفر لجلد الوليد بأمر علي (عليه السلام)، لأن عثمان الذي لم يرض بالإمام الحسن (عليه السلام).. لا يرضى بابن جعفر لنفس السبب الذي ذكرناه.

التزييف والتحريف في موقف الإمام الحسن (عليه السلام):

وعند ابن قتيبة: أن عثمان قال لعلي (عليه السلام): دونك ابن عمك، فأقم عليه الحد.

فقال علي للحسن (عليهما السلام): قم فاجلده.

فقال الحسن: ما أنت وذاك؟! هذا لغيرك.

قال علي: لا، ولكنك عجزت وفشلت. يا عبد الله بن جعفر، قم فاجلده.

فقام فضربه وعلي يعدّ، فلما بلغ أربعين أمسك وقال: جلد رسول الله أربعين، وأبو بكر أربعين، وكملها عمر ثمانين. وكلٌّ سنَّة(١).

ونقول:

أولاً: إن هذا الحديث قد تضمن طعناً بالإمام الحسن (عليه السلام)،

١- الإمامة والسياسة ج١ ص٣٤ و (تحقيق الزيني) ج١ ص٣٧ و (تحقيق الشيري) ج١ ص٥٢.

٢٦٦

حيث نسب إليه إساءة أدب الخطاب مع أبيه، وقد نزَّهته آية التطهير عن أي شين وعيب..

ثانياً: إنه تضمن أن الإمام الحسن (عليه السلام) يرى أن أباه يتدخل فيما لا يعنيه، وما ليس من شأنه، حين يتصدى لجلد الوليد الحد، حيث قال له: وما أنت وذاك؟! هذا لغيرك.

بل هذه الكلمة توحي بأن الإمام الحسن (عليه السلام) يرى أباه جاهلاً بالحكم الشرعي، وأنه بصدد تعليمه.

وإذا كان هذا لغير علي (عليه السلام)، فكيف رضيه علي (عليه السلام) لنفسه؟! وإذا كان علي (عليه السلام) لا يدري الحكم الشرعي، وهو باب مدينة العلم، فمن يدريه؟!

وألا يعد هذا تكذيباً للنبي (صلى الله عليه وآله) الذي أعلن أن علياً (عليه السلام) مع الحق، ومع القرآن، والحق والقرآن مع علي (عليه السلام)؟!

بل كيف رضي النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) هذا الأمر حين أمره بجلد الأمة التي زنت، فجلدها، بعد أن طهرت من استحاضتها؟!(١).

ثالثاً: هل صحيح أن الإمام الحسن (عليه السلام) يعجز ويفشل عن

١- مسند أحمد ج١ ص١٣٦ ونيل الأوطار ج٧ ص٢٩٢ والغدير ج٨ ص١٩٦ وتهذيب الكمال ج٢٩ ص١٩٥ ومصادر كثيرة أخرى ذكرناها في موضعها.

٢٦٧

أمر كهذا؟! ومن يكون كذلك هل يصلح لإمامة الأمة؟!

وهل معنى ذلك: أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) قد أخطأ في نصبه في هذا المقام حين قال: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)؟!.

وإذا كان (صلى الله عليه وآله) لا ينطق عن الهوى، ألا يكون من الكفر القول عمن رضيه الله ورسوله إماماً للأمة: إنه عاجز وفاشل؟! أم أن من أوصاف الإمام هو العجز والفشل؟!

رابعاً: بالنسبة للجلد أربعين أو ثمانين في الخمر، وقول أمير المؤمنين (عليه السلام): وكل سنة، نقول:

إن الحد في الخمر هو ثمانون جلدة، إذا جلده بسوط واحد.. أما إذا جلده بسوط له شعبتان أربعين جلدة، فإنها تحتسب ثمانين..

وقد يكون اختيار جلد الوليد بسوط له شعبتان لمصلحة رآها (عليه السلام)، وهي تأكيد جواز ذلك شرعاً. وقد يكون هو السوط الذي توفر لهم آنئذٍ.

خامساً: تقدم أن عثمان هو الذي رفض أن يتولى الإمام الحسن (عليه السلام) جلد الوليد. ولعل قول الرواية هنا: إن الحسن (عليه السلام) قال: ما أنت وذاك؟! قد حرِّف، وأن عثمان هو الذي قال ذلك.

لتدعوني قريش جلادها:

وعن قول علي (عليه السلام): (لتدعوني قريش بعد هذا جلادها) نقول:

٢٦٨

ألف: إنّه عليه يخبر عن المستقبل، فإنّه أعرف الناس بنفسيات بني قومه، وبأفق تفكيرهم، ونطاق تصرفاتهم، غير أن التأكيد باللام وبالنون المؤكدة الثقيلة يعطي: أن الأمر أكثر من مجرد توقع، فإنّه علم مأخوذ من ذي علم، وقد عودنا أمير المؤمنين (عليه السلام) على مثل هذه الأخبار الصادقة.

هذا وقد تحققت نبوءته (عليه السلام) بالفعل، فصاروا يعدونه ممن يضرب الحدود بين يدى الخلفاء الذين سبقوه، بل لقد رووا ذلك على لسانه أيضاً(١).

ب: إنّه (عليه السلام) قد دل على أن قريشاً تقيس الأمور بما يخالف طريقة أهل الإيمان والتسليم لحكم الله تعالى. فترى حتى إقامة الحدّ على الزاني أو شارب الخمر منها تعدياً عليها وانتهاكاً لحرمتها.

وذلك يشير إلى أمرين:

أحدهما: أنها تتعامل مع الأمور من خلال النظرة القبلية والعشائرية، وتنظر إليها بمنظار الجاهلية.

الثاني: أنها ترى: أن من حقها أن تعصي الله في أمر ه ونهيه، وأن أحكام الحدود والقصاص لا تشملها، ربما على قاعدة: شعب الله المختار، المأخوذ من اليهود.

١- راجع: تاريخ الخلفاء ص١١٩ و ١٢٠ والمحاسن والمساوي (طبع مصر) ج١ ص٧٩ والفتوحات الإسلامية لدحلان (ط مصطفى محمد) ج٢ ص٣٦٨ .

٢٦٩
٢٧٠

في الكوفة.. كما تقدم.

وهذا يعطي: أن سعيد بن العاص لم يحضر جلد الوليد في المدينة. فكيف يكون هو الذي جلده الحد؟!

لا قيمة لروايات الطبري:

أما ما ذكره الطبري، من مروايات تحاول تبرئة الوليد (١)، فلا قيمة لها.. بعد ظهور الإجماع على جلد الوليد..

ويتأكد سقوط هذه الروايات، بملاحظة: أنها تعتمد على ادعاء العداوة السابقة بين الوليد وبين الشهود لأمور كانت بينه وبينهم.. مع العلم بأن علياً (عليه السلام) قد قال لعثمان: إن العداوة بين الشاهد والمشهود تسقط شهادته عن الإعتبار. وقد كان عثمان حريصاً كل الحرص على التشبث بأدنى سبب لتبرئة أخيه الوليد..

فدلنا ذلك: على سقوط دعوى العداوة والتجني من قِبَل الشهود على الوليد.

١- راجع: تاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٢٧٥ ـ ٢٨٠ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٣٢٨ ـ ٣٣٣.

٢٧١

الباب الثالث عشر:

عينات من عنف عثمان: عمار، ابن عبدة، ابن حنبل، و..

٢٧٢
٢٧٣

الفصل الأول:

عثمان يبطش بالشاكين.. وبابن عبدة..

٢٧٤
٢٧٥

عثمان يبطش بالشاكين من عماله:

وبعد أن شكى الناس عمالهم في جميع البلاد إلى عثمان، وأرسل إلى عماله، فجاؤوه وطالبهم بذلك، وأشاروا عليه بإتباع سياسات ظالمة في مواجهة الشاكين، ردهم إلى أعمالهم، وحذرهم الشكايات، فلم يزدادوا على الناس إلا جفاً وغلظة، وجوراً في الأحكام، وعدولاً عن السنة.

قال: فجلس نفر من أهل الكوفة منهم يزيد بن قيس الأرحبي، ومالك بن حبيب اليربوعي، وحجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وزياد بن حفيظة التميمي، وعبد الله بن الطفيل البكائي، وزياد بن النضر الحارثي، وكرام بن الحضرمي المالكي، ومعقل بن قيس الرياحي، وزيد بن حصن السنبسي، وسليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة الفزاري، ورجال كثير من قرى أهل الكوفة ورؤسائهم، فكتبوا إلى عثمان بن عفان:

بسم الله الرحمن الرحيم،

لعبد الله عثمان أمير المؤمنين من الملأ المسلمين من أهل الكوفة، سلام عليك!

فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد!

فإننا كتبنا إليك هذا الكتاب نصيحة لك، واعتذاراً وشفقة على هذه

٢٧٦

الأمة من الفرقة، وقد خشينا أن تكون خلقت لها فتنة، وإن لك ناصراً ظالماً، وناقما عليك مظلوما، فمتى نقم عليك الناقم، ونصرك الظالم، اختلفت الكلمتان، وتباين الفريقان، وحدثت أمور متفاقمة أنت جنيتها بأحداقك، يا عثمان!

فاتق الله، والزم سنة الصالحين من قبلك، وانزع عن ضرب قرابتنا، ونفي صلحائنا، وقَسْم فيئنا بين أشرارنا، والإستبدال عنا، واتخاذك بطانة من الطلقاء وابن (أبناء . ظ.) الطلقاء دوننا، فأنت أميرنا ما أطعت الله، واتبعت ما في كتابه، وأنبت إليه، وأحييت أهله (أي أهل القرآن) وجانبت الشر وأهله. وكنت للضعفاء، ورددت من نفيت منا. وكان القريب والبعيد عندك في الحق سواء.

فقد قضينا ما علينا من النصيحة لك، وقد بقي ما عليك من الحق، فإن تبت من هذه الأفاعيل نكون لك على الحق أنصارا وأعوانا، وإلا، فلا تلوم إلا نفسك، فإننا لن نصالحك على البدعة وترك السنة. ولن نجد عند الله عذرا إن تركنا أمره لطاعتك، ولن نعصي الله فيما يرضيك. هو أعز في أنفسنا، وأجل من ذلك..

نشهد الله على ذلك وكفى بالله شهيدا، ونستعينه وكفى بالله ظهيرا، راجع الله بك إلى طاعته، يعصمك بتقواه من معصيته ـ والسلام ـ.

قال: فلما كتبوا الكتاب وفرغوا منه.. قال رجل منهم: من يبلغه عنا كتابنا؟

فوالله إن ما نرى أحدا يجترئ على ذلك.

٢٧٧

قال: فقال (لعل الصحيح: فقام) رجل من عنزة، آدم ممشوق (اسمه أبو ربيعة).

فقال: والله ما يبلغ هذا الكتاب إلا رجل لا يبالي: أضرب، أم حبس، أم قتل، أم نفي، أم حرم. فأيكم عزم على أن يصيبه خصلة من هذه الخصال فليأخذه.

فقال القوم: ما ههنا أحد يحب أن يبتلي بخصلة من هذه الخصال.

فقال العنزي: هاتوا كتابكم، فوالله إني لا عافية [لي]، وإن ابتليت، فما أنا يائس أن يرزقني ربي صبراً وأجراً.

قال: فدفعوا إليه كتابهم.

وبلغ ذلك كعب بن عبيدة النهدي ـ وكان من المتعبدين ـ فقال: والله لأكتبن إلى عثمان كتابا باسمي واسم أبي، بلغ ذلك من عنده ما بلغ!

ثم كتب إليه:

بسم الله الرحمن الرحيم

لعبد الله عثمان أمير المؤمنين من كعب بن عبيدة، أما بعد!

فإني نذير لك من الفتنة، متخوف عليك فراق هذه الأمة، وذلك أنك قد نفيت خيارهم، ووليت أشرارهم، وقسمت فيأهم في عدوهم، واستأثرت بفضلهم، ومزقت (لعل الصحيح: وحرقت) كتابهم، وحميت قطر السماء ونبت الأرض، وحملت بني أبيك على رقاب الناس، حتى قد أوغرت صدورهم، واخترت عداوتهم.

ولعمري لئن فعلت ذلك، فإنك تعلم أنك إذا فعلت ذلك وتكرمت،

٢٧٨

فإنما تفعله من فيئنا وبلادنا، والله حسيبك يحكم بيننا وبينك.

وإن أنت أبيت، وعنيت قتلنا وأذانا ولم تفعل، فإننا نستعين الله ونستجيره من ظلمك لنا بكرة وعشيا ـ والسلام ـ.

ثم جاء كعب بن عبيدة بكتابه هذا إلى العنزي، وقد ركب يريد المدينة، فقال: أحب أن تدفع كتابي هذا إلى عثمان، فإن فيه نصيحة له، وحثا على الاحسان إلى الرعية، والكف عن ظلمها.

فقال: أفعل ذلك.

قال: ثم أخذ الكتاب منه ومضى إلى المدينة.

ورجع كعب بن عبيدة حتى دخل المسجد الأعظم، فجعل يحدث أصحابه بما كتب إلى عثمان، فقالوا: والله يا هذا لقد اجترأت وعرضت نفسك لسطوة هذا الرجل!

فقال: لا عليكم، فإني أرجو العافية والاجر العظيم، ولكن ألا أخبركم بمن هو أجرأ مني؟

قالوا: بلى، ومن ذلك؟

فقال: الذي ذهب بالكتاب.

فقالوا: بلى صدقت، إنه لكذلك. وإنا لنرجو أن يكون أعظم هذا المصر أجرا عند الله غدا.

قال: وقدم العنزي على عثمان بالمدينة، فدخل وسلم عليه، ثم ناوله الكتاب الأول، وعنده نفر من أهل المدينة، فلما قرأه عثمان اربدّ لونه، وتغير

٢٧٩

وجهه، ثم قال: من كتب إلي هذا الكتاب؟

فقال العنزي: كتبه إليك ناس كثير من صلحاء أهل الكوفة وقرائها، وأهل الدين والفضل.

فقال عثمان: كذبت!

إنما كتبه السفهاء وأهل البغي والحسد، فأخبرني من هم؟

فقال العنزي: ما أنا بفاعل.

فقال عثمان: إذا والله أوجع جنبك، وأطيل حبسك.

فقال العنزي: والله لقد جئتك وأنا أعلم أني لا أسلم منك.

فقال عثمان: جردوه!

فقال العنزي: وهذا كتاب آخر، فاقرأه من قبل أن تجردني.

فقال عثمان: آت به، فناوله إياه.

فلما قرأه قال: من كعب بن عبيدة هذا؟

قال العنزي: إيه! قد نسب لك نفسه..

قال عثمان: فمن أي قبيل هو؟

قال العنزي: ما أنا مخبرك عنه إلا ما أخبرك عن نفسه.

قال: فالتفت عثمان إلى كثير بن شهاب الحارثي فقال: يا كثير! هل تعرف كعب بن عبيدة.

قال كثير: نعم يا أمير المؤمنين! هو رجل من بني نهد.

قال: فأمر عثمان بالعنزي، فجردوه من ثيابه ليضرب، فقال علي بن أبي

٢٨٠