×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

رسائل الشعائر الحسينية ( ج 2 ) / الصفحات: ١ - ٢٠

رسائل الشعائر الحسينية << ج ٢ << تاليف : مجموعة من العلماء (ص ١ - ص ٣٠)



١

رسائل الشعائر الحسينيّة

رسالة التنزيه للسيّد محسن الأمين

والرسائل المؤيّدة والمعارضة لها

٢

٣

رسائل الشعائر الحسينيّة

رسالة التنزيه للسيّد محسن الأمين

والرسائل المؤيّدة والمعارضة لها

تأليف

مجموعة من العلماء

جمعها وحقّقها وعلّق عليها

الشيخ محمّد الحسّون

الجزء الثاني

موسسة الرافد للمطبوعات

بغداد

٤

الحسون ، الشيخ محمّد ١٩٥٩ Alhsson Muhammad

رسائل الشعائر الحسينية ، رسالة التنزيه للسيدّ محسن الأمين و الرسائل

المويّدة و المعارضة لها / تأليف مجموعة من العلماء ، جمعها و حققها

و علّق عليها : الشيخ محمّد الحسون.

موسسة الرافد للمطبوعات ، ١٤٣٢ هـ / ٢٠١١ م

[email protected]

٩٧٨-٦٠٠-٥٦٨٨-٦١-٠ : (الدورة) ISBN

٩٧٨-٦٠٠-٥٦٨٨-٦٣-٤ : (المجلد الثاني) ISBN

الكتاب عربي ، ٣ مجلدات.

١. الحسين بن علي عليهم السلام ، الإمام الثالث ، ٤-٦١ هـ - الماتم و العزاء.

٢. الشعائر و المراسم الدينية.

١٣٩٠ ٥ ر ٤٧٦ ح / ٣ / ٢٦٠ BP ٧٤ / ٢٩٧

المکتبة الوطنية الإيرانيّة ٢١٥٢٩٩٢

· رسائل الشعائر الحسينيّة

· الشيخ محمد الحسون

· موسسه الرافد للمطبوعات

· ١٤٣٢ هـ / ٢٠١١ م

٩٧٨-٦٠٠-٥٦٨٨-٦١-٠ : (الدورة) ISBN

٩٧٨-٦٠٠-٥٦٨٨-٦٣-٤ : (المجلد الثاني) ISBN

· جميع الحقوق مسجّلة و محفوظة للناشر

٥

دليل الكتاب

(١٠) سيماء الصلحاء، للشيخ عبد الحسين صادق العاملي (ت١٣٦١هـ).

(١١) التنزيه لأعمال الشبيه، للسيّد محسن الأمين العاملي (ت١٣٧١هـ).

(١٢) رنّة الأسى «نظرة في رسالة التنزيه لأعمال الشبيه» للشيخ عبد الله السبيتي العاملي (ت١٣٩٧هـ)،

(١٣) كلمات جامعة حول المظاهر العزائية، للشيخ محمّد علي الغروي الأُردوبادي النجفي (ت١٣٨١هـ).

(١٤) الشعار الحسيني، للشيخ محمّد حسين المظفّر (ت١٣٨١هـ).

٦

٧

(١٠) سيماء الصلحاء

تأليف

الشيخ عبد الحسين صادق العاملي

( ١٢٧٩ - ١٣٦١هـ )

٨

٩

المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نسعين

الحمدُ لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، وعلى آله الميامين وصحبه الأنجبين.

(الفائدة الثانية والسبعون) من كتابنا جامع الفوائد المندرجة منه تحت عنوان: «سيماء الصلحاء إقامة عزاء سيّد الشهداء الحسين عليه السلام» مسّت الحاجة إلى فصلها وطبعها على حدة وهي:

أنّ ناشئة (١) عصريّة ولدها الدهرُ بعد حيال (٢) ، أو قاءها بعد جشأ (٣) ، تنتحل

١- النشأ: أحداث الناس الصغار. يقال للواحد: هو نشأ سوء، وهؤلاء نشأ سوء. والناشىء: الشاب. والناشئة: أوّل الليل. كتاب العين ٦: ٢٨٧، «نشأ».

٢- الحول: سنة بأسرها. وناقة حائل: التي لم تحمل سنة أو أكثر، حالت تحول حيالاً وحؤولاً، والجميع: الحيال والحُولُ. كتاب العين ٣: ٢٩٧ - ٢٩٩، «حول».
والمراد به هنا أنّ الدهر والزمان أصيب بعدم الإنجاب لفترة طويلة، ثمّ أولد هذه الناشئة.

٣- جشأ: جشأت نفسه تجشأ جشوءً: ارتفعت ونهضت إليه. وجشأت: ثارت للقيء. لسان العرب ١: ٤٨، «جشأ».

١٠

دين الإسلام، وما هي منه بفتيل (١) أو نقير (٢) ، ولا بعير أو نفير (٣) ، وإن تقشّفت بلبسته، وادّهنت بصبغته، لقد أتته من وجهته، وتسلّقت إليه من سلّم ثنيّته (٤)، لتطعنه في ثغره ولبّته (٥) ، وتقطع نياط وريديه: كتابه وسنّته.

تهمّ - وما أعظم ما تهمّ - تهمّ أن تطفئ نور الله بأفواهها ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره «الشانئون»، تهمّ أن تمحو أسطر أعلام النبوّة، وتطمس آثار الرسالة من لوح عالم الوجود وقرطاس التذكار.

فطائفة منها ازدلفت إلى مشاهدهم المقدّسة ببقيع الغرقد (٦) بالمدينة المشرّفة، فهدمت تلك المعالم الشامخة، والأبنية المؤسسة على تقوى السلف

١- الفتيل: السحاة (القشرة) في شقّ النواة. وقيل: هو ما يفتل بين الإصبعين من الوسخ. لسان العرب ١١: ٥١٤، «فتل».

٢- النقير: النكتة التي في ظهر النواة. والنقير: أصل خشبة ينقر فينتبذ فيه فيشتدّ نبيذه، وهو الذي ورد النهي عنه. لسان العرب ٥: ٢٨٨، «نقر».

٣- النفير: الجماعة من الناس، ويقال: فلان لا في العير ولا في النفير، قيل هذا المثل لقريش من بين العرب، وذلك أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا هاجر إلى المدينة ونهض منها لتلقّي عير قريش سمع مشركو قريش بذلك، فنهضوا ولقوه ببدر ليأمن عيرهم المقبل من الشام مع أبي سفيان، فكان من أمرهم ما كان، ولم يكن تخلّف عن العير والقتال إلاّ زمن أو من لاخير فيه، فكانوا يقولون لمن لا يستصلحونه لمهمّ: فلان لا في العير ولا في النفير. لسان العرب ٥: ٢٢٥، «نفر».

٤- الثنيّة: أعلى مَيل في رأس جبل يُرى من بعيد فيُعرف. كتاب العين ٨ : ٢٤٣، «ثني».

٥- اللبّة: وسط الصدر والمنحر، والجمع لبّات ولباب. لسان العرب ١: ٧٧٣، «لبب».

٦- البقيع من الأرض: المكان المتّسع، ولا يسمّى بقيعاً إلاّ وفيه شجر أو أصولها. وبقيع الغرقد: موضع بظاهر المدينة فيه قبور أهلها، كان به شجر الغرقد فذهب وبقي اسمه. النهاية في غريب الحديث ١: ١٤٦، «بقع».

١١

الصالح من المسلمين، الذين يمتنع ديناً حمل عملهم على غير الوجه الشرعي السائغ الصحيح، بخدعة أنّها قبور مشرفة (١) مستوجبةُ الإطماس شرعاً، والله يعلم والعالمون جميعاً أنّها ليست بقبور، شتّان لغةً وعرفاً بين قبر مشرف ودار مشرفة (٢) في ضمنها رسم قبر لم يسم (٣) عن الأرض قيد شبر.

فما الحادي (٤) لها على هدم تلك البنية الضخمة - وهي ليست بمصداق لقبر، ولا بمغصوبة للأصل (٥) الذي لم يرد أو يحكم عليه دليل - سوى الكره الكمين في نفوسها لأهل بيت النبوّة، مهابط الوحي، ومعارج الذكر، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً (٦)، وافترض طاعتهم ومودّتهم على المسلمين تأدية لأجر جدّهم(٧) .

ولولا هذا الكره الكامن في صدورها الذي أظهرته القوّة، وقد كان يخفيه الضعف والرهبة من شوكة الخلافة الإسلاميّة، لما تهجّمت على مخالفة الصحابة بأسرهم.

أليس اتّفقت كلمتهم (٨) على دفن نبيّهم في الحجرة التي توفّي فيها، وأبقت

١- مشرف: كلّ شيء طال فهو مشرف. كتاب العين ٦: ٢٥٣، «شرف».

٢- إنّ حجّتهم في هدم القبور أنّها مشرفة ليست سوى تمويه وخدعة ; لأنّ العالي ليس القبر نفسه، فالقبر لم يعل عن الأرض قيد شبر بل البناء.

٣- السمو: الارتفاع والعلو. لسان العرب ١٤: ٣٩٧، «سما». لم يسم، أي: لم يرتفع.

٤- الحدو: سوق الإبل، ويقال للشمال: هدواء ; لأنّها تحدو السحاب، أي: تسوقه. الصحاح ٦: ٢٣٠٩، «حدا». فما الحادي لها، أي: فما السائق لها.

٥- أي: الأصل الشرعي هو عدم الغصب وحليّة المال لأمارة اليد، حيث إنّ المسلم الذي بناه كانت يده على المال الذي أنفقه، وليست يده يد خيانة وغصب.

٦- إشارة إلى الآية ٣٣ من سورة الأحزاب.

٧- إشارة إلى الآية ٢٣ من سورة الشورى.

٨- أي: الصحابة.

١٢

بناءها على حاله لم تحدث به هدماً؟!

أعمل الصحابة - وفيهم الصديق الأكبر والفاروق الأعظم وذو النورين وأبو السبطين الذي يدور معه الحقّ حيث دار (١) - عملاً غير مشروع؟!

هل يفوه بهذا مسلم؟! كلاّ، كيف وإجماع الصحابة قولاً وعملاً هو حجّة كبرى وسلطان مبين عند كافة المسلمين.

وطائفة منهم قد تألّبت لإبطال إقامة العزاء للنبيّ وآله وعترته أيام وفياتهم المعلومة، لاسيّما يوم عاشوراء الذي استشهد فيه الإمام الثالث، خامس أهل الكساء، مولانا الحسين(عليه السلام).

ولا ريب أنّ «هذه العصا من تلك العصيّة» (٢) ، كلتا الطائفتين تمتحان (٣) غَرْباً (٤) طافحاً من قليب إحن (٥) وأضغان، وعداوة وشنئان لعترة النبيّ، لا بغية لها سوى إخماد وقاد (٦) ذكر أهل البيت(عليهم السلام) حتّى يكونوا نسياً منسيّاً، لا قبور لهم معروفة فتزار، ولا مصائب لهم مكشوفة فتستبان، وهي لهم مناقب ولأعدائهم مثالب، حيث لم يمت منهم أحد حتف أنفه، بل مقتولاً شهيداً (٧) لأجل الدين إمّا

١- إشارة إلى الحديث المروي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «رحم الله علياً، اللّهم ادر الحقّ معه حيث دار». وصحح هذا الحديث جملة من الأعلام، منهم الحاكم في المستدرك ٣: ١٢٤.

٢- مثل في باب تشبيه الرجل بأبيه. لسان العرب ١٥: ٦٥.

٣- المتح: وهو الاستقاء. معجم مقاييس اللغة ٥: ٢٩٣، «متح». تمتحان، أي: تسقيان.

٤- الغرب: الدلو الكبير. لسان العرب ١: ٦٤٢، «غرب».

٥- الإحنة: الحقد في الصدر. لسان العرب ١٣: ٨ ، «أحن».

٦- توقد الشيء: تلألأ، وكوكب وقّاد: مضيء. لسان العرب ٣: ٤٦٦، «وقد».

٧- إشارة إلى المروي عن الرضا(عليه السلام): «والله ما منّا إلاّ مقتول شهيد». من لا يحضره الفقيه ٢: ٥٨٥، حديث ٣١٩٢.

١٣

بسمّ أو بسيف (١) ، حتّى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مات شهيداً بالسمّ لما ورد عنه أنّه قال: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني حتّى قطعت أبهري» (٢) .

وأكلة خيبر هي إطعامه من ذلك الذراع المسموم (٣) .

ومن المعلوم أنّ الشهادة لهم أعظم أكرومة ومنقبة، ولقاتليهم أكبر أحدوثة ومثلبة، وهذان الأمران المترتّبان (٤) على تأبينهم وذكر مصائبهم هما شوك قتاد (٥) وحسك سعدان (٦) في أعين هاتين الطائفتين (٧) الناصبتين لهم العداوة والبغضاء.

ولما أشبعنا الكلام مع الأولى (٨) في الفائدة السابقة (٩) على هذه المسماة (تنبيه الغافلين على فظائع الوهّابيّين) انعطفنا لإشباع الكلام مع هذه الطائفة، ذاكرين كلّ ما يقال لها، ومجيبين عليه تحت عنوان (قالوا) و(أقول)، ومن الله نستمد الهداية ومن منّه نستميح العناية.

١- إشارة إلى المروي عن الحسن المجتبى(عليه السلام): «ما منّا إلاّ مقتول أو مسموم». كفاية الأثر: ١٦٢، باب ما روي عن الحسن بن علي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

٢- مناقب آل أبي طالب ١: ٨١، فصل في نطق الجمادات.
الأبهر: عرق إذا انقطع مات صاحبه. لسان العرب ٤: ٨٣ ، «بهر».

٣- بصائر الدرجات: ٥٢٣، حديث ٥ و٦، باب في الأئمّة أنّه كلّمهم غير الحيوانات.

٤- أي: ذكر مناقب أهل البيت(عليهم السلام) ومثالب أعدائهم.

٥- القتاد: شجر له شوك. لسان العرب ٣: ٣٤٢، «قتد».

٦- السعدان: نبت، ولهذا النبت شوك يقال له: حسك السعدان. الصحاح ٢: ٤٨٨، «سعد».

٧- أي: التي هدّمت قبور الأئمّة(عليهم السلام) والتي تألّبت لإبطال إقامة العزاء لهم.

٨- أي: التي هدّمت قبور الأئمّة(عليهم السلام).

٩- وهي الفائدة الواحدة والسبعين التي ضاعت مع سبعين فائدة أُخرى من أخواتها، وكان أسماها رحمه الله بالاسم المذكور (تنبيه الغافلين على فظائع الوهّابيّين).

١٤

البكاء على الحسين(عليه السلام)

قالوا: ترك البكاء على الحسين(عليه السلام) أجزل مثوبة وأجراً من فعله ; لأنّ إطلاق السراح للحزين الكئيب ينفث الزفرة ويرسل العبرة كلّ مسيل ممّا يهوّن على الباكي الخطب، ويطفىء شعلته، ويخمد جمرته، فلا يبقى عنده رسيس (١) لوعة، وكامن روعة (٢) ، وتأثّرٌ قلبي، وانفعالٌ صميمي، بل يتلاشى ذلك ويضمحل بتساقط دمعته، وتَصَعُّد زفرته (٣) ، فيرتفع الثواب المترتّب على وجود الحزن، ولو حبس العبرة وسجن الأوهة لبقيت قواعد الحزن ثابتة في قلبه، وحرارة الثكل ثائرة في فراش صدره، فلا يزايله (٤) الجوى (٥) ولا يبارحه الأسى، وما دام كذلك فهو مأجور مثاب.

أقول: من الأمور البديهيّة ملازمة الحزن الشديد لإرسال الدمعة من العين،

١- الرسيس: الشيء الثابت الذي قد لزم مكانه. لسان العرب ٦: ٩٧، «رسسَ. أي: فلا يبقى لدى الباكي لوعة ثابتة ومستقرّة، وأنّ البكاء يبدد تلك اللوعة.

٢- الروع: الفزع. لسان العرب ٨: ١٣٥، «روع».

٣- الزفرة: التنفّس. لسان العرب ٤: ٣٢٤، «زفر».

٤- المزايلة: المفارقة. لسان العرب ١١: ٣١٧، «زيل».

٥- الجوى: الحرقة وشدّة الوجد من عشق أو حزن. لسان العرب ١٤: ١٥٧، «جوا».

١٥

وإطلاق النحبة من الصدر، إلاّ أن تكون العينُ جموداً والصدر مؤوفاً (١) ولهذا قال الشاعر:


ألا إنّ عيناً لم تجد يومَ واسطعليكَ بجاري دمعها لجَمود (٢)

فكيف يتمكّن صحيح العين من القبض على دمعته مع تأجّج نار الثكل في مهجته، وهما أمران متلازمان يزول أحدهما بزوال الآخر؟! فالأجر والثواب محدقان زوالاً وبقاء بزوال البكاء وبقائه.

١- مؤوف: أصابته آفة. لسان العرب ٩: ١٦، «أوف».

٢- البيت لأبي العطاء السندي في رثاء يزيد بن هبيرة الفزاري، وذلك لمّا وجّه أبو العبّاس السفّاح أخاه أبا جعفر المنصور إلى واسط لحرب يزيد بن هبيرة سنة ١٣٢هـ .
انظر: أمالي السيّد المرتضى ١: ١٦١، وتاريخ الطبري ٦: ١٠٩.

١٦

الحزن والبكاء لا ينافيان الشجاعة والصبر

قالوا: إنّ العقل الفطري الخالي من شوائب الأوهام، المترفّع عن دنس التقاليد القوميّة والعصبيّة الذميمة، يحكم على من أصابته مصيبة - وإن جلّ رزؤها وعظم صرفها - إذا تنفّس منها صعداً، وتأوّه كمداً (١) ، وفاضت عبرته، وتبعتها نحبته، وعلت صرخته، وقفّتها (٢) لطمته، أنّه غير شهم القلب، ولا واسع الصدر، ولا عالي الهمّة، ولا مريد الجلد(٣) ، ولا باسل النفس، بل فارغ الوطاب (٤) من صفات الشجاعة، صفر الكّف من نعوت البسالة، فهو مذموم عند العقلاء، ولا ذمّ إلاّ على قبيح، وكلّ قبيح محرّم شرعاً ; لقاعدة التلازم بين الحكمين العقلي والشرعي، كما هو مقرّر في محلّه.

أقول: إنّ فقد الأحبّة وموت الأعزّة باعث بالجبلّة والفطرة للنفوس حسرةً،

١- الكمد: الحزن المكتوم. الصحاح ٢: ٥٣١، «كمد».

٢- يقال: قفت أثره إذا اتّبعته. لسان العرب ٩: ٢٩٣، «قوف».

٣- الجلد: القوّة والصبر. لسان العرب ٣: ١٢٥، «جلد».

٤- الوطب: هو جلد الجذع فما فوقه، وجمع الوطب في القلّة أوطب والكثير وطاب. الصحاح ١: ٢٣٣، «وطب». والمراد هنا الظرف.

١٧

وللعيون عبرةً، وللقلوب حرقةً، تلك سنّة الله في خلقه، وصبغته (١) في عباده، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً﴾ (٢) هو يضحك ويبكي (٣) ، ولكل محلّ يستوجبه، وسبب يستدعيه.

فداعي البكاء هو حلول المؤلم، شرّع الله آنئذ البكاء تخفيفاً وتسكيناً، وهذا لطف من الله يستوي به الضعيف والقوي، والشجاع والجبان، ولو كان البكاء لمصائب الأحبّة والأعزّة والسادة الكرام والأجلاّء العظام منافياً للبسالة والنجدة (٤) لما بكى شجاع لفقد عزيز وفراق حميم، مع أنّ البكاء والنحيب والتأوّه واقع ممّن لا ريب عند أحد في شجاعته وبطولته كمولانا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين(عليه السلام)، الذي لم يختلف في عظيم بسالته اثنان، ومقاماتُه في الحروب مشهورة تضرب فيها الأمثال، أصابه من الحزن والبكاء على ابن عمّه رسول الله ما أصابه حتّى قيل: إنّه أقعد من دهشة المصاب، وتأوّه وبكى لفراق الزهراء بكاءً شديداً، وبكى على عمّار وخزيمة والمرقال وابن التيهان وكثير من أعوانه وأنصاره (٥) ورثاهم بقوله:


ألا أيّها الموت الذي لست تاركيأرحني فقد أفنيت كلَّ خليلِ

١- صبغة الله: دينه. لسان العرب ٨: ٤٣٨، «صبغ».

٢- البقرة (٢): ١٣٨.

٣- إشارة إلى الآية ٤٣ من سورة النجم: (وأنّه أضحك وأبكى).

٤- النجدة: الشجاعة. النهاية في غريب الحديث ٥: ١٨، «نجد».

٥- نهج البلاغة ٢: ١٠٩، خطبة ١٨٢، وقال(عليه السلام): أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحقّ؟ أين عمّار؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنيّة، وأُبْرِدَ برؤوسهم إلى الفجرة؟ قال: ثمّ ضرب(عليه السلام) بيده إلى لحيته فأطال البكاء.

١٨


أراك بصيراً بالذين أُحبّهمكأنّك تنحُو نحوهم بدليلِ (١)

فلو كان الحزن والبكاء والتأوّه والمناحة ضدّ النجدة والشجاعة، لما اجتمعا في أمير المؤمنين ; لاستحالة اجتماع الضدّين في محلّ واحد.

ولما اجتمعا أيضاً في سدرة (٢) منتهى النجدة، والطرف الأعلى من البسالة، سيّدنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان المسلمون المجاهدون بين يديه يلوذون به من بأس الأعداء كما نقل عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام): «كنا إذا حميَ الوطيس لذنا برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)» (٣).

ومن سبر سيرة النبيّ وتصفّح أحوال غزواته، علم أنّه كان للمسلمين علمهم المقدّم المشهور، وقطب رحى هيجائهم (٤) ، وأوّلهم في الكرّة، وحامي ظهورهم في الغرّة (٥) ، يدعوهم في أُخراهم للعودة إليه، رافعاً عقيرته (٦) بقوله:

أنا النبيّ لا كذبأنا ابنُ عبد المطّلب (٧) .

١- كفاية الأثر: ١٢٣، باب ما جاء عن عمّار بن ياسر عن النبيّ صلّى الله عليه وآله في النصوص على الأئمّة الاثني عشر صلوات الله عليهم، بحار الأنوار ٣٣: ١٩، حديث ٣٧٦، باب شهادة عمّار، مطالب السؤول: ٣٠٨.

٢- السدر: شجرة النبق، واحدتها سدرة، وجمعها سدرات وسدر وسدور. لسان العرب ٤: ٣٥٤، «سدر».

٣- شرح نهج البلاغة ١٣: ٢٧٩، القول في إسلام أبي بكر وعلي وخصائص كلّ منهما.

٤- الهيجاء: الحرب. لسان العرب ٢: ٣٩٥، «هيج».

٥- الغَرّة: الغفلة. لسان العرب ٥: ١٦، «غرر».

٦- العقيرة: منتهى الصوت. لسان العرب ٤: ٥٩٣، «عقر».

٧- مناقب الإمام أمير المؤمنين ١: ٤٦٦، حديث ٣٦٩، الإرشاد ١: ١٤٣.

١٩

فتفيّأ إليه المنهزمون عنه.

فهذا الحامية المهيب طالما بكى لفقد كثير من أُمّته، بكى لأُمّ المؤمنين خديجة (١) ، ولعمّيه أبي طالب (٢) وحمزة (٣) ، وأحزنه وأقلقه أنين عمّه العبّاس وهو في أسره، فلم تهدأ نفسه وتسكن جوارحه حتّى أطلق العبّاس من وثاقه (٤) ، وبكى لابني معاذ (٥) ومظعون (٦) .

ولم تحص أعداد بكائه على أعزّائه، حتّى أنّه بكى على ولده الحسين(عليه السلام)قبل مصيبته، قال الشيخ ابن حجر - عمدة علماء الشافعية - في صواعقه ما هذا نصّه:

«خرّج ابن سعد عن الشعبي قال: مرّ علي كرم الله وجهه بكربلاء عند مسيره إلى صفين (٧) فبكى حتّى بلّ الأرض من دموعه، فقال: دخلت على رسول

١- كشف الغمّة ١: ٣٧، في ذكر تزويجه(عليه السلام) بفاطمة عليها السلام، بحار الأنوار ٤٣: ١٣١.

٢- الطبقات الكبرى ١: ١٢٣، ذكر أبي طالب وضمّه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وخروجه معه إلى الشام في المرّة الأولى.

٣- المعجم الكبير ٣: ١٤٢، حديث ٢٩٣٢.

٤- الطبقات الكبرى ٤: ١٢، العبّاس بن عبد المطّلب.

٥- الطبقات الكبرى ٣: ٤٢٩، سعد بن معاذ، المصنّف لابن أبي شيبة ٨: ٤٩٦، حديث ٢، غزوة الخندق.
أقول: لم يبك النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على سعد بن معاذ، بل أيّد بكاء أُمّه عليه.

٦- سنن الترمذي ٢: ٢٢٩، حديث ٩٩٤، المستدرك على الصحيحين ١: ٣٦١، كتاب الجنائز.

٧- كذا، وفي المصدر: إلى صفين وحاذى نينوى - قرية على الفرات - وسأل عن اسم هذه الأرض فقيل: كربلاء، فبكى.

٢٠