×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 08) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم . على أنّ من المسائل التي تدعو إلى التعجّب وتبعث على الحيرة، إدراج كافة الصحابة في صحيفة العدالة دون مراعاة لمدّة الصحبة ودرجتها، من حيث الملازمة للنبي صلى الله عليه و آله و سلم ومستوى أخذ الأحكام منه ودرجة الاهتمام بذلك. وفي الواقع لم يكن الصحابة من هذه النواحي سواسية، فكان منهم الذي يكتب ويسجّل الحديث. ومنهم من لم يكن يكتب. ومنهم من شغلته الصّفقات في الأسواق فيفوته الكثير ثُمّ ينقل إليه نقلاً. ومنهم مَن له أوقات خاصة مع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وقد خُصّ بالعلم دون الآخرين، فإن سأل يُعطى وإنّ سكت عن السؤال يبتدر بالعلوم. ومنهم من يسمع الحديث فلا يعيه. ومنهم من يحفظ ما يقال، ومنهم من ينساه. فالصحابة بشر بلا شكّ، فلا يمكن أن يكونوا في ذلك على وفق واحد. على أنّ الصحابة من حيث الإيمان لم يكونوا على قرار واحد، ولا في الإخلاص على وتيرة. فهذا هو التاريخ والواقع يبين هذه الحقيقة، فلماذا الغلوّ في الصحابة؟! لا شكّ أنّ وصفهم كافّة بالصحبة التي تستوجب العلم والعدالة إسراف مبغوض وتكلّف لا يطاق، إذ لا دليل ينهض بذلك ولا حجّة تقوم له. ومهما يكن صاحب هذا الرأي ومهما ينسب إليه من الأوصاف والنياشين العلميّة فهو مخطئ وعاثر في رأيه هذا، إذ أنّ الخطأ والغلط والنسيان سواء كان

٢١
عمداً أو سهواً فهو من لوازمه، فلا يؤخذ بقول كلّ من يقول ولا بكلّ ما يقول﴾(١). ثُمّ تطرّق الكاتب إلى بيان الهدف من إدراج الصحابة كافة في مسألة العدالة فقال:

إنّ فرض القول بعدالة كافة الصحابة، هو في الواقع كتم للأنفاس وتسلّط على الدين وفرض للآراء وردّ لنظر القرآن في بعض الصحابة. وخلاصة القول فهو مسلك لا ينتهي سالكوه إلاّ إلى الحيرة والاختلاف والتخبّط في الدين. والذين يصحّحون أخطاء الصحابة قد أخطأوا في معرفة مقياس صحة الأعمال، واختلط عليهم ذلك الأمر. هذا مع إحسان الظنّ بهم، وإلاّ فهم قد خضعوا لسلطان السياسة والعصبية، فهم بتصحيح أخطاء الصحابة يسعون إلى الضغط على الشرع ليتقبل هذه الأخطاء ويعطيها مكاناً عنده بعد طلائها بطلاء الشرع لتصبح بذلك مصدراً للتشريع. لقد غفل هؤلاء عن أنّ الشرع هو الذي يجب أن يكون المقياس في صحة أو بطلان أعمال الناس، سواء كانوا صحابة أو غير صحابة، وهذا واضح جداً. فكلمّا اصطدموا بخطأ صدر من أحد الصحابة يخالف به أحكام الدين وحدود اللّه‏ يسعون بكلّ جهد إلى ليِّ أطراف الشرع وتشكيل أحكامه لصناعة قالب شرعي منه لهذه الأخطاء، وهم مع ذلك يسمعون قول النبيّ الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم :

﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ﴾(٢). فكلّ عمل لا يطابق الشرع فهو مردود مرفوض مهما كان صاحبه، ولعمري إن هذا لهو الحقّ الذي يقبله الشرع نفسه، وترتاح على جنبه العقول وتنسجم مع

١- دعوة إلى سبيل المؤمنين ٣٣ ـ ٣٤.

٢- صحيح البخاري ٣: ٢٤.

٢٢
أطرافه الفطرة الإنسانية﴾(١). وكذا يبيّن الكاتب بعض النماذج من انحرافات الصحابة، منها:

شرب الخمر:

بن مظعون صحابي من أهل بدر، تعاطى الخمر في زمان الفاروق، فأقام عمر بن الخطّاب عليه الحد إجراءً لحكم اللّه‏ تعالى..(٢). فماذا يضيرنا لو قلنا لابن مظعون الصحابي البدري هذا: إنّك ارتكبت إثّماً كبيراً وعصيت اللّه‏ بذلك، فهل نصبح بهذا القول من الفاسقين الخارجين عن الدين؟! وقد يقول قائل: إنّ اللّه‏ قد غفر لأهل بدر فليفعلوا ما يحلو لهم، فلو كان هذا الكلام صحيحاً فلماذا لم يغفر الفاروق وقد غفر اللّه‏ لابن مظعون وأمثاله؟! غير أنّ الفاروق لم يتوان عن إقامة الحدّ على ابنه عبد الرحمن الأصغر أيضاً عندما تعاطى الخمر هو الآخر. فعمر لم يسع إلى تبرير خطأ هؤلاء الصحابة، ولم يقل: اجتهد هؤلاء في شربهم الخمر فأخطأوا ولهم أجر واحد، وإلا فعلى الدين السلام!

ثُمّ إنّ الوليد بن عقبة كان والياً على الكوفة، فشرب الخمر وقام يصلّي

بالناس صلاة الفجر، فصلاها أربع ركعات، وكان يقول في ركوعه وسجوده:

﴿اشربي واسقني﴾ وتقيأ في المحراب، ثُمّ سلّم بعد الأربع وخاطب المصلين: ﴿هل أزيدكم﴾(٣)٠]؟! فأقام الإمام عليّ عليه‏السلام عليه الحدّ الشرعي ولم تشفع له صحبته بشيء، ورغم ذلك فعلينا أن نقتدي بهم لكونهم من أصحاب رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم !

١- دعوة إلى سبيل المؤمنين: ٤٠.

٢- فتح الباري ٤: ٢٤٧.

٣- انظر الاستيعاب ٤: ١٥٥.

٢٣
أرجو أن لا يعاند أحد الحقيقة المرّة ويقول: إنّ الوليد كان من المنافقين، فالرجل كان والياً على الكوفة في زمان عثمان بن عفان. ونحن على استعداد لقبول عدالة الوليد هذا لو استطاع من ينسبها لكافة الصحابة إثبات ذلك له، وهيهات.

الفرار من الزحف وشماتة البعض:

يقول ابن هشام: فلمّا انهزم الناس ورأى من كان مع رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم من

جفاة أهل مكّة الهزيمة، تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب: ﴿لا تنتهي هزيمتهم دون البحر﴾! وصرخ جبلة بن حنبل: ﴿ألا بطل السحر اليوم﴾(١)! فأبو سفيان هذا صحابي معروف، فهل يلزمنا أن نقول: إنّه من العدول؟! أم كان جبلة محقّاً في اعتقاده ببطلان دين السحر يوم حنين؟! وعلى مَن كان ضغن وحقد أبي سفيان حتّى دفعه إلى التفوّه بهذا القول وإظهار ذلك السرور عندما شاهد هزيمة المسلمين؟! على أنّه لمّا تمّت البيعة لعثمان وتولّى أمر الخلافة دخل إليه بنو أميّة، حتّى امتلأت بهم الدار ثُمّ أغلقوها عليه، فقال لهم أبو سفيان: أعندكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا. قال: ﴿يا بني أُميّة، تلقفوها [يعني الخلافة] كتلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب ولا جنّة ولا نار ولا بعث ولا قيامة﴾(٢)! وبهذا ينكشف لنا ضغن أبي سفيان، وهو الصحابي العدل ينكر البعث ويوم

١- تاريخ الطبري ٢: ٣٤٧.

٢- تاريخ الطبري ٨: ١٨٥.

٢٤
الحشر. وليتنا نعلم بمن يحلف أبو سفيان، وهل بعد إنكار البعث والجنّة والنار يبقى شيء يحلف به أبو سفيان غير اللات والعزى؟! ورغم ذلك فقد نفي عنه الشكّ والخطأ والكذب وصار من عدول الأمّة! والعياذ باللّه‏ من التقليد الأعمى . . .

سبّ الإمام عليّ عليه‏السلام:

إنّ مسألة سبّ الإمام عليّ عليه‏السلام على المنابر من اشهر المسائل التي شهدها القاصي والداني، وطرقت أسماع الأصم. ورائد هذا السباب واللعن هو الصحابي المشهور معاوية بن أبي سفيان، إذ أصدر أمره بذلك لعمّاله، وعاقب من الناس من لم يقدم على سباب الإمام عليّ عليه‏السلام. لقد أمر معاوية عمّاله في الأمصار باتخاذ لعن الإمام عليّ سنّة يسمعونها الناس من على المنابر، ولما استاء بعض الصحابة من هذه السنّة أمر معاوية بقتلهم. كتب زياد بن أبيه والي معاوية على الكوفة كتاباً إلى معاوية يخبره أن حجراً وأصحابه قد خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب وخرجوا عن الطاعة، فأمر معاوية بقتلهم، فقتلوهم بمكان يعرف بـ(مرج عذراء)(١)، وقد قالت عائشة لمعاوية: سمعت رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم يقول: ﴿سيقتل بعذراء ناس يغضب اللّه‏ لهم وأهل السماء﴾(٢). فمن هو أبو تراب الذي سنّ معاوية لعنه على منابر المسلمين، وقتل حجر ابن عدي لامتناعه عن سب أبي تراب؟ إنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم هو الذي يقول لنا بنفسه من هو أبو تراب هذا، يقول

١- اسد الغابة ١: ٣٨٦.

٢- تاريخ مدينة دمشق ١٢: ٢٢٦.

٢٥
النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : ﴿عليّ حبّه إيمان وبغضه نفاق﴾. ويقول صلى الله عليه و آله و سلم له أيضاً: ﴿لا يحبك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق﴾. ثُمّ من هو معاوية؟! أرسل إليه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ليأتي، فقالوا: إنّه يأكلّ، فقال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : ﴿لا أشبع اللّه‏ بطنه﴾(١)، وقد قال ابن عبّاس: ﴿فما شبع بطنه أبداً﴾.

وقال الذهبي: ﴿قد كان معاوية معدوداً في الآكلة﴾.

فما ترون في أن يأكلّ الإنسان ولا يشبع ن ويعدّ لكثرة أكله من الآكلة، فهل

في ذلك فضيلة يا أولي الألباب؟!

فهذا هو معاوية، وهذا هو رأي النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فيه، وذاك كان عليّاً، وذاك قول

النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فيه.

وأمّا طلحة والزبير. فبعد أن تمّت بيعتهما للإمام عليّ عليه‏السلام، خالفاه ونقضا بيعتهما له وحارباه إلى جنب معاوية هذا . . . (٢)

١- صحيح مسلم ٨: ٢٧.

٢- دعوة إلى سبيل المؤمنين: ٤٧.

٢٦

(٣) عبد القادر الإدريسي (سنّي / السودان)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية
ولد ونشأ في السودان، وتخرّج بعد الثانوية من معهد المعلّمين العام، ومارس التدريس في المرحلة المتوسطة لمدّة خمس سنوات في مادّتي التاريخ والتربية بالإضافة إلى اللغة العربية، كما انتمى للحوزة العلمية في دمشق بعد استبصاره، حيث أنهى مرحلة السطوح وواصلَ البحث الخارج. ولديه بعض المؤلّفات التي لم ترَ النور بعد. منها: ١) التشيّع في السودان. ٢) الخمس تشريع إلهي وعمق استراتيجي. ٣) كربلاء ينبوع الإرادة وإشعاع القيم.

التناقض بين الخطاب الديني والواقع التاريخي:

يقول ﴿عبد القادر﴾: كان تشيّعي على يديّ أخي الأكبر في مطلع التسعينات من القرن الماضي عندما قدم من إيران حيث كان يدرس هناك، حيث تأثّرت بأفكاره واتّبعت خطاه في ترك تقليد دين الآباء، والالتزام بالدين الحقّ القائم على الاجتهاد وترك الأُمور التي لا دليل عليها، والتمسّك بالأمور المهمّة التي وصّى بها النبيّ أمته، والتمسّك بتحكيم العقل فيما يمكنه أن يحكم فيه، وترك كلّ

٢٧
المتناقضات التي لا يقبلها الإنسان البسيط فضلاً عن العلماء. هذا وقد لفت انتباهي الكثير من التناقضات الموجودة في الخطاب الديني لشيوخنا من أهل السنّة وبين التاريخ الصحيح لوقائع الأحداث التي مرّت على المسلمين على طول تاريخهم، وخصوصاً في عهد الخلفاء بعد وفاة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم . إنّ المتأمل في الواقع التاريخي للمسلمين يرى التصرّفات العجيبة لخلفائهم ووجهائهم التي تخالف أحكام الدين، وأخلاق المسلمين، فضلاً عن أعراف العرب، وسنن المجتمع الإنساني بصورة عامة. هذا وكان لتدريس مادّتي التربية الإسلاميّة والتاريخ في حقبة واحدة الأثر الكبير في اكتشاف تناقضات واضحة بين ما نعلّمه للأجيال في أُمور الدين، وبين الأحداث التاريخية التي مرّت على أرض الواقع.

قداسة الصحابة في الخطاب الديني:

من أوّليات العقائد التي تدرّس في كتب التربية الإسلاميّة في مدارسنا هي عدالة الصحابة جميعهم، وأنّهم هم الرواة الأمناء لحديث رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم وسنّته وسيرته، فمنهم يؤخذ الدين، ولهم القول الفصل في المسائل التي يختلف فيها المسلمون، لكنّنا عندما نلاحظ سيرة الصحابة نجد فيهم المنافقين الذين صرّح القرآن بوجودهم بين الصحابة، ولا يكفي القول أنّ المنافقين ليسوا من الصحابة، فهم غير متميّزين عن باقي الصحابة، بل أنّ بعض المنافقين لا يعلم بهم حتّى رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم ولا يعلمهم إلاّ اللّه‏ سبحانه(١) جميعاً؟!

١- وهو قوله تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ . . . التوبة ٩ : ١٠١.

٢٨
كما إنّ من الصحابة من ثبت فسقه أو ارتداده أو لعنُ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم له أو الحكم عليه بالنار(١). وتقييد الصحابي بأنّه من مات على الإيمان يخرج أكثرهم، فكيف يمكن القول بعدالة الجميع؟! ثُمّ إنّ الصحابة تقاتلوا فسالت فيما بينهم الدماء، وفسّق أو كفّر بعضهم بعضاً، فكيف يصح الحكم بعدالة الجميع؟! إنّ القول بعدالة جميع الصحابة وغضّ النظر عن جميع الإشكالات الواردة على هذه العقيدة لا يحلّ المشكلة، فهذا الإهمال المتعمّد بدفن الرأس في الرمال كما تفعل النعامة، يورّث الأجيال التعبّد بمثل هذا الدين أو المذهب الذي يقدّس الصحابة ولو كانوا منافقين أو فسّاقاً أو ملعونين أو من أهل النار.

١- الوقائع كثيرة، ونذكر على سبيل المثال حديث رسول اللّه‏ قاتل عمّار وسالبه في النار ، وكان قاتله أبو الغادية من الصحابة. انظر المستدرك على الصحيحين ٣: ٣٨٧.

٢٩

(٤) عبد القادر الصقري (سنّي مالكي / السودان)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية
ولد سنة ١٣٩٩ه ، (١٩٧٩م)، في الجيلي بالسودان، ونشأ في أسرة مالكيّة المذهب أكمل الدراسة الإعدادية، وانتمى إلى جامعة القرآن الكريم كلية الدعوة والإعلام. اعتنق مذهب الشيعة الإمامية سنة ١٤١٥ه ، (١٩٩٥م)، ودرس في الحوزة العلميّة لعدّة سنوات.

بداية الطريق مع الحسين عليه‏السلام:

يقول الأخ عبد القادر: ﴿كان لخالي صديق شيعي، يأتي لزيارتنا في البيت بين فترة وأخرى، وكانت تدور بيننا مناقشات مطوّلة حول التاريخ الإسلامي ورموزه. وأتذكّر أنّ بداية البحوث كانت حول قضيّة الإمام الحسين عليه‏السلام والظلم الذي لحق الإسلام عموماً، وأهل البيت عليهم‏السلام خصوصاً باستشهاده على يد الظالمين من بني أُميّة وأتباعهم﴾.

الحسين عليه‏السلام أسقط الأصنام:

إنّ الحسين عليه‏السلام رفض بيعة يزيد الذي فُرضت خلافته على المسلمين بالقهر والحيلة، حيث عبّر عن ضمير الأمّة، فمن ينظر إلى عظمة الإسلام وسموّه، وقداسة

٣٠
الرسول وارتباطه بالوحي الإلهي هل يقبل بخلافة يزيد ـ شارب الخمور، وربيب العهر، والمعلن بالفجور، واللاعب بالقرود ـ لرسول اللّه‏؟! نعم لقد كانت الأمّة رافضة ليزيد، ولكنّها قُهرت واستُعبدت فرضخت للأمر الواقع، لكن هل كان يحقّ لمثل الحسين عليه‏السلام ربيب الرسالة وسبط الرسول السكوت والبيعة لفاسق مثل يزيد؟! لقد رفض الحسين بيعة الفاسقين، لكنّهم لم يتركوه، ولم يستعملوا معه الرفق والمداراة لمكانته من رسول اللّه‏، ولاحترام المسلمين العظيم له، بل ألجأوه إلى الخروج عليهم رغم قلّة الناصر، وضعف المُعين، وهذا ممّا يدلّل على حقدهم على الدين الإسلامي الوليد، وسعيهم في استئصال حَمَلته وأركانه من أهل بيت النبيّ صلّى اللّه‏ عليه وآله، رغم ادّعائهم خلافة الرسول، وهم الذين حاربوا الإسلام من اليوم الأوّل، فكان أبو سفيان خصم رسول اللّه‏، وكان معاوية خصم عليّ عليه‏السلام، وكان يزيد للحسين عليه‏السلام قاتلاً، ولعيالات رسول اللّه‏ سابياً.

الصحابة وأمّهات المؤمنين:

يواصل الأخ ﴿عبد القادر﴾ الكلام: تطوّر البحث بيننا، وتناول الصحابة وأمّهات المؤمنين، وإذا كان سقوط الشجرة الأمويّة الملعونة في القرآن(١) عن الاعتبار سهلاً، لوجود الدليل النقلي، المتظافر مع حكم العقل والوجدان، فإنّ صحابة الرسول الأعظم الذين جاهدوا معه المشركين، والذين منحهم القرآن وسام

﴿رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾(٢)٠، لا يجوز سقوطهم عن الاعتبار أبداً فهو من المستحيلات، بل هو من المحرّمات التي لا يجوز الخوض فيها أصلاً فما بالك بالكلام عن أمّهات المؤمنين!! وقد أبدى خالي ـ وأنا معه ـ صلابة شديدة في ردّ الكلام عنهم، ونصحنا ضيفنا بتقوى اللّه‏، وخوف عقابه، ولكنّه كان يترفّق بنا،

١- الإسراء ١٧ : ٦٠.

٢- التوبة ٩ : ١٠٠.

٣١
موسوعة حياة المستبصرين ٨ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٣١ - ص ٦٠)ويتكلّم معنا بما تقبله عقولنا، ويشفعه بالدليل من القرآن والسنّة الشريفة، وأقوال الصحابة، وشهادة كتب التاريخ.

وارتعشت الصور المقدّسة:

يعقتد معظّم المسلمين بقداسة الصحابة ؛ لجهادهم المشرف مع رسول اللّه‏ في الدفاع عن الإسلام ؛ ولتقديمهم التضحيات بالنفس والنفيس من أجل إعلاء راية الحقّ، ونفوذ أحكامه. أمّا أمّهات المؤمنين فالشائع أنّهنّ من أهل البيت الذي نصّ القرآن على طهارته من الرجس(١)، ومع نصّ القرآن فهل هناك كلام في أنّ عائشة مثلاً تسبّبت في مقتل الآلاف من المسلمين مثلاً؟! فليكن ذلك فهي ممّن عصمها القرآن، ثُمّ من نحن حتّى نتكلّم عن أمثالهن اللاتي اختارهنّ الرسول الكريم ـ وهو سيّد الخلق وأعرفهم ـ زوجاتٍ له، فقد اختارهنّ اللّه‏ له من بيوتات العرب، وهنّ بنات أعزّ أصحابه، وأسياد قومه فكيف يجوز لمن جاء به الزمان بعد تلك الفترة المجيدة من أصحاب البدعة والرفض والزندقة!! أنْ ينال من قداستهنّ، وهل النيل من قداستهنّ إلاّ النيل من قداسة الرسول نفسه؟! بمثل هذا اللحن من الكلام تقتل الحقيقة، وبمثل هذه الأدبيات التي تَرفع راية التقديس يُداس على الواقع، ويُبّررُ الدفاع عن الظالمين الذين انتهى ظلمهم إلى قتل الحسين علناً وجهاراً باتّهام أنّه خارج عن الدين، وبشائعة أنّه قّتل بسيف جدّه، والكلّ يعرف أنّ الحسين ابن بنت رسول اللّه‏، وقد قال عنه رسول اللّه‏ الذي لا ينطق عن الهوى: ﴿حسين منّي وأنا من حسين﴾(٢)، فبقتلهم الحسين كأنّما قتلوا رسول اللّه‏ نفسه. إنّ من أحاطهم علماء السوء بهالة التقديس من الصحابة وأمّهات المؤمنين

١- الأحزاب ٣٣ : ٣٣.

٢- مسند أحمد ٤: ١٧٢.

٣٢
قد ارتكب بعضهم من الجرائم والفظائع والمنكرات مما يعفُّ عنه كثير ممن تلقى أوّليات الإسلام فقط ، ممّن لم يبتلوا بحبّ الرئاسة، والتنافس على الزُخرف، كما أُبتلي الصحابة بعد وفاة رسول اللّه‏، فلم يخرجوا من الامتحان برؤوس مرفوعة، ومواقف مشرّفة، وقد كان هذا منهم امتداداً لمواقفهم في زمان رسول اللّه‏، حيث فرّ الكثير منهم في مواطن الدفاع عن الإسلام، أوجَبُن عن مواجهةِ العدوّ الكافر، ولكنّ الرسول الكريم ذو الخلق العظيم وحفاظاً منه على بيضة الإسلام، كان يتغاضى عن مخازيّهم، ويسعى للنهوض بهم إلى طي مراتب الكمال، وسلوك درجات السموّ لعلّهم يصعدون في الدنيا والآخرة. هذا وقد كان للزهراء عليهاالسلام ابنة رسول اللّه‏ وسيّدة نساء العالمين الدور الواضح في وصف أفعال الصحابة، والكشف عن نيّاتهم المصلحية في خطبتها العصماء التي دوّت في أركان وجنبات مسجد أبيها رسول اللّه‏ بعد اغتصاب الخلافة، واغتصاب فدك رمز الخلافة، وأمّا المدح الوارد في القرآن فهو للذين آمنوا وكان على رأسهم عليّ بن أبي طالب الذي ضحّى بكلّ ما يملك من طاقات في سبيل علوّ راية الإسلام، وثبات أمره، وقد كان رجل المهمّات الصعبة، يدفع الغوائل ويجاهد الكفّار، كما كان المصلح لما يفسده الآخرون، والبطل الذي يُنجز ما يفشل عنه المدّعون. إنّ الذي حَدَثَ بعد وفاة رسول اللّه‏ أنّ بعض القومَ أنكروا بيعة الغدير، حيث نُصّب الإمام عليّ عليه‏السلام رسميّاً لخلافة رسول اللّه‏، وذهب هذا البعض بدل ذلك إلى سقيفة بني ساعدة لينتخبوا من لم ينتخبه اللّه‏ خليفة لرسول اللّه‏، ثُمّ فرضوا ذلك على المسلمين بالإرهاب والإرجاف، والترغيب والتطميع في الأموال والمناصب، ومن هناك حيث السقيفة المشؤومة بدأ الانفصال الرسميّ عن حقيقة الدين، والتمسّك برموز وتأويلات ما أنزل اللّه‏ بها من سلطان أدّت إلى تشتّت المسلمين واختلاف كلمتهم وتعدّد فرقهم، وطمع المشركون في المسلمين بعد طول يأس، فنفذوا خلالهم، وتقرّبوا إلى المتسلّطين عليهم، فأعطاهم هؤلاء المتسلّطون

٣٣
المناصب والأموال دعماً لسلطانهم الباطل ولم يَطُل الزمان حتّى وقعت الفتن، وهاجمت المسلمين المحن، فاختلفوا وتقاتلوا ووقعت بينهم المعارك، وسالت الدماء، وما كان ذلك ليقع لو أنّهم تمسّكوا بما أمرهم به الإسلام، ولم ينقلبوا على أعقابهم كما تنبّأ القرآن(١) إنّ المقدّسين الذين تمسّك بهم الظالمون، ورفع من شأنهم المغرضون هم في الواقع الذين داسوا على مقدّسات الإسلام فرفعوا أولاً شعار: ﴿حسبنا كتاب اللّه‏﴾(٢) ليضربوا به العترة وليخفوا أحاديث الرسول الشريفة التي تبيّن شأن العترة، وتصف مناقبهم، ثُمّ لمّا استقرّ لهم الحكم، وخضعت له الرقاب، بذلوا الأموال الطائلة في تحريف حديث رسول اللّه‏، وتشويه سيرته العمليّة، ثُمّ عرضوا هذا النتاج المحرّف والمزخرف على المسلمين وقالوا: هذه هي السنّة، ونحن أهل السنّة، ونحن المتمسّكين بها ليضربوا القرآن والعترة معاً هذه المرّة، بالسعي بالفصل بينهما، ونصب أنفسهم مفسرين لآيات القرآن كما شاءت لهم أهوائهم بدلاً من أهل البيت الذين جعلهم الرسول عِدلاً للقرآن الذين يخلفونه في إمامة المسلمين وحفظ أركان الدين بحفظ سنّته الشريفة والسير على سيرته، وهم الراسخون في العلم الذين يحقّ لهم تبيين القرآن، وتأويله وخصوصاً الإمام عليّ عليه‏السلام الذي حارب القوم على التأويل، كما حاربهم رسول اللّه‏ على التنزيل. ولقد حقّ للأخ ﴿عبد القادر﴾ أنْ ترتعش عنده الصور المقدّسة التي ثبتها في ذهنه تقليد الآباء وأخذ الدين عنهم دون تحقيق، لقد حقّ له ذلك، لأنّ للباطل جولة وللحقّ دولة، وإنّ تقنعّ الباطل بلباس الحقّ، وتظاهر المفضول بأنّه الفاضل. اعرف الحقّ تعرف أهله: بعد ارتعاش الصور المقدّسة وانتكاسها إلى الأسفل، كان لابدّ للأخ ﴿عبد

١- آل عمران ٣ : ١٤٤.

٢- صحيح البخاري ٥: ١٣٨.

٣٤
القادر﴾ أنْ ينظر في دينه، وأنْ يجدّد إسلامه بالتمسّك بمن أمر اللّه‏ سبحانه وتعالى أن يتمسك بهم، فلقد تساءل في أعماق نفسه أنّه ورث من أبيه اتّباع مذهب مالك في الفقه، فلماذا يجب عليه اتّباعه؟ هل كان مالك من الصحابة مثلاً الذينّ تبيّن لديه أنّ كثيراً منهم قد انحرفوا عن جادّة الصواب؟! وهل أمر رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم باتّباعه خصوصاً؟

ولمّا لم يجد الأخ ﴿عبد القادر﴾ ما يدعم مذهب مالك بالخصوص، وعرف أنّه فقيه مثل بقية الفقهاء لا خصوصية لديه سوى أنّ مذهبه انتشر بدعم المنصور العبّاسي الذي أغدق على مالك الأموال وحمل الناس على موطأه في الحديث، ثُمّ إنّ مالك كان من تلاميذ الإمام جعفر الصادق عليه‏السلام وله عبارات في مدح استاذه(١)، يعترف فيها بفضله، ويشيد بها بتقواه. فماذا لا يتبع المرء الإمام جعفر الصادق وهو من أهل بيت رسول اللّه‏، وهو أستاذ الكلّ، فمنه أخذ الناس أحكام الإسلام، وعنه صدر الكثير من العلماء، وإنّ المرء يحتاج أن يقلّد في دينه من هو أهلٌ يُطمئنُ إليه ويُوثق بدينه، فإذا لم يطمئن المرء إلى أهل البيت عليهم‏السلام الذين أمر اللّه‏ بالتمسّك بهم، فبمن يطمئن، وهكذا قليلاً قليلاً، ومرحلة بعد مرحلة عرف الأخ عبد القادر أنّ المرجعيّة الدينية هي لأهل البيت عليهم‏السلام دون غيرهم، وأنّ الآخرين ظلموهم في التقدّم عليهم أو التخلّف عنهم. وأنّ أهل البيت هم خلفاء الرسول الحقيقيين الذين اختارهم اللّه‏ للأمّة، والذين لا يخلو منهم عصر إلى يوم القيامة، فبهم بدأ اللّه‏ وبهم يختم، ومَنْ غَفل عن ذلك أو رفضه فهو من الخاسرين، الظالمين لأنفسهم بعدم معرفة الحقّ أو الخضوع له بعد معرفته.

١- تهذيب التهذيب ٢: ٨٩ .

٣٥

(٥) عبد المنعم حسن (مالكي / السودان)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية
مرّت ترجمته في ٣: ٦٣ من هذه الموسوعة، ونشير في هذا المقام إلى معلومات لم تذكر من قبل. أخذ ﴿عبد المنعم﴾ على عاتقه مهمّة التبليغ والدفاع عن الحقائق التي تجلّت له، وذلك بنشر المقالات والكتب، وقد أشرنا إليها في المجلد الثالث، ونضيف إلى ذلك التعريف بكتابه الجديد ﴿خطوة في عمق التشيّع﴾. يتضمّن الكتاب قصّة حوار دار بين ﴿عبد المنعم﴾ وأحد الوهابيّين في محافظة شرق النيل بمدينة الخرطوم، كما يتضمّن بعض العقبات التي تعيق الباحث عن الوصول إلى الحقّ.

يقول عبد المنعم في مقدّمة الكتاب:

. . . إلى كلّ الأحرار وذوي النُهى سنكتب الكتاب تلو الكتاب، نسطّر للتاريخ نشهد الملائكة والأنبياء على صدق دعوانا، مستلّهمين من الرسول الأعظم محمّد بن عبد اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم صدق العزيمة وقوة الإرادة، حاملين رايته وراية الأئمّة من ذريته، الذين اصطفاهم اللّه‏ وفضلّهم على العالمين. لقد عشت مع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وصاياه بأهل بيته عليهم‏السلام وحرصه الأكيد على الأمّة

٣٦
حتّى لا تضلّ من بعده، وكأنّي به وهو يصرخ في الملأ:

﴿يا أيّها الناس إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكّتم بهما لن تضلّوا أبداً: كتاب اللّه‏، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما . . . إذكّركم اللّه‏ في أهل بيتي . . . إذكّركم اللّه‏ في أهل بيتي.. إذكّركم اللّه‏ في أهل بيتي﴾. ولو لم يوجد في كتب المسلمين غير هذا الحديث لكفاهم حجّة وبرهاناً إن كانوا يريدون اتباع الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بصدق وإيمان. هكذا أرادها الرسول بإرادة اللّه‏ عزّ وجلّ صرخة تجلجل لتعمّ الآفاق، ونوراً يهتدي به من أراد الهداية، أمّا مَن أبى سيسلكه سقر، وما أدراك ما سقر، لا تبقي ولا تذر. إنّه حديث عن الهداية والضّلالة، حديث عن الجنّة والنار، حتّى لا يتشدّق المتشدّقون، ولا يخوض في الحديث الجاهلون، ولا يرجّف المرجفون ويصوّرون للبسطاء من الأمّة أنّ الحديث عن الشيعة وأهل السنّة حديث ممجوج، وبحث في التاريخ لا جدوى منه في حاضرنا . . . إذاً لو كان الأمر كذلك فلنعرض عن كلّ ما يسمّى تاريخاً، وحينها يسقط التكليف وتكون الحجّة لنا على اللّه‏، ويصبح الحديث عن الصحابة وإثبات عدالتهم ضرباً من ضروب الحفر التاريخي، كما أنّ الاهتمام بالبخاري ومسلم وغيرهما هلوسة لا تنفع لحاضرنا، أليس كذلك؟! إنّ الدّعوى التي ينعق بها شذاذ الآفاق بعدم أهمية البحث في التاريخ إنّما هي قمّة الجهل . . . لأنّنا لم نجد شيئاً في ديننا إلاّ وارتبط بالتاريخ.. السيرة . . . الحديث . . . التفسير ويشمل ذلك الأحكام الشرعيّة في أبسط صورها، يمارس فيها الجميع البحث في التاريخ شاؤوا أم أبوا . . . !

٣٧
يقول: ﴿عبد المنعم﴾ في مجال العقبات التي يواجهها الباحث عن الحقيقة:

أين تكمن المشكلة؟

لابدّ لنا من الرجوع إلى واقع الإنسان لمعرفة المشكلة.. إذ إنّ الإنسان كما أنّ له عقلاً يدفعه نحو الخير، له قوّة أُخرى تساهم بصورة مباشرة في صدوده عن الحقّ والفضيلة، يقول تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(١). ويقول جلّ شأنه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾(٢). ويقول: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾(٣). ويقول: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾(٤). ويقول سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾(٥). ويقول في سورة يوسف: ﴿وَمَا أُبَرِّىُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾(٦). من خلال هذه الآيات نرى أنّ في مقابل العقل قوّة أُخرى تنازعه القيادة وهي النفس الأمارة بالسوء، وهذه النفس إذا نهيت عن الهوى كانت الجنّة هي المأوى، وذكرنا سابقاً أنّ العقل ما عبد به الرحمن واكتسبت به الجنان، اذاً طريق

١- الشمس ٩١ : ٧ ـ ٨ .

٢- ق ٥٠ : ١٦.

٣- البقرة ٢ : ٨٧ .

٤- المائدة ٥ : ٨٠ .

٥- النازعات ٧٩ : ٤٠ ـ ٤١.

٦- يوسف ١٢ : ٥٣ .

٣٨
الجنّة ﴿الحقّ، القيم، الخلق، الاستقامة، الابتعاد عن الخطأ﴾ يكمن في نهي النفس عن الهوى، وعندها يتوهّج نور العقل، وكلّما ازداد التوهّج كلّما خفت بريق الهوى وانزاحت ظلمات الجهل، وعندما نركن إلى النفس الأمّارة بالسوء ونسير على هواها تكبر عندنا مساحة الجهل ويخفت نور العقل فنرى الباطل حقاً، وكلّ ما لا تستهويه أنفسنا - وإن كان حقّاً - نراه باطلاً . . . ومن المشاكلّ المعقّدة التي تقف حجر عثرة أمام الإنسان في نقده للأفكار والمعتقدات، حبّ السلف والسابقين من العلماء والعظماء حبّاً يبعث على اتّباعهم والاتّكال عليهم، دون بحث جديد في أفكارهم لتقييمها ونبذ الأفكار الخاطئة، وتأصّل هذه العقدة عند الإنسان بسبب ميله الدائم للراحة والابتعاد عن عناء البحث والتنقيب لفرز الجيّد عن الرديء، فيركن إلى من سبقه دون محاولة منه للتحقيق فيه وإعادة النظر والتّأكد، كما أنّ فقدان الثقة يعمّق العقدة لديه فيرى نفسه دوماً دون هؤلاء العظماء (عنده) والسابقين، وإعادة النظر في ما أوصلوه إليه من فكر وثقافة يمثل سوء أدب وخروجاً عن الصراط المستقيم. وكثيراًما صادفت أمثال هؤلاء الذين تجلّت فيهم هذه العقدة فالغت شخصيتهم تماماً، ويتذرّعون بقولهم: هل من المعقول أنّ العالم الفلاني لم يصل إلى هذه الحقيقة؟! أو لماذا لم يصل السابقون من علمائنا الأفذاذ إلى ما توصلّتم إليه؟! وبهذه الطريقة نفقد الثّقة في أنفسنا وتعطّل الطاقات الجّبارة المودعة لدينا، وبالتالي نفقد القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب.. ليس المطلوب التمرّد التام على كلّ ما يطلق عليه صفة عالم وفق المنظور الديني، ولكن الهدف هو التمحيص والتدقيق حتّى لا نصبح مثل أولئك الذين ذكرهم القرآن في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا

٣٩
سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾(١). إنّنا ندعو كلّ الناس للرجوع إلى عقولهم وتحكيم وجدانهم، حتّى يروا الحقّ حقّاً فيتبعوه ويروا الباطل باطلاً فيجتنبوه، وذلك بالنظر في أقوال الملل والنحل المختلفة، والتّأكد ممّا هم عليه . . . ومن الواضح أنّ المجاملة والعاطفة في مثل هذه الأُمور الحساسة لا تجدي نفعاً، فالحديث هنا ﴿في هذا الكتاب﴾ ليس انصرافيّاً ولا هامشيّاً، إنّما يرتبط بصميم المعتقد الذي بصحته تكون النجاة من النار كما تكون الحياة السعيدة في الدنيا، لأنّ الثقافة التي لا تعتمد على جذور ثابتة تمثلّها العقائد الصحيحة، تكون ثقافة مشوّهة تسيء للإسلام، فدعنا نبني الركائز السليمة لفكرنا الإسلامي بأُسس متينة تعيننا على استنباط ثقافة تواجه ما يحيط الأمّة من مكائد ومصائب داخلية وخارجيّة . . . أمّا فكر وثقافة بني أُميّة وبني العبّاس التي تسرّبت إلينا نتيجة تسلطهم على الأمّة واستلامهم لزمام الأمور فيها، فنتائجها لا تغفلها بصيرة المسلمين . . . وقد سرد ﴿عبد المنعم﴾ الأدلّة على خلافة أمير المؤمنين عليه‏السلام في النقاش الذي اجراه مع أحد الوهابيّين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾(٢). في هذه الآية يأمر المولى عزّ وجلّ نبيّه بإبلاغ أمر بالغ الأهمية لدرجة أنّ عدم إبلاغه يعادل عدم إبلاغ كلّ الرسالة. لقد نزلت هذه الآية على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في منصرفه من حجّة الوداع، يقول الراوي: فلمّا نزل صلى الله عليه و آله و سلم غدير خمّ (مفترق طرق) وكان في وقت الضحى والحرّ شديد، أمر بالدوحات فقممن ونادى الصلاة جامعة فاجتمعنا فخطب خطبة بالغة

١- الأحزاب ٣٣ : ٦٦ ـ ٦٨.

٢- المائدة ٥ : ٦٧.

٤٠