×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج16 / الصفحات: ٣٢١ - ٣٤٠

عليه وآله)!

فقال: وفيم أنت! وما هاهنا!

ثم أقبل نحو سعد عامدا ليضربه، فانسل سعد.

فخرج من المسجد، فاتبعه عثمان، فلقي علياً (عليه السلام) بباب المسجد.

فقال له (عليه السلام): أين تريد؟!

قال: أريد هذا الذي كذا وكذا ـ يعنى سعداً يشتمه ـ.

فقال له علي (عليه السلام): أيها الرجل، دع عنك هذا.

قال: فلم يزل بينهما كلام، حتى غضبا.

فقال عثمان: ألست الذي خلفك رسول الله (صلى الله عليه وآله) له يوم تبوك!

فقال علي (عليه السلام): ألست الفار عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم أحد.

قال: ثم حجز الناس بينهما.

قال: ثم خرجت من المدينة حتى انتهيت إلى الكوفة، فوجدت أهلها أيضا وقع بينهم شر، ونشبوا في الفتنة.

إلى أن قال: فلما رأيت ذلك رجعت حتى أتيت بلاد قومي(١).

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٩ ص٣ ـ ٥ وبحار الأنوار ج٣١ ص١٩٨ ـ ٢٠١ والسقيفة وفدك للجوهري ص٨١ ـ ٨٣ والمصنف ج١١ ص٣٥٣ ـ ٣٥٦.

٣٢١

ونقول:

إننا نشير هنا إلى الأمور التالية:

١ ـ لا ندري بأي حق يأمر عثمان بالإتيان بعمار بن ياسر إليه ولو جراً.. إلا إن كان عمار قد ارتكب ذنباً، ويريد عثمان أن يجري فيه حكم الله تبارك وتعالى..

ولكن ذلك لو كان لرأينا عثمان يغتنمها فرصة في عمار، الذي كان يضايقه جداً بمطالباته ونصائحه.

ويدل على ذلك: أنه حين جاؤوه بعمار لم يظهر منه أي شيء يدل على أنه قد فعل ما يستحق عليه العقوبة، وليس من حقوق الحاكم، ولا من صلاحياته أن يطيعه الناس في المجيء إليه إذا طلبهم، بل عليه هو أن يقصدهم، ويكلمهم فيما يريد.. فإن أحبوا أجابوا، وإن اختاروا السكوت كان لهم ذلك.

٢ ـ إن امتناع عمار عن المجيء ربما يكون لأجل أنه فهم أن عثمان يريد أن يفرض عليه عدم ذكر شيء عن المخالفات التي يراها من عثمان، ومن أعوانه أو عماله، فإن هذا هو ما كان يحاوله باستمرار.. فأراد بهذا الإمتناع أن يفهمه أن ما يحاوله منه لن يحصل عليه..

٣ ـ ليس من حق الحاكم استعمال القوة، والإستعانة بالشرط للتفريق بين الناس المجتمعين في المسجد، فإن هذا ظلم لهم، وتعدٍ منه عليهم غير مقبول.. وسيزيد ذلك من النقمة على ذلك الحاكم.

٤ ـ إن عائشة وحفصة إنما تكلمتا بما رأتاه ولمستاه، ويوافقهما عليه

٣٢٢

سائر الصحابة آنئذٍ، فبأي شيء استحقتا السب من عثمان؟!

٥ ـ المهم هو النظر إلى مضمون كلام حفصة وعائشة، وتطبيقه على الواقع الخارجي، فإن كان حقاً، أعاد الأمور إلى نصابها، وأصلح ما فسد، سواء أكان هذا الكلام صدر من فتَّان، أو من مخلص..

وإن كان ذلك الكلام باطلاً، فقد كان عليه أن يراعي حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يؤاخذهما بما صدر منهما..

٦ ـ على أننا لم نستسغ تشكيكه بأصل عائشة وحفصة، حيث قال: وأنا بأصلهما عالم، فإن هذا الأمر مؤسف من رجل لم يحفظ حتى أبا بكر وعمر في ابنتيهما، رغم أنهما اللذان وضعاه في ذلك المقام، وأوصلاه إلى ما هو فيه، وإن كان ذلك قد تم بقيمة التعدي على أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وضرب الزهراء (عليها السلام).. إلى آخر ما هو معلوم ومفهوم، وذكرنا شطراً منه في هذا الكتاب..

٧ ـ إن سعد ابن أبي وقاص لم يزد على أن ذكَّر عثمان بلزوم مراعاة جانب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في زوجتيه، فلماذا يهجم عليه ليضربه، ويتبعه إلى خارج المسجد؟! ولماذا يشتمه؟!

٨ ـ إن تخلف علي (عليه السلام) في غزوة تبوك، لم ينقص من قدره، بل هو من أسباب رفعة شأنه، وعلو مقامه، ولا سيما بعد أن منحه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك الوسام الجليل، الذي يقض مضاجع مناوئيه ويحرجهم، ويحرج أتباعهم، وسيبقى إلى يوم القيامة، حيث قال له (صلى الله عليه وآله): أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي..

٣٢٣

وقد تكلمنا فيما سبق عن بعض ما يرمي إليه (صلى الله عليه وآله) بكلامه هذا..

فكيف يعيره عثمان بما هو فضيلة له؟!

٩ ـ إن علياً (عليه السلام) حين ذكر لعثمان حديث فراره في أحد، إنما ذكر له أمراً لا يرضاه أحد لنفسه، ولا شك في أنه يعد من أعظم العيوب، فإن الفرار من الزحف من الكبائر. فهل يصح ممن صدر منه مثل هذا الذنب العظيم، أن يعيب على علي (عليه السلام) بما هو من أعظم فضائله، وأجل مقاماته؟!

ما الذي جناه عمار؟!:

قالوا بالنسبة لسياسات عثمان:

فلم يزل عثمان كذلك حتى مضت له سنة من السنين كانت فيها أمور كثيرة من أمور عثمان، كلها كانت عندهم مكروهة، فعاتبه المسلمون عليها، فلم يعينهم ولم ينزع عنها.

قال: واجتمع نفر من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) ثم إنهم كتبوا كتاباً، وذكروا فيه كل حدث أحدثه عثمان منذ يوم ولي الخلافة إلى ذلك اليوم، ثم إنهم خوفوه في الكتاب وأعلموه [أنه] إن لم ينزع عما هو عليه خلعوه، واستبدلوا به غيره.

قال: فكتبوا هذا الكتاب، ثم قالوا: ننطلق به جميعاً حتى نضعه في يده، فإننا إن ذهبنا نكلمه وليس معنا كتاب لم يحضرنا من الكلام ما نريد.

٣٢٤

ثم أقبلوا على عمار بن ياسر وقالوا له: يا أبا اليقظان! هل لك أن تكفينا هذا الأمر، وتنطلق بالكتاب إلى عثمان؟!

فقال عمار: أفعله، ثم أخذ الكتاب وانطلق إلى عثمان، فإذا عثمان وقد لبس ثيابه وخفيه في رجليه، فلما خرج من باب منزله نظر إلى عمار واقفاً والكتاب في يده، فقال له: حاجة يا أبا اليقظان؟!

فقال عمار: ما لي حاجة، ولكنا اجتمعنا فكتبنا كتاباً نذكر فيه أموراً من أمورك لا نرضاها لك، قال: ثم دفع إليه الكتاب، فأخذه عثمان فنظر فيه حتى قرأ سطرا منه، ثم غضب ورمى به من يده.

فقال له عمار: لا ترم بالكتاب وانظر فيه حسناً، فإنه كتاب أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنا والله ناصح لك!

فقال له عثمان: كذبت يا بن سمية!

فقال عمار: أنا والله ناصح لك!

فقال عثمان: كذبت يا بن سمية!

فقال عمار: أنا والله ابن سمية وابن ياسر.

قال: فأمر عثمان غلمانه، فضربوه ضرباً شديداً حتى وقع لجنبه، ثم تقدم إليه عثمان فوطئ بطنه ومذاكيره، حتى غشي عليه، وأصابه الفتق، فسقط لما به لا يعقل من أمر شيئاً.

قال: واتصل الخبر ببني مخزوم، فأقبل هشام بن الوليد بن المغيرة في نفر من بني مخزوم فاحتملوا عماراً من موضعه ذلك، وجعلوا يقولون: والله لئن مات الآن لنقتلن به شيخاً عظيماً من بني أمية.

٣٢٥

ثم انطلقوا بعمار إلى منزله مغشياً عليه، فلم يصل ظهراً ولا عصراً ولا مغرباً ولا عشاءً حتى ذهب بعض الليل، ثم أفاق بعد ذلك من غشيته، فقام فقضى ما فاته من صلواته كلها.

قال: فكان هذا من إحداثه الذي نقموا عليه(١).

وعند المفيد: أن عماراً أعطاه الكتاب (فلما قرأه تغير واستشاط غضباً، ثم قال له: يا ماص بظر أمه، أنت تجتري علي وتلقاني بما أكره؟!

ووثب إليه فدفعه حتى انصرع على الأرض، وداس بطنه وعورته، حتى أحدث وأغمي عليه، فلم يصل الظهر والعصر، والمغرب والعشاء الآخرة.

وعرف المسلمون ذلك فأنكروه.

وقال فيه ما هو مشهور(٢).

ونص آخر لهذا الحدث يقول:

اجتمع ناس من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فكتبوا كتاباً

١- الفتوح لابن أعثم ج٢ ص١٥٣ ـ ١٥٥ و (ط دار الأضواء) ج٢ ص٣٧٢ ـ ٣٧٤ وراجع: العقد الفريد ج٢ ص٢٧٢ والإمامة والسياسة ج١ ص٣٢ وبحار الأنوار ج٣١ ص١٩٤ و ١٩٥ وأنساب الأشراف ج٥ ص٤٩ وشرح نهج البلاغة ج٣ ص٥٠.

٢- الجمل للشيخ المفيد ١٨٥ و (ط مكتبة الداوري ـ قم) ص٩٩ وأشار في هامش النسخة الأولى إلى مصادر كثيرة فراجع.

٣٢٦

ذكروا فيه:

ما خالف فيه عثمان من سنة رسول الله وسنة صاحبيه.

وما كان من هبته خمس أفريقية لمروان وفيه حق الله ورسوله، ومنهم ذوو القربى واليتامى والمساكين.

وما كان من تطاوله في البنيان، حتى عدوا سبع دور بناها بالمدينة: داراً لنائلة، وداراً لعائشة وغيرهما من أهله وبناته.

وبنيان مروان القصور بذي خشب، وعمارة الأموال بها من الخمس الواجب لله ولرسوله.

وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله، وبني عمه من بني أمية، أحداث وغلمة لا صحبة لهم من الرسول، ولا تجربة لهم بالأمور.

وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة، إذ صلى بهم الصبح وهو أمير عليها سكران أربع ركعات ثم قال لهم: إن شئتم أزيدكم صلاة زدتكم، وتعطيله إقامة الحد عليه، وتأخيره ذلك عنه.

وتركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم على شيء، ولا يستشيرهم، واستغنى برأيه عن رأيهم.

وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة.

وما كان من إدراره القطائع والأرزاق، والأعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبي عليه الصلاة والسلام، ثم لا يغزون ولا يذبون.

وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط، وأنه أول من ضرب

٣٢٧

بالسياط ظهور الناس، وإنما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرة والخيزران.

ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان.

وكان ممن حضر الكتاب عمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود. وكانوا عشرة.

فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان والكتاب في يد عمار، جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده، فمضى حتى جاء دار عثمان، فاستأذن عليه، فأذن له في يوم شات، فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أمية، فدفع إليه الكتاب فقرأه.

فقال له: أنت كتبت هذا الكتاب؟!

قال: نعم.

قال: ومن كان معك؟!

قال: كان معي نفر تفرقوا فرقاً منك.

قال: من هم؟!

قال: لا أخبرك بهم.

قال: فلم اجترأت علي من بينهم؟!

فقال مروان: يا أمير المؤمنين، إن هذا العبد الأسود (يعني عماراً) قد جرأ عليك الناس، وإنك إن قتلته نكلت به من وراءه.

قال عثمان: اضربوه.

فضربوه، وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه، فغشي عليه، فجروه

٣٢٨

حتى طرحوه على باب الدار.

فأمرت به أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة والسلام، فأدخل منزلها، وغضب فيه بنو المغيرة، وكان حليفهم.

فلما خرج عثمان لصلاة الظهر، عرض له هاشم بن الوليد بن المغيرة، فقال: أما والله لئن مات عمار من ضربه هذا لأقتلن به رجلاً عظيماً من بني أمية.

فقال عثمان: لست هناك(١).

قال ابن عبد ربه: كتب أصحاب عثمان عيبه وما ينقمه الناس عليه في صحيفة، فقالوا: من يذهب بها إليه؟!

قال عمار: أنا.

فذهب بها إليه، فلما قرأها قال: أرغم الله أنفك.

قال: وبأنف أبي بكر وعمر.

قال: فقام إليه فوطئه حتى غشي عليه.

ثم ندم عثمان، وبعث إليه طلحة والزبير يقولان له: إختر إحدى ثلاث: إما أن تعفو، وإما أن تأخذ الأرش، وإما أن تقتص.

فقال: والله لا قبلت واحدة منها حتى ألقى الله(٢).

١- الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج١ ص٣٥ ـ ٣٦ و (تحقيق الشيري) ج١ ص٥٠ ـ ٥١.

٢- العقد الفريد ج٤ ص١١٩ و (ط أخرى) ج٢ ص٢٧٢ وخلاصة عبقات الأنوار ج٣ ص٢٠ والغدير ج٩ ص١٨.

٣٢٩
٣٣٠

وإن لم يرد الإعتراف لهم بهذا الجميل، أو استغشهم في أهداف نصيحتهم، فإن إصلاحه للأمور معناه سحب الذرائع منهم..

وإن كانت تلك الأمور مكذوبة عليه، فبإمكانه أن يوضح لهم وللناس ذلك، ويعرفهم مدى التجني والظلم الذي يتعرض له..

٢ ـ إن من الغرائب أن نرى عثمان متشنجاً ثائراً إلى هذا الحد، من كتاب لم يطلع عليه، بل لم يكد يقرأ سطراً منه!!

وأغرب منه إصراره على تكذيب عمار في أن يكون ناصحاً له!!.. مع أن الله تعالى لم يكشف له عن قلب عمار، ولا فضح له نواياه؟!

وهو على دراية بما قاله الرسول (صلى الله عليه وآله) بحق عمار..

على أن المرء إنما يؤخذ بأقواله وأفعاله.. وليس لأحد من الناس أن يحاسب على النوايا، حتى لو صحت عنده..

٣ ـ لنفترض: أن عماراً كان كاذباً في ادعائه النصح لعثمان، فهل يبرر ذلك بطش عثمان ومواليه به على النحو الذي تقدم ذكره؟!.

٤ ـ هل ذنب عمار الذي استحق به كل هذه القسوة في البطش به هو حبه وقربه من علي (عليه السلام) وبني هاشم، ومواقف عرفت عنه تدين غضب الخلافة منهم؟!

٣٣١

أم أن ذنبه هو مجرد حمله رسالة نصيحة له من جماعة من الصحابة؟!

فإن كانت الرسالة هي السبب، فلماذا اكتفى بمهاجمة عمار؟! وهل عرف عثمان بقية الجماعة؟! وهل طالبهم؟! أو عاتبهم؟!

٥ ـ لماذا يصر عثمان على نسبة عمار إلى أمه؟! هل يريد أن يعيبه بذلك؟!

وهل في سمية الشهيدة الصابرة المجاهدة التي ماتت تحت وطأة التعذيب القرشي ما تعاب به؟!

أم أنه كان يحتقر عنصر المرأة، ويريد أن ينتقص عماراً بنسبته إلى المرأة؟!

أم أنه يعيره ببشرة أمه. فهل هذا مما يعاب الناس به؟!

ولماذا استعر حتى تشظَّى غضباً، حين نسب عمار نفسه إلى سمية وإلى ياسر معاً؟!..

٦ ـ إن عثمان بدل أن يعالج الأمور، ويصلح ما فسد، ويتقوى بذلك على مناوئيه.. زاد بما فعله بعمار الطين بلة، والخرق اتساعاً.. وأصبح ما فعله بعمار في عداد المآخذ والأحداث التي نقمها الناس منه..

وقد كان ذلك نتيجة تسرّع عثمان، وشعوره بالقوة، وانقياده لمشاعره الملتهبة، وانسياقه مع غضبه العارم.. ولم يعط للروية والتعقل أية فرصة للتدخل للجم هذا الغضب، والسيطرة على تلك المشاعر.

ويا ليت عثمان اعتذر من عمار كما اعتذر من كعب بن عبدة بعد أن جلده عشرين جلدة، وكان من صلحاء أهل الكوفة، لمجرد أنه كتب إليه بنصيحته..

٣٣٢

٧ ـ إن عثمان قد أفحش في سبه لعمار، حيث قال له: يا ماصّ بظر أمه.

وهذا لا يصدر من إنسان عادي، فكيف بمن هو في موقع الخلافة لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويريد أن ينشر في الناس أخلاق وتعاليم الرسول..

وهل هذا جزاء عمار وسمية الشهيدة الصابرة؟!

٨ ـ لماذا أنكر عثمان النصيحة، وغضب منها إلى هذا الحد؟!

٩ ـ وإذا كان الكتاب هو كتاب المسلمين وهو رأي طائفة كبيرة من الصحابة، وكان عمار مجرد رسول، فلماذا لا يراعي جانبهم، ويمتنع حتى عن قراءة كتابهم؟! ثم يبادر إلى عقوبة رسولهم إليه بهذه الحدة والشدة، وما الذنب الذي جناه عمار ليستحق منه كل هذه العقوبة؟!

متى ضرب عمار؟!:

ويفهم من رواية المفيد: أن ضرب عمار كان قبل وفاة أبي ذر (رحمه الله) سنة ٣٢ للهجرة على الأشهر. وقيل: سنة ٣١.

فإنه (رحمه الله) بعد أن ذكر ضرب عثمان لعمار، حتى أصابه الفتق، قال: ثم إن عماراً (رحمه الله) صلح من مرضه، فخرج إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فبينما هو كذلك إذ دخل ناعي أبي ذر على عثمان من الربذة، فقال: إن أبا ذر مات بالربذة وحيداً، ودفنه قوم سفر.

فاسترجع عثمان، وقال: رحمه الله.

فقال عمار: رحم الله أبا ذر من كل أنفسنا.

٣٣٣

فقال له عثمان: وإنك لهناك بعد، يا عاض أير أبيه (وفي نص البحار: وإنك لهناك؟! بعدُ ما برئْت)، أتراني ندمت على تسييري إياه؟! الخ..)(١).

فهذا النص يدل على أنه بمجرد برء عمار من الضرب والفتق الذي أصابه خرج إلى المسجد، فصادف وصول نعي أبي ذر. فإذا جمعنا بين هذه الرواية وبين غيرها يتضح: أن عماراً ضرب، فبلغ ذلك أبا ذر، فأنكره.

فلما برئ عمار من الفتق الذي أصابه وصل نعي أبي ذر، فأراد عثمان أن ينفي عمار إلى الربذة أيضاً، فتدخل علي (عليه السلام)، ومنع من ذلك..

أما بالنسبة للسؤال القائل: إذ كان علي (عليه السلام) قادراً على المنع من نفي عمار، فلماذا لم يمنع قبل ذلك من نفي أبي ذر إلى الشام، ثم إلى الربذة.. فسيأتي: أن الأمور تشير إلى أنه (عليه السلام) لم يكن قادراً على المنع من نفي أبي ذر.

ثم تغيرت الأمور، وأصبح قادراً على المنع من نفي عمار.

مشورة مروان:

ونرى: أن مشورة مروان بن الحكم التحريضية لعثمان على عمار ليس فقط لم تكن موفقة، وإنما كانت مغرضة تهدف إلى إغراق عثمان في بحر الهلاك، ولا ندري حقيقة الدوافع التي ساقته إلى مثل هذا الموقف..

إلا إن كان مروان قد تصور أن عثمان في مأزق حقيقي (ولو أنه أطاع

١- الأمالي للمفيد ص٦٩ ـ ٧٢ و بحار الأنوار ج٣١ ص٤٨٢ عنه.

٣٣٤

مروان لتفاقم الأمر) وأن بوادر نتائج هذا المأزق قد ظهرت في التهديدات التي تلقاها عثمان من بني المغيرة، وبني مخزوم، بعد ضربه عماراً.

فلعل مروان قد فكر في أن الأمور إذا سارت على هذا النحو، فستنتهي إلى سقوط عثمان، ثم إمساكه هو بالسلطة إذا هب إلى نصرته معاوية وسواه من رجالات بني أمية الذين كانوا يهيمنون على البلاد والعباد في شرق الأرض وغربها..

غير أن الأعجب والأغرب هو أن نرى عثمان يستجيب لطلب مروان، ولو بنسبة أقل مما توخاه مروان، فيبادر إلى البطش بعمار، ويسجل هذا العدوان الكبير في صحائف مخالفاته، كما صرح به ابن أعثم بقوله: (فكان هذا من أحداثه الذي نقموا عليه).

عمار عبد أسود:

وقد وصف مروان عماراً بالعبد الأسود، بهدف تحقيره، وتصغير شأنه.. وقد علمنا: أن هذه النزعة قد رفضها الإسلام وأدانها، قال تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}(١).

وعن النبي (صلى الله عليه وآله): لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود.. إلا بالتقوى)(٢).

١- الآية ١٣ من سورة الحجرات.

٢- كنز العمال ج٣ ص٦٩٩ حديث ٨٥٠٢ و (ط مؤسسة الرسالة) ج٢ ص٤٢ وج٣ ص٩٣ و ٦٩٩ ونيل الأوطار ج٥ ص١٦٤ ومسند أحمد ج٥ ص٤١١ = = ومجمع الزوائد ج٣ ص٢٦٦ وج٣ ص٢٧٧ وج٨ ص٨٤ وفتح الباري ج٦ ص٣٨٢ والعهود المحمدية ص٨٧٣ ومسند ابن المبارك ص١٠٦ والمعجم الأوسط ج٥ ص٨٦ والمعجم الكبير للطبراني ج١٨ ص١٣ والغدير ج٦ ص١٨٨ والدر المنثور ج٦ ص٩٨ و ٩٩ وتفسير الآلوسي ج٢٦ ص١٦٣ وسبل الهدى والرشاد ج٨ ص٤٨٢ ودقائق التفسير لابن تيمية ج٢ ص٢٢ ومعدن الجواهر للكراجكي ص٢١ وتفسير الميزان ج١٨ ص٣٣٤ والجامع لأحكام القرآن ج١٦ ص٣٤٢ .

٣٣٥

فما معنى تعيير الإنسان بلونه، الذي لم يكن باختياره، تماماً كما يكون طول قامته أو قصرها وكونه بحاجة إلى مكان، وإلى طعام وشراب، وإلى هواء يتنفسه، ليس باختياره أيضاً، وإنما يتفاضل الناس في إنجازاتهم التي يحققونها، وبالطريق التي يختارونها..

علي (عليه السلام) أفضل من عمار:

قيل لحذيفة: إن عثمان قد قتل، فما تأمرنا؟!

قال: الزموا عماراً.

قيل: إن عماراً لا يفارق علياً.

قال: إن الحسد هو أهلك الجسد، وإنما ينفركم من عمار قربه من علي! فوالله، لعلي أفضل من عمار، أبعد ما بين التراب والسحاب، وإن عماراً من

٣٣٦

الأخيار(١).

ونقول:

١ ـ قلنا في بعض فصول هذا الكتاب: إن علياً (عليه السلام) هو إمام هذه الأمة ورائدها، ولكن كان من المعلوم: أن الأمة ستغدر به بعد استشهاد رسول الله (صلى الله عليه وآله).. وسيتعرض للكثير من التجني، والافتراء عليه، والدس والتحريف في كل ما له مساس به.. وسيطري الآخرون أعداءه، وسيغيرون على فضائله، ليمنحوها لمناوئيه والمنحرفين عنه..

٢ ـ ومن الواضح: أن الذين سمعوا ورأوا، وعرفوا الأمور على حقيقتها، ويريدون أن يبلغوها للناس كما هي، هم قلة قليلة، لا يمكنها القيام بهذا الواجب لكثرة ما ستواجهه من عقبات وموانع، وصوارف وروادع.

٣ ـ ثم من المعلوم أيضاً: أن الأكثرية الكاثرة، ولا سيما بعد فتح البلاد، ودخول الأمم المختلفة في هذا الدين، لا يعرفون الكثير عن علي وأهل البيت (عليهم السلام)، ولم يعيشوا الأحداث بأنفسهم، ولم يسمعوا من النبي (صلى الله عليه وآله) مباشرة، وسيضيعون في خضم الادعاءات التي

١- تاريخ مدينة دمشق ج٤٣ ص٤٥٦ وكنز العمال ج ٧ ص ٧٣ و (ط مؤسسة الرسالة) ج١٣ ص٥٣٢ عن ابن عساكر، وخلاصة عبقات الأنوار ج٣ ص١٢ والغدير ج ٩ ص ٢٨.

٣٣٧

يسمعونها، والشبهات التي سيواجهونها في كل اتجاه..

فكان لا بد من فتح نوافذ هداية إلى الحق لكل هؤلاء، وتوفير مفاتيح تسهل لهم تمييز الحق من الباطل، والواقعي من الزائف. فكان (صلى الله عليه وآله) يضع للناس أعلاماً، يختارهم من خيار الصحابة، ليكونوا لهم هداة إلى الحق. ويطلق في حقهم ما يدل الناس على انهم هم المرجعية لهم في مثل هذه الحالات، كما جرى لعمار بن ياسر مع عثمان حين بناء المسجد في أول الهجرة، حيث أنشد عمار:


لا يستوي من يعمر المساجديدأب فيها قائماً وقاعدا
ومـن يـرى عـن الـتراب حـائــدا

فتهدده عثمان، فسمعها النبي (صلى الله عليه وآله)، فغضب وقال: إن عمار بن ياسر جلدة ما بين عيني وأنفي، فإذا بلغ ذلك من المرء فقد بلغ.

وحينئذٍ أخذ بيد عمار، فطاف به في المسجد، وجعل يمسح وفرته من التراب ويقول:

(يا بن سمية، لا يقتلك أصحابي، ولكن تقتلك الفئة الباغية)(١).

١- راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج٢ ص١٤٢ و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج٢ ص٣٤٥ وتاريخ الخميس ج١ ص٣٤٥ والأعلاق النفيسة، ووفاء الوفاء ج١ ص٣٢٩ والسيرة الحلبية ج٢ ص٧٢ وحياة الإمام الحسين للقرشي ج١ ص٣٦٥ وحليف مخزوم (عمار بن ياسر) ص٨١ وراجع: خلاصة عبقات الأنوار ج٣ ص٤٠ و ٥٠ وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج٢ ص٤٤ وسبل = = الهدى والرشاد ج٣ ص٣٣٦ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٨ ص٤٢٣ عن العقد الفريد (ط الشرقية بمصر) ج٢ ص٢٠٤ وقد ذكره في الغدير ج٩ ص٢١ و ٢٢ و ٢٧ وج١٠ ص٣١٢ عن مصادر كثيرة جداً، لكنه أخذ منه بعض فقراته، فلا بد من مراجعة تلك المصادر الكثيرة لمن أراد المزيد من التحقيق.

٣٣٨

فإذا كان عمار جلدة ما بين عيني الرسول، فمن يضرب عماراً يكون قد ضرب أعز وأكرم موضع في رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو جلدة ما بين عينيه.. ومن بلغ إلى هذا الحد، فإنه يكون قد بلغ أقصى المدى في الجرأة والتحدي والعدوان.

كما أنه إذا كانت الفئة الباغية هي التي تقتل عماراً، فيكون (صلى الله عليه وآله) قد دل الناس على المحق والمبطل، والباغي في حرب صفين، وهو معاوية بلا ريب.

كما أنه حين يقول: عمار مع الحق، والحق مع عمار، وكان عمار مع علي، فلا بد أن يعرف الناس: أنه (عليه السلام) هو المحق وغيره هو المبطل.

وإذا كان أبو ذر أصدق أهل الأرض، فلا بد أن يعرف الناس أن الذي يكذِّبه، أو يضربه، ظالم له، ومفتر عليه.

ومن المعلوم: أن هذه الكلمات في عمار، وفي أبي ذر، وفي سلمان والمقداد، كانت تنقل للناس من جميع الفئات حتى من أعداء هؤلاء الأشخاص: فكان يسهل عليهم تمييزها عن تلك الأمور التي كانت تنقل

٣٣٩