×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

رسائل الشعائر الحسينية ( ج 3 ) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

وأنا لا أُريد تفنيد رأيه في بعض ما رمز إليه، ولكن لإنبّهه على أُمور:

الأوّل: إنّ كذب القارئ هو أن يقرأ من تلقاء نفسه كلاماً زوّر معناه وصاغ ألفاظه ونسبه إلى غيره، من دون أن ترد به رواية ولو مرسلة، ولا اُدرج في كتاب معتبر.

وأمّا نقله للكذب: فهو أن يقرأ كلاماً زوّره غيره وافتعله، مع علمه بذلك أو ظنّه.

ولا ريب أنّ أحداً من قرّاء تعزية سيّد الشهداء عليه السلام - حتّى الأصاغر وغير أهل الورع منهم - لم يزوّر خبراً من نفسه، وإنّما ينقل عن غيره من نقلة الحديث الموثوق بهم، غير المعلوم عنده كذب حديثهم، وعهدة مثل هذا الحديث على راويه لا على ناقل روايته.

فإذاً ليس هو بكاذب وإن كان المقروء كذباً واقعاً، ولا ناقلاً لمّا هو معلوم الكذب.

وعسى أن يكون هذا هو السبب في عدم إنكار أحد من العلماء قديماً وحديثاً شيئاً من الأخبار التي «تُتلى على المنابر وفي المحافل بكرةً وعشيّاً»، كما يعترف به الكاتب.

ولو كانوا يرون ذلك كذباً لأنكروه، لكنّهم أجلّ من أن ينكروا ما تقضي عليهم القواعد بعدم كونه كذباً، ولا من نقل الكذب.

الثاني: إنّ وقائع الطفّ وما احتفّ بها وما سواها ممّا يقرأه الذاكرون لم تتضمّن أحكاماً إلزاميّة ؛ لينظر في سندها، ويعرف أنّه من قسم الصحيح أو الموثّق أو الحسن، ولا حكماً غير إلزاميّ ليقع الكلام في تحكيم أخبار التسامح في أدلّة السنن فيها، كما هو المشهور، أو عدمه كما هو مذهب بعض.

٢١

بل هي قسم ثالث من سنخ الرخص وإن لم تكن رخصاً حقيقةً، وأعني بذلك القصص والمواعظ والفضائل والمصائب وأخبار الوقائع، فإنّها نوع من الأخبار لا تدخل في ما تضمن الأحكام الشرعيّة ؛ ليجرى عليها حكمه من لزوم التصحيح وجواز المسامحة.

وما يكون كذلك ممّا لا يترتّب عليه حكم شرعيّ، لا ينبغي النظر في سنده إذا كان ممّا لا تنفيه فطرة العقول وكان الضرر فيه مأموناً على تقدير كذبه في نفس الأمر.

وقد ادّعى الشهيد الأوّل قدس سره في «الذكرى» أنّ أهل العلم يتسامحون في أخبار الفضائل(١).

ونسب الشهيد الثاني في «شرح الدراية» إلى الأكثر جواز العمل بالخبر الضعيف في القصص والمواعظ والفضائل، واستحسن ذلك مالم يبلغ الخبر في الضعف حدّ الوضع والاختلاق(٢).

والمراد بالعمل بالخبر الضعيف في الفضائل والمصائب: هو نقلها واستماعها وضبطها في القلب، وذلك ممّا لا محذور فيه عقلاً ؛ لفرض أمن المضرّة فيه على تقدير الكذب، وشرعاً ؛ لأنّه لا يعدّ عرفاً من الكذب حتّى تترتّب عليه أحكامه، وليس ثمّة عنوان آخر من العناوين المحرّمة يشمله حتّى يقال لأجله بعدم الجواز.

قال شيخنا المحقّق الأنصاري(٣) بعد نقل العبارة المتقدّمة عن الشهيد الثاني:

١- [الذكرى ٢: ٣٤].

٢- [الرعاية في علم الرواية: ٩٤].

٣- في التنبيه الرابع من رسالته المعمولة في مسألة التسامح [رسائل فقهية: ١٥٧].

٢٢

«المراد بالعمل بالخبر الضعيف(١) في القصص والمواعظ: هو نقلها واستماعها وضبطها في القلب وترتيب الآثار عليها، عدا ما يتعلّق بالواجب

والحرام.

والحاصل، أنّ العمل بكلّ شيء على حسب ذلك الشي، وهذا أمر وجداني لا ينكر، ويدخل في ذلك فضائل أهل البيت ومصائبهم.

ويدخل في العمل - أي العمل بالخبر الضعيف في الفضائل والمصائب وشبهها - الإخبار(٢)بوقوعها - أي الفضائل والمصائب - من دون نسبة إلى الحكاية(٣) على حدّ الاجتهاد بالأمور المذكورة الواردة بالطرق المعتمدة، كأن

١- والمراد بالضعيف: مالم يُعلم أو يُظنّ بكونه مختلقاً، ولذا قيّد الشهيد ذلك بما لم يبلغ حدّ الوضع.

٢- مصدر «أخبر» لاجمع «خبر».

٣- الإخبار مع النسبة إلى الرواية ممّا لا ينبغي الريب فيه بناءً على ما ذكر في جوازه ؛ لأنّه لا كذب فيه، وإن كان فهو من الراوي لا من الناقل.
وحكاية الخبر الكاذب ليست بكذب، بل نقل الكفر ليس بكفر.
أمّا الإخبار بالوقوع بلا نسبة ففي غاية الإشكال، إلاّ إذا اعتقد المخبر الوقوع، أو كان ذلك مظنوناً له بالظنّ الاطمئناني وإن كان مخالفاً للواقع، أو كان من قصده النسبة إلى الرواية لكنّه لم يذكرها في اللفظ حتّى يفهم ذلك كلّ سامع ؛ لأنّ هذا كذكر شيء له ظاهر وإرادة غيره من دون قرينة في أنّ ناقله لا يعدّ كاذباً، ولا تترتب عليه شرعاً أحكام الكذب.
وإن لم يكن كذلك لزم الإسناد ؛ لما جاء في الكافي [١: ٥٢ حديث٧] عن علي عليه السلام : «إذا حدّثتم بحديث فاسندوه إلى الذي حدّثكم، فإن كان حقّاً فلكم، وإن كان كذباً فعليه».
وهذا هو الذي اختاره بعض مشائخنا قدّس اللّه‏ أرواحهم، وبه صرّح العلاّمة الفقيه الشيخ زين العابدين المازندراني الحائري في كتابه «ذخيرة المعاد» ص٣٦٨ - ٣٦٩، وهذه ترجمة عبارته:
هل يجوز في الفضائل والمصائب القراءة بلسان الحال ومقتضى شاهد الحال، أم لا؟
وعلى تقدير الجواز هل يجب الإشعار والإعلام بذلك، أم لا؟
وإذا نقل أحد حكايات الفضائل من كتاب غير معتبر أو من لسان بعض القرّاء، هل يجوز ذلك أم لا؟
وهل على القارئإسناده أم لا؟
الجواب: ذكر المصائب بلسان الحال جائز إذا كان مناسباً للإمام عليه السلام ، ولابدّ من الإشعار والإعلام بكونه لسان الحال. وإذا نقل من كتاب معتبر أو غير معتبر، لابدّ من الإسناد إلى ا لناقل، ولا حاجة إلى تعيين الكتاب المنقول منه.

٢٣

يقال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول كذا ويبكي كذا، ونزل على مولانا سيّد الشهداء كذا وكذا.

ولا يجوز ذلك في الأخبار الكاذبة وإن كان يجوز حكايتها، فإنّ حكاية الخبر الكاذب ليست كذباً، مع أنّه لا يبعد عدم الجواز إلاّ مع بيان كونها كاذبة.

ثمّ إنّ الدليل(١) على جواز ما ذكرنا من طريق العقل، حسن العمل بهذه مع أمن المضرّة فيها على تقدير الكذب.

وأمّا من طريق النقل فرواية ابن طاووس، والنبويّ، مضافاً إلى إجماع

١- قد لا يحتاج إلى بعض ما ذكره من الأدلّة الشرعيّة، فإنّه يكفي في الجواز شرعاً أنّ ذلك لا يعدّ كذباً عرفاً حتّى تترتّب عليه أحكامه، وليس سواه عنواناً محرّماً يعمّه حتّى يقال بالحرمة لأجله.
وأمّا العقل فلا حاجة إلى تحسينه، بل يكفي عدم حكمه بقبحه ؛ لفرض خلوّه عن المضرّة على تقدير الكذب.
وببيان آخر: يكفي في جوازه شرعاً الاًصل ؛ لعدم الدليل من العقل والنقل على حرمتة.

٢٤

«الذكرى» المعتضد بحكاية ذلك عن الأكثر» انتهى كلام المحقّق الأنصاري بنصّه(١).

ومن هذا يُعلم الوجه في ما جرى عليه العلماء قديماً وحديثاً من العمل - بالمعنى الذي ذكرناه - بالوقائع التاريخية، فإنّها لم يصحّ السند في شيء منها، وإنّما ترسل في كتب التاريخ مسلّمة، ولذلك إذا نقل المؤرّخ في كتابه واقعة منها لا يقال: إنّها من الأمور المكذوبة ؛ لأنّه لم يسندها معنعنة إلى من شهد تلك الواقعة.

وكذلك إذا نقل الواقعة نفسها ناقل من ذلك الكتاب، لا يعدّ من ناقلي الكذب ؛ لمجرّد أنّه نقل ما ليس مسنداً عن رجال قد زكّى كلّ واحد منهم بشهادة عدل أو عدلين.

الثالث: إنّ وقائع الطفّ لم تصل إلينا - حتّى التي تلقيناها بواسطة المفيد والشيخ والسيّد وأضرابهم - إلاّ مرسلة، وأكثر ما يرسل المؤرخون وأوثقهم ابن جرير الطبري عن أبي مخنف، وهو لم يحضر الوقعة، وكذلك غيره، وكثيراً ما

١- مراده على الظاهر من رواية ابن طاووس ما رواه في الإقبال [٣: ٤٧] عن الصادق عليه السلام
قال: «من بلغه شيء من الخير فعمل به كان ذلك له وإن لم يكن الأمر كما بلغه».
ومراده بالنبويّ ما نسبه الشهيد الثاني في «الرعاية» [٩٤] إلى النبيّ صلي الله عليه و اله و سلم من طريق الفريقين من أنّه صلي الله عليه و اله و سلم قال: «من بلغه عن اللّه‏ فضيلة فأخذها وعمل بما فيها، إيماناً باللّه‏ ورجاء ثوابه، أعطاه اللّه‏ ذلك وإن لم يكن كذلك».
ومراده من إجماع «الذكرى» [٢: ٣٤] قول الشهيد فيها «أخبار الفضائل يتسامح بها عند أهل العلم».
ومن الاعتضاد بالحكاية عن الأكثر ما نقلناه عن الشهيد الثاني من أنّ الأكثر جوّزوا العمل بالخبر الضعيف في نحو القصص والمواعظ وفضائل الأعمال، لا في صفات اللّه‏ وأحكام الحرام والحلال، وهو حسن مالم يبلغ حدّ الوضع والاختلاق.

٢٥

اعتمدوا في النقل على هلال بن نافع، وحميد بن مسلم، وهلال بن معاوية، وغيرهم ممّن شهد حرب الحسين عليه السلام وكان مقاتلاً له.

وأيّ فرق - غير اختلاف مراتب الوثوق - بين ما ينقله المفيد ويرسله السيّد، وبين قوله في «البحار» وغيره من الجوامع: «روي مرسلاً»، أو «روى بعض الثقات»، أو «روى بعض أصحابنا» أو «روي في بعض الكتب القديمة» أو «روي في بعض الكتب المعتبرة» وشبه ذلك من العبائر؟

أم أيّ فرق غير ذلك بين ما تضمّنته تلك العبارات، وبين ما يوجد في كتاب العالم الفاضل الأديب الشيخ حسن ابن الشيخ علي السعدي، المكنّى بأبي قفطان(١) من مراسيل تلقّاها من مشايخ أهل الكوفة وصاغ لها ألفاظاً من نفسه؟

١- ولد الشيخ حسن المذكور في النجف في حدود سنة ١٢٠٠ ه وبضع عشرة، وتلمذ في
الأصول على جماعة منهم: الميرزا القمّي صاحب «القوانين»، وفي الفقه على العلاّمة الفقيه الغروي الشيخ علي آل كاشف الغطا، قدّس سرّهما، وعلى العلاّمة المحقّق المدقّق صاحب الجواهر قدّس سرّه.
وله يد طولى في الأدب، وشعر كثير في مدائح أعيان عصره ومراثيهم، ومراجعات أدبيّة خالدة مع السيّد راضي البغدادي والسيّد حيدر الحلي، وقد أكثر من رثاء سيّد الشهداء، بيد أنّ الموجود منه قليل.
وله كتاب في مقتل الحسين عليه السلام يتضمّن مراسيل غريبة، وقد أخفاه في حياته تحرّجاً ؛ لأنّ بعض ما فيه لم يروه بلفظه، وتوّرع عن النقل بالمعنى مع صوغ اللفظ من معدن أدبه.
وقد نقل عنه في «الدمعة» كثيراً، وهو من معاصري صاحبها، ولو كان معروفاً بالكذب - كما قد يتوهّم - لعلم بذلك معاصره ولم ينقل عنه.
وللشيخ حسن المذكور ولد يدعى الشيخ أحمد، ذكره المحدّث النوري في بعض كتبه بهذا اللفظ: «بديع الزمان في هذا الأوان، الجامع بين العلم والأدب والحسب الباذخ والنسب، أبو سهل الشيخ أحمد ابن العالم العليم والفقيه الحكيم المقتدى المؤتمن الشيخ حسن ابن الشيخ علي ابن الشيخ عبد الحسين الملقّب بأبي قفطان تغمّده اللّه‏ بالرحمة والرضوان».
وله إخوة منهم: الشيخ محمّد والشيخ جعفر ولدا الشيخ علي السعدي، وكانت مهنهم التي يعيشون بها نسخ كتب الفقه والحديث وخاصة كتاب «جواهر الكلام في الفقه» وكانوا يحسبون ذلك قرباً وزلفة.
وهم رياحيون من «سعد العشيرة» من تميم، الذين يقطنون الآن في أطراف الدجيل قرب سامراء.
انتقل والدهم الشيخ علي بن نجم السعدي إلى قرية شرقي الكوفة، تبعد عنها نحو اثني عشر فرسخاً، ثمّ منها إلى النجف، وبها ولد الشيخ حسن المترجم وإخوته، ولا زال بنوهم لليوم في النجف.

٢٦

وما القصور الذي يكون فيها بحيث تنحطّ عن درجة سائر المراسيل الموجودة في «المنتخب» وفي «الدمعة الساكبة» إلى حيث تسقط عن درجة

الاعتبار من رأس؟

وإذا كان القارئ- على ما قلناه - إذا نقل مضمون تلك المراسيل المرويّة في تلك الكتب لا يكون كاذباً البتّه، ولا ناقلاً لما هو معلوم الكذب، فما هو إذاً معنى قول الكاتب مشيراً إلى ما يقرأه الذاكرون من الأخبار: «إنّها معلومة الكذب»؟

من ذا يا ترى غير عالم الغيب يعلم أنّ الأخبار مكذوبة؟

نعم، إن تلك الأخبار غير معلومة الصدق، وهكذا جميع الأخبار بلا استثناء، وشتان بين معلوم الكذب وبين غير معلوم الصدق.

ولو لزم الناس أن لا ينقل أحد منهم إلاّ الصادق أو معلوم الصدق، ولو

٢٧

بالطرق الظاهريّة المعروفة في كتب الأُصول والحديث، لا نسدّ باب نقل الأخبار وبطل الاحتجاج بأقوال المؤرّخين، وذلك ما لا يلتزم به عالم ولا جاهل.

ولو أنّ الكاتب - سامحه اللّه‏ - توسّط في الأمر، فتوقّف في الأخبار المزعوم كذبها وردّ علمها إلى قائلها لكان أدنى للحزم، وأقرب إلى ما جاء عن الأئمّة الأطهار عليه السلام من أنّ حقّ اللّه‏ على العباد أن يقولوا ما يعلمون ويقفوا عندما لا يعلمون(١).

وأنّه إذا جاءهم من يقول للّيل: إنّه نهار، وللنهار: إنّه ليل، لم يسعهم إلاّ ردّ علمه إليهم، وإلاّ فإنّه يكون مكذّباً لهم(٢).

وعن أبي بصير عن أحدهما عليه السلام : «لا تكذبوا بحديث أتاكم به أحد، فإنّكم لا تدرون لعلّه من الحقّ»(٣).

وعن علي السناني عن أبي الحسن عليه السلام : «لا تقل لما بلغك عنّا أو نُسب إلينا هذا باطل وإن كنت تعرف خلافه»(٤).

١- [لاحظ الكافي ١: ٤٣ حديث٧، ووسائل الشيعة ١٧: ٢ حديث٣٣١٠٨].

٢- [لاحظ بصائر الدرجات: ٥٥ حديث٣].

٣- [بصائر الدرجات: ٥٥٨ حديث٥].

٤- هذه الأخبار مذكورة في بصائر الدرجات وفي الوسائل أيضاً في أبواب متفرّقة.
[المصدر السابق: حديث٤].

٢٨

الأخبار المكذوبة

الأخبار المكذوبة بزعم الكاتب ممّا دخل في التعازي الحسينيّة معدودة محصورة، وقد ذكر منها في صحيفة ١٣ نحو عشرة أخبار(١)، فلتكن مائة بدل كونها عشرة، فإنّها مهما كثرت لا يقرؤها كلّ قارئ بل الصغار قد يقرؤن نبذة من بعضها في السنة مرّة أو مرّتين جهلاً منهم بأنّها مفتعلة ؛ لأنّهم ليسوا من أهل التمييز بين الأخبار.

فاللازم على المصلحين تعيين تلك الأخبار والنهي عن قراءتها، لا التهويل على الشعائر الحسينيّة بأنّها محرّمة ؛ لأنّ فيها الكذب المحرّم الذي هو من الكبائر بإجماع المسلمين، فما هذا إلاّ إرعاد يراد به إخفاء صوت الحقيقة الحقّة التي لا تخفى بالتهاويل.

هذا مع أنّ بعض ما أشار إليه من الأخبار المختلقة بزعمه، لا يقصر عن غيره من المراسيل والمسانيد التي يعتمد عليها في باب التاريخ كافة العلماء.

أمّا حديث الطيور البيض(٢) فقد رواه في محكي «العوالم» وفي «المنتخب»

١- [رسالة التنزيه لأعمال الشبيه المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٢: ١٩٢].

٢- [تقدّم الكلام عن هذه الأخبار - التي يراها السيّد الأمين مكذوبة - بشكل مفصّل في تعليقنا على رسالة التنزيه المطبوعة ضمن هذه المجموعة. وانظر العوالم ١٧: ٤٩٣، البحار ٤٥: ١٩٢].

٢٩

و«البحار» وعبارتها هكذا: روي من طريق أهل البيت عليهم السلام أنّه لمّا استشهد الحسين عليه السلام إذا بطائر أبيض قد أتى وتمسّح بدمه، الحديث.

ومثله حديث الغراب(١) الذي أعلم فاطمة بنت الحسين عليه السلام بقتله، فقد نقله

١- قد يستبعد عقلاً صدور هذا الخبر ؛ لبعد وصول الطير المتمرّغ بالدم من كربلاء إلى المدينة، فضلاً عن وقوعه على جدران بيت فاطمة.
ولكن يردّ هذا الاستبعاد أنّ نوعاً من الطيور في العراق تمعن في الطيران إلى أبعد من المدينة تسمّى «حمام الهدى» و«حمام الرسائل».
ويؤخذ من قول شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل اللّه‏ المعمّري في كتاب «التعريف» أنّ أصل هذه الطيور من الموصل، وقد اعتنى بها الملوك الفاطميين إلى الغاية، وكانت الرسائل تعلّق بأرجلها وترسل فتطير للمكان الذي اعتادته مهما بعد، فإذا أُخذ الكتاب منها عادت إلى المحلّ الذي جاءت منه مزودة بكتاب أيضاً أو غير مزوّدة، وأنا للآن لم أعثر على ما يدلّ على أثر لها في دولة بني أميّة، ولا في أوائل دولة بني العبّاس.
وعن كتاب «تمائم الحمائم» نقل محي الدين بن عبد الظاهر أنّ أوّل من نقلها من الموصل من الملوك هو نور الدين محمود بن زنكي في سنة ٥٧٥ه .
وهذا خطأ يشهد به مراجعة تاريخ الفاطميين والعباسيين في القرن الثالث والرابع.
ولعلّ هذه الطيور نوع من الغربان، أو أنّ المتمرّغ طائر صار بتمرّغه بالدم والتراب بلون الغراب، فاتفق وقوعه على جدران بيت فاطمة.
والذي يغلب على ظنّي - إن صحّ الحديث - أنّه من معجزات سيّد الشهداء وكراماته، وهي أوّل كرامة له بعد شهادته.
وقد ذكره السيّد هاشم البحراني في كتابه «مدينة المعاجز» [٤: ٧٢] بأسانيد مختلفة ومتون متقاربة من معجزاته عليه السلام وكرّر نقله في مواضع من الكتاب المذكور.

٣٠

في محكي «العوالم» وفي «البحار» عن كتاب «المناقب القديم» مسنداً(١) عن المفضّل بن عمر الجعفي عن الصادق عليه السلام عن أبيه عن علي بن الحسين عليه السلام .

وأمّا حديث: «خرجت أتفقد الثنايا» فقد نقله في «الدمعة الساكبة» وهذا لفظه: «عثرت على أشياء أرسلها بعض معاصرينا في مؤلّفاتهم فأحببت ذكرها وإن لم أقف عليها في الكتب(٢)، منها: ما عن المفيد قال» الحديث.

وهذا المعاصر هو العالم العامل الشيخ حسن الملقّب بأبي قفطان، فقد حكى أنّه روى أحاديث كثيرة - منها حديث «أتفقّد الثنايا»، وحديث «أنا صاحب السيف الصقيل»، وحديث «أين ضلّت مطيّتك يا حسّان» - عن مشائخ من أهل الكوفة يروونها عن آبائهم ومشايخهم.

وهذه لا تقصر عن المراسيل المرويّة في الكتب القديمة عن حميد بن مسلم وهلال بن نافع، وبين زمان تأليفها وزمن رواتها أكثر من خمسمائة عام.

وأمّا حديث دفن السجّاد لأبيه، فقد نقله في «الدمعة» عن بعض الكتب المعتبرة عن كتاب «أسرار الشهادات»(٣).

١- عن علي بن أحمد العاصمي، عن إسماعيل بن محمّد البيهقي، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه‏ الحافظ، عن يحيى بن محمّد العلوي، عن أبي علي الطرسوسي، عن الحسن بن علي الحلواني، عن علي بن يعمر، عن إسحاق بن عبادة، عن المفضّل بن عمر الجعفي، عن أبي عبد اللّه‏ الصادق عليه السلام عن أبيه، عن علي بن الحسين عليه السلام [انظر العوالم: ٤٩٠، البحار ٤٥: ١٧١، تاريخ مدينة دمشق ٧٠: ٢٤].

٢- هذا من القرائن على الوثوق من صاحب «الدمعة» برواية الشيخ حسن المذكور، وما
أدري من أين أخذ الكاتب قول: إنّه افتعل الحديث على سطح مسجد الكوفة. [انظر الدمعة الساكبة ٤: ٢٧٢].

٣- لعلّ هذا غير كتاب «أسرار الشهادة» للفاضل الدربندي، ولا أعرف مؤلّفه [انظر الدمعة
الساكبة ٥: ١١].

٣١
رسائل الشعائر الحسينية << ج ٣ << تاليف : مجموعة من العلماء (ص ٣١ - ص ٦٠)

وروى أبو عمرو الكشّي في رجاله عن الرضا عليه السلام ما يتضمّن تقرير الواقفة بأنّ علي بن الحسين هو الذي دفن أباه(١).

ويؤيّده ما روي عنهم من أنّ الإمام لا يلي أمره إلاّ إمام إمّا ظاهراً وإمّا بطريق الخفاء.

أمّا قول بعض قدمائنا بدفن بني أسد له، فيراد به معاونتهم للسجّاد عليه السلام في دفن أبيه، وكذلك ما جاء من قول: «السلام على من دفنه أهل القرى».

وقول النبيّ صلّى اللّه‏ عليه وآله عن الحسين عليه السلام : «يدفنه الغرباء ويزوره الغرباء»(٢).

١- ذكر ذلك في ترجمة ابن السراج وابن البطائني وابن المكاري ص٢٨٩ في حديث طويل
جاء فيه: فقال له علي - يعني ابن أبي حمزة - إنّا روينا عن آبائك أنّ الإمام لا يلي أمره إلاّ إمام مثله.
فقال له أبو الحسن عليه السلام : «فأخبرني عن الحسين بن علي عليه السلام كان إماماً أو كان غير إمام»؟
قال: كان إماماً.
قال: «فمن ولي أمره»؟
فقال: علي بن الحسين.
قال: «وأين كان علي بن الحسين»؟
قال: كان محبوساً في يد عبيد اللّه‏ بن زياد في الكوفة، خرج وهم كانوا لا يعلمون حتّى ولي أمر أبيه ثمّ انصرف.
فقال له أبو الحسن عليه السلام: «إنّ هذا الذي أمكن علي بن الحسين أن يأتي من كربلاء فيلي أمر أبيه، فهو أمكن صاحب هذا الأمر أن يأتي بغداد فيلي أمر أبيه ثمّ ينصرف، وليس هو في حبس ولا في أسار» [انظر رجال الكشّي ٢: ٧٦٤].

٢- في البحار [٩٨: ٤٤ - ٨٤]: «وجدت بخطّ محمّد بن علي الجبعي، نقلا عن خطّ الشهيد، نقلاً من مصباح الشيخ أبي منصور رحمه اللّه‏: روي أنّه دخل النبيّ يوماً إلى فاطمة، وساق الحديث إلى أن قال: «وأمّا الحسين عليه السلام فأنّه يُظلم، ويمنع حقّه، وتقتل عترته، وتطؤه الخيل، وينهب رحله، وتسبى نسائه وذراريه، ويدفن مرمّلاً بدمه، ويدفنه الغرباء.
قال علي عليه السلام : «فبكيت وقلت: هل يزوره أحد»؟
فقال: «يزوره الغرباء».

٣٢

ومن الغريب القطع بأمر بعينه في شأن دفن الحسين عليه السلام بعد إرسال المفيد والسيّد دفن بني أسد له رواية «الأسرار» بأنّ الذي دفنه هو السجّاد عليه السلام، وذلك مؤيد بما عرفت من رواية الكشّي التي هي حجّة مستقلّة.

وقد روى الشيخ أبو جعفر الطوسي في «أماليه» والصدوق في «مجالسه» بأسانيد معتبرة أنّ النبيّ صلّى اللّه‏ عليه وآله هو الذي دفن الحسين عليه السلام(١).

١- روى الصدوق والشيخ في المجالس [٢٠٢ مجلس ٢٩ حديث١] والأمالي [انظر بحار
الأنوار ٤٥: ٢٣٠ حديث١] عن الصادق عليه السلام أنّ أمّ سلمة زوجة النبيّ أصبحت يوماً تبكي بكاءً شديداً فقيل لها: ممّ بكائك؟
قالت: لقد قتل ابني الحسين عليه السلام الليلة، وذلك أنّي مارأيت رسول اللّه‏ صلي الله عليه و اله و سلم منذ مضى إلاّ الليلة، فرأيته شاحباً كئيباً، فقلت: مالي أراك يا رسول اللّه‏ شاحباً كئيباً؟
فقال: ما زلت الليلة أحتفر القبور للحسين وأصحابه.
وروى في الأمالي [انظر بحار الأنوار ٤٥: ٢٣٠ حديث٢ أمالي الشيخ الطوسي: ٣١٥ حديث٦٤٠] عن أمّ سلمة أنّها أصبحت تصرخ صراخاً عظيماً وهي تقول: يا بنات عبد المطّلب أسعدنني وأبكين معي فقد قتل سيدكنّ الحسين».
فقيل لها: من أين علمت ذلك؟
فقالت: رأيت رسول اللّه‏ شعثاً مذعوراً، فسألته عن شأنه فقال: قتل ابني الحسين وأهل بيته فدفنتهم، والساعة فرغت من دفنهم.
وروى ذلك في المناقب عن عدّة طرق من طرق الجمهور أيضاً [المناقب ٣: ٢١٣]. وفي الأمالي [انظر بحار الأنوار ٤٥: ٢٣١ حديث٢] عن ابن عبّاس في رواية ابن جبير عن أمّ سلمة أيضاً في حديث طويل جاء فيه قول أمّ سلمة: فلمّا كانت الليلة القابلة رأيت رسول اللّه‏ أغبر أشعث، فسألته عن شأنه فقال: «ألم تعلمي أنّي فرغت من دفن الحسين وأصحابه».

٣٣

فلماذا ولأي مرجّح يكون الأوّل صادقاً ويجعل الكاذب ما عداه، مع أنّ الكلّ مرويّ مسنداً أو مرسلاً، عدا دفن بني أسد فإنّه لم ترد به رواية مرسلة، وإنّما ذكر في الكتب قولاً كحادثة من التاريخ منقولة؟!

ومن غريب ما تركه الأوّل للآخر أنّ خاتمة المحدّثين شيخنا النوري قدّس سرّه - وناهيك به اطلاعاً وإنكاراً للكذب - استقصى في كتابه «اللؤلؤ والمرجان» الأخبار المكذوبة، وما عدّ منها حديث دفن السجّاد لأبيه مجملاً ولا مفصّلاً، ولا حديث الطيور البيض، ولا الغراب الذي طار من كربلاء إلى المدينة، وغيرها ممّا سرده الكاتب، وما ذلك إلاّ لاكتفائه في مقام النقل أن توجد الرواية في كتاب معتبر ولو بعنوان «روى بعض أصحابنا» وشبه ذلك إذا كانت ممّا لا يأباها العقل، ولم تظهر عليها إمارات الوضع والافتعال، وكم له في بعض كتبه من مثل ذلك.

إنّ شيخنا النوري قدّس سرّه في كتابه المذكور بالغ في تقريع القرّاء باستعمال الكذب، ونقل الأحاديث في ذمّه، وها نحن نزيده من تقريعهم على الكذب إذا شاء، ونؤكّد ذمّه عقلاً ونقلاً.

ولكن أين هو ممّا يقرأونه؟! إنّهم لم يتخطّوا قيد شبر عمّا رسمه لهم من الخطّة المتبعة إذ يقول ما ترجمته:

«إنّ على الناقل أن ينقل عن ثقة مطمئن بنقله، وذلك بأن يكون متحرّزاً عن

٣٤

الكذب، بانياً على الصدق، بحيث كان الصدق له ملكة أو عادة، حتّى يكون معروفاً في ذلك بين من عرفه وعاشره. وأن لا يكون كثير النسيان والسهو، وأن يكون من أهل المعرفة والبصيرة»(١).

وفي مقام آخر بعد نقل ما جاء في «النهج» في كتاب علي عليه السلام للحارث الهمداني:

«ولا تُحدّث الناس بكلّما سمعت فكفى بذلك كذباً»(٢).

وبما جاء في «كشف المحجّة» عن رسائل ثقة الإسلام من قولهم: «ولا تحدّث إلاّ عن ثقة فتكون كذّاباً، والكذب ذلّ»(٣)، ونحو ذلك قال ما ترجمته: «وحاصل مفاد جميع هذه الأخبار المعتبرة أنّ تكليف الناقل في مقام نقل أيّ أمر ديني أو دنيوي لغيره بنفسه أو بواسطة أو وسائط أو من كتاب، أن ينقل عن شخص ثقة يطمئن بنقله»(٤).

وهذا ممّا لا ينكره أحد، لكنّه لا يوجب إلاّ ترك ما لا يطمئن بصدقه، أو علم كون راويه متعمّداً للكذب أو كثير الخطأ في الأمور المحسوسة، فضلاً عن المنقولة، لا ما يحاوله الكاتب من الاقتصار على مرويّات المشاهير الأقدمين وأرباب التاريخ.

أمّا ما ادّعاه الكاتب في ص١٣ من فقرات ادّعى كذبها(٥) فإنّا لا نعرفها، ولا

١- [اللؤلؤ والمرجان: ٢١٦].

٢- [نهج البلاغة ٣: ١٢٩].

٣- [كشف المحجّة: ١٧٢].

٤- [اللؤلؤ والمرجان: ٢١٨].

٥- رسالة التنزيه لأعمال الشبيه المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٢: ١٩٢.

٣٥

سمعنا أحداً يقرأها في العراق، ولقد سألت كثيراً من القرّاء عنها فلم يعرفها أحد، وكم سألني جمع منهم عنها فلم أدر بها.

وعسى أن تكون تلك صادرة من البحر الذي ورد منه قول الكاتب في «مجالسه» ج٢ ص٤٧: إنّ زين العابدين عليه السلام شاهد شمر بن ذي الجوشن يفري بسيفه وريدي الحسين عليه السلام حتّى فصل رأسه المكرّم عن جسده.

وقوله ج٣ ص٦ و ج٤ ص٣: إنّ الرباب أخذت رأس الحسين عليه السلام ووضعته في حجرها وقبّلته وقالت:

واحسيناً فلا عدمت حسيناأقصدته أسنّة الأعداء (١)

و قولي ج ٣ ص ١١٩ : بات كانت لحيته المباركة مخضوبة بالسومة كأنّها سواد السبج ، فإنّ ( سواد السبج ) و قع في حديث مسلم الجصّاص الذي جاء فيه: ( نطحت جبينها بمقدّم المحمل ).

و قوله ج ٣ ص ٢٢ و ج ٤ ص ١٦ : أنّ مروان أخذ رأس الحسين عليه السلام بعد قتله فوضعه بين يديه و جعل يقول : ( يا حبذا بردك في اليدين ) و الله لكأنّي

١- هذا البيت وما ورد بعده ذكره الطبري في تاريخه وأبو الفرج في الأغاني ج١٦ ص١٢٦

لعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وليس هو للرباب التي لم يؤثر عنها أنّها وضعت رأس الحسين عليه السلام في حجرها ولا قبّلته، إنّما المروي لها في رثائه ما ذكره أبو الفرج في الأغاني ج١٤ ص١٥٨ وهو:

إنّ الذي كان نوراً يستضاء بهبكربلا قتيلاً غير مدفون
في أبيات خمسة مذكورة في المحلّ الذي ذكرناه في الأغاني.
٣٦

أنظر إلى أيّام فلان.

مع أنّ من ذكر ذلك يظهر منه أنّ ذلك كان في المدينة، وهو بعيد عن الصحة، نعم جاء في كتب أصحابنا أنّ مروان لمّا نظر إلى الرأس الشريف في الشام جعل يهزّ أعطافه وينشد الأبيات، ولا كلمة بعدها.

وقوله في ج٢ ص١٣٨ تبعاً لبعض الروايات: إنّ السجّاد عاش بعد أبيه أربعين سنة وهو يبكي.

مع أنّه يعلم بأنّه سلام اللّه‏ عليه - على جميع الأقوال والروايات في وفاته - لم يعش بعد أبيه أزيد من خمس وثلاثين سنة.

وروايته ج٤ ص٢٢ وص٣٤ حديث جابر الجعفي في تغسيل الباقر عليه السلام أباه وقوله: «لمّا جرّدته ثيابه وجدت آثار الجامعة في عنقه».

إلى غير ذلك ممّا لا أحبّ ذكره ولا أطيل به.

٣٧

الكذب في الشعر

يصرّح صاحب «المستند»(١) بأنّ ما يتضمّن من الشعر نسبة قول أو فعل إلى أحد الأئمّة عليهم السلام يقطع بعدم صدوره، هو محرّم ومبطل للصوم ؛ لأنّه من الكذب على الإمام عليه السلام، إلاّ إذا كان داخلاً في باب مبالغات الشعر وإغراقاته(٢).

وهذا من الغرائب، فإنّ الخلاص عن الكذب لا ينحصر بالمبالغة والإغراق ؛

١- [لاحظ مستند الشيعة ١٠: ٢٥٦].

٢- كقوله:

وقفت له الأفلاك حين هويّهوتبدلّت حركاتها بسكون
[البيت لشاعر أهل البيت عليهم السلام السيّد حيدر الحلي ت١٣٠٤ه من قصيدة يرثي بها
جده الإمام الحسين عليه السلام ويندب الحجّة المهدي المنتظر، مطلعها:

إن ضاع وترك يابن حامي الدينلا قال سيفك للمنايا كوني
والبيت والذي قبله وبعده:
فثوى بضاحية الهجير ضريبةتحت السيوف لحدها المسنون

وقفت له الأفلاك حين هويّهوتبدلّت حركاتها بسكون

وبها نعاه الروح يهتف منشداًعن قلب والهة بصوت حزين
ديوان السيّد حيدر الحلي ١: ٤٥].
٣٨

لأنّ الشعر أكثر ما يكون خيالاً أو متضمّناً لحكاية حال، نظير قوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا الَّنمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾(١) على ما يرتأيه سيّدنا المرتضى في «المسائل الطرابلسية(٢)، فمن الخيال قوله:


تريب المحيّا تظنّ السّماءبأنّ على الأرض كيوانها(٣)

ومن حكاية الحال قوله:


وقال: قفي يا نفس وقفة واردحياض الرّدى لا وقفه المتردّد(٤)

١- النمل ٢٧ : ١٨.

٢- [رسائل السيّد المرتضى ١: ٣٥٥ المسالة: ١٢].

٣- [البيت للسيّد حيدر الحلّي أيضاً من قصيدة يرثي بها الإمام الحسين عليه السلام مطلعها:

تركت حشاك وسلوانهافخل حشاي وأحزانها
والبيت والذي قبله وبعده:

فما أجلت الحرب عن مثلهصريعا يجبن شجعانها

تريب المحيا تظن السماءبأنّ على الأرض كيوانها

غريباً أرى يا غريب الطفوفتوسّد خديك كثبانها
المصدر السابق: ٤٤].

٤- [البيت للسيّد حيدر الحلّي أيضاً من قصيدة يرثي الإمام الحسين عليه السلام ويهجو قاتليه مطلعها:

أميّة غوري في الخمول وأنجديفمالك في العلياء فوزة مشهد

والبيت والذي قبله وبعده:

كريم أبى شمّ الدنيّة أنفهفأشممه شوك الوشيج المسدّد

وقال قفي يا نفس وقفة واردٍحياض الردى لا وقفة المتردّد

أرى أنّ ظهر الذلّ أخشن مركباًمن الموت حيث الموت منه بمرصد
المصدر السابق: ٣١].
٣٩

وقوله:


وهوى عليه ما هنالك قائلاًاليوم بان عن اليمين حسامها(١)

ومن أقسام الخيال إرسال القول أو الفعل مبنيّاً على إضمار «كأنّ» أو شبهها، كقوله:


عجّت بهم مذ على ابرادها اختلفتأيدي العدوّ ولكن من لها بهم(٢)

يريد كأنّي بها قد عجّت بهم وهي تقول كذا، ولا يقصد أنّ ذلك واقع منها واقعاً، فهو في الحقيقية يجري مجرى قول علي عليه السلام في إحدى خطبه في وصف الموتى: «ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديّار الخاوية والربوع الخالية لقالت

١- [هذا البيت لشاعر أهل البيت الشيخ محمّد رضا الأزري ت١٢٤٠ه من قصيدة يصف فيها بطولة العبّاس بن أمير المؤمنين عليه السلام يوم كربلاء مطلعها:


أو ما أتاك حديث وقعة كربلاءأنّى وقد بلغ السماء قتامها
والبيت والذي قبله وبعده:
وافى به نحو المخيّم حاملاًمن شاهقي علياء عزّ مقامها

وهوى عليه ما هنالك قائلاًاليوم بان عن اليمين حسامها

اليوم سار عن الكتائب كبشهااليوم غاب عن الصلاة إمامها
أدب الطف ٦: ٢٦٤ - ٢٦٥].

٢- [البيت للسيّد حيدر الحلّي يرثي الإمام الحسين عليه السلام من قصيدة مطلعها:

إن لم أقف حيث جيش الموت يزدحمفلا مشت بي في طرق العلا قدم
والبيت الذي قبله وبعده:

نعم لوت جيدها بالعتب هاتفةبقومها وحشاها ملؤه ضرم

عجّت بهم مذ على أبرادها اختلفتأيدي العدو ولكن من لها بهم

نادت ويا بعدهم عنها معاتبةلهم، وياليتهم من عتبها أمم
ديوان السيّد حيدر الحلّي ١: ٤٢].
٤٠