×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 08) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

إنّ أقوى الصدمات التي أصابت اتّحاد المسلمين بعد وفاة رسول الإسلام، وبذرت فيهم بذور التفرقة، لهي اختلاف أنظارهم حول الحاكم الإسلامي، الذي جرّ إلى إثارة نيران الحروب والصراع والفتن فيهم، وشقّ عصاهم، وفرّق صفوفهم.

حقّاً لو كان النبيّ لم يفكّر في علاج هذا الدّاء الموحش الذي كان يتنبأ به، ولم يدّبر لوقاية الأُمّة من آثار الفراغ الكبير الذي يصيبهم بفقدهم القائد الأوّل، والمخاطر التي بإمكانها أن تصيب المجتمع الإسلامي بعده، فيترك الساحة بدون أيّ تدبير لمصيرها، ألم يكن هو قد خلق لها تلك المشاكلّ الكبرى الناتجة من إهمال مسؤوليّة الحكومة وإدارة الأمور؟! بينما كانت مخاطر المستقبل ممّا يتنبأ بها حتّى من دون أيّة علاقة بالوحي والغيب؟ كيف لنا أن نصدّق بأنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم الذي لم يترك أيّة نقطة من رسالته لم يبيّنها لهم، لم يكن ملتفتاً إلى مسيرة الإسلام في المستقبل وضرورة حراسة موضع الحقّ فيه؟ بل ضرورة حفظ كيان الدّين وموجوديّة الأُمة، فيدع مسؤوليّة صيانة الرسالة إلى أحوال المستقبل وما تدبّره لها يد التقدير؟! الذين يقولون: إنّ النبيّ لم يصوّر لأُمته أيّة صورة عن شكل الحكم بعده، وإنّه التزم السكوت في ذلك، وإنّه ترك أمّته بلا تكليف في ذلك، هؤلاء كيف يجرؤون على نسبة هذه المسامحة والسكوت في غير موضعه إلى ساحة من كان يمثّل العقل الأوّل في البشر؟! ولاسيّما بعد التوجّه إلى أنّ وفاته لم تقع فجأة، بل كان هو صلى الله عليه و آله و سلم يخبر عن ذلك بقوله: ﴿يوشك أن أُدعى فأجيب﴾، بل أعلن للناس ذلك في حجّة الوداع، وأنّه سوف لا يراهم في موسم الحجّ القابل. إنّ الإسلام، ذلك الغرس الناشيء الذي كان أمامه إلى أن يثمر درب طويل،

٦١
موسوعة حياة المستبصرين ٨ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٦١ - ص ٩٠)والذي تعهّد حامل لوائه باجتثاث أصول الجاهلية وتطهير ما ترسّب منها في زوايا أفكار الناس وعقولهم وأرواحهم، كان هذا الإسلام مهدّداً من جانبين:

من الداخل من ناحية المنافقين الذين كانوا متغلفين في كلّ مركز وناحية تحت لواء الإسلام وفي صفوف المسلمين، وقد تكرّرت منهم المؤامرات لقتل النبيّ، حتّى أنّه في السنة التاسعة للهجرة حينما كان عازماً على المسير إلى حرب تبوك خاف اغتشاشهم في المدينة، فعيّن عليّاً عليه‏السلام خليفة له فيها تفادياً لأيّة حادثة غير مرضيّة.

وكذلك كان الإسلام مهدّداً من الخارج أي من قبل الامبراطوريّتين يومذاك: الرومان والفّرس، وكان يخاف أن تهجم إحدى هاتين القوّتين على مركز الإسلام.

من البديهي أنّه مع هذه الأوضاع الشاذّة والحسّاسة للغاية، كان على النبيّ أن يجعل مسؤوليّة صيانة الرسالة والأُمّة على شخص أو أشخاص يستطيعون ذلك، فيقومون بتثبيت هذه الدعوة ويدفعون عنها كلّ خطر.

إنّ الخليفة الأوّل أحسّ بالمسؤولية عن مستقبل الحكومة الإسلاميّة والفراغ الناتج من غيابه، فلم يدع الأُمّة بحالها، بل أوصى - وهو مريض - إلى الناس يقول: ﴿هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول اللّه‏ إلى المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم، فإنّي أحمد إليكم اللّه‏، أمّا بعد، فإنّي قد استعملت عليهم عمر بن الخطّاب، فاسمعوا له وأطيعوا، وإنّي ما ألوتكم نصحاً والسلام﴾(١). وعلى هذا فإنّه كان يرى تعيين الخليفة بعده من حقّه حيث ألزمهم بطاعته.

وكذلك أدرك الخليفة الثاني ضرورة سرعة اتخاذ القرار بعد ضربته، فأمر بتشكيل الشورى من ستّة أشخاص، وهذا يعني أنّه لم يكن يرى للمسلمين في

١- تاريخ اليعقوبي ٢: ٩٣، أيام أبي بكر.

٦٢
تعيين الخليفة حقّاً ولذلك حدّد الشورى في ستّة أشخاص. وأمّا أمير المؤمنين عليّ عليه‏السلام فإنّه رضي بالأمر الواقع خوف فتنة الناس وعودتهم للجاهلية.

ومع هذا فكيف غضّ رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم الطرف عن هكذا مسألة حسّاسة للغاية، والخطر العميق المحدق بالرسالة، والناس قريبوا عهد بالجاهليّة، ولم يتقدّم إلى المسلمين بأطروحة لسلامة الأُمّة من تلك الأخطار المرتقبة بعد وفاته؟! حقّاً ليس بإمكاننا أن نجد أيّ توجيه أو تفسير نتقبّله لاتّخاذه هذا الموقف السلبيّ، ولعدم اهتمام رسول الإسلام بهذا الأمر، ولا نستطيع أن نتصوّر أنّه لم يكن يعني بأمر الدعوة بعده، ولم يكن يهتمّ بما يجري عليها بعد وفاته!

بل إنّ رسول اللّه‏ كان - وهو في فراش الموت وآلام الأسقام تؤلمه بشدّة - يفكّر في الرسالة والأُمّة قلقاً على مستقبلها، بل كان هذا هو كلّ ما يشغل باله آنذاك، وفي تلك اللّحظات الحسّاسة التي كان كلّ الحاضرين - ومنهم عمر بن الخطّاب - يغطّون في حالة من البُهت والاضطراب العميق قال: ﴿ائتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لن تضلّوا به بعدي أبداً﴾(١). إنّ محاولة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم هذه والتي اتّفق الفريقان على نقلها وصحّتها لهي خير شاهد على أنّ رسول اللّه‏ في اللحظات الأخيرة من حياته كان يَحسّ بالمسؤوليّة عن مستقبل الإسلام، وأنّه كان يفكّر في الأخطار بعد وفاته، وأنّه لحفظ أُمّته من الانحراف ووقاية لها من الانحطاط حاول أن يريها الدّرب للمستقبل، إذ كان هو أكثر البشر فهماً وأعمقهم دركاً. وهنا ينبغي الالتفات إلى مسألة الوصاية والخلافة في الأديان والشرائع السابقة، فالرسل جميعاً وكثير من الأنبياء كانوا يختارون لأنفسهم أوصياء من

١- المستدرك على الصحيحين ٣: ٤٧٧.

٦٣
بعدهم، وحيث يقضي القرآن الكريم بعدم تغيير سنّة اللّه‏ في خلقه، كان على رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم - وهو من المرسلين - أن يعمل بهذه السنّة الإلهيّة.

فيعرّف الأُمّة بوصيّه وخليفته من بعده، وكذلك كان. فإنّه بأمر ربّه وبمقتضى رسالته واستمراراً لها اختار خليفته ووصيّه وعيّن تكليف أُمّته من بعده، وإنّ هذه العقيدة بالوصاية لهي من صلب كتاب اللّه‏ وصميم أحكام الإسلام، ولاسيّما بالنظر إلى ما يتّسم به من الكمال والتمام(١).

اقتطاف ثمار البحث:

واصل ﴿محمّد النّور﴾ قراءته لكتاب ﴿أصول الاعتقاد﴾ ومن هذا المنطلق وصل إلى القناعة التامّة بأحقّية مذهب أهل البيت عليهم‏السلام فأعلن استبصاره وكان ذلك عام ١٤١١ه ، (١٩٩١م)، ثُمّ هاجر إلى مدينة قم المقدّسة ودرس في الحوزة العلميّة بقم، وواصل دراسته حتّى أخذ شهادة البكالوريوس في فرع التاريخ الإسلامي، وأخذ شهادة الماجستير في فرع الأديان والمذاهب، ثُمّ تخصّص في الفلسفة والعرفان، ثُمّ درس الفقه والإصول إلى مرحلة البحث الخارج.

العودة إلى الوطن:

عاد ﴿محمّد النّور﴾ إلى بلده السودان محمّلاً بعلوم ومعارف أهل البيت عليهم‏السلام، وتصدّى لرئاسة رابطة سفينة النجاة الثقافية الإسلاميّة، ومهمّة هذه الرابطة رفع الوعي والمعرفة الدينيّة بين الشيعة السودانيّين، فقرّر القيام بدورة دراسيّة قصيرة مستهدف بها أبناء الشيعة بالسودان لتعريفهم بالمسائل الهامّة على مستوى العقيدة والأحكام المبتلى بها.

ويقول ﴿محمّد النّور﴾ حول ضرورة الدورة التي تقيمها هذه الرابطة والهدف

١- أصول العقائد ٣: ١٩ - ٢٢.

٦٤
المتوخّى منها: تتوقّع الرابطة أن تسهم هذه الدورة بشكل كبير ومؤثّر في تعريف أبناء الشيعة والمستبصرين الجدد بعقائد ومعارف أهل البيت عليهم‏السلام، وتصحيح عباداتهم والأحكام عندهم، وتحصينهم أمام الهجمات الوهابيّة المستعرة ضدّ التشيّع، وإشعارهم بإحساس العالم الشيعيّ بهم وباحتياجاتهم، والتأكيد على دورهم المنتظر في نشر مذهب أهل البيت عليهم‏السلام وتعريف الناس بهم وبمقامهم ومظلوميّتهم صلوات اللّه‏ عليهم.

وتتأكّد ضرورة هذه الدورة وبشكل أساسي إضافة لما ذكرنا، في سعيها للحؤول دون حدوث أيّ تصرّفات من قبل الشيعة تؤدّي إلى إثارة الآخرين ضدّهم، خصوصاً مع حالة الاستعداد التي يمارسها الوهابيّون على المجتمع ضدّ

الشيعة والتشيّع.

يضاف لذلك تعريف الأُخوة بالمسائل السياسيّة من حولهم على كلّ المستويات، سواء في السودان أو في المنطقة والعالم ككلّ، ممّا يسهم في تنمية معرفتهم وعدم انجرارهم وراء أطروحات بعض الجهات والأحزاب التي تمثّل خطراً على دينهم وأُمتهم وعلى التشيّع في السودان، كما تسهم في تذكيرهم بمحاسن الأخلاق ووصايا أهل البيت عليهم‏السلام للشيعة في كيفيّة التعايش مع غيرهم، كما تأمل أن يكون ربط الناس بالجوّ الروحي للتشيّع وأدعيّة الأئمّة عليهم‏السلام من ثمار هذه الدورة.

٦٥

(٩) معتصم سيّد أحمد (شافعي / السودان)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية
مرّت ترجمته في٣: ٤٥٩ من هذه الموسوعة، ونشير إلى آخر ما حصلنا عليه من معلومات لم تُدرج من قبل.

بعد تجلي الحقائق وإزالة الستائر عن أبصار ﴿معتصم﴾ قام بدوره في نشر ذه الحقائق من خلال مناقشاته وحوارته مع الوهابية في السودان، وقد ألّف كتاباً سرد فيه الحوارات التي جرت بينه وبين علماء الوهابية في السودان تحت عنوان

﴿حوارات﴾، ومن تلك الحوارات ما يلي:

مع الوهابية في أركان النقاش:

دارت في الساحة الفكرية في مدينة عطبرة أحداث ساخنة، بعد أن سيطر الطرح الشيعي على مستوى المناظرات وأركان النقاش، خاصة بين طلبة جامعة وادي النيل، فكان حديث الساعة الشيعة والتشيّع حتّى في الأماكن العامة، هذا ممّا أشعل نار الحقد الوهابي، فكثّفوا هجومهم على الشيعة فى كلّ منابرهم.

وعندما علموا أنّ مصدر التشيّع في المدينة هو جامعة وادي النيل، عملوا على حجز دار الطلاب - وهي دار كبيرة تقام فيها نشاطات الطلاب الثقافية والسياسية - لمدةّ يومين، وهما الخميس والجمعة، وكان برنامجهم يشتمل على

٦٦
معرض كتاب وملصقات وعرض فيديو، كلّها تعرّف بالشيعة، بالإضافة إلى محاضرة في اليوم الأول بعنوان ﴿وجاء دور المجوس﴾ وكان المحاضر مستعار من مدينة أخرى وهي (مدني) جنوب الخرطوم، وفي اليوم التالي كان ركن النقاش بعنوان (هذا أو الطوفان)، ويختلف ركن النقاش عن المحاضرة بأنّه يغلب عليه طابع النقاش والجدال والحدّية أكثر من المحاضرة.

وكان قصدهم من هذا الجهد هو تشديد الضربة على الشيعة، حتّى ينتهي وجودهم في المدينة، أو على الأقل يحدثوا قطيعة بين الشيعة والمجتمع . . . (١). حينها تقدّم المتحدّث وشرع في حديثه، وكان يحتوي على الأمور التالية: * اختلف المسلمون إلى مذاهب عديدة، وهذا مصداق لحديث رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم : ﴿افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى اثني وسبعين فرقة، وستفترق أُمتّي إلى ثلاثة وسبعين فرقة، كلّها في النار إلاّ واحدة، وقيل: من هم يا رسول اللّه‏؟ قال: ما كنت عليه أنا وأصحابي﴾. وهذا الحديث نصّ صريح على أن طريق النجاة هو الأخذ بمنهج السلف الصالح، فهم الذين فهموا الدين ونقلوه، وحفظوا القرآن وفسّروه، ولا يجوز أن نقدّم رأينا على كلامهم، بل نتمسّك بهم ونعضّ على سنّتهم بالنّواجذ.

* إنّ الشيعة عندما أرادوا أن يطعنوا في الدين طعنوا في الصحابة، والطعن في الناقل هو الطعن في المنقول، فشككوا في عدالة الصحابة وجرّحوهم، مع أنّ الجرح والتعديل لا يجوز في حقّهم ؛ لأنّهم وثقّهم اللّه‏ ورسوله.

* إنّ فرقة الشيعة ابتكرتها اليهودية، ولذلك نجد أنّ مؤسّسها يهودي اسمه عبد اللّه‏ بن سبأ، وهو دخيل على الإسلام، وما كان يقصد إلاّ الفتنة، فغلوا جماعته في عليّ وألّهوه حتّى أحرقهم بالنار، وهذا دليل كافي على أن عليّاً بريءٌ

١- حوارات: ٣٣.

٦٧
منهم . . . . ولم يخرج كلامه من هذه النقاط، وبعد أن ختم حديثه، وزّع جماعته قطعاً ورقيةً حتّى تكتب فيها الأسئلة، ولكنّها طريقة غير مجدية في حقّنا، فرفعت يدي وطلبت أن أسأل مباشرةً، فوافق على ذلك.

وبعد أن أمسكت بلاقطة الصوت، شكرته على إتاحته الفرصة لنا، وقلت له:

إنّ لي ملاحظات على كلّ كلامك، ولكن أن أسألك وأنت تُجيب فهذه مسألة غير منصفة، فأخيّرك بين أمرين: إمّا تعقد معي مناظرة، وإمّا أن تسمح لي بالكلام حتّى أعقّب على كلّ المحاضرة، فأيهما تختار؟ سكت مدّة من الزمن وقال: أسمح لك بخمس دقائق.

قلت: لا تكفي.

قال: عشرة دقائق. أيضاً لا تكفي، وأنا أرى أن تكون مناظرة، حتّى لا تكون محدّدة بزمن، ونحن مستعدون أن نجلس معك أسبوعاً كاملاً ونطرح كلّ العقائد الشيعية من الألف إلى الياء.

تكلّم براحتك.. وكأنه هاربٌ من المناظرة!! وبعدما فسح لي المجال للتحدّث، رأيت أنّه من الأنسب أن لا أعتمد على منهجيّة الردّ وحسب، وإنّما أقوم بتوضيح عام لمفهوم التشيّع، ونشوئه التاريخي ومصادره، بمثابة مقدّمة تأصيلية.

فقلت: إنّ التشيّع ليس وليد اللحظة، ولا وليد حالة تاريخيّة معيّنة كما يقول البعض: إنّ التشيّع نشأ بعد حرب الجمل، أو كما يقال: إنّ التشيّع أصبح خطاً في الأمّة الإسلاميّة بعد حادثة كربلاء الأليمة التي ولدت تياراً عاطفياً عنيفاً في نفوس المسلمين ممّا جعلهم يتبنّون أهل البيت عليهم‏السلام باعتبارهم قيادةً للمسلمين.

٦٨
وليس كما يقول المجحفون إنّ التشيّع وليد الذهنيّة اليهودية التي تمثّلت في شخصية عبد اللّه‏ بن سبأ.

إن الناظر إلى التشيّع بروح موضوعية، يرى أنّه ضارب جذوره في عمق الرسالة المحمّدية، فهو كمفهوم واضح من خلال النصّ القرآني والأحاديث النبوّية، فإنّه لا يتجاوز أن يكون نظرة عميقة في سنن اللّه‏ سبحانه وتعالى، التي نستخلص منها ضرورة اصطفاء أئمّة وقادة ربّانيين يتكفّلون بقيادة البشريّة إلى نور الهداية، فالضرورة العقلية تحتّم وجود إمام من قبل اللّه‏ ليقود هذه الأمّة، وتؤيّد هذه الضرورة العقلية النصوص الشرعيّة التي نجدها ظاهرة في تنصيب الأئمّة واصطفاء القادة، فما من مجتمع بشري مرّ على تاريخ الإنسانية إلاّ وكان فيه قيادة إلهيّة تمثّل حجّة اللّه‏ على العباد، فقد أرسل اللّه‏ مائة وأربع وعشرين ألف نبيّ كما في بعض الروايات، ولكلّ نبي وصيّ يحفظ خطّ الرسالة من بعد النبيّ.

وما لاقته الأمّة الإسلاميّة من تمذهب وفرقة ما كان إلاّ لفقدان المرجعية الواحدة، المصطفاة من قبل اللّه‏، وممّا ثبت بالضرورة إنّ فترة وجود الرسول صلى الله عليه و آله و سلم كان المسلمون كياناً واحداً لوجود رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم بينهم، وكذلك إذا فرضنا وجوده صلى الله عليه و آله و سلم إلى اليوم لكانت الأمّة الإسلاميّة جسداً واحداً، فيتّضح بذلك أنّ رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم كان يمثّل صمّام أمان لهذه الأمّة، فمجرّد ما انفلت صمّام الأمان أنفلت الوضع من بعده، فماذا كان يمثّل رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم ؟!

كان يمثّل المرجعية المعصومة والقيادة الواحدة، فيثبت من ذلك أنّ الطريق الوحيد لعصمة الأمّة هو وجود قيادة إلهية معصومة. وهذا ما تتبنّاه الشيعة، ومن هنا كان من الضروري أن يُنصب اللّه‏ ورسوله إماماً لقيادة المسلمين، والذي ينكر هذا التنصيب - بمعنى أنّ اللّه‏ لم يعيّن إماماً - يكون بذلك نسب سبب الضلالة إلى اللّه‏ ورسوله.

فهذا هو مفهوم الإمامة، ولا أتصوّر أنّ أحداً من المسلمين ينكر الإمامة

٦٩
كضرورة ومفهوم، ولكنّ الخلاف كلّ الخلاف في مصاديق الإمامة الخارجية، فإنّ الشيعة تعتقد أنّ الإمامة جارية في ذرية رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم وأهل بيته عليهم‏السلام، ولم يكن هذا مجرّد افتراض جادت به قريحة الشيعة، وإنّما هو نصّ قرآني وحديث نبوي.

قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم كما جاء في الحاكم: ﴿أُوحي إلي في عليّ ثلاثة: أنّه سيّد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغرّ المجلين﴾.

وحديث جابر بن عبد اللّه‏ قال: ﴿سمعت رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم وهو آخذٌ بضبع

عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام وهو يقول: هذا إمام البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله﴾

.

وقال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم : ﴿مرحباً بسيّد الموحدين وإمام المتقين﴾.

وعن عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام قال: قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم : ﴿الأئمّة من ولدي، فمن أطاعهم فقد أطاع اللّه‏، ومن عصاهم فقد عصى اللّه‏، هم العروة الوثقى، والوسيلة إلى اللّه‏ جلّ وعلا﴾، ومئات الأحاديث، فما ذنب الشيعة بعد ذلك إذا والوا عليّ بن أبي طالب، وأخذوا دينهم منه، فهو المسار الطبيعي للرسالة، ولولاه لم يعرف للدين معنى.

ولذلك نجد رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم أكّد كثيراً على ضرورة الإمامة وإمامة عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام بالذات، وهذا هو التشيّع.

فهل لكم معنى آخر للتشيع حتّى تنسبونه إلى عبد اللّه‏ بن سبأ؟! بل كلمة الشيعة نفسها لم تكن مصطلحاً غريباً على الأمّة الإسلاميّة، فقد عمل رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم على تثبيت هذا المصطلح وتأصيله في ذهنية الأمّة الإسلاميّة، كما جاء في حديث جابر قال: كنّا عند النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فأقبل عليّ عليه‏السلام فقال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : ﴿والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة﴾ فأنزل

٧٠
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾(١). وكما جاء عن ابن عبّاس قال: لما أنزل اللّه‏ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾، قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم لعلي عليه‏السلام: ﴿هم أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي عدوك غضاباً مقمحين﴾. وغير هذه الروايات الواضحة في تحديد مسار الأمّة بعد وفاة رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم ، لذلك نجد أنّ لهذه الروايات مصاديق وترجمة خارجية من مجموعة من الصحابة كسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمّار بن ياسر، والمقداد، حتّى أصبح لفظ الشيعة لقباً لهم. ذكر أبو حاتم في كتابه الزينة: ﴿إنّ أوّل اسم لمذهب ظهر في الإسلام هو الشيعة، وكان هذا لقب أربعة من الصحابة: أبو ذر، عمّار، والمقداد وسلمان الفارسي﴾.

هذا بالإضافة لوجود كثير من الآيات والأحاديث التي توجب اتباع أهل البيت خاصّة وأخذ الدين عنهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(٢). من الضروري أن لا يكون اللّه‏ طهّرهم من الذنوب عبثاً، وإنّما تطهيرهم مقدّمة لاتّباعهم وأخذ الدين منهم، كما جاء في الحديث: ﴿إنّي تارك فيكم الثقلين ما إنّ تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب اللّه‏ وعترتي أهل بيتي، إنّ العليم الخبير أنبأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض﴾(٣)٩]. وهذا يدل على أنّ البعد عن الضلالة لا يتحقّق إلاّ باتّباعهم وأخذ الدين منهم، حتّى السلف - الصالح - لا يسمّى صالحاً إلاّ إذا أخذ دينه عن أهل البيت عليهم‏السلام.

١- الدر المنثور ٦: ٣٧٩، والآية في سورة البينة ٩٨ : ٧.

٢- صحيح مسلم ٧: ١٣٠، الأحزاب ٣٣ : ٣٣.

٣- انظر حديث الثقلين بألفاظه المختلفة في صحيح مسلم ٧:١٢٣، مسند أحمد ٣: ١٤، سنن الترمذي ٥: ٣٢٨.

٧١
فبأيّ حجّة بعد ذلك تقول: إنّ أخذ الدين لابدّ أن يكون عن طريق السلف؟ وأيّ سلف تقصد؟ هل الذين لم يتفقوا في أبسط الأحكام الفقهية، كاختلافهم في قطع يد السارق، فهل تُقطع من أصل الأصابع، كما قال بعض الصحابة، أو من الكف، أو من المرفق، أو من الكتف كما قال آخرين.

فمن الضروري أن يكون رسول اللّه‏ قد بلغّ حكماً واحداً لا أحكاماً متعدّدةٌ، وهذا يدلّ على أنّ الصحابة هم الذين أخطأوا، فكيف نعتمد على قولهم وندين اللّه‏ تعالى باتباعهم؟! فإذاً ليس كما ذهبت أنّ الطريق هو متابعة كلّ السلف الذين اقتتلوا وكفّروا بعضهم، وإنّما يؤخذ الدين عن شريحة خاصة كفل اللّه‏ عصمتهم من الاختلاف، وهم أهل البيت عليهم‏السلام الذين تواترت الروايات في حقّهم ووجوب اتباعهم.

أسألك باللّه‏ إن كنت صادقاًً فما تقول، أن تثبت لي دليلاً واحداً يقتضي بوجوب اتباع السلف؟! واستدلالك ببعض الآيات كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾(١)، فإنّها لا يمكن أن تحمل على مطلق السلف، وإنّما هي عامّة، وتخصيصها يحتاج إلى دليل، ولا توجد قرائن تخصّصها إلاّ ما جاء في حقّ أهل البيت عليهم‏السلام، ولا يمكن أن تحملها على مطلق السلف كما ثبت من وقوع الاختلاف بينهم.

ولا نقبل استدلالك بقوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ . . . ﴾(٢)، فإنّها لا تتجاوز أن تكون مدحاً، وإن تنازلنا وسلّمنا بظهورها فيما تدعي، فإن الظهور لا يقابل النصوص الواضحة القاطعة بوجوب اتباع أهل البيت عليهم‏السلام.

١- النساء ٤ : ١١٥.

٢- الفتح ٤٨ : ٢٩.

٧٢
ونحن ندري أنّ مشكلتكم ليست الأدلّة والبراهين الواضحة في وجوب اتباع أهل البيت عليهم‏السلام، وإنّكم لم تكونوا سلفيين بمحض إرادتكم، وإنّما هذا ما ورثتموه من التاريخ الجائر للحكمين الأموي والعباسي، الذي عمل جهده حتّى يورث الأمّة تياراً يواجه أهل البيت عليهم‏السلام، وإلاّ ما كرّرت أنت نفس مالاكه علماؤك الأقدمين، الذين صنعتهم السلطات الجائرة، ليشوّهوا صورة التشيّع.

باللّه‏ عليك، هل هناك عاقل له قليل إطلاع بالمذهب الشيعي يكون صادقاً مع نفسه إذا نسبه إلى عبد اللّه‏ بن سبأ؟ نعم قد يكون الجاهل معذوراً، ولكن ما عذر من يكرّر الجهل ويتبنّاه من غير دراية وتحقيق، ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين، فكيف تتحدّثون عن الشيعة، وكأنّهم مخلوق غريب لا ارتباط لهم بالإنسانية، ويعيشون في كوكب غير كوكبنا.

عزيزي، إنّ الوسائل قد تغيّرت، فاتركوا ما ورثتموه عن سلفكم، ابحثوا عن وسائل جديدة في الردّ على الشيعة، فزمنهم غير زمنكم، فقد تعددت وسائل المعارف، فهذه الكتب الشيعية متوفّرة في كلّ مكان، فاطلعوا على براهينهم، وهذه البلاد الشيعية زوروها وقفوا على أحوالهم، ولا تقولوا كما قال محمّد بن عبد الوهاب: إنّ الشيعة إذا ماتوا تحولوا إلى قردة وخنازير.

وكان بإمكاني أن لا أردّ على ما ذكرت، لأنّه لا يرقى إلى مستوى الفكري والنقاش، ولكن تنازلاً أعقّب على ما ذكرته في حديثك.

أولاً: إنّ نسبة الشيعة إلى عبد اللّه‏ بن سبأ، يرجع إلى ما رواه الطبري، وهو أول راوي لذلك، أمّا بقيّة المؤرخين فإنّهم أخذوا منه، وروى الطبري ذلك عن سيف بن عمر، وسيف معروف قدره عند علماء الجرح والتعديل(١)، فإنّه رجل

١- قال يحيى بن معين ت٢٣٣ه: ضعيف الحديث فلسٌ خير منه. وقال أبو داود (ت٢٧٥ه): ليس بشيء كذاب. وقال النسائي صاحب الصحيح (ت٣٠٣ه): ضعيف ومتروك الحديث ليس بثقة ولا مأمون. وقال ابن حاتم (٣٢٧ه): متروك الحديث. وقال ابن عدي (٣٦٥ه): يروي الموضوعات عن الأثبات، أتهم بالزندقة، وقال: قالوا كان يضع الحديث. وقال الحاكم (٤٠٥ه): متروك، وقد أتهم بالزندقة. وهاهُ الخطيب البغدادي، ونقل ابن عبد البر عن بن حيان أنّه قال فيه: سيف متروك، وإنّما ذكرنا حديثه للمعرفة، ولم يعقب بن عبد البر عليه، وقال الفيروز آبادي، صاحب توالف، وذكره مع غيره وقال عنهم: ضعفاء. وقال ابن حجر بعد ايراد حديث ورد في سنده اسمه: فيه ضعفاء أشدهم سيف. وقال صفي الدين ضعفوه، وروى له الترمذي فرد حديث.

تهذيب الكمال ١٢: ٣٢٦.

٧٣
كاذب ومدلّس ولا يؤخذ برواياته، وللمزيد ارجع إلى كتاب عبد اللّه‏ بن سبأ وأساطير أخرى للعلاّمة مرتضى العسكري.

ثانياً: حتّى لو سلّمنا بهذه الروايات، فإنّها لا تقول بأنّ عبد اللّه‏ بن سبأ هو مؤسّس الشيعة، فكلّ ما فيها أنّ هذا الرجل ادّعى أنّ لكلّ نبي وصي ووصي محمّد صلى الله عليه و آله و سلم هو عليّ عليه‏السلام، وهذا ليس من مبتكرات عبد اللّه‏ بن سبأ، وإنّما صرّح به رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم من قبل، فإذا كان قول الشيعة مطابق لقول ابن سبأ، فما هو وجه الملازمة بين هذا وبين أن يكون هو مؤسّس الشيعة؟ فما هو وجه الشبه حتّى تربط بين الأمرين؟! ولعمري إنّها لسخافة في الرأي.

أمّا تأليه عليّ عليه‏السلام وأنّ عليّاً أحرق أتباعه بالنار، فإن الشيعة لا تؤمن بذلك، وإنّما نعتقد أنّ عليّاً عليه‏السلام عبدٌ صالح من عباد اللّه‏ الصادقين، أختاره اللّه‏ لحمل رسالته من بعد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم .

ثالثاً: ما كانت هذه الفرية إلاّ حلقة من مسلسل الوضع على الشيعة، كما قال طه حسين: ﴿ابن سبأ شخص ادّخره خصوم الشيعة للشيعة ولا وجود له في الخارج﴾.

وتستهدف هذه المحاولة تشويه عقائد الشيعة التي تنبع من القرآن والسنّة، مثل الوصية والعصمة، فلم يجد أعداؤهم طريقاً إلاّ ربط هذه العقائد بجذر

٧٤
الصفحات: ٧٥ - ٨٠ فارغة