×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج16 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

قد كان يكتمه، وفسر شيئاً قاله يوم مات عمر لم يدر ما عني به، فأقبل على طلحة والناس يسمعون.

فقال: أما والله ـ يا طلحة ـ ما صحيفة ألقى الله بها يوم القيامة أحب إلي من صحيفة الأربعة، الذين تعاهدوا وتعاقدوا على الوفاء بها في الكعبة في حجة الوداع: إن قتل الله محمداً أو توفاه أن يتوازروا علي ويتظاهروا، فلا تصل إلي الخلافة.

والدليل ـ والله ـ على باطل ما شهدوا وما قلت ـ يا طلحة ـ قول نبي الله يوم غدير خم: من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه، فكيف أكون أولى بهم من أنفسهم، وهم أمراء علي وحكام؟!

وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير النبوة، فلو كان مع النبوة غيرها لاستثناه رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وقوله: إني قد تركت فيكم أمرين: كتاب الله وعترتي، لن تضلوا ما تمسكتم بهما، لا تتقدموهم ولا تخلفوا عنهم، ولا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم.

أفينبغي أن يكون الخليفة على الأمة إلا أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه، وقد قال الله عز وجل: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}؟!(١)، وقال: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ

١- الآية ٣٦ من سورة يونس.

٢١

وَالْجِسْمِ}(١)، وقال: {اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ}(٢)؟!.

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما ولت أمة قط أمرها رجلاً وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل يذهب أمرهم سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا.

فأما الولاية فهي غير الإمارة، والدليل على كذبهم وباطلهم وفجورهم أنهم سلموا عليَّ بإمرة المؤمنين بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ومن الحجة عليهم، وعليك خاصة، وعلى هذا معك ـ يعني الزبير ـ وعلى الأمة رأساً، وعلى سعد، وابن عوف، وخليفتكم هذا القائم ـ يعني عثمان ـ فإنا معشر الشورى الستة أحياء كلنا ـ أن جعلني عمر بن الخطاب في الشورى(٣)، إن كان قد صدق هو وأصحابه على رسول الله (صلى الله عليه وآله): أجعلنا شورى في الخلافة أو في غيرها؟! فإن زعمتم أنه جعلها شورى في غير الإمارة، فليس لعثمان إمارة، وإنما أمرنا أن نتشاور في غيرها، وإن كانت الشورى فيها، فلم أدخلني فيكم؟! فهلا أخرجني؟!

وقد قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخرج أهل بيته من الخلافة، وأخبر أنه ليس لهم فيها نصيب؟!

١- الآية ٢٤٧ من سورة البقرة.

٢- الآية ٤ من سورة الأحقاف.

٣- المراد: إن من الحجج عليهم جعل عمر بن الخطاب علياً (عليه السلام" في الشورى الخ..

٢٢

ولم قال عمر حين دعانا رجلاً رجلاً، فقال لعبد الله ابنه ـ وها هو إذا ـ: أنشدك بالله يا عبد الله بن عمر! ما قال لك حين خرجت؟!

قال: أما إذا ناشدتني بالله، فإنه قال: إن يتبعوا أصلع قريش لحملهم على المحجة البيضاء، وأقامهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم.

قال: يا بن عمر! فما قلت له عند ذلك؟!

قال: قلت له: فما يمنعك أن تستخلفه؟!

قال: وما رد عليك؟!

قال: رد على شيئاً أكتمه.

قال (عليه السلام): فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبرني به في حياته، ثم أخبرني به ليلة مات أبوك في منامي، ومن رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في نومه فقد رآه في يقظته.

قال: فما أخبرك؟!

قال (عليه السلام): فأنشدك بالله يا ابن عمر! لئن أخبرتك به لتصدقن؟!

قال: إذاً أسكت.

قال: فإنه قال لك حين قلت له: فما يمنعك أن تستخلفه؟!

قال: الصحيفة التي كتبناها بيننا والعهد في الكعبة، فسكت ابن عمر وقال: أسألك بحق رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما سكت عني.

قال سليم: فرأيت ابن عمر في ذلك المجلس خنقته العبرة وعيناه تسيلان.

٢٣

وأقبل أمير المؤمنين علي (عليه السلام) على طلحة، والزبير، وابن عوف، وسعد، فقال: والله لئن كان أولئك الخمسة (أو الأربعة(١)) كذبوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما يحل لكم ولايتهم، وإن كانوا صدقوا ما حل لكم أيها الخمسة أن تدخلوني معكم في الشورى، لأن إدخالكم إياي فيها خلاف على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورد عليه.

ثم أقبل على الناس، فقال: أخبروني عن منزلتي فيكم وما تعرفوني به، أصادق أنا فيكم أم كاذب؟!.

قالوا: بل صديق صدوق، والله ما علمناك كذبت كذبة قط في جاهلية ولا إسلام.

قال: فوالله الذي أكرمنا أهل البيت بالنبوة، وجعل منا محمداً (صلى الله عليه وآله)، وأكرمنا بعده بأن جعلنا أئمة المؤمنين، لا يبلغ عنه غيرنا، ولا تصلح الإمامة والخلافة إلا فينا، ولم يجعل لأحد من الناس فيها معنا أهل البيت نصيباً ولا حقاً.

أما رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخاتم النبيين، وليس بعده نبي ولا رسول، ختم برسول الله (صلى الله عليه وآله) الأنبياء إلى يوم القيامة، وجعلنا من بعد محمد (صلى الله عليه وآله) خلفاء في أرضه، وشهداء على خلقه، وفرض طاعتنا في كتابه، وقرننا بنفسه في كتابه المنزل، وبينه في غير آية من القرآن.

١- لعل الترديد من الراوي.

٢٤

ثم إن الله تبارك وتعالى أمر نبيه (صلى الله عليه وآله) أن يبلغ ذلك أمته، فبلغهم كما أمره الله.. فأيهما أحق بمجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومكانه.

وقد سمعتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين بعثني ببراءة، فقال: لا يبلغ عني إلا رجل مني، أنشدكم بالله، أسمعتم ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟!

قالوا: اللهم نعم، نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين بعثك ببراءة.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا يصلح لصاحبكم أن يبلغ عنه صحيفة قدر أربع أصابع، وإنه لا يصلح أن يكون المبلغ عنه غيري، فأيهما أحق بمجلسه ومكانه ـ الذي سمي بخاصته أنه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو من حضر مجلسه من الأمة ـ؟!

فقال طلحة: قد سمعنا ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ففسر لنا كيف لا يصلح لاحد أن يبلغ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) غيرك؟!

ولقد قال لنا ولسائر الناس: ليبلغ الشاهد الغائب.

فقال ـ بعرفة في حجة الوداع ـ: نضر الله امرءاً سمع مقالتي ثم بلغها غيره، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله عز وجل، والسمع والطاعة، والمناصحة لولاة الأمر، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم محيلة من

٢٥

ورائهم، وقال في غير موطن: ليبلغ الشاهد الغائب.

فقال علي (عليه السلام): إن الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم، ويوم عرفة في حجة الوداع، ويوم قبض في آخر خطبة خطبها حين قال:

إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله تعالى وأهل بيتي، فإن اللطيف الخبير قد عهد إلي أنهما لا يفترقان حتى يردا علي الحوض كهاتين الإصبعين، ألا إن أحدهما قدام الآخر، فتمسكوا بهما لا تضلوا ولا تزلوا، ولا تقدموهم ولا تخلفوا عنهم، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم.

وإنما أمر العامة جميعاً أن يبلغوا من لقوا من العامة إيجاب طاعة الأئمة من آل محمد عليه وعليهم السلام، وإيجاب حقهم، ولم يقل ذلك في شيء من الأشياء غير ذلك، وإنما أمر العامة أن يبلغوا العامة حجة من لا يبلغ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جميع ما يبعثه الله به غيرهم.

ألا ترى ـ يا طلحة ـ! أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لي ـ وأنتم تسمعون ـ: يا أخي إنه لا يقضي عني ديني ولا يبرء ذمتي غيرك، تبرئ ذمتي، وتؤدي ديني وغراماتي، وتقاتل على سنتي؟!.

فلما ولي أبو بكر قضى عن نبي الله دينه وعداته، فاتبعتموه جميعاً؟! فقضيت دينه وعداته، وقد أخبرهم إنه لا يقضي عنه دينه وعداته غيري، ولم يكن ما أعطاهم أبو بكر قضاء لدينه وعداته، وإنما كان الذي قضى من الدين والعدة هو الذي أبرأه منه.

٢٦

وإنما بلغ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جميع ما جاء به من عند الله من بعده الأئمة الذين فرض الله في الكتاب طاعتهم، وأمر بولايتهم، الذين من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصى الله.

فقال طلحة: فرجت عني، ما كنت أدري ما عنى بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى فسرته لي، فجزاك الله يا أبا الحسن عن جميع أمة محمد (صلى الله عليه وآله) الجنة.

يا أبا الحسن! شيء أريد أن أسألك عنه، رأيتك خرجت بثوب مختوم، فقلت: أيها الناس! إني لم أزل مشتغلاً برسول الله (صلى الله عليه وآله) بغسله وكفنه ودفنه، ثم اشتغلت بكتاب الله حتى جمعته.

فهذا كتاب الله عندي مجموعاً لم يسقط عني حرف واحد.

ولم أر ذلك الذي كتبت وألفت، وقد رأيت عمر بعث إليك أن ابعث به إلي، فأبيت أن تفعل، فدعا عمر الناس فإذا شهد رجلان على آية كتبها، وإذا ما لم يشهد عليها غير رجل واحد أرجاها فلم يكتب، فقال عمر ـ وأنا أسمع ـ: إنه قد قتل يوم اليمامة قوم كانوا يقرأون قرآنا لا يقرأه غيرهم فقد ذهب.

وقد جاءت شاة إلى صحيفة، وكتاب يكتبون فأكلتها وذهب ما فيها، والكاتب يومئذ عثمان.

وسمعت عمر وأصحابه الذين ألفوا ما كتبوا على عهد عمر وعلى عهد عثمان يقولون: إن الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، وأن النور نيف ومائة آية، والحجر مائة وتسعون آية، فما هذا؟! وما يمنعك ـ يرحمك الله ـ

٢٧

أن تخرج كتاب الله إلى الناس؟!

وقد عهد عثمان حين أخذ ما ألف عمر فجمع له الكتاب، وحمل الناس على قراءة واحدة، فمزق مصحف أبي بن كعب، وابن مسعود، وأحرقهما بالنار؟!

فقال له علي (عليه السلام): يا طلحة! إن كل آية أنزلها الله جل وعلا على محمد (صلى الله عليه وآله) عندي بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط يدي، وتأويل كل آية أنزلها الله على محمد (صلى الله عليه وآله)، وكل حلال وحرام، أو حد، أو حكم، أو شيء تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة عندي مكتوب بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط يدي، حتى أرش الخدش.

فقال طلحة: كل شيء من صغير أو كبير، أو خاص أو عام، أو كان أو يكون إلى يوم القيامة فهو عندك مكتوب؟!

قال: نعم، وسوى ذلك إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أسر إلي في مرضه مفتاح ألف باب من العلم يفتح كل باب ألف باب.

ولو أن الأمة منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) اتبعوني وأطاعوني لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم.

يا طلحة! ألست قد شهدت رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين دعا بالكتف ليكتب فيه ما لا تضل أمته، فقال صاحبك: إن نبي الله يهجر، فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتركها؟!

قال: بلى، قد شهدته.

٢٨

قال: فإنكم لما خرجتم أخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالذي أراد أن يكتب ويشهد عليه العامة، فأخبره جبرئيل (عليه السلام) أن الله عز وجل قد قضى على أمته الإختلاف والفرقة.

ثم دعا بصحيفة فأملى علي ما أراد أن يكتب في الكتف، وأشهد على ذلك ثلاثة رهط: سلمان وأبو ذر (لعل الصحيح: أبا ذر) والمقداد، وسمى من يكون من أئمة الهدى الذين أمر الله بطاعتهم إلى يوم القيامة، فسماني أولهم، ثم ابني هذا، ثم ابني هذا ـ وأشار إلى الحسن والحسين ـ ثم تسعة من ولد ابني الحسين.

أكذلك كان يا أبا ذر ويا مقداد؟!

فقاما ثم قالا: نشهد بذلك على رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فقال طلحة: والله، لقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق ولا أبر عند الله من أبي ذر، وأنا أشهد أنهما لم يشهدا إلا بحق. وأنت عندي أصدق وأبر منهما.

ثم أقبل علي (عليه السلام)، فقال: اتق الله عز وجل يا طلحة! وأنت يا زبير! وأنت يا سعد! وأنت يا بن عوف! اتقوا الله وآثروا رضاه، واختاروا ما عنده، ولا تخافوا في الله لومه لائم.

ثم قال طلحة: لا أراك يا أبا الحسن أجبتني عما سألتك عنه من أمر القرآن، ألا تظهره للناس؟!.

قال: يا طلحة! عمداً كففت عن جوابك، فأخبرني عما كتب عمر،

٢٩
٣٠

ولنذكر بعض الزوائد التي وجدناها في كتاب سليم، وبعض الإختلافات بينه وبين سائر الروايات.

قال ـ بعد قوله ـ: لم يلتق واحد منهم على سفاح قط.

فقال أهل السابقة والقدمة، وأهل بدر، وأهل أحد: نعم قد سمعنا ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله).

قال: فأنشدكم الله، أتقرون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) آخا بين كل رجلين من أصحابه وآخى بيني وبين نفسه، وقال: أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة؟!

فقالوا: اللهم نعم.

قال: أتقرون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشترى موضع مسجده ومنازله، فأتيناه، ثم بنى عشرة منازل تسعة له، وجعل لي عاشرها في وسطها، ثم سد كل باب شارع إلى المسجد غير بابي، فتكلم في ذلك من تكلم، فقال: ما أنا سددت أبوابكم وفتحت بابه، ولكن الله أمرني بسد أبوابكم وفتح بابه؟!

ولقد نهى الناس جميعاً أن يناموا في المسجد غيري، وكنت أجنب في المسجد(١)، ومنزلي ومنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المسجد، يولد

١- لا يجوز مقاربة الزوجة في المسجد، ولعامة الناس. فتجويز ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله" ولعلي (عليه السلام" يدل على أنهما ليسا في هذا الأمر كسائر الناس، حيث يكون ذلك منهما لا ينافي حرمـة المسجد، إما لأن لبيت سكناهما حرمة = = المسجد أو أكثر.. أو لأن حرمتهما من سنخ حرمة المسجد، فلا يضر هذا الأمر منهما فيه. فكان هذا التصرف النبوي من موجبات إظهار هذا المقام الجليل له ولعلي (صلوات الله وسلامه عليه".

٣١

لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولي فيه أولاد؟!

قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن عمر حرص على كوة قدر عينه يدعها من منزله إلى المسجد فأبى عليه، ثم قال (صلى الله عليه وآله): إن الله أمر موسى (عليه السلام) أن يبني مسجداً طاهراً لا يسكنه غيره وغير هارون وابنيه، وإن الله أمرني أن أبني مسجداً طاهراً، لا يسكنه غيري وغير أخي وابنيه؟!

قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ـ في غزوة تبوك ـ: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وأنت ولي كل مؤمن من بعدي؟!

قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين دعا أهل نجران إلى المباهلة أنه لم يأت إلا بي وبصاحبتي وابني؟!

قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أنه دفع إلي اللواء يوم خيبر، ثم قال: لأدفعن الراية غداً إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، ليس بجبان ولا فرار،

٣٢

يفتحها الله على يديه؟!

قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعثني ببراءة وقال: لا يبلغ عني إلا رجل مني؟!

قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم ينزل به شديدة قط إلا قدمني لها ثقة بي، وأنه لم يدع باسمي قط إلا أن يقول: يا أخي.. وادعوا لي أخي؟!

قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قضى بيني وبين جعفر وزيد في ابنة حمزة، فقال: يا علي! أنت مني وأنا منك، وأنت ولي كل مؤمن بعدي؟.

قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أنه كانت لي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل يوم وليلة دخلة وخلوة، إذا سألته أعطاني، وإذا سكتت ابتدأني؟!

قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فضلني على حمزة وجعفر، فقال لفاطمة: إن زوجك خير أهلي وخير أمتي، أقدمهم سلماً، وأعظمهم حلماً؟!

٣٣

قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أنا سيد ولد آدم (عليه السلام) وأخي علي سيد العرب، وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة؟!

قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرني بغسله، وأخبرني أن جبرئيل (عليه السلام) يعينني عليه؟.

قالوا: اللهم نعم.

قال: أفتقرون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في آخر خطبة خطبكم: أيها الناس! إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وأهل بيتي؟!

قالوا: اللهم نعم.

قال: فلم يدع شيئاً مما أنزل الله فيه خاصة، وفي أهل بيته من القرآن، ولا على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا ناشدهم الله به، فمنه ما يقولون جميعاً: نعم. ومنه ما يسكت بعضهم، ويقول بعضهم: اللهم نعم. ويقول الذين سكتوا: أنتم عندنا ثقات، وقد حدثنا غيركم ممن نثق به أنهم سمعوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ثم قال حين فرغ: اللهم اشهد عليهم(١).

١- بحار الأنوار ج٣١ ص٤٠٧ ـ ٤٢٧ و ٤٢٨ ـ ٤٣٢ وكتاب سليم بن قيس ج٢ ص٦٣٦ ـ ٦٦٠ وغايـة المـرام ج٢ ص١٠٢ و ١٠٣ وج٦ ص١٠٣ وإكـمال = = الدين ج١ ص٢٤٧ ـ ٢٧٩ مختصراً، وعن المصادر التالية: منهاج الفاضلين للحموئي الخراساني (مخطوط)، وإثبات الهداة ج١ ص١٠٨ و ٦٢٠ وج٢ ص٤٤٧ و ١٨٤ وفضائل السادات ج٢ ص٢٨٤ واللوامع النورانية ص٢٣٧ والغيبية للنعماني ص٥٢ والتحصين لابن طاووس باب ٢٥ ونور الثقلين ج٥ ص٥١٦ وفرائد السمطين ج١ ص٣١٢ وينابيع المودة ص١١٤ و ٤٤٥ وكفاية الموحدين ج٢ ص٣٤٣ و ٣٥٩ وج٣ ص٢٠٢ ونزهة الكرام لمحمد حسين الرازي ص٥٣٩.

٣٤

ونقول:

لا بد من التذكير بأمور لعلها تفيد في إعطاء الإنطباع الصحيح عن مضامين هذا الحوار فلاحظ ما يلي:

حقيقة تلك الفضائل:

لقد ادعى اولئك الناس فضائل مختلفة لقريش وسواها. والسؤال هو هل يمكن الحكم بصحة كل ما أوردوه من ذلك، استناداً إلى أن نفس تصديق هذا الجمع الكثير يدل على صحة تلك الفضائل لأصحابها، وعلى أنها قد صدرت من رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!..

يجاب عن هذا:

أولاً: بالنفي، إذ لا يجب أن يكون جميع من لم يعترض على تلك المرويات قد سمعها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) مباشرة..

فلعله لم يسمعها، أو سمعها من أشخاص كان يهمهم روايتها وإشاعتها

٣٥

بين الناس..

كما أنه قد لا يرى مصلحة في تكذيبها، أو في الإعتراض عليها، لأن ذلك ربما يثير عصبيات فئات لا يريد أن يثيرها فيها.

ثانياً: إن تلك الفضائل التي ذكرت إنما كان ملاك الفضل فيها هو رسول الله (صلى الله عليه وآله).. أو الحمزة، أو جعفر، أو علي، أو بنو هاشم، فلا يمكن عدها في جملة فضائل قريش كقبيلة وحي..

كما أن فضائل الأنصار إن ثبتت، فإنما ثبتت لهم لعين ما ذكرناه آنفاً، فليلاحظ ذلك..

وقد قررهم (عليه السلام) بهذا الأمر، فأقروا به، فقد قال لهم: بمن أعطاكم الله هذا الفضل، أبأنفسكم؟ أو بعشائركم؟! وأهل بيوتاتكم؟! أم بغيركم؟!

قالو: بل أعطانا الله، ومنَّ به علينا بمحمد وعشيرته، لا بأنفسنا وعشائرنا، ولا بأهل بيوتناً.

قال: صدقتم، يا معشر قريش، والأنصار، أتعلمون الذي نلتم به من خير الدنيا والآخرة منا أهل البيت خاصة دون غيرهم؟!

فيعترفون لعلي (عليه السلام).

وقد لاحظنا: أن علياً (عليه السلام) حين بيّن لهم ما حباه الله به قد تعمد أن ينتزع منهم الإعتراف بصحة كل مفردة على حدة مما يسوقه لهم، مقرراً جميع من حضر ذلك الإجتماع..

أما ما ذكروه لأنفسهم، فإنهم قد اكتفوا بذكر ما راق لهم، ولم يحاولوا

٣٦

الحصول على اعتراف جميع الحاضرين به لهم.

من فمك أدينك:

إن غرض علي (عليه السلام) من التذكير بتلك المكرمات لم يكن هو الإفتخار والإستطالة بها على الناس، من حضر منهم، ومن لم يحضر.. بل هو يريد تكريس مفهوم الإمامة لصاحبه الشرعي، بعد ما كانت السياسات تسعى لتقويضه وإسقاطه..

وذلك خدمة منه (عليه السلام) للناس، وعملاً بالتكليف الإلهي، الذي يفرض عليه توعية الأمة على حقائق دينها، التي يراد تعمية السبل إليها..

ولكننا حين نقرأ ما طرحه الآخرون من فضائل توهموها، نلاحظ:

أنهم تحدثوا عن انتمائهم القبلي، وبروحية عشائرية، لعل الكثيرين من الذين حضروا كانوا يجدون فيها ما يبرر حالة الزهو والخيلاء والإعتزاز الشخصي لهم بأمر لو طلب منهم أن ينهضوا بأعبائه، وأن يتحملوا مسؤولياته، وأن يطبعوا حياتهم بالطابع الذي يفرضه عليهم لوجدتهم يبادرون لرفض ذلك، بل ربما كانوا من أشد الناس منابذة له، وحرباً عليه، واضطهاداً له ولكل رموزه..

وشاهدنا على ذلك قول الرواية نفسها عن الأنصار: ..فلم يدعوا شيئاً من فضلهم، حتى قال كل حي منها، منا فلان وفلان.

وقالت قريش: منا رسول الله، ومنا حمزة، و.. و ..

٣٧

أحاديث لها أغراضها:

إن بعض ما ذكره المجتمعون من روايات عن النبي (صلى الله عليه وآله) بعنوان فضائل لأنفسهم إنما صدر عنه (صلى الله عليه وآله) في سياق إثبات الإمامة، أو للتوطئة لها، مثل قوله (صلى الله عليه وآله): <الأئمة من قريش >(١).

١- فتح الباري ج١٢ ص١٣٥ وج١٣ ص٦٨ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٦ ص٢٤ و ٢٩ و ٣٧ والصراط المستقيم ج١ ص٨٢ وج٢ ص٢٨٦ و ٣٠١ ووصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص٦٩ والصوارم المهرقة ص٥٩ و ٧٣ و ١٦٨ و ١٧٠ وبحار الأنوار ج١٨ ص١٣٣ وج٢٥ ص١٠٤ وج٢٨ ص١٧١ و ٢٦١ وج٢٩ ص٣٧٨ وج٣٠ ص١٠ و ٢٩١ وج٣١ ص٧٦ و ٨٠ و ٤٠٧ وج٣٤ ص٣٧٧ وتحفة الأحوذي ج٧ ص٣٦٦ ومسند أحمد ج٣ ص١٢٩ و ١٨٣ وج٤ ص٤٢١ والمستدرك للحاكم ج٤ ص٧٥ والسنن الكبرى للبيهقي ج٣ ص١٢١ وج٨ ص١٤٣ و ١٤٤ ومجمع الزوائد ج٥ ص١٩٢ و ١٩٤ ومغني المحتاج ج٤ ص١٣٠ وبدائع الصنائع ج٢ ص٣١٩ وحاشية رد المحتار ج١ ص٥٩٠ وكشاف القناع ج١ ص٥٧٤ وج٦ ص٢٠٢ والمحلى لابن حزم ج٧ ص٤٩١ والكافي ج٨ ص٣٤٣ وعيون أخبار الرضا ج١ ص٦٩ وكمال الدين وتمام النعمة ص٢٧٤ والإيضاح لابن شاذان ص٢٣٥ والهداية الكبرى ص١٣٨ و ٤٠٨ والإحتجاج ج١ ص٢١١ وتذكرة الفقهاء (ط.ج) ج٤ ص٣٠٩ وج٩ ص٣٩٤ ومختصر المزني ص٢٤ والمجموع للنووي ج١ ص٧ وج١٩ ص١٩٢ وفتح الوهاب ج٢ ص٢٦٨ ومناقب آل أبي طالب ج١ ص٩٦ و ٣١٠ والتحصين لابن طـاووس ص٦٣٠ = = وكشف المحجة لابن طاووس ص٤٤ و ١٧٦ والمصنف للصنعاني ج١١ ص٥٨ والمصنف لابن أبي شيبة ج٧ ص٥٤٥ ومسند أبي يعلى ج٦ ص٣٢١ وج٧ ص٩٤ والسنن الكبرى للنسائي ج٣ ص٤٦٧.

٣٨

ونزيد في توضيح تلك النصوص بذكر المثال والنموذج، فلاحظ ما يلي:

ألف: لعل الحديث القائل من أبغض قريشاً أبغضه الله، يراد به التحذير من بغضها على سبيل العصبية والحمية الجاهلية، أو بغضها لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) منها..

ب: حديث: <الناس تبع لقريش، وقريش أئمة العرب> يرمي إلى بيان واقع عملي خارجي، من شأنه أن يرتب على قريش واجبات، ويحملها مسؤوليات يجمل بها أن تلتفت إليها.

أي أن هذا الحديث يهدف إلى حمل قريش على التزام طريق الإستقامة، ولذلك خصص إمامتها بالعرب، ولو كان المقصود الإمامة الإلهية لعمم الكلام ليشمل جميع الأمم..

أي أنه (صلى الله عليه وآله) يريد أن يقول: إن الناس ينقادون عملياً لقريش، برهم لأبرارها، وفاجرهم لفجارها، كما ورد في بعض نصوص هذا الحديث(١).

١- راجع: بصائر الدرجات ص٥٣ وبحار الأنوار ج٢٤ ص١٥٧ والمصنف لابن أبي شيبة ج٧ ص٥٤٦ و ٧٣٧ وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص٦٢٢ وكنز العمال ج١٤ ص٧٧ والدر النظيم ص٤٥.

٣٩

وقد حصلت قريش على هذه الموقعية بسبب سدانتها للبيت، ولغير ذلك من عوامل، فعليها أن تحسن النّظر لنفسها، ولا تكون سبباً في جر الناس إلى الشقاء والبلاء.

ج: حين نصل إلى أحاديث الثناء على الأنصار، نكاد نطمئن إلى أن الهدف هو تحصين الأنصار من بغي قبائل العرب عليهم، ولا سيما قريش التي كان الكثيرون منها يتربصون بالأنصار شراً، لأنه يرون أنهم هم السبب في ظهور النبي (صلى الله عليه وآله) عليهم في حروبهم له..

ومن الواضح: أن بغض قريش وغيرها للأنصار، يتنافى مع الإيمان بالله ورسوله، لأنهم إنما يبغضونهم لنصرتهم الله ورسوله.

سكوت علي (عليه السلام) وأهل بيته:

إن علياً (عليه السلام) وأهل بيته الذين كانوا في ذلك المجلس، قد بقوا ساكتين طيلة تلك الفترة التي استمرت من بكرة إلى الزوال..

فأما سكوت أهل بيته (عليه السلام)، فهو طبيعي، فإنهم لم يكونوا ليتقدموا سيدهم وعظيمهم في ذلك.. ولعلهم أدركوا أن سكوته كان لحكمة بالغة، اقتضته..

ولعلهم شعروا أن هذه الأجواء التي هيمنت على المجتمعين لم تكن سليمة من الناحية الأخلاقية والشرعية، حين فاحت منها روائح العصبيات الجاهلية، والعاهات الأخلاقية..

ولكن المهم هنا هو أن علياً (عليه السلام) لم يشارك في شيء.. ولكنه لم

٤٠