×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج16 / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

والإستئثار بإعطاء كل ذي حق حقه، والتعدي على الشرائع والحقوق بالإلتزام بحدود الله، وبرعاية حقوق عباده، لكان لعثمان أن يتساءل، أو أن يسأل: إلى كم تكون هذه الشكوى..

ولكن ما دامت الأمور على حالها، فسيأتيه الجواب: ستستمر شكوى الناس إلى حين الإستجابة لشكواهم بإصلاح الأمور..

وكان جواب الحجاج بن غزية هو الصحيح، واقتراحه عليه هو التدبير الواقعي والحازم..

ثانياً: إن علياً (عليه السلام) قد وضع يده على الجرح، حين بين لعثمان أن العيب الأهم، والذي يحتاج إلى إصلاح أولاً وقبل كل شيء يكمن في شخص عثمان.. فلا بد لعثمان من أن يغير سياساته وسلوكه قبل أن يطلب ذلك من غيره.. وإلا، فإنه حتى لو غير عماله، فسيستبدلهم بمن هم على شاكلتهم، أو أسوأ..

كما أنه قد يوصي عماله ببعض الأمور في تلك الساعة، ثم يوصيهم بغيره في ساعة أخرى.. وقد يأخذ عليهم العهود والمواثيق على أمر أو على سلوك بعينه، ثم يخالفون أمره، فلا يصنع شيئاَ، بل يبطش بمن يلجأ إليه بالشكوى..

فالمعالجة يجب أن تكون حقيقية وجذرية.

ثالثاً: لقد قرر (عليه السلام) في كلامه أموراً هامة جداً حول إصلاح أمور عثمان، وهي التالية:

١ ـ إن الحق ثقيل ومر، والباطل بخلافه.. وقد كان عثمان يشعر بثقل

٣٠١

الحق وبمرارته كلما سمع أن أحداً تفوه بشيء منه، وكان أيضاً لا يستثقل من الباطل الذي يمارسه عماله.. مع أن الإسلام يريد منا أن نحب الحق، وأن نأنس به، وأن يخف علينا سماعه، وقبوله، والإلتزام به..

٢ ـ إن عثمان يسخط إذا قيل له الصدق. وهذا هو لب مشكلته مع ناصحيه، ومنتقديه، فإنهم يرون أبواب إيصال الحقائق إليه موصدة، وأية محاولة تبذل في هذا السبيل تواجه بالعدوان على كراماتهم وحياتهم، وبالبطش الذي لا يرحم أحداً، ولا يرثى لأحد..

٣ ـ إن عثمان يرضى إذا كُذِب عليه، وهذا يفسح المجال لتزوير الحقائق وتشويهها، والإستفادة من هيبة السلطان لتمكين الباطل، وترويجه، وإشاعته..

٤ ـ ثم إنه (عليه السلام) تقدم خطوة أخرى بإشارته إلى أمور بلغت الناس عنه.. فلم يصرح (عليه السلام) بتلك الأمور، وتركها لذاكرة عثمان نفسه، لكي لا يثير غضبه، وليتمكن من مراجعة حساباته، ويستحث هو ذاكرته لإستحضار تلك الأمور، ويتخذ قراره فيها..

٥ ـ إنه لم يصرح بإدانة عثمان، بل وضعه أمام موازنة معقولة ومرضية، تفضي به إلى إختيار ما هو أصلح له.. حتى لو كان يظن أن في الخيار الآخر بعض الصلاح، على قاعدة: {وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}(١)..

مع إشارة منه (عليه السلام) إلى أنه لا يطلب منه التنازل لصالح غيره،

١- الآية ٢١٩ من سورة البقرة.

٣٠٢

بل يريد منه أن يختار ما هو أصلح له هو شخصياً، لكي ينطلق إلى ذلك من موقع الحرص عليه، المنطلق من حرصه على نفسه..

٦ ـ ثم إنه (عليه السلام) سجل على عثمان مسؤولية أخرى، وهي لزوم رعاية حق الله تعالى وحق الناس أيضاً في هذا الأمر..

رابعاً: إن عثمان لم يستطع أن يجيب علياً (عليه السلام) على ما طرحه عليه، ولكنه صب جام غضبه على طلحة، لأن طلحة أثار غضب عثمان وواجهه بالتهديد والوعيد الصريح..

ففوجئ طلحة بهذا الغضب، وتساءل عن مبرر ذلك ما دام أن علياً (عليه السلام) قد أشار هو الآخر إلى ما صرح به طلحة.

ولكن شتان ما بين أسلوب علي (عليه السلام) الوادع والرضي، والحازم وبين الطريقة الفجة، والنشاز التي اعتمدها طلحة والآخرون.

٣٠٣

الفصل الثاني:

عثمان وعمار..

٣٠٤
٣٠٥

عثمان يتهدد عمار بن ياسر:

روى ابن أبي الحديد المعتزلي، عن ابن عباس أن عثمان، قال لعمار أما إنك من شُنَّائنا، واتباعهم. وأيم الله، إن اليد عليك منبسطة، وإن السبيل إليك لسهلة، ولولا إيثار العافية ولمّ الشعث لزجرتك زجرة تكفى ما مضى، وتمنع ما بقي.

فقال له عمار: والله ما أعتذر من حبي علياً (عليه السلام). وما اليد بمنبسطة ولا السبيل بسهلة، إني لازم حجة، ومقيم على سنة.

وأما إيثار العافية ولم الشعث فلازم ذلك.

وأما زجري فأمسك عنه، فقد كفاك معلمي تعليمي.

فقال له عثمان: إنك ـ والله ـ ما علمت لمن أعوان الشر، الحاضين عليه، الخذلة (عند)، عن الخير، والمثبطين عنه.

فقال عمار: مهلاً يا عثمان، فقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصفني بغير ذلك.

فقال عثمان: ومتى؟!

قال: يوم دخلت أنا عليه منصرفه عن الجمعة، وليس عنده غيرك، وقد ألقى ثيابه، وقعد في فُضُله، فقبلت أنا صدره، ونحره، وجبهته، فقال: يا

٣٠٦

عمار، إنك لتحبنا وإنا لنحبك، وإنك لمن الأعوان على الخير، والمثبطين عن الشر.

فقال عثمان: أجل، ولكنك غيرت وبدلت.

فرفع عمار يديه يدعو، وقال: أمِّن يا ابن عباس، اللهم من غيَّر، فغيِّر به.

قال: ودخلنا المسجد، فأهوى عمار إلى مصلاه، ومضيت مع عثمان إلى القبلة، فدخل المحراب، وقال: تلبث علي إذا انصرفنا.

فلما رآني عمار وحدي أتاني، فقال: أما رأيت ما بلغ بي آنفا!

قلت: أما والله لقد أصعبت به وأصعب بك، وأن له لسنه، وفضله، وقرابته.

قال: إن له لذلك، ولكن لا حق لمن لا حق عليه. وانصرف.

وصلى عثمان وانصرفت معه يتوكأ علي، فقال: هل سمعت ما قال عمار؟!

قلت: نعم، فسرني ذلك وساءني، أما مساءته إياي فما بلغ بك، وأما مسرته لي فحلمك واحتمالك.

فقال: إن علياً فارقني منذ أيام على المقاربة، وإن عماراً آتيه فقائل له وقائل، فابدره إليه، فإنك أوثق عنده منه، وأصدق قولاً، فألق الأمر إليه على وجهه.

فقلت: نعم، وانصرفت أريد علياً (عليه السلام) في المسجد، فإذا هو خارج منه.

٣٠٧

فلما رآني تفجع لي من فوت الصلاة، وقال: ما أدركتها!

قلت: بلى، ولكني خرجت مع أمير المؤمنين، ثم اقتصصت عليه القصة.

فقال: أما والله يا بن عباس، إنه ليقرف قرحة، ليحورن عليه ألمها.

فقلت: إن له سنه وسابقته، وقرابته وصهره.

قال: إن ذلك له، ولكن لا حق لمن لا حق عليه.

قال: ثم رهقنا عمار فبش به علي، وتبسم في وجهه، وسأله.

فقال عمار: يا ابن عباس، هل ألقيت إليه ما كنا فيه؟

قلت: نعم.

قال: أما والله إذا لقد قلت بلسان عثمان، ونطقت بهواه!

قلت: ما عدوت الحق جهدي، ولا ذلك من فعلي، وإنك لتعلم أي الحظين أحب إلي، وأي الحقين أوجب علي!

قال: فظن علي أن عند عمار غير ما ألقيت إليه، فأخذ بيده وترك يدي، فعلمت أنه يكره مكاني، فتخلفت عنهما، وانشعب بنا الطريق، فسلكاه ولم يدعني، فانطلقت إلى منزلي، فإذا رسول عثمان يدعوني، فأتيته، فأجد ببابه مروان وسعيد بن العاص. في رجال من بنى أمية، فأذن لي وألطفني، وقربني وأدنى مجلسي، ثم قال: ما صنعت؟!

فأخبرته بالخبر على وجهه، وما قال الرجل، وقلت له ـ وكتمته قوله: (إنه ليقرف قرحة ليحورن عليه ألمها) ـ إبقاء عليه، وإجلالاً له، وذكرت مجيء عمار، وبش علي له، وظن علي أن قِبَله غير ما ألقيت عليه، وسلوكهما

٣٠٨

حيث سلكا.

قال: وفعلا؟!

قلت: نعم.

فاستقبل القبلة، ثم قال: اللهم رب السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، أصلح لي علياً، وأصلحني له! أمِّن يا ابن عباس.

فأمنت. ثم تحدثنا طويلاً، وفارقته وأتيت منزلي(١).

فهذا النص يعطي:

١ ـ أن عثمان يهدد عماراً، بأنه تحت يده، ولا يصعب عليه الإيقاع به، فلا يظنن عمار أنه يستطيع أن يمتنع منه بأي كان من الناس. ولكن عثمان يتخذ سبيل الإحسان والعفو، إيثاراً منه للعافية، وروماً لجمع الكلمة، ولم الشعث.

٢ ـ إن ذنب عمار هو أنه ينتقد عثمان، ويعيبه، وأنه من أتباع من يشنؤه ويعيبه.. مع أن مجرد كون شخص من أتباع شخص يعيب الحاكم، لا يجعل للحاكم سبيلاً على ذلك التابع لمجرد تابعيته. فما معنى أن يجعل عثمان هذه التابعية من ذنوب عمار التي تبرر تهديده بالإيقاع به؟!

وقد بين عمار لعثمان هذه الحقيقة، وهي أنه إنما يتبع علياً (عليه السلام) لا جزافاً، وإنما استناداً إلى حجة واضحة، وسنّة بينة..

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج ٩ ص ١١ ـ ١٣.

٣٠٩

٣ ـ إن عماراً قال: إن حبه لعلي (عليه السلام) ليس من الذنوب التي يعتذر منها، كما أنه ليس من مفردات التبعية التي تكون على حد تبعية الأبناء للآباء لمجرد أبوتهم لهم، وللقرابة فيما بينهم، بل لأنه يحب خصال الخير في علي (عليه السلام)، ولأن الله تعالى ورسوله أمرا بحبه (عليه السلام).. فهو مطيع لله، راجٍ لمثوبته في حبه هذا. فكيف يعتذر من حب أمر الله تعالى ورسوله به؟!..

٤ ـ ولذلك حاول عثمان التنكر لهذه الحقيقة بادعاء: أن عماراً يعين علياً (عليه السلام) على فعل الشر، والتخذيل عن الخير.. معتبراً نفسه ـ بذلك ـ معياراً للخير والشر، لتصبح النتيجة هي: أن من وافق عثمان، وأعانه على سياساته التي يؤاخذونه عليها، ورضي بما يأتيه عُمَّاله من موبقات ومآثم، فهو معين على الخير.. ومن لم يرض بتلك الأفاعيل، كان من أعوان الشر. وهذا في الحقيقة من مصاديق صيرورة المنكر معروفاً، والمعروف منكراً..

وهو ما حذر النبي (صلى الله عليه وآله) الناس من الوقوع فيه.

٥ ـ إن عماراً أرجع عثمان إلى نقطة الصفر ببيانه له: أن قول عثمان فيه يناقض قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه: إنك لمن الأعوان على الخير، والمثبطين عن الشر، بعد أن قرر (صلى الله عليه وآله) أنه يحب عماراً.

وهل أحب النبي (صلى الله عليه وآله) إلا الأخيار والأبرار والصالحين؟! الذين لم يغيروا ولم يبدلوا. ولم يرتابوا!!

٦ ـ وحين لم يجد عثمان بداً من الإعتراف، ادعى أن عماراً قد غيّر وبدل عما كان عليه في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله).. مع أن الأمر ليس

٣١٠

كذلك، بل الذي غيّر وبدّل هو الذي أصبح يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً، ويصر على حمل الناس على تأييده في نظرته هذه، ومساعدته على تكريسها، فإن لم يفعلوا ذلك نا بذهم، واتهمهم، وكفَّرهم، وحاربهم.. وأرسل إلى عماله ليرسلوا له الجيوش للإيقاع بهم.

٧ ـ إذا أخذنا بمنطق عثمان هذا فليسمح لنا بأن نقول له ـ ونحن على حق فيما نقول ـ :

إن جميع ما ادعاه عثمان لنفسه، وادعاه له محبوه من فضائل، ومقامات، ووعود بالجنان، وبالحور الحسان مشروط بعدم تغييره وتبديله..

وقد شهدت الأمة عليه بأنه غيّر وبدّل، ومشي إليه المسلمون فقتلوه وأيدهم الصحابة في ذلك، باستثناء مروان، ومعاوية، والوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص، وعبدالله بن عامر، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. والكل يعلم أن هؤلاء من الطلقاء، ومن المرتكبين للفظائع والمآثم والموبقات.

٨ ـ وقد استجيبت دعوة عمار على من غيَّر بأن يغيِّر الله به.. وكان ما كان مما جرى على عثمان، ولا يجهله أحد..

٩ ـ ذكرت الرواية: أن ابن عباس وعماراً اتفقا على أن لعثمان سنه، وفضله، وقرابته، وأن المطلوب هو مراعاة ذلك له..

وربما يشكك البعض في موافقة عمار على ذلك، فإنه إذا كان يراه كافراً، فلا يمكن أن يعترف له بالفضل، وبالقرابة التي تستحق المراعاة.. إلا إن كان هذا قد حصل قبل أن يصل عمار إلى هذه النتيجة، ويحكم على عثمان بالكفر...

٣١١

١٠ ـ أظهرت الرواية أن ابن عباس كان ليناً مع عثمان، موافقاً له، مدعياً أن له حقوقاً ينبغي حفظها له. وأظهرت أيضاً أنه كان يحظى بمكانة لدى عثمان. وكان عثمان يتودد له، ويستفيد منه في تمشية أموره.

١١ ـ إن الرد الذي سمعه من علي (عليه السلام) كان نفس الرد الذي سمعه من عمار، حيث قررا معاً: أنه لا حق لمن لا يرى أن لأحد حقاً عنده. وهذا أصل أصيل في العلاقة بين الناس. وفي مستوى التعامل معهم. فإنه إذا كان إنسان يعتقد بأن لغيره حقاً. ثم يقصر في أدائه، فهذا التقصير لا يعفي الطرف الآخر من لزوم أداء الحق إليه.

ولكنه إذا اعتقد أن الآخرين لا حق لهم عنده أصلاً، وأن الله تعالى لم يجعل إلا حقاً واحداً وهو عليهم، فإن هذه النظرة تسقط حقه عليهم من الأساس أيضاً، عملاً بمبدأ المقابلة بالمثل..

١٢ـ قد أظهرت الرواية أيضاً حرص عثمان على أن يعرف علي (عليه السلام) بما جرى بنحو لا يضر بمصلحته، وأنه يرى أن عماراً لن يكون أميناً في نقله لعلي (عليه السلام) ما جرى، بل هو سوف ينقله بنحو يوجب زيادة تأزم العلاقة بينه وبين علي (عليه السلام). وكان يرى أن ابن عباس سينقل ما جرى بنحو مرضي له.

وهذا لا يمكن تصديقه في حق من يقول فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): عمار مع الحق، والحق مع عمار.

ويقول فيه: عمار جلدة ما بين عيني..

ويقول: إن عماراً ملئ إيماناً إلى مشاشه.

٣١٢

١٣ـ من أين عرف عثمان أن ابن عباس أوثق عند علي (عليه السلام) من عمار، وأصدق قولاً منه؟! ولماذا لا يكون عكس ذلك هو الصحيح.. لا سيما مع علم علي (عليه السلام) بما قاله (صلى الله عليه وآله) في حق عمار.

وكيف جاز له أن يشكك في وثاقة عمار؟! وفي صدقه؟!..

١٤ـ إن عماراً يتهم ابن عباس بأنه يتكلم بلسان عثمان، وينطق بهواه. وهذا معناه: أنه لم يكن يثق به، وأنه كان يتعامل معه على هذا الأساس.

١٥ ـ وعن دعاء عثمان: بأن يصلح الله له علياً، ويصلحه له نقول:

إن قرائن الأحوال، ومنها: عدم قبوله أية نصيحة من علي (عليه السلام)، ومن غيره تدل على أنه إنما كان يريد بدعائه هذا أن يغير الله تعالى علياً (عليه السلام)، ويجعله وفق ما يريده عثمان، راضياً بجميع أعماله، ومؤيداً لكل تعدياته على بيت المال، مدافعاً عن سائر مخالفاته، بحيث تصير نظرته لا تختلف عن نظرة عثمان، لكي تصبح نصائح علي (عليه السلام) له تشبه في مضمونها وأهدافها نصائح مروان.

ولولا ذلك لكان من الممكن أن يحصل على رضا علي (عليه السلام) بدون هذا الدعاء، وذلك بأن يقبل بنصائحه، وبنصائح الخيار والكبار من الصحابة وغيرهم، ويصلح الأمور على أساسها. ويلتزم بما يفرضه عليه العقل، والشرع والضمير.. وتنحل المشكلات، وتزول المتاعب والعقبات..

١٦ ـ إن كلمة علي (عليه السلام) لابن عباس عن عثمان: إنه ليقرف (أي يقشر) قرحة، لَيَحُورَنَّ (أي ليرجعن) عليه ألمها. تدل على أنه (عليه السلام) قد تلقى ما جرى على أنه تحرش من عثمان، او أنه اعتبره من ذيول

٣١٣

تصرفات صدرت عنه، كان عثمان البادئ بها، والمحرك لها. فيكون كالذي يقشر قرحة في جسده، يكون هو الذي يبتلي بآلامها وأسقامها..

وبعد، فإن هناك أموراً أخرى يمكن استفادتها من هذا الذي جرى، نرى أنه لا بد من الإغماض عنها، لكي نوفر الوقت والجهد لغيرها..

أسباب ضرب عثمان لعمار:

روى عباس بن هشام الكلبي، عن أبي مخنف في إسناده: أنه كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي وجوهر، فأخذ منه عثمان ما حلى به بعض أهله.

فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلموه فيه بكل كلام شديد حتى غضب فخطب، وقال: لنأخذن حاجتنا من هذا الفئ وإن رغمت أنوف أقوام.

فقال له علي (عليه السلام): إذا تمنع من ذلك، ويحال بينك وبينه.

فقال عمار: أشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك.

فقال عثمان: أعلي ـ يا بن ياسر وسميةـ تجترئ؟!

خذوه..

فأخذوه، ودخل عثمان فدعا به، وضربه حتى غشي عليه، ثم أخرج فحمل إلى منزل أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يصل الظهر والعصر والمغرب، فلما أفاق توضأ وصلى.

وقال: الحمد لله، ليس هذا أول يوم أوذينا فيه في الله تعالى.

فقال هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي ـ وكان عمار حليفاً لبني

٣١٤

مخزوم ـ: يا عثمان! أما علي فاتقيته. وأما نحن فاجترأت علينا، وضربت أخانا حتى أشفيت به على التلف، أما والله لئن مات لأقتلن به رجلا من بني أمية عظيم الشأن.

فقال عثمان: وإنك لها هنا يا بن القسرية!.

قال: فإنهما قسريتان ـ وكانت أمه وجدته قسريتين من بجيلة ـ، فشتمه عثمان، وأمر به فأخرج، فأتي به أم سلمة، فإذا هي قد غضبت لعمار.

وبلغ عائشة ما صنع بعمار فغضبت، وأخرجت شعراً من شعر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونعلاً من نعاله، وثوباً من ثيابه، وقالت: ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم، وهذا ثوبه وشعره ونعله لم يبل بعد.

وروى آخرون: أن السبب في ذلك: أن عثمان مر بقبر جديد، فسأل عنه، فقيل: عبد الله بن مسعود.

فغضب على عمار لكتمانه إياه موته ـ إذ كان المتولي للصلاة عليه والقيام بشأنه ـ فعندها وطئ عثمان عماراً حتى أصابه الفتق(١).

وروى آخرون: أن المقداد، وطلحة، والزبير، وعماراً وعدة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتبوا كتاباً، عددوا فيه أحداث عثمان، وخوفوه ربه، وأعلموه أنه مواثبوه إن لم يقلع، فأخذ عمار الكتاب فأتاه به، فقرأ منه صدراً.

١- أنساب الأشراف ج٥ ص٤٨ و ٤٩ وبحار الأنوار ج٣١ ص١٩٣ و ١٩٤ وشرح نهج البلاغة ج٣ ص١٥٠ الخطبة رقم ٤٣ وتاريخ اليعقوبي ج٢ ص١٧٠.

٣١٥

فقال عثمان: أعلي تقدم من بينهم؟!

فقال: لأني أنصحهم لك.

فقال: كذبت يا بن سمية!.

فقال: أنا والله ابن سمية وأنا ابن عمار.

فأمر غلمانه فمدوا بيديه ورجليه، ثم ضربه عثمان برجليه ـ وهما في الخفين ـ على مذاكيره فأصابه الفتق، وكان ضعيفاً كبيراً فغشي عليه(١).

وفي نص الثقفي: أن عثمان لما خطب، وقال: إنه سيؤثر بني أمية على رغم أنف من رغم.

قال عمار: أنفي والله ترغم من ذلك.

قال عثمان: فأرغم الله أنفك.

قال عمار: وأنف أبي بكر وعمر ترغم؟!

قال: وإنك لهناك يا ابن سمية.

ثم نزل إليه فوطأه، فاستخرج من تحته وقد غشي عليه، وفتقه(٢)..

١- بحار الأنوار ج٣١ ص١٩٣ ـ ١٩٥ والشافي للسيد المرتضى ج٤ ص٢٨٩ ـ ٢٩١ وأنساب الأشراف ج٥ ص٤٨ و ٤٩ والغدير ج٩ ص١٦ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٣ ص٥٠ وإحقاق الحق (الأصل) ص٢٥٤ وسفينة النجاة للتنكابني ص٢٤٧.

٢- بحار الأنوار ج٣١ ص٢٧٩ و ٢٨٠ وعن الثقفي في تاريخه.

٣١٦

ونقول:

أولاً: هناك رواية تقول: إن السبب في ضرب عثمان لعمار حتى أصيب بالفتق هو الكتاب الذي كتبه عشرة من الصحابة.. حيث اتهمه عثمان بأنه يجتري عليه من بينهم..

وتقدم قولهم: إن سبب ضربه لعمار هو قضية ابن مسعود.

ورواية ثالثة تذكر: أن السبب هو إعلانه إيثار بني أمية.

فهل الأسباب الثلاثة قد حصلت في أوقات متقاربة، فضربه عثمان عندها، فحكي ضربه له، وأسنده كل راو إلى سبب منها، وكلهم صادق في ذلك؟!

أو يقال: إن التناقضات التي ظهرت كانت أوهاماً من الرواة..

والأرجح: هو تعدد ضرب عثمان لعمار.. لتعدد الأسباب.

ويؤيده: وجود تناقضات لا تحلّ إلا بتقدير تعدد الواقعة.

ثانياً: إن علياً (عليه السلام) يقول لعثمان الذي كان يخطب، ويعلن أنه سيأخذ حاجته من الفيء: إذاً تمنع من ذلك، ويحال بينك وبينه. ولا يجيبه عثمان بشيء.. ولكنه بطش بعمار، لمجرد أنه أعلن عدم رضاه بما يقول عثمان.

وقد صرح هشام بن الوليد لعثمان بقوله: أما علي فقد اتقيته، وأما نحن فاجترأت علينا..

ثالثاً: إن كلمة علي (عليه السلام) لعثمان أوضحت ما يلي:

٣١٧

١ ـ إنه (عليه السلام) كان مرهوب الجانب، لا يجترئ عليه أحد، حين يجد الجد، ويبلغ السيل الزبى، وإن كانوا حين يأمنون جانبه يسيئون معاملته، ويجترئون عليه، ويظهرون ما يعتلج في صدروهم من حسد وحقد..

ولهذا الموقف نظائر كثيرة يمكن تتبعها، والوقوف عليها، ومنها رفضه (عليه السلام) للقبول بمنع عثمان من تشييع أبي ذر، وغضبه من مساوات عثمان له بمروان..

٢ ـ إنه (عليه السلام) لم يصرح بإسم ولا بهوية من يمنعون عثمان من فعل ما يريد.. بل أبقى الأمر في دائرة الإبهام، لكي لا يفسح المجال للجدل العقيم، أو لإثارة العصبيات، وتحريك الأهواء..

رابعاً: إن عثمان لم يكن يملك منطقاً يواجه به عماراً، لأن خطابه مبني ـ أساساً ـ على الجبرية والقهر، وفرض القرار بالقوة..

بل إن كلمة عمار لم تتضمن جرأة ظاهرة على عثمان، وإنما تضمنت الإقرار بالعجز عن مواجهة القوة بالقوة، وإعلاناً لعدم الرضا بالفعل..

خامساً: إن عثمان يعرض لهشام بن الوليد بأمه، وكأنه يريد تنقصه بنسبته إليها..

سادساً: هل كان يجب على عمار أن يخبر عثمان بموت ابن مسعود، حتى لو كان عثمان قد طلب منه أن يخبره بذلك؟!

وهل كان يجب عليه أن يساعد عثمان في تلميع صورته أمام الناس؟! من دون أن يتراجع عثمان عن أي شيء من مخالفاته؟! ومنها ضربه لابن مسعود نفسه، حيث لم يتراجع عنه، ولا عن موجباته، ولم يصلح ما أفسده

٣١٨

بفعله هذا..

سابعاً: هب أنه كان يجب عليه أن يخبره بذلك، أو اشتبه عليه الأمر في وجوب الطاعة في هذه القضية، بل لنفرض: أنه عصى هذا الأمر عمداً، فهل تصح عقوبته على ذلك؟!.. وهل العقوبة هي بإحداث الفتق له؟! وفي أي كتاب أو سنة وجد ذلك؟!

عثمان، وعمار، وسعد:

عن أبي كعب الحارثي: ..خرجت حتى أتيت المدينة، فأتيت عثمان بن عفان، وهو الخليفة يومئذ، فسألته عن شيء من أمر ديني.

وقلت: يا أمير المؤمنين، إني رجل من أهل اليمن من بنى الحارث بن كعب، وإني أريد أن أسألك، فأمر حاجبك ألا يحجبني.

فقال: يا وثاب، إذا جاءك هذا الحارثي، فأذن له.

قال: فكنت إذا جئت، فقرعت الباب. قال: من ذا؟!

فقلت: الحارثي.

فيقول: ادخل.

فدخلت يوماً، فإذا عثمان جالس، وحوله نفر سكوت لا يتكلمون، كأن على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم جلست، فلم أسأله عن شيء لما رأيت من حالهم وحاله، فبينا أنا كذلك إذ جاء نفر، فقالوا: إنه أبى أن يجيء.

قال: فغضب.

وقال: أبى أن يجيء! اذهبوا فجيئوا به، فإن أبى فجروه جراً.

٣١٩

قال: فمكثت قليلاً، فجاءوا ومعهم رجل آدم طوال أصلع، في مقدم رأسه شعرات، وفى قفاه شعرات، فقلت: من هذا؟!

قالوا: عمار بن ياسر.

فقال له عثمان: أنت الذي تأتيك رسلنا فتأبى أن تجيء!

قال: فكلمه بشيء لم أدر ما هو، ثم خرج.

فما زالوا ينفضون من عنده حتى ما بقي غيري فقام، فقلت: والله لا أسأل عن هذا الامر أحدا أقول حدثني فلان حتى أدرى ما يصنع.

فتبعته حتى دخل المسجد، فإذا عمار جالس إلى سارية، وحوله نفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يبكون.

فقال عثمان: يا وثاب على بالشرط، فجاؤوا.

فقال: فرقوا بين هؤلاء، ففرقوا بينهم.

ثم أقيمت الصلاة، فتقدم عثمان فصلى بهم، فلما كبر قالت امرأة من حجرتها: يا أيها الناس.

ثم تكلمت، وذكرت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما بعثه الله به.

ثم قالت: تركتم أمر الله، وخالفتهم عهده ونحو هذا، ثم صمتت، وتكلمت امرأة أخرى بمثل ذلك، فإذا هما عائشة وحفصة.

قال: فسلم عثمان، ثم أقبل على الناس، وقال: إن هاتين لفتانتان، يحل لي سبهما، وأنا بأصلهما عالم.

فقال له سعد بن أبي وقاص: أتقول هذا لحبائب رسول الله (صلى الله

٣٢٠