×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج16 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

لأن الولد للفراش.

٧ ـ المراد بإنكار زوجها لحملها هو إنكار أن يكون حملها منه.

٨ ـ إن ذلك يعطي أن موضوع خلافة الرسول لا يتلخص بالإدارة السياسية، وتدبير الحروب.. بل هناك أمور كثيرة لا بد أن يكون الخليفة واجداً لشرائطها، عارفاً بأسرارها، وبالحق والباطل منها.. حتى إنه قد يحتاج إلى علم التشريح وسواه من علوم، كما أظهرته هذه الحادثة، وأحداث كثيرة غيرها، ذكرنا شطراً منها في هذا الكتاب..

المكاتبة تجلد بحساب الحرية والرق معاً:

ورووا: أن مكاتبة زنت على عهد عثمان، وقد عتق منها ثلاثة أرباعها، فسأل عثمان أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: تجلد بحساب الحرية، وتجلد منها بحساب الرق.

فقال زيد بن ثابت: تجلد بحساب الرق.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): كيف تجلد بحساب الرق، وقد عتق ثلاثة أرباعها؟!

وهلا جلدتها بحساب الحرية، فإنها فيها أكثر؟!

فقال: لو كان ذلك كذلك لوجب توريثها بحساب الحرية.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أجل ذلك واجب.

٦١

فأفحم زيد(١).

زاد المفيد هنا قوله: (وخالف عثمان أمير المؤمنين (عليه السلام)، وصار إلى قول زيد، ولم يصغ إلى ما قال بعد ظهور الحجة عليه)(٢).

ونقول:

١ ـ إن عثمان يسأل علياً (عليه السلام) عن الحكم، فلما أخبر به عمد إلى مخالفته، والأخذ بقول زيد، وكان عليه أن يعمل بقول باب مدينة علم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبمن هو مع الحق والقرآن، والحق والقرآن معه..

٢ ـ إن الحجة التي أقامها علي (عليه السلام) على زيد، واضحة المأخذ، بينة الرشد، وقد أفحم زيد بها، فكيف يأخذ عثمان بفتوى من أفحمته الحجة؟!

١- الإرشاد للمفيد (ط دار المفيد) ج١ ص٢١١ و ٢١٢ ومناقب آل أبي طالب ج٢ ص٣٧١ و (ط المكتبة الحيدرية) ج٢ ص١٩٢ وبحار الأنوار ج٤٠ ص٢٥٧ وج٧٦ ص٥٠ ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج٢٨ ص ١٣٨ و (ط دار الإسلامية) ج١٨ ص٤٠٥ وقاموس الرجال ج٤ ص٢٤٠ وجامع أحاديث الشيعة ج٢٥ ص٤٠١ وعجائب أحكام أمير المؤمنين (عليه السلام" ص٩٠.

٢- راجع: الإرشاد للمفيد (ط دار المفيد) ج١ ص٢١٢ بحار الأنوار ج٤٠ ص٢٥٧ وج٧٦ ص٥٠ وقاموس الرجال ج٤ ص٢٣٩ وجامع أحاديث الشيعة ج٢٥ ص٤٠١.

٦٢

٣ ـ إن الحوار الذي جرى بين علي (عليه السلام) وبين زيد دل على أن زيداً يجهل حكم الإرث، بالإضافة إلى حكم الجلد في الزنا..

٤ ـ إنهم يزعمون: أن زيد بن ثابت متميز في الفرائض، ويدَّعون: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أفرضكم زيد(١)، وإذ به يجهل أبسط أحكام الإرث، وهو مقدار إرث الأمة المكاتبة، التي تحرر جزء منها بالكتابة.

ألا يدل ذلك على عدم صحة ما نسبوه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حق زيد؟!

وألا يفسر هذا لنا ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام)، من أنه قال: أشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية(٢).

١- سبل السلام ج٣ ص١٠٢ وفتح الباري ج٧ ص٨٤ وج١٢ ص١٧ والمواقف للإيجي ج٣ ص٦٢٧ والدراية في تخريج أحاديث الهداية ج٢ ص٢٩٧ والإنصاف للمرداوي ج٧ ص٣٠٦ وفيض القدير ج٢ ص٢٨ وكشف الخفاء ج١ ص١٤٩ والبرهان للزركشي ج٢ ص١٧٢ والإتقان في علوم القرآن ج٢ ص٤٨٣ والمنخول للغزالي ص٥٥٧ وأسد الغابة ج٢ ص٢٢٢ والإصابة ج١ ص٥٥ وج٢ ص٤٩٢ وإسعاف المبطأ برجال الموطأ ص٣٥ والعثمانية للجاحظ ص٩٤ ووفيات الأعيان لابن خلكان ج٢ ص٢٢٣ وسبل الهدى والرشاد ج١١ ص٣٨٣ وتحفة الأحوذي ج١٠ ص١٥٥ ومغني المحتاج ج٣ ص٣ والمبسوط للسرخسي ج٢٩ ص١٣٦ والمغني لابن قدامة ج٢ ص١٨.

٢- الكافي ج٧ ص٤٠٧ وتهذيب الأحكام ج٦ ص٢١٨ ووسائل الشيعة (ط مؤسسة = = آل البيت) ج٢٧ ص٢٣ و (ط دار الإسلامية) ج١٨ ص١١ وفقه القرآن للراوندي ج٢ ص٧ وجامع أحاديث الشيعة ج٢٥ ص٢٤ وقاموس الرجال (الطبعة الأولى) ج٤ ص٢٣٩ والكافي للحلبي ص٤٢٥ و ٤٢٦ وجواهر الكلام ج٤٠ ص١٦ والصافي ج٢ ص٤١ والفوائد المدنية والشواهد المكية ص٢٠٣ وجامع الرواة للأردبيلي ج١ ص٣٤١ وطرائف المقال للبروجردي ج٢ ص١٣٧.

٦٣

٥ ـ إن زيداً استفاد من القياس الذي لا يجوز استعماله في الشريعة، والأحكام، فإن الملاكات والحيثيات تختلف وتتفاوت من حكم لآخر، ولذلك تقضي المرأة الصيام ولا تقضي الصلاة في أيام الحيض.. كما أنها في الديات تختلف عن الرجل، فإنها تعاقله إلى نصف الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف(١). وهذا هو الحكم الشرعي في دية الأصابع.

٦ ـ إنه (عليه السلام) قد استدرج زيداً إلى الإقرار بأنه قد أفتى برأيه، لا بالإستناد إلى ما سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله).. وإلا لاحتج بما سمعه..

٧ ـ إن علياً (عليه السلام) حين سأل زيداً عن سبب عدم جلد الأمة

١- راجع: الكافي ج٧ ص٢٩٩ وتهذيب الأحكام ج١٠ ص١٨٤ ومن لا يحضره الفقيه ج٤ ص٨٨ والمقنعة ص١٢٠ ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج٢٩ ص٣٥٢ و ٣٥٣ و (ط دار الإسلامية) ج١٩ ص٢٦٨ و ٢٦٩ وجامع أحاديث الشيعة ج٢٦ ص٣٨٠ وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام" للنجفي ج٩ ص٢٤١.

٦٤

بحساب الحرية فإنها فيها أكثر، لم يكن يريد أن يستفيد من الإستحسانات في استنباط الحكم الشرعي، بل أراد أن يكلم زيداً وفق منطقه، لكي يلزمه بالحجة، بعد إقراره بمستنده، الذي اعتبره كافياً لإبطال حجة علي (عليه السلام)..

ولم يرد أن يهيء له فرصة تعمية الحقيقة، ولو بإيهام الناس بأنه يفتي بما سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله).

٨ ـ والذي لم نجد له تفسيراً هو ما أرسله زيد إرسال المسلمات، من أن توريث المكاتبة يكون بحساب الرق، فمن أين أخذ هذا، ولماذا توهم أنه هو الحق الذي لا مراء فيه؟! أتراه سمع ذلك من بعض من كان يعاشرهم من المتنفذين وغيرهم، فصدقه، من دون أن يتثبت فيه؟!

أم أنه اجتهد فيه من عند نفسه، متوهماً أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يصرح بحكم الله فيه؟!

فلما واجهه علي (عليه السلام) بالحقيقة أدرك أن الأمر على عكس ما توهمه، فإن ثمة نصاً صادراً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذا المورد، وأن المكابرة فيه ستجره إلى فضيحة لا يستطيع تحملها..

رجم من ولدت لستة أشهر:

ودخلت امرأة على زوجها، فولدت لستة أشهر، فذكر ذلك لعثمان، فأمر أن ترجم.

فدخل عليه علي (عليه السلام)، فقال: إن الله عز وجل يقول: {وَحَمْلُهُ

٦٥

وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً}(١)، وقال أيضاً: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}(٢).

قال: فوالله ما كان عند عثمان إلا أن بعث إليها فرجمت.

وفي نص آخر: فلم يصل رسوله إليهم إلا بعد الفراغ من رجمها(٣).

واعتذر ابن روزبهان عن عثمان بقوله: (ربما كان له فيه اجتهاد اقتضى رجمها، فهو عمل بعلمه واجتهاده)(٤).

ونقول:

أولاً: إن الآيتين اللتين استدل بهما علي (عليه السلام) على عثمان لا تدعان مجالاً لأي اجتهاد.

ثانياً: لو كان لعثمان حجة لأصحر بها، ودفع اللوم والعيب عن نفسه.

ثالثاً: إن ظاهر الرواية: أن عثمان قد أصرّ على رجم المرأة على سبيل

١- الآية ١٥ من سورة الأحقاف.

٢- الآية ١٤ من سورة القمان.

٣- نهج الحق (مطبوع مع دلائل الصدق) ج٣ ق١ ص١٩٦ و (ط دار الهجرة ـ قم) ص٣٠٣ عن مسلم، وإحقاق الحق (الأصل) ص٢٥٨ وبحار الأنوار ج٣١ ص٢٤٦ و ٢٤٧ وفي هامشه عن المصادر التالية: الموطأ لمالك ج٢ ص١٧٦ والسنن الكبرى للبيهقي ج٧ ص٤٤٢ وتفسير القرآن العظيم ج٤ ص١٥٧ وتيسير الوصول ج٢ ص٩ وعمدة القاري ج٩ ص٦٤٢ والدر المنثور ج٦ ص٤٠ وكتاب العلم لابن عبد البر ص١٥٠.

٤- إبطال الباطل (مطبوع مع دلائل الصدق) ج٣ ق ١ ص١٩٦.

٦٦

العناد، الذي لم يكن تصديقه عنه في مثل هذا المورد ممكناً لدى العقلاء وأهل الدين، حتى احتاج الراوي لتأكيد حصول الرجم بالقسم.

رابعاً: إن الزنا الموجب للرجم هو ما كان حال الإحصان، وأمّا الزنا من غير المحصن، فجزاؤه الجلد مئة جلدة.

إلا إن كان قد عقد عليها قبل الستة أشهر، ولم يدخل. فاعتبرت محصنة، وحكموا برجمها لأجل ذلك.

ملاحظة: تقدم: أن قصة أخرى شبيهة بهذه القصة كانت قد حصلت في عهد عمر، فنجت تلك المرأة بتدخل علي (عليه السلام).

هل هذا تلطيف وتخفيف؟!:

وتذكر بعض نصوص رواية الرجم المتقدمة عن بعجة بن عبد الله الجهني: أن علياً (عليه السلام) قال لعثمان: إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك، ثم إنه (عليه السلام) احتج عليه بالآيات، فأمر عثمان بردها.

فقال (عليه السلام): ما عند عثمان بعد أن بعث إليها ترد(١).

أي ليس عند عثمان حجة، بعد أن اعترف بخطأه، وقد ظهر ذلك بإرساله بطلبها، وردها لئلا ترجم.

وفي نص آخر: أنّه لما احتج (عليه السلام) على عثمان في أمر تلك المرأة

١- مناقب آل أبي طالب ج٢ ص٣٧١ و (ط المكتبة الحيدرية) ج٢ ص١٩٢ عن كشاف الثعلبي، وكشاف الخطيب، وموطأ مالك، وبحار الأنوار ج٤٠ ص٢٣٦.

٦٧

قال عثمان: والله ما فطنت لهذا.

فأمر بها عثمان أن ترد، فوجدت قد رجمت.

وكان من قولها لأختها: يا أخية لا تحزني! فوالله ما كشف فرجي أحد قط غيره.

قال: فشب الغلام بعد، فاعترف الرجل به، وكان أشبه الناس به.

وقال: فرأيت الرجل بعد يتساقط عضواً عضواً على فراشه(١).

وقال بعجة: إن المرأة كانت من قومه، من جهينة(٢).

ونقول:

أولاً: لعل رواية بعجة هذه قد تعمدت تلطيف الجو، والتخفيف من حدة النقد الذي يوجه لعثمان، لعمله هذا الذي أودى بحياة بريئة، لا ذنب

١- راجع: الموطأ لمالك ج٢ ص٨٢٥ حديث ١١ والسنن الكبرى للبيهقي ج٧ ص٤٤٢ وتفسير القرآن العظيم ج٤ ص١٥٨ وتيسير الوصول ج٢ ص١١ وعمدة القاري ج٢١ ص١٨ والدر المنثور ج٦ ص٤٠ وعن جامع بيان العلم ص١٥٠ وعن ابن المنذر، وابن أبي حاتم. وراجع: الغدير ج٦ ص٩٤ وج٨ ص٩٧ والميزان ج١٨ ص٢٠٧ وسبل الهدى والرشاد ج١١ ص٢٨٩ وتأويل مختلف الحديث ص١٠٧.

٢- راجع: الغدير ج٦ ص٩٤ و ٩٧ والميزان ج١٨ ص٢٠٧ وتفسير ابن أبي حاتم ج١٠ ص٣٢٩٣ والدر المنثور ج٦ ص٤٠ وسبل الهدى والرشاد ج١١ ص٢٨٩.

٦٨

لها إلا أن الخليفة كان لا يعرف أحكام الله، ولا يتثبت فيها، رغم وجود باب مدينة العلم علي (عليه السلام) على بعد خطوات يسيرة منه.

وقد لفت نظرنا: أن ابن روزبهان لم يشر إلى هذا النص الذي يخفف من بشاعة هذه الحادثة، مما قد يشير إلى أنه لم يجد سبيلاً لتسويقه به، وهو المعروف بالتشبث بما هو أدنى من الطحلب، فإن لم يجد بادر إلى الإبتداع والإختراع.

ثانياً: ما ذنب هؤلاء الناس حتى يتسلط عليهم من لا يعرف أحكام الله تعالى، ولا يجد الداعي إلى سؤال العارف بها، وهو لا يبعد عنه سوى بضع خطوات؟!

على أنه قد كان يمكنه أن يفوض أمور الفقه والقضاء إلى العارفين بهما، ولا ينقص ذلك من قدره، ولا يؤثر على نفوذ كلمته، بل هو يزيده قوة ونفوذاً، حين يسد عنه باب النقد من قبل الصلحاء والأخيار، الذين لن يروق لهم أن يروا أحكام الله تنتهك، وحرمات الناس تستباح. كما أنه يجنبه نقمة الناس المظلومين، الذين سيكونون هم وذووهم ضحايا أخطائه العفوية والعمدية.

ثالثاً: إن هذا الذي صدر من عثمان لم يكن مجرد عدوان على حياة تلك المرأة، بل هو قد ترك آثاره على كرامتها، وكرامة أهلها، وعشيرتها، حيث أثار الشبهة حول عفتها إلى حدّ التصديق لدى كثير من الناس، فأصبحت في عداد من يتهم بالفاحشة لدى عامة الناس، وعلى رؤوس الأشهاد.

رابعاً: إننّا لا نصدق أن ما جرى في عهد عمر أكثر من مرة، لم يره أو لم

٦٩

يسمع به عثمان، فقد منع أمير المؤمنين (عليه السلام) وكذلك ابن عباس من رجم نساء ولدن لستة أشهر، وأمثال هذه القضايا مما تتوافر الدواعي على روايته ونقله، مع ندرة حصوله، وغرابته، وحساسية موضوعه.

ولا سيما إذا تضمن تخطئة لمن يتبوأ أعظم مقام في الأمة. ولا سيما إذا كان عمر بن الخطاب.

خامساً: لم تذكر لنا تلك الروايات إن كان عثمان قد تحمل مسؤولية خطأه، فودى تلك المرأة، وأعلن على الملأ براءتها مما نسب إليها، ومنع الناس من تداول اسمها في جملة أهل الفاحشة، فإن غاية ما أشارت إليه رواية بعجة هو أنه قال بعد بيان علي (عليه السلام) الحكم له: (والله، ما فطنت لهذا)!!

كما أننا لم نجد في الرواية ما يشير إلى أية مشكلة حصلت بسبب حكمه هذا الذي أودى بحياة وبسمعة تلك المرأة، ولكننا لا حظنا أنّها تصرح بأن بلاء أصاب زوجها (الذي قد لا يكون له ذنب سوى أنه ظن بها السوء) فهل استحق هذا البلاء لمجرد ظنه هذا؟! وكيف لم يصب غيره بأي مكروه، مع أن ذلك الغير هو الذي أوصل الأمور إلى ذلك الحد؟!

إلا إن كان المقصود: أنه كان يتهاوى عضواً عضواً على فراشه، بسبب ما ألم به من الحزن عليها..

سادساً: أظهرت رواية بعجة: أن كلام علي (عليه السلام) لم يكن مجرد استفادة قرآنية، قد يحاول البعض أن يدَّعي: أنها بمستوى الرأي الفقهي الأقرب أو الأصوب.

بل هي قد تأيدت بأمر تكويني، بلغ من الظهور حداً دعا ذلك الذي

٧٠

كان زوجاً للمرأة إلى الإعتراف بذلك الولد، ويشهد بذلك لها بطهارة الذيل والبراءة من كل سوء، مع أنه ربما كان يرى أن له مصلحة بقتل المرأة لصيانة شرفه، وحفظ كرامته وسمعته.

سابعاً: إن ذلك الزوج اعترف بالولد، والحقة بنفسه، ولم يعترض عليه عثمان، ولا غيره.. فدل ذلك على أن عثمان يعترف بالخطأ، ويرى أن المرأة رجمت بغير حق..

التي ملكت زوجها:

روي: أن رجلاً كانت لديه سرية، فأولدها، ثم اعتزلها، وأنكحها عبداً له، ثم توفي، فعتقت بملك ابنها لها، فورث زوجها ولدها.

ثم توفي الابن، فورثت من ولدها زوجها.

فارتفعا إلى عثمان يختصمان، تقول: هذا عبدي.

ويقول هو: هي إمرأتي، ولست مفرجا عنها.

فقال عثمان: هذه قضية مشكلة، وأمير المؤمنين (عليه السلام) حاضر، فقال (عليه السلام): سلوها، هلَ جامعها بعد ميراثها له؟

فقالت: لا.

فقال: لو أعلم أنه فعل ذلك لعذبته. اذهبي، فإنه عبدك، ليس له عليك سبيل، إن شئت تعتقيه، أو تسترقيه، أو تبيعيه، فذلك لك(١).

١- مناقـب آل أبي طالـب ج٢ ص٣١٧ و (ط المكتبـة الحيـدريـة) ج٢ ص١٩٢ = = والإرشاد ج١ ص٢١١ وبحار الأنوار ج٤٠ ص٢٥٧ والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص١١٩ وجامع أحاديث الشيعة ج٢١ ص١٤٥ والدر النظيم ص٣٩٢ وعجائب أحكام أمير المؤمنين ص٨٩.

٧١

ونقول:

١ ـ إن قول علي (عليه السلام): لو فعل لعذبته، إما لأنه (عليه السلام) كان يعلم أن ذلك العبد كان عارفاً بالحكم الشرعي، ويسعى إلى مخالفته، ولو بالإستفادة من جهل غيره بالحكم، حتى لو كان الخليفة نفسه..

أو لأنه كان يعلم أن ذلك العبد، وإن كان جاهلاً بالحكم، ولكن كان عليه أن لا يقدم على هذا الأمر إلا بعد إحراز جوازه شرعاً.

٢ ـ لا ندري ما هو الشعور الذي انتاب خليفة المسلمين، الذي يفترض أن يكون هو الذي يتصدى للمعضلات، ويحل المشكلات، حين تصدى علي (عليه السلام) لحل المشكلة، بعد اعتراف عثمان بأن القضية مشكلة!

هل حدثته نفسه بأنه لم يكن هو الرجل المناسب في المكان المناسب، بل كان حلال المشكلات، ومزيل المعضلات أولى بمقامه منه؟!

٣ ـ إنه (عليه السلام) قال عن ذلك العبد: (لو أعلم أنه فعل ذلك لعذبته). فنسب فعل التعذيب إلى نفسه مباشرة، وبصورة جازمة وحازمة، فأعلمنا بذلك أن له الحق في ذلك، وأنه سيمارس هذا الحق.. ولم يشر إلى رضا عثمان بذلك أو عدم رضاه، ولا علق قراره على شيء من ذلك..

٤ ـ ويتأكد ما ذكرناه آنفاً بملاحظة أن عثمان لم يطلب منه الحكم في

٧٢

المسألة، ولا ندبه لحل المشكل فيها، بل كان هو المبادر لذلك.. من دون مسألة ومن دون استئذان من أحد، كما هو ظاهر الرواية..

عثمان يرجع الحكم إلى علي (عليه السلام):

روى الحسن بن سعد، عن أبيه: أن يحيس (أو يحنس) وصَفِيَّة، كانا من سبي الخمس، فزنت صفية برجل من الخمس، وولدت غلاماً. فادعى الزاني ويحنس، فاختصما إلى عثمان. فرفعهما عثمان إلى علي بن أبي طالب.

فقال علي (عليه السلام): أقضي فيهما بقضاء رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الولد للفراش، وللعاهر الحجر)، وجلدهما خمسين جلدة(١).

ونقول:

لا يرتاب مسلم في أن حكم الزاني المحصن هو الرجم.. وفي أن الولد للفراش وللعاهر الحجر.. ولا يليق بعثمان أن يكون غير عارف بهذين الحكمين..

إذن، فما الذي حير عثمان، واضطره إلى رفع القضية إلى علي (عليه السلام)؟!

قد يرى البعض: أن عثمان لم يكن يعرف أن حكم الأمة والمملوك هو

١- مسند أحمد ج١ ص١٠٤ وكنز العمال ج٦ ص١٩٨ وتفسير القرآن العظيم ج١ ص٤٧٨ و (ط دار المعرفة) ج١ ص٤٨٩ والغدير ج٨ ص١٩٥ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٣٢ ص١٣٥ ومجمع الزوائد ج٥ ص١٣.

٧٣

الجلد خمسين جلدة، محصناً كان أو غير محصن، ذكراً كان أو أنثى، فأرجع الحكم إلى علي (عليه السلام) لأجل ذلك..

غير أننا لا نكاد نصدق ذلك، فإن هذا الحكم أيضاً مما نص عليه القرآن، فقد قال تعالى عن الإماء: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ}(١).

لكن ظاهر كلام علي (عليه السلام) هو: أنهم اختلفوا في حكم الولد، وفي حد الزاني، فأجاب (عليه السلام) بقوله:

(إنما أقضي فيهما بقضاء رسول الله (صلى الله عليه وآله): الولد للفراش وللعاهر الحجر، وجلدهما خمسين جلدة).

مراجعة علي (عليه السلام) في كيفية الإقتصاص:

وقال العاصمي: ذكر في الأحاديث أن مولى لعثمان بن عفان لطم أعرابياً، فذهبت عينه الواحدة، وأعطاه عثمان الدية، وأضعف، فأبى أن يقبل الدية، دون القود.

فرفعها عثمان إلى علي المرتضى (عليه السلام)، فأمر علي أن يوضع على إحدى عيني الجاني قطنة، ثم يجاء بمرآة، فتقرب من العين الأخرى، والجاني فاتحها، ففعل ذلك.

فأمر، فأدنيت المرآة المحماة من العين الأخرى، فسالت، ونجت الواحدة

١- الآية ٢٥ من سورة النساء.

٧٤

بالقطنة(١).

ولعل الصحيح: (نجت الواحدة).

ونقول:

١ ـ لا لوم على ذلك الأعرابي في مطالبته بالقود، وإصراره عليه، فإن ذلك من حقه.

٢ ـ إن عثمان لم يدر كيف يمكن الإقتصاص من الجاني، بحيث يستوفي حقه دون زيادة أو نقيصة، وبنحو لا تتأثر العين الأخرى بما يجري على أختها، فاضطر إلى مراجعة سيد الوصيين فيها، فمثَّل ذلك اعترفاً منه بمرجعيته في الأمور.. رغم أنه كان يتضايق من بيانه (عليه السلام) لأحكام الله، ويعتبر ذلك خلافاً عليه، ومساساً بموقعه. كما سلف.

٣ ـ إن هذه المراجعة ذات وجهين:

أحدهما: أنه كان يريد منه حلاً فقهياً يخرجه من الإحراج.. وذلك معناه: الإعتراف له بالفقاهة والعلم في الدين، وأن عثمان وسواه لا يصلون إليه في ذلك، وإلا لكان عثمان قد حل المشكل، أو حله له أحد الصحابة أو غيرهم.

الثاني: أنه لم يكن يريد منه حلاً فقهياً، بل حلاً عملياً، يتصل بكيفية الإقتصاص.. لأنه يريده في غاية الدقة، بحيث لا يزيد ولا ينقص عن المقدار المطلوب. وهذا يحتاج إلى خبرة ومهارة، ومعرفة تامة، وعلم وافر

١- زين الفتى ج١ ص٣١٨.

٧٥

بالوسائل التي تحقق ذلك.

وهذا من العلوم الحياتية الدنيوية، وليس من العلوم الشرعية.

فتكون هذه المراجعة العثمانية لعلي أمير المؤمنين (عليه السلام) قد تضمنت أيضاً اعترافاً بأعلميته (عليه السلام) بأمور الدنيا، وبالعلوم والمعارف التي يحتاج الناس إليها في دنياهم.

٤ ـ إن المطلوب من الحاكم هو أن يجري الأحكام بدقة، ويبدو أن عثمان، وإن كان يرغب بإرضاء الأعرابي من دون أي قصاص إلا أنه حين أصر الأعرابي على حقه خاف من لحوق ضرر بمولاه يزيد على ما هو مطلوب، لم يدر كيف ينفذ الحكم على الوجه الأتم، ومن دون زيادة، فلجأ إلى علي (عليه السلام)، ليحل له المشكة.

٥ ـ ولعل ثمة من يريد أن يسيء الظن، فيقول: لو كان هذا قد حصل لأحد من سائر الناس، ممن لا يهم عثمان أمره، فهل كان يستدعي علياً (عليه السلام) للحكم، أو لإيجاد الوسيلة التي تمنع من تأثير الإقتصاص على العين الأخرى. أم أنه يقتص منه كيفما اتفق؟!

إن الوقائع تؤيد هذا الإحتمال الأخير.

ويؤيد ما نقول: أنه يصر على رجم التي ولدت لسته أشهر، رغم بيان براءتها، وعلى الأكل من الصيد وهو محرم.. وعلى الصلاة تماماً بمنى، رغم بيان الحكم له في هذين الأمرين وغير ذلك..

ولكنه هنا يعطي المجني عليه ضعف الدية ليعفي مولاه من القصاص!! ولا نتحمل نحن مسؤولية صحة هذا الإحتمال، ولا نلزم أنفسنا بتأييده، أو

٧٦

تفنيده. إذ لعل لرجوع عثمان لعلي (عليه السلام) في هذه الواقعة أهدافاً أخرى، ككونه أراد أن يعرف طريقة حل المعضلة! أو أنه أراد أن يراعي سنة العدل في هذه الواقعة على الأقل، أو غير ذلك من الدواعي. فإن الله هو علام الغيوب، والمطلع على ما في الضمائر والقلوب.

طريقة دقيقة للإقتصاص:

روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: إن عثمان أتاه رجل من قيس بمولى له قد لطم عينه، فأنزل الماء فيها، وهي قائمة، ليس يبصر بها شيئاً، فقال له: أعطيك الدية. فأبى.

قال: فأرسل بهما إلى علي (عليه السلام) وقال: احكم بين هذين.

فأعطاه الدية، فأبى.

قال: فلم يزالوا يعطونهم حتى أعطوه ديتين.

قال: فقال: ليس أريد إلا القصاص.

قال: فدعا علي (عليه السلام) بمرآة فحماها، ثم دعا بكرسف (وهو القطن) فبلَّه، ثم جعله على أشفار عينيه، وعلى حواليها. ثم استقبل بعينه عين الشمس.

قال: وجاء بالمرآة، فقال: انظر.

فنظر، فذاب الشحم، وبقيت عينه قائمة، وذهب البصر(١).

١- الكـافي ج٧ ص٣١٩ وتهذيـب الأحكـام ج١٠ ص٢٧٦ ووسائـل الشيعة (ط = = مؤسسة آل البيت) ج٢٩ ص١٧٣ و (ط دار الإسلامية) ج١٩ ص١٣٠ وجامع أحاديث الشيعة ج٢٦ ص٢٩٠.

٧٧

ونقول:

١ ـ ذكر هذه الرواية الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام وفيه (عمر) بدل عثمان. وكلاهما مروي عن رفاعة.

٢ ـ إن سند الرواية لا يضر، فقد عمل بها المشهور، وإن كان لا يتيقن إذهاب البصر مع بقاء الحدقة بما ذكر.

٣ ـ رغم كثرة الصحابة الذين يدعون لهم جزافاً العلم بالقضاء والأحكام، ويمنحون الأوسمة بمناسبة، وبلا مناسبة، لم يرسل عثمان أو عمر هذه القضية لأي منهم، ليبت فيها. ولو كان يحتمل ولو بنسبة واحد بالمئة، بل بالألف أن يتمكن أحد منهم من حلها لما تردد في اختياره. لأسباب مختلفة.. لا يجهلها أحد..

٤ ـ إن الطريقة التي اختارها (عليه السلام) لإذهاب البصر، من إحدى العينين، وتعطيل حدقتها عن العمل، مع بقاء الحدقة سليمة وقائمة كانت فريدة، وسديدة. ولن يستطيع غير أهل بيت النبوة المعصومين الإهتداء إليها.

٥ ـ الظاهر: أن المراد هو: أن يقابل بمرآة محماة مواجهة للشمس، بأن يكلف النظر إليها حتى يذهب الضوء.. وليس المراد جعل الرجل مواجهاً للشمس لا للمرآة كما هو ظاهر الرواية، فإن ذلك لا يوجب ذوبان الشحم،

٧٨

وذهاب نور العين مع بقاء الحدقة.

٦ ـ وإنما يجعل القطن على أشفار العينين وحولها، لئلا تحترق اشفار العينين كما عن الشيخ في النهاية.

٧٩

الفصل الثالث:

صيد الحرم.. اصرار وتراجع..

٨٠