×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

رسائل الشعائر الحسينية ( ج 3 ) / الصفحات: ٥٠١ - ٥٢٠

الخلافة...»(١).

ومع الأيّام وقع ما وقع... وكان ما كان من انفصال عرى الالتئام بين الملوك والعلماء جميعاً، وافتراق المسلمين فرقاً، كلّ فرقة تدعو إلى ملك أو مذهب... وهكذا ضعفت آثار العقائد التي تدعو إلى الوحدة، وصارت صوراً ذهنية تحويها مخازن الخيال وتلحظها الذاكرة عند عرض ما في النفس من خزائن المعلومات، ولم يبق من آثارها إلاّ أسف وحسرة يأخذان بالقلوب تنزل بعض المصائب بالمسلمين بعد أن ينفذ القضاء، وما هو إلاّ نوع من الحزن على الفائت لا يدعو إلى تدارك النازلة(٢).

ويصل في عرضه ذاك إلى الزمن الذي عاش فيه فيقول بأن الأهواء تفرّقت... وانصرفت عزائم الأفراد عمّا يحفظ الوجود، ودار كلّ في محيط شخصه المحدود بنهايات بدنه ؛ لا يلمع في مناظره بارقة من حقوق كلّية أو جزئية... لقد فقد الأفراد السلك الذي به كانوا أمةً في حياتهم الفردية، وذلك بسبب بهيميّتهم وجهالة وهمهم، حتّى حاق بهم القنوط واليأس وغلّت أعناقهم في سلاسل الجبن وحُبست أرجلهم في مقاطر العجز... فقعدوا عن العمل والسعي(٣).

والسيّد محمّد رشيد رضا(٤) يورد نقلاً عن لسان الزعيم الوطني عُرابي قوله:

إنّ الخديوي والنظّار ومن على شاكلتهم لا يميلون إلى مساعدة الأمّة على ما تطلب، وإنّ أعداء الأمّة هم الدائنون ومعاونهم من الأجانب ؛ يدفعهم الطمع إلى

١- تاريخ الأستاذ الإمام، مرجع سابق، ص٣١٩ - ٣٢٠.

٢- المرجع السابق، ص٣٢٠.

٣- المرجع السابق، ص٣١٠ - ٣١١.

٤- المرجع السابق، ص٢٣٨.

٥٠١

الاستيلاء على جميع موارد الرزق في مصر... وإنّ هناك شعباً يطالب بأن يكون على أثر بقية الشعوب تحت حماية قانون عادل يؤمّن من الاعتداء على الأشخاص والأموال.

ثمّ يضيف السيّد رضا تقييماً للثورة العرابية (مدلولها ونتائجها) منسوباً إلى الإمام محمّد عبده... عبر النقاط التالية(١):

١) الأوروبيون يتصرّفون بالبلاد المصرية أسوأ التصرّف... ويسوقون الحكّام والرعية كما تُساق الأنعام.

٢) أمراء البلاد جاهلون في جميع الأمور، إلاّ بأمور الحفاظ على ملكهم الاستبدادي (.. مثال إسماعيل باشا... وتوفيق باشا...).

٣) حتّى الشعب بأجمعه لم يكن فيه رجل كبير العقل، بعيد الرأي، قوي العزم والإخلاص، يتلافى الأوضاع المهترئة عن علم ودراية.

٤) الانقسام الطبقي الحاد في المجتمع المصري والمعبّر عنه باحتقار الخديوي ورجال بلاطه، وكذا وزرائه وكبار ضباط جيشه (الذين هم من الترك والشركس) للمصريين الخُلّص والتعبير عنهم بالفلاحين للتحقير والتعبير... واعتبارهم غير أهل لمناصب الدولة، ولذلك عظُم على توفيق باشا أن يطلب منه هؤلاء الفلاحون حقوقاً، وقد خُلقوا - على رأيه ورأي البيئة التي تربّى فيها - ليكونوا عبيداً، حتّى آل به الأمر إلى الاحتفال بانتصار الإنجليز على جيشه وقبوله التهاني من الوجهاء على احتلالهم لبلاده.

٥) الشعب بجملته وطني... دافع عن وطنه بكلّ ما أوتي من قوّة... وقد

١- المرجع السابق، ص٢٦١ وما بعدها.

٥٠٢

عانى هذا الشعب من خيانة كبار رجاله كسلطان باشا وبعض الضباط.

٦) إنّ الدولة العثمانية العريقة في الحكم وممارسة السياسة الدولية... لم تحسن التصرّف لحلّ الإشكاليات في مصر (إذ كان يسهل على مندوبها المشير درويش باشا درء الخطر).

٧) إنّ الأستاذ (يعني محمّد عبده) كان مؤيداً لوزارة رياض باشا الإصلاحية، ويرى أنّها صورة حسنة للمستبدّ العادل الذي يُرجى أن ينهض بالأمّة في مدّة خمس عشرة سنة.

٨) كان الأستاذ يعتقد أنّ عمل عرابي خطأ وخطر على البلاد ؛ لأنّ تصدّى رجال الجيش لإرادة الحكّام وإرغام ممثّل السلطة العليا ومن دونه على ما يريدون، قلب للنظام، وإفساد للحكم وإفضاء بالدولة إلى الفوضى... ولأنّ الثورة العسكرية في مصر قد تفضي إلى احتلال أجنبي يذهب باستقلالها... والسيّد محسن الأمين فإنّه يقول، عندما عاد من النجف إلى دمشق، بعد أن أتمّ علومه حوالى السنة ١٩٠٢م: إنّه وجد نفسه أمام أمور (علل) هي علّة العلل، إذ لابدّ في إصلاح المجتمع من النظر في إصلاحها:

(١) الأميّة والجهل المطبق، إذ إنّ معظّم الأطفال يبقون بدون علم... والبعض منهم يتعلّم القراءة والكتابة في بعض الكتاتيب على الطريقة القديمة.

(٢) الانقسام الحزبي للإخوان، إذ وجد إخوانه في دمشق متشاكسين منقسمين إلى أحزاب، وقد أثرّ فيهم ذلك الوضع أثراً خطيراً.

(٣) إصلاح إقامة مجالس العزاء لسيّد الشهداء عليه السلام ، إذ تُتلى فيها أحاديث غير صحيحة وتُصنع فيها مشاهد منسوبة إلى زينب الصغرى المكناة بأمّ كلثوم... من مثل ضرب الرؤوس بالسيوف، وبعض الأفعال المستنكرة، وقد صار ذلك

٥٠٣

كالعادة التي يعسر استئصالها، خاصّة أنّها مُلبّسة بلباس الدين... فإدخالها في إقامة شعائر الحزن على الحسين عليه السلام هو من المنكرات التي تُغضب رسول اللّه‏ صلي الله عليه و اله و سلم وتُغضب الحسين عليه السلام .

تلك هي القضايا (الإشكاليات) التي واجهت السيّد في تلك المرحلة من حياته(١).

ثمّ إنّ قضية المطالعة والكتابة شغلته كثيراً، ولذلك أكثر في حياته من الترحال إلى إيران والعراق وشمال سورية بحثاً عن المخطوطات النفيسة في المكتبات(٢).

ولمّا كان التاريخ الحضاري الإسلامي يؤكّد على وجود الفقيه ودوره في أمور الدين والدنيا، وعى السيّد دوره في تلك الأمور... وأتقنه، فكان فقيهاً له مكانته (حيث شغلته قضية استقلالية الدين الذي تحوّل في ما مضى إلى مجرد أيديولوجية للدولة).

فالسيّد الأمين كان فقيهاً وحدوياً عاملاً على تحقيق الوحدة الإسلاميّة، غير أنّ السيّد لم يكتب في الفقه السياسي بصورة مباشرة (إذ لم توجد في مؤلّفاته نظرية سياسية حول الدولة والحكم وطبيعة السلطة وعلاقة الفقهاء بها).

ومع ذلك نجد في سيرته موقفاً فقهياً عملياً اتّجاه الدولة القائمة، يعتمد ذلك الموقف سلوك الحاكم من حيث العدل والظلم، فعدالة الحاكم كانت المعيار لدى الفقهاء المستقلّين (وهذا الموقف العملي تحوّل إلى خطّ فكري في أواخر القرن التاسع عشر... مع زعامة السيّد حسن الشيرازي لانتفاضة التنباك في إيران).

١- سيرة السيّد محسن الأمين، مرجع سابق، ص٧٢ - ٧٣.

٢- المرجع السابق، ص٩٣.

٥٠٤

والسيّد إذا كان ركّز اهتمامه بدايةً على القضايا الكلامية والدينية، فلكي ينطلق منها إلى الإصلاح في القضايا والأمور التالية:

أ) في الإصلاح الديني:

الوحدة الإسلاميّة، نقد رجال الدين، محاربة البدع والأوهام.

ب) في الإصلاح السياسي:

علاقة الدين بالدولة، الوحدة الوطنية، الوحدة العربية.

والملاحظ أنّ الأمين لم يأت فيها بجديد له أثر... مع أنّه أبان عن معرفة بتاريخية تلك القضايا...

ج) الإصلاح الاجتماعي:

النزاعات والانقسامات الحزبية، المرض والفقر، حالة المرأة.

وقد اعتمد الأمين في مواقفه الإصلاحية على إيمانه المطلق بالإسلام وعلى أنّ الدين ينظم شؤون الناس... فالدين هو منهج الإصلاح المرجوّ...

وقد اهتمّ الأمين بتوجيه طلاب العلوم الدينية إلى تحصيل الدين والوقوف على أسراره والتخلّق بأخلاقه.

ثمّ إنّ الأمين انتقد كتب التدريس المعتمدة في الجامعات الإسلاميّة بما فيها من حشو وخلط وتعقيد...

ومهما يكن الأمر فإنّ الأمين يتمحور بفكره حول الدين، إذ إنّه يعزو إلى الدين كلّ سرّ من أسرار التقدّم وكلّ عجلة من عجلات التطور(١)، ولذلك دعا إلى مجتمع إسلامي يتفق فيه المسلمون حول المسائل الخلافية، وليتفاوضوا فيه،

١- المرجع السابق، ص٣١٢.

٥٠٥

علماء وفقهاء، ويتباحثوا ويتجادلوا، وليبسطوا المسائل المتنازع فيها على بساط البحث ويحكّموا بينهم الكتاب والسنّة(١).

كان السيّد محسن الأمين بفطرته يميل إلى العمل أكثر من ميله إلى النظر... وكان دائم الاتصال بالناس، فيؤثّر في نفوسهم ويخاطب ضمائرهم... لقد ناضل على جبهتين:

(أ) كافح التعصّب والجمود، وبخاصّة في بعض الأفراد من المتمدّنين.

(ب) وكافح الإباحيين الذين يثيرون الشبهات والشكوك حول عقيدة الإسلام وشريعته وتعاليمه، وقد أخذ على نفسه أن يتقيّد بحكم العقل ونصّ الشرع، لا رائد له سواهما...

والثابت في سيرة حياته أنّه كان مقتنعاً أشدّ الاقتناع بأنّ السياسة ما دخلت شيئاً إلاّ أفسدته، ولذلك اعتبرها عاملاً من عوامل تفرقة المسلمين وإحداث الشقاق بينهم.

إلاّ أنّ كراهيّة السيّد للسياسة وانصرافه عنها لا يعنيان انعدام الرأي السياسي عنده، بل على العكس، إنّه كان صاحب رأي إصلاحي فيها.

وقد يعود كره السيّد للعمل في المعترك السياسي لما لاحظه عند بعض المشتغلين بالسياسة في عصره من خطل الرأي أو خبث الطوية... فهو لا شكّ كان يربط السياسة في زمانه بالدجل والنفاق ولا يأمن أكثر قادتها، أضف إلى ذلك أنّ معظم البلاد العربية - وبخاصّة لبنان وسوريا - كانت مستعمرة، ولم يكن لها إلاّ حكومات ظالمة ومستبدّة، وفي ذلك يقول فيه رئيس تحرير جريدة الجيل:

١- محسن الأمين، كشف الارتياب، تحقيق حسن الأمين، بيروت سنة١٩٦٢م، ص٨٥ .

٥٠٦

«بلغ الوعي القومي بالسيّد محسن الأمين القمّة حين ترفّع - وهو رجل الدين الخطير - على أن ينغمس في مزالق السياسة والأعمال السياسية... فقصر عمله على مضمار التوجيه النفسي الروحي وعلى بناء النفوس على سُنن جوهر الدين، وجوهر قواعده، وأبى أن ينحدر بالدين إلى اتّخاذه واسطة للتجارة والاستغلال وبناء النفوذ السياسي»(١).

وكما مرّ معنا فالأمين اعتمد في حياته قاعدة أنّ «الإسلام دين ودنيا».

١- سيرة السيّد محسن الأمين، مرجع سابق، ص٢٢٤.

٥٠٧

تحديد الوسيلة التي اتّبعها كلّ منهما في معالجة تلك‏الإشكاليات

يقول الشيخ محمّد عبده: إنّ العمل إنّما يكون على نهج مخصوص ؛ فطرح قضية الإصلاح، وبحسب رؤيته، كان على أساس أو عن طريق الوعظ والتوجيه بغية التغيير بالأسلوب السلمي الهادى‏ء... ومن هنا كان كرهه لثورة عرابي حيث ندّد بها وبزعمائها وقال عنها: إنّها فتنة، ولهذا تقع تبعة الخطيئة على من اقترفها، (هذا مع العلم انّ الأفغاني يعتبر واضع أصول تلك الثورة والُمخطّط لها والمحرّض عليها، ولذلك نفي من مصر إلى الهند)(١).

وتحت عنوان «خلاصة الخلاصة» في مقدّمة كتابه عن الشيخ محمّد عبده، يقول السيّد رشيد رضا نقلاً عن لسان الشيخ محمّد عبده: إنّ الإصلاح في أيّ شعب من شعوب الأمّة الإسلاميّة لن يكون إلاّ بالجمع بين التجديد الديني والدنيوي. والجهاد الذي يخوض غمراته دعاة الاستقلال السياسي والإصلاح المدني لا يتمّ لهم النصر فيه، فلا يتسق أمره وتثبت بوانيه إلاّ بالتعاون والتظاهر مع دعاة الإصلاح الديني.

١- تاريخ الأستاذ الإمام، مرجع سابق، ص٧٧ و١٦٤.

٥٠٨

فجند الإصلاح الديني المستقلّون ازدادوا فهماً للإسلام، وخاصّة في الأزهر كما في غيره من القطر المصري، ومنذ سنين يفكرون في تكوين وحدتهم وتنظيم حزبهم، وإذا وجدوا من زعماء الأحزاب المدنية رغبةً في الاتحاد بهم والتعاون معهم، ظهر لهؤلاء من قوتهم في الرأي، وتأثيرهم في الشعب بألسنتهم الخاطبة، وأقلامهم الكاتبة، مالم يكونوا يحتسبون.

ولمّا كان الشيخ محمّد عبده يشعر بنفسه أنّه جريء في القول وقادر على إقامة الحجّة العقلية ؛ فإنّه حدّد منهجاً ووسيلة لجهاده الإصلاحي في المقالة الصحفية في الأدب والاجتماع، المناظرة، المجادلة أو المناقشة.

٥٠٩

المذكرة (الرسالة) واللوائح في الإصلاح التربوي والتعليمي

كما أنّنا نجده في كتاب السيّد محمّد رشيد رضا تاريخ الأستاذ الإمام(١) يقول بارتفاع صوته بالدعوة إلى:

١ - تحرير الفرد من قيد التقليد وفهم الدين عن السلف (قبل ظهور الخلاف) والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها اللّه‏ لتردّ من شططه وتقلّل من خلطه وخبطه لتتمّ حكمة اللّه‏ في حفظ نظام العالم الإنساني.

٢ - إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير، سواء كان في المخاطبات للرعية بين دواوين الحكومة ومصالحها، أو فيما تنشره الجرائد منشأ ومترجماً من لغات أخرى أو في المراسلات بين الناس.

٣ - التمييز بين ما للحكومة من حقّ الطاعة على الشعب، وما للشعب من حقّ العدالة على الحكومة... «وكنتُ ممن دعا الأمّة المصرية إلى معرفة حقّها على حاكمها، وهذه الأمة لم يخطر لها هذا الخاطر على بال من مدّة تزيد على عشرين

١- المرجع السابق، ص١١.

٥١٠

قرناً»(١).

وتحت عنوان «في سعيه لإقناع الدولة العثمانية بالإصلاح...»(٢) ينقل السيّد رشيد رضا عن الشيخ انّه كتب إلى شيخ الإسلام في الآستانة لائحة في الإصلاح والتعليم الديني... حيث إنّ الإمام تجدّد له أمل كبير في إصلاح الدولة العثمانية عن طريق التربية والتعليم الذي لا يمكن الإصلاح إلاّ بسلوكه.

ورأى أنّه وصف لها (للدولة العثمانية) ما هي مستهدفة له من الخطر على مقام الخلافة ؛ لفشو الجهل، وسريان شبهات الإلحاد، ثمّ بنفوذ الأجانب، وتأثير المدارس التبشيرية في البلاد، حتّى أنّه خصّ المدارس العسكرية بالذكر، ولهذا كان كثير ممّن قرأوا العلوم في المدارس العسكرية وغيرها خلواً من الدين، وجُهّالاً بعقائده، منكبّين على الشهوات وسفاسف الملذات، لا يخشون العبر في سر ولا في جهر... وانحطّ بهم ذلك إلى الكلب في الكسب.

ويضيف الشيخ بالقول: إنّ رجال السياسة والإدارة كانوا يقلّدونهم كتقليد الطفل لمن يعظم في عينه من الرجال، وتقليد الأصاغر لمن فوقهم من الأكابر، كالأزياء والعادات وشكل المدارس والدواوين، وقد ترجموا أكثر القوانين، وأمّا العلوم والفنون والصناعات وطرق الثروة والنظم المالية فلم يتقنوا منها شيئاً.

ويضيف السيّد رضا: إنّ الشيخ كان يخاف على الدولة العثمانية عاقبة الزوال من الوجود، أو انحصار دولة الترك في إمارة صغيرة فقيرة ضعيفة... وخوف الإمام يشتدُّ أكثر بسبب سوء تأثير زوال تلك الدولة في البلاد الإسلاميّة، وقد صرّح في بعض مقالات العروة الوثقى بأنّ خروج القطر المصري من حظيرة

١- المرجع السابق.

٢- المرجع السابق، ص٤١٣.

٥١١
رسائل الشعائر الحسينية << ج ٣ << تاليف : مجموعة من العلماء (ص ٥١١ - ص ٥٤٠)

سيادتهم يفضي إلى ذهاب غيره.

ويضيف السيّد رضا بأنّه سأل الإمام سنة ١٨٩٨م عن رأيه في الدولة العثمانية فقال له بأنّها سياج للمسلمين في الجملة... فيجب عليهم أن يعملوا لأنفسهم قبل زوال هذا السياج الضعيف، وإلاّ صاروا أسوأ حالاً من اليهود(١).

وأمّا من جهة السيّد محسن الأمين، بخصوص هذه النقطة، فإنّه يؤكّد على أنّ الإسلام في هذا العصر، يقف وجهاً لوجه أمام المدنية الأوروبية الحديثة والفكر الأوروبي، بل أمام الإنسان الغربي في القرن العشرين... وعليه فلابدّ من موقف ؛ والموقف هو في التوفيق بين مجرى الفكر الإسلامي وحضارة العصر، ولذلك سعى إلى ذلك عن طريق الاجتهاد، الذي جعله لبّ العمل الصالح ؛ فالاجتهاد عامل يدفع الإنسان إلى الحركة والسعي نحو مناقشة الآخرين.

وليس إصلاح الفكر الديني عنده إلاّ محاولة لإعادة القوة والعزيمة للمسلم، وليس عن طريق تبنّي فلسفة غريبة أو مذهب غريب، بل في فهم الإسلام فهماً صحيحاً وسليماً.

لقد حدّد منهجاً ووسيلة لجهاده الإصلاحي في:

*النقاش والمحاورة.

*المناظرة، التي هي مناظرة فقهية، اتّسمت عنده بإظهار آرائه بالحجّة والبرهان.

كذلك يعتمد الأمين المنهج الاستقرائي (في الفقه شأنه شأن الأصوليين...

ذلك أنّ علم الأصول هو طريق المعرفة بالمسائل الفقهية)(٢).

١- المرجع السابق، ص٣١٥.

٢- علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام، دار المعارف، القاهرةسنة١٩٧٨، ص٨٦.

٥١٢

والأمين يعتمد الاجتهاد (بالطبع في مجال الفقه... والمجال الأساسي لجهوده في حياته هو الفقه...) بأبوابه المفتوحة لكلّ المسائل التي تثيرها ظروف الحياة المتغيّرة... فالكلمة الأخيرة هي دائماً لروح التجديد والتأكيد على المصلحة العامة. فهو يحثّ على استعمال العقل والدليل، وينهى عن التقليد والتعلّق بالمعتقدات والعادات الفاسدة، مؤكّداً أنّ الإسلام إذا استند على العقل فلا يعجز عن إجابة مطالب المدنية...

كان الأمين يعتقد بإصلاح وتطوير المجتمع عن طريقتين لا مجال للفصل بينهما:

(١) الدين الذي يدعو إلى التطوير، ولا يقف عقبة في وجهة سير الاجتهاد.

(٢) الإنسان: من جهة ثانية (قدرةً، واستطاعةً، وحريةً، وعقلاً وعلماً...).

إذاً فموضوعا إصلاحه هما الدين والإنسان.

والأمين أراد أن يبسط العقيدة الإسلاميّة منقّحة من كلّ شائبة (حيث يكون الدين خالصاً من الشوائب منزّهاً عن كلّ ما علق به من أدران)، ولأنّه يبغي بذلك استنهاض المسلمين عامّة من عجزهم وتخلّفهم... وهذا ما جعله يعمل على تعزيز دور المدارس الدينية ومناهجها، ففي الإصلاح التربوي إصلاح وتوجيه للناشئة وتربيتهم...

وأنهي هذه النقطة بالقول: إنّ الموقف السياسي للأمين يبدو متناقضاً، فتارةً يرضى الأمين عن السياسة فيظهر متفهّماً لقضاياها، وطوراً يلعن السياسة والعاملين فيها والمتكلّمين بموضوعاتها.

وإن كان البعض ينفي هذا التناقض بالقول: إنّ السياسة التي رضي عنها وتفهّم قضاياها، هي سياسة الوطنيين العاملين على مكافحة الاستعمار الفرنسي

٥١٣

الذي كان مسيطراً على سوريا ولبنان، والاستعمار الإنجليزي الذي مسيطراً على فلسطين.

وعندما كان هؤلاء السياسيون في حالة نضال مع المستعمرين كان يستقبلهم ويشير عليهم ويخطّط لهم أحياناً، وعندما أصبحوا بعد ذلك مجرّد سياسيين حكّام لم يعد له أيّتدخّل معهم.

ومن هذا الوجه تهنئته للملك فيصل بالمُلك ؛ لأنّ إعلان استقلال سوريا بملكية فيصل كانت تحدّياً للإفرنسيين.

٥١٤

استجابة كلّ منهما لدواعي الإصلاح والتغيير

هذه النقطة السادسة هي الأخيرة في هذا البحث، إنّها النتيجة فيه، حيث إنّ النقاط الأولى والثانية والثالثة شكلّت بمضمونها مقياس التقييم الذي رزتُ به مضمون النقطتين الرابعة والخامسة. لهذا فإنّني أعرض مضمونها كالتالي: لقد تبيّن لنا أنّ الإنسان يمتلك قدرات متعدّدة... وبقدر تفعيلها يحقّق ذاته في مجالها الرحب...

وبالتالي يؤكّد مقدار الاستجابة لدواعي التكليف في الحياة... هذا مع العلم أنّ الإنسان في فاعليته لا يمكن لنا الفصل فيما بين ظروفه الداخلية أو الذاتية والخارجية أو الموضوعية... والثابت هو أنّ الإنسان لا يفعل إلاّ ما يريد... ويقدّر عليه (الكلام هنا يُقصد به الإنسان الذي يعيش ظروفه الطبيعية أو الذي يعمل ليوفر تلك الظروف...) وهكذا يأتي الحكم على الأثر أو نتيجة الفاعلية حكماً علمياً، واقعياً، وعادلاً...

عرفنا بشكل واضح الأسباب الحقيقية المنتجة لأوضاع التخلّف والاغتراب التي عاشها إنساننا العربي المسلم في العصر الحديث، والتي لا يمكن أن نفصل بينها وبين أوضاعنا الحاضرة، بحيث يصحّ قولنا وبشكل قاطع بوحدة مسار

٥١٥

تاريخنا الحاضري، على الرغم ممّا تعرّض له (أي إنساننا) عبر ذلك المسار من ممارسات... نعيش الآن آثارها.

وإنساننا الأصيل مُقبل على حياته عن وعي ؛ لأنّها هادفة، أي أنّه لا يعيش حياة السائمة (التي غريزتها الاغتذاء والتناسل حفظاً لحياة نوعها...).

والإنسان بعامة يعيش حياته حسبما يُلزم به نفسه، فعمله أو نتيجة عمله تكشف عن قيمة (بم يلتزم ولماذا يلتزم في حياته).

وعندما أقول: الإنسان مكلّف، ويعمل في إطار ظروف مختلفة، فإنّ ذلك يعني أنّ ما يحصل عليه أو يكون عليه من أوضاع هو بالمحصّلة الحكم له أو عليه... فإذا أصاب في عمله أو حقّق بعضاً من ذاته أو هدفاً من أهدافه فالحكم يكون له، وهذه هي الإيجابيه في الفاعلية البشرية، وإذا لم يُصب أو فشل فإنّ الحكم يكون عليه، وهذه هي السلبية في تلك الفاعلية...

ومهما يكن أمر ذلك (أي مهما كانت كيفية تلك النتيجة...) فالسؤال الهام هنا، هو ما مدى مساهمتها مع باقي مجهودات أفراد الجماعة أو المجتمع (على أساس أنّ الإنسان يعيش وسط جماعة وينتمي إلى مجتمع معيّن...)، وإنسيابها في المسار الحضاري لذلك المجتمع.

والفاعلية علاقة، والعلاقةُ بين الذوات كيف، فهي تفاعل أو تكامل وبالتالي بناء، أو تصارع أو استلاب وبالتالي هدم، وعلى ذلك فالذي يبقى واضحاً في خضمّ ذلك كله هو الهوية بل الانتماء... سواء كان انتماء لفئة أو لجماعة أو لطبقة... أو حتّى للإنسانية بشكل عام.

والفاعلية المنتجة طابعها علاقات إيجابية، ونتيجتها الدفع إلى الأمام لأوضاع إنسانية طبيعية محترمة، أو الرفع والتخلّص من أوضاع لا إنسانية

٥١٦

مفروضة مهينة.

والآن، فإذا قلتُ: حرية، وإنسان حرّ أو حري وتحرّر فإنني أعني، تماماً التكليف (الالتزام)، والملتزم والفعل لرفع موانع (معوّقات) الالتزام، أي المقاومة تحقيقاً للالتزام.

وأتابع بالقول: إنّ كلاًّ من الشيخ محمّد عبده والسيّد محسن الأمين خرج من بيت يُسر وجاه من البيوت المعروفة في الريف (المصرية واللبنانية) أيّام الامبراطورية العثمانية، وإنّ كلاًّ منهما بدأ رحلة دراسته وتثقّفه في منزله الوالديّ المسلم الملتزم إسلامه والمربّي أولاده على القيم الإسلاميّة.

وكلاهما تابع تحصيله العلمي في منابعه (الأزهر في مصر، والنجف في العراق...)، فكانت له الفرصة لينمّي استعداداته ويثقّف قدراته تكويناً لذاته بل تحقيقاً لها...

ويكفي الشيخ محمّد عبده أن يكون السيّد جمال الدين الأفغاني معلّماً له في الأزهر، وموجّهاً له في الحياة الاجتماعية، ونافخاً فيه روح الثورة ومنمّياً فيه نزوعه التغييري(١). وبقي مرافقاً له مدّة طويلة من حياته...

وكذلك فالسيّد محسن الأمين درس على الشيخ موسى شرارة الذي نمّى فيه نزوعه الإصلاحي، كما درس على مشايخ آخرين في جبل عامل وفي النجف، حينما ذهب طلباً للعلم، درس على مشاهير العلماء في العراق في تلك الأيّام(٢).

وهنا أجد نفسي متّفقاً مع السيّد محمّد رشيد رضا حين يقول: «... إنّما يكون

١- تاريخ الأستاذ الإمام، المرجع السابق، ج١، الفصل الثاني، ص٢٠ وما بعدها.

٢- سيرة السيّد محسن الأمين... المرجع السابق، ص٢٤ - ٢٥ و٥١.

٥١٧

الرجل عظيماً بأمرين: أحدهما فطري لا يأتي بالكسب، وهو الاستعداد الذي يكون له بكمال الخلقة واعتدال المزاج، وحسن الوراثة للوالدين والأجداد.

وثانيهما كسبي، وهو التربية القويمة والتعليم النافع...»(١).

فاعتماد ذلك والبناء المنهجي عليه يحتّم توقّع نموّ كلّ من الشيخ محمّد عبده والسيّد محسن الأمين نمواً يتسم بالنضج النفسي والعقلي وبالتالي بالالتزام، خاصّة بعد حصول كلّ منهما على درجته العالية من التحصيل العلمي... ودخولهما معترك الحياة العامّة مباشرة، كلّ في محيطه الاجتماعي القريب، توظيفاً لما كسباه في المرحلة السابقة، وكشفاً عن مدى مقدرتهما على الانخراط في مجرى وقائع الحياة اليومية، واستجابة لدواعي المشاركة والالتزام.

لكن مسار كلّ منهما في سيرة حياته، وحسب ما مرّ معنا في نقاط سابقة، يبين أنّ الشيخ محمّد عبده قد شارك في الحياة العامّة من خلال التدريس، والوظائف الإدارية، والقضاء، والمستشارية. كما أنّه شارك - وهذا هو الأهم - من خلال الصحافة كمحرّر وكاتب مقالة (أدبية، واجتماعية وسياسية...).

لقد لمست منه في مشاركاته تلك، روح الناقد المحلّل للأوضاع بطبيعة العارف، والعاكس لها بروح الأديب وبذهنية المحرّض والمرشد الواعظ... إنّه العامل على إصلاح الأمور، لكن من الداخل، أي إنّ الإصلاح يتمّ بالمحافظة على هيكلية وطبيعة موضوع الإصلاح، (مؤسسة إدارة، لائحة...) وإنّما بتنقية وتهذيب مضمونه (إضافةً، حذفاً، وتعديلاً...).

فالإصلاح، حسب الشيخ محمّد عبده، يتحقّق بالأسلوب الهادى‏ء السلمي... وهذا ما يفسّر موقفه العدائي من ثورة عرابي وتسميته لها بـ «الفتنة»

١- تاريخ الأستاذ الإمام، المرجع السابق، ص١٣١.

٥١٨

(مهما كانت أسباب وغايات القائمين بها... ومهما كانت نتائجها...).

والملاحظ أنّ مسألة الإصلاح في تراث الشيخ محمّد عبده تتمحور حول الدين، ولذلك فطرح «الإصلاح الديني» إنّما يعني أنّ الإمام وجد أنّ ما يعانيه الإسلام والمسلمون من إشكاليات (جهل المسلمين بأمر دينهم، وانعدام دور التعليم.. وأوضاع رجال الدين وخطباء المساجد، وفساد ذوي السلطان...)، يشكّل المنطلق في الإصلاح...

هذا مع العلم أنّ الإمام نفسه يرجع اهتراء حال المسلمين إلى أحداث بداية القرن الثالث الهجري... ولذلك ففساد أوضاع المسلمين (في مصر خاصّة) وفي العالم الإسلامي بعامّة، هو إفراز تاريخي لما عاشه المسلمون في عالمهم من ظروف فاسدة مدمّرة...

والثابت هو أنّ الإسلام رسالة سماوية للإنسان تحتّم عليه الالتزام بها بمقتضى حياة التكليف... ومن هنا فما ينسب إلى تلك الرسالة من شوائب أو مدسوسات أو مشوّهات إنّما هي أُمور إنسانية فاسدة... فإن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على سوء طويّة من الإنسان المدّعي الإيمان، أو في أحسن الحالات على قصور العقل الإنساني عن استيعاب الرسالة بمضونها، الديني والدنيوي، الكلّي والشامل، وبالتالي تفصيلها (أي تفصيل وعيه لها) على قدر مصلحته الدنيوية...

وهكذا، فإذا كان هناك من مشروعية للطرح «إصلاح» فإنّما يكون طرح «إصلاح الإنسان في وعيه» أو طرح «الإصلاح المعرفي» للإنسان ؛ وهذا الإصلاح يستوعب كلّ المسار الحضاري للإنسان المسلم منذ زمن انتهاء دولة الإسلام، أيّام النبيّ محمّد صلي الله عليه و اله و سلم ، وحتّى أيّام الشيخ محمّد عبده... بل وحتّى أيّامنا الحاضرة...

٥١٩

ثمّ إنّ وعي الشيخ محمّد عبده، في جهوده الإصلاحية، وحصر منهجه ووسيلته في حدود الكشف عن مواطن الخلل والفساد (حسب رؤيته)، ثمّ الوعظ والتحريض بغية التصحيح، يدلّ بشكل واضح على أنّ الإمام إمّا أنّه لم يوظّف إمكاناته لطرح المنهج الإصلاحي الذي تستوجبه ضرورات التغيير الجذري لوقائع المجتمع المصري آنئذٍ...

وإمّا أنّه لم يُرد (بقصور في الوعي منه) بجهوده تلك الخروج على توازنات قوى الواقع للمجتمع المصري في بناه وهيكليته التقليدية المهترئة، وذلك تثبيتاً لجذور انتمائه (انتماء الشيخ) الطبقي أو الفئوي، وحتّى لجاهه الاجتماعي، (... وإن في مجتمع المدينة في القاهرة)، وبذلك يأتي الإصلاح في مجاله الأُفقي أي داخل الطبقة أو الفئة فقط...

وإمّا أنّه أراد (بوعي منه) الحفاظ على مراكزه أو على وظائفه في الإدارة والمؤسّسات... وعلى علاقاته النوعية (الفئوية)، وبذلك يكون طرح «الإصلاح» تصحيحاً للأوضاع بغية تثبيتها ودفعها للاستمرار... وخاصة أوضاع الانقسام الاجتماعي والتسلط الطبقي.

وإمّا أنّه بطريقته الإصلاحية تلك عكس واقعه النفسي، حيث الخوف والحذر وتأبّي الأذية من قوى الترهيب والقمع... وبالتالي لعدم ثقته بنفسه بامتلاك القدرة والعزم على التغيير الجذري.

وهذا بدوره يوضح واقعه القيمي، حيث التناقض بين ما يعلنه من أطروحات ثورية على صفحات الجرائد... وعبر المناقشات والخطابات، وبين ما تقتضيه تلك الأطروحات من أساليب ومنهجية أصيلة، بحيث تتلازم الطريقة مع الأطروحة المبدئية...

٥٢٠