×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

رسائل الشعائر الحسينية ( ج 3 ) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

وعلى هذا لو توضّأ من يكون الوضوء عليه عسراً بقصد رجحانه الذاتي، يرتفع حدثه ويسقط عنه وجوب التيمّم ؛ لارتفاع موضوعه.

وكذا من يكون الصوم في حقّه حرجيّاً مع عدم تضرّره به، لو تحمل العسر وصام بلحاظ حسنه ورجحانه ذاتاً، كان صومه جائزاً ومسقطاً للقضاء.

فلماذا يا ترى كانت الشعائر الحسينيّة إذا فرض رجحانها لذاتها، أو بعنوان كونها من الإبكاء وإظهار الحزن والجزع على سيّد الشهداء، غير مشروعة أو غير محكومة بالاستحباب ؛ لمجرّد دعوى كونها متعسّرة، ذلك الأمر الذي يشاركها فيه سائر المتعسّرات؟!

وهلاّ وسع ذلك الضرب على الصدر ما وسع غيره من المستحبّات والواجبات الشاقّة التي أفتى الأصحاب بشرعيّتها ومع المشقّة وحصول الثواب عليها؟! وها هو الكاتب في ص٢ يقول في شأن الشعائر الحسينيّة: دخلت فيها المنكرات لإفسادها وإبطال منافعها(١).

وفي ختام هذا الفصل يجب الالتفات لدقيقتين:

الدقيقة الأولى: إنّ كلام أصحابنا في نفي الحرج مختصّ بما إذا كان الحرج علّة لرفع الحكم أو عدم جعله ابتداء، أمّا إذا استند رفعه إلى دليل خاصّ وإن لوحظ فيه الحرج حكمة، فليس ذلك من محلّ كلامهم في رفع الحكم بأدلّة الحرج.

ولذلك ترى الفقهاء يحكمون بجواز التيمّم عند حصول الشين أو تشقّق الجلد وخشونته، ولا يحكمون به في ما هو أشدّ من ذلك تعسّراً كالوضوء والغسل

١- [انظر رسالة التنزيه لأعمال الشبيه المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٢: ١٧٠، وفيها:
«توسّلوا إلى إغواء الناس بحملهم على أن يُدخلوا فيها البدع والمنكرات وما يشينها عند الأغيار قصداً لإفساد منافعها وإبطال ثوابها»].

٦١
رسائل الشعائر الحسينية << ج ٣ << تاليف : مجموعة من العلماء (ص ٦١ - ص ٩٠)

مثلاً في البرد الشديد، والصلاة في حرّ الظهيرة إذا لم يجد الظلّ، والصوم في شدّة الحرّ وطول النهار، وسفر الحجّ للبعيد في الأهوية غير المعتدلة، وغير ذلك.

وما هذا الفرق إلاّ لأنّ ارتفاع وجوب الوضوء في الموارد السالفة لدليلها المختصّ بها، وكون الحكمة فيها هي التخفيف لا يقضي بالتسرّي إلى غيرها ؛ لأنّ الحكمة لا يلزم اطرادها.

ومن سبر مواضع وقوع مثل تلك الموارد من رسالة الفقيه الشامي(١) يجده يهول بارتفاع الحكم في موردين أو ثلاثة(٢) لا أزيد من ذلك، يكون الفعل فيها أقلّ مشقّة من لدم الصدور بالأيدي وضرب الظهور بالسلاسل، وأنّه إذا كان الحكم مرتفعاً في الأهون الأخفّ كان ارتفاعه في الأصعب الأشقّ أولى.

وقد فاته أن يعلم أنّ ارتفاع الحكم في ما ذكره من الفروع إنّما هو لدليله المختصّ به والحرج فيه حكمة لا علّة، فكيف يصح التهويل به وقياس غيره عليه لولا عدم التمييز بين الموردين؟!

وإذا كان ذكر موضعين أو ثلاثة من ذلك القبيل، فإنّ الشهيد الأوّل في القواعد ذكر نيّفاً وستّين فرعاً جميعها ممّا بني على التخفيف ولوحظ الحرج فيها

حكمة لا علّة.

ولذلك لم يعتبر اطرادها، بل يوخذ بالإطلاق في موارد كلّ منها، ولا يجوز

١- [يقصد به السيّد محسن الأمين].

٢- مذكورة في ص٢٠ من الرسالة وهي خوف المكلّف حصول الخشونة في جلده وتشقّقه من استعمال الماء في الوضوء.

وفي ص١٧ من سقوط مباشرة الحجّ عمّن يتعسّر عليه الركوب [انظر رسالة التنزيه لأعمال الشبيه المطبوعة ضمن هذه المجموعة ٢: ٢١٨ و٢٢٦].

٦٢

في قواعد الفنّ وأصوله الأخذ بالفحوى والأولويّة في غيرها.

الدقيقة الثانية: إنّ الأصوليين منّا ذكروا أنّه إذا تحقّق في فعل مقدار من المشقّة ومرتبة من الشدّة، لا يعلم صدق مفهوم لفظ العسر عليها بحسب الحقيقة العرفيّة، من حيث غموض معناه وكثرة مراتبه ضعفاً وقّوة، كان المرجع في المصاديق المشكوكة إلى العمومات المثبتة للتكاليف(١)، ولا وجه للتمسّك على رفع الحكم فيها أو عدم جعله ابتداءً بعمومات نفي العسر والحرج(٢) أصلاً، ومقتضى ذلك جواز الإتيان بكلّ مشكوك الحرجيّة ورجحانه إذا كان أمراً عبادياً.

وقد يكون صاحب الرسالة يعتقد بأنّ الحرج في لدم الصدور وضرب الظهور قد بلغ في المشقّة حدّاً يقطع معه بتحقّق العسر فيهما والحرج لكلّ أحد، وأنّه لا شكّ عنده في ذلك، وإلاّ انقلب الأمر عليه.

واليقين حالة قهريّة ينبغي أن نساهله فيها من حيث نفسه، ولكن اعتقاده بتحقّق الموضوع لا يكون حجّة على الشاكّ فيه أو المعتقد خلافه حتّى لو كان عاميّاً يرجع في الأحكام إليه ؛ لأنّ أمثال هذه الموضوعات لا تقليد فيها.

وعلى هذا، كان اللازم عليه عندما يطرق هذا الموضوع أن لا يتعرّض للمسألة بنحو كلّي، بل يخصّ كلامه بمن عرف معنى العسر واعتقد تحقّقه في تلك الشعائر الحسينيّة، ومع ذلك عليه أن يعرّفه بأنّ فعله يكون مباحاً ؛ لأنّ المرفوع بأدلّة الحرج استحبابه فقط.

١- لأنّها مخصّصة بمنفصل مجمل مفهوماً، مردّد بين قلّة الخارج وكثرته، والمتعيّن في ذلك ـ على ما برهن عليه ـ الرجوع إلى العمومات المثبتة في غير المتيقّن خروجه منها، لا إلى أصالة البراءة.

٢- إلاّ على المذهب المتروك عند المحقّقين من التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقيّة.

٦٣

الإيذاء والإضرار

يوجد في كلمات شيخنا الشهيد أنّ الإنسان منهيّ عن جرح نفسه وإتلافها(١).

والظاهر أنّه يريد بالجرح ما يوجب الضرر بحدوث مرض لا يتحمّل عادة أو بط‏ء برئه، ومع ذلك لا دليل من العقل والنقل على حرمة ذلك مالم يؤدّ إلى إتلاف النفس.

وقد جوّز أصحابنا أن يختتن الخنثى المشكل اعتماداً على أصالة البراءة، مع كون ذلك إيلاماً وإيذاءً وجرحاً يبقى ألمه أيّاماً، وربّما يوجب مرضاً.

ولم أعثر على قائل معلوم صرّح بحرمته، وإنّما اختلفوا في وجوبه، والمعروف بينهم - وهو الذي تقتضيه القواعد - العدم.

نعم، نسب الشهيد التحريم إلى القيل، ولعلّ القائل ليس منّا، وهو مع ذلك لا وجه له حتّى على ما يقوله بعض العظماء(٢) من حرمة الإضرار بالنفس عقلاً ونقلاً،

١- [القواعد والفوائد ١: ٢٣٢].

٢- منهم المحقّق الانصاري في رسالة «الضرر» [قاعدة لا ضرر: ١١٦] إلاّ أنّه لا يعرف الوجه في ذلك، وهو أعرف بما قال، ولا يبعد أنّه على هذه الدعوى بنى في كتاب «الغاية القصوى» حرمة ضرب الرؤوس بالسيوف في العزاء الحسيني، ولكن في كون ذلك إضراراً بالنفس وفي حرمة الإضرار بجميع مراتبه كلام ستعرفة.

٦٤

لعدم كون ذلك إضراراً.

والفرق جلّي بين الإضرار والإيذاء المؤقّت، نظير وشم الأيدي وغيرها من الأعضاء المتعارف قديماً وحديثاً، والأدلّة ناصّة على حرمة إيذاء الغير وإضراره، والمطلق الشامل بذاته منها للنفس لو كان هو منصرف إلى ذلك.

وربما كان في وجوب الختان على المسلم ولو طعن في السنّ(١)، واستحباب ثقب أُذني الغلام الذي اتّفق عليه النصّ والفتوى(٢)، وثقب آذان النساء وأنوفهن لتعليق الأقراط والشنوف والخزائم، والوشم لهنّ على القول المعروف بجوازه على كراهيّة(٣)، وغير ذلك ممّا ستعرفه دلالة على شرعيّة الإيذاء والإضرار

١- في خبر السكوني عن أبي عبد اللّه‏ عليه السلام قال: قال علي عليه السلام : «إذا أسلم الرجل اختتن ولو بلغ ثمانين» [الكافي ٦: ٣٧ حديث ١٠] قال في الجواهر [٣١: ٢٦١] ولا قائل بالفصل» بين المسلم وبين الكافر إذا أسلم.

٢- لا خلاف في استحباب ثقب أذني الغلام، وفي الجواهر [٣١: ٢٦٣] الإجماع بقسميه عليه، مضافاً إلى السيرة والنصوص الكثيرة، منها خبر ابن خالد عن الرضا عليه السلام : أنّه لما ولد الحسن عليه السلام أمر النبيّ صلي الله عليه و اله و سلم بثقب أُذنيه، وكذلك لمّا ولد الحسين عليه السلام . وكان الثقب في اليمنى في شحمة الأذن للقرط، وفي اليسرى في أعلاها للشنف [لاحظ الكافي ٦: ٣٣ - ٣٤ حديث٦].

وفي خبر مسعدة بن صدقة: أنّ ثقب أذن الغلام من السنّة.

ومن هذا الباب خفض الجواري، فقد جاء في الأخبار أنّ الختان سنّة وأنّه من الحنيفية، وأنّ خفض النساء مكرمة وليس بواجب.

٣- ممّن جوّزه المحقّق الأنصاري في المكاسب وأكثر محشّيها، وصرّح بعضهم بعدم الفرق بين وشم الكبير والصغير المتوهم كون وشمه إيذاء لا لمصلحة.

٦٥

في الجملة.

لم يقع في الكتاب والسنّة لفظ إيذاء النفس وإضرارها وما يؤدّي معنى ذلك موضوعاً لحكم ما، حتّى يصحّ لأحد أن يجاهر بدعوى دلالة النقل، فضلاً عن حكم العقل الذي لا يستبهم أمره على العقول.

وكلّ ما رمز إلى دلالة الأدلّة العقليّة والنقليّة على حرمة إيذاء النفس وإضرارها، لم يحلّ تلك الرموز حلاًّ تفصيليّاً ولا إجماليّاً.

ومن فحص الأدلّة الشرعيّة لا يجد سوى ما تضمّن حرمة إيذاء الغير وإضراره نصّاً أو انصرافاً، ومن أمعن النظر في أحكام العقول لا يجد فيها سوى قبح ظلم النفس(١).

وهو لو صلح دليلاً على الحرمة الشرعيّة لا يعمّ بلا شبهة كلّ ما ينزله الإنسان بنفسه من أنواع الأذى والإضرار مالم يكن إتلافاً لها، أو موجباً لفقد طرف أو حاسّة على إشكال في هذا، لولا الاتّفاق المدّعى على تحريمه.

وأنا في هذه النبذة التي لابدّ من تحريرها، أفصل حكم العقل عن النقل، وأفصّل الكلام في ما يقضي به كلّ منهما.

١- سيأتي أنّ المحقّق الأنصاري ذكر في رسالة الظن الأمر الفطري الجبلي الطبيعي
وسمّاه حكماً عقلياً، وذكر من النقل الآيات التي لا تدلّ على الحرمة الشرعيّة، لأنّ النهى فيها للإرشاد.

٦٦

الدليل العقلي على حرمة الإضرار

إنّ جعل العقل شارع إيجاب وتحريم، إنزال له في أرفع من منزله، بداهة أنّه يحكم على الأشياء تبعاً لما يدرك فيها من حسن أو قبح لذاتها، أو لما يطرأ عليها من العناوين المحسّنة والمقبّحة بمدح فاعلها أو ذمّه، ولا يحكم البتة بأنّ حكمها الوجوب أو الحرمة عنده ولا عند الشرع، بمعنى استحقاق فاعلها أو تاركها الجزاء الأخروي، إلاّ إذا كان مدركاً واجدية الشي لملاك التحريم شرعاً، بمعنى كونه على الصفة التي تكون علّة تامة لحكم الشرع عليه بالحرمة.

ولكن هذا باب منسد غالباً بل دائماً في وجه العقل ؛ لأنّ دعوى إداركه ذلك في قوةّ دعوى إداركه حكم اللّه‏ تعالى.

أمّا حكمه إلايجابي أو التحريمي لا بالمعنى المذكور، بل بمعنى إلزامه بفعل شيء أو تركه لملاكات شتّى(١)، لا يعلم بثبوت الملازمة بينها وبين حكم الشرع بالوجوب والتحريم المصطلحين، ككون الشي ملائماً للطبع أو منافراً له، فذلك ممّا

١- بعضها لا يبتني على التحسين والتقبيح العقليين، كحكمه في باب المقدّمة بوجوبها، وفي الضدّ بحرمته، وشبه ذلك من الملازمات التي ليس ما نحن منها قطعاً.
ومن هذا الباب حكمه باتّباع الظنّ الانسدادي على القول بالحكومة كما لا يخفى.

٦٧

لا ريب فيه.

لكنّه لا يجدي شيئاً في ما يحاوله مدّعي حرمة الإيذاء والإضرار عقلاً ؛ لأنّ حقيقة هذا المعنى المسمّى حكماً عقليّاً لا يزيد على مجرّد إدراك العقل حسن الشي أو قبحه، بمعنى كونه على الصفة التي لو خلت عن الموانع والمزاحمات واقعاً لجهة حسنه أو قبحه المدركين عقلاً لكان واجباً أو حراماً شرعاً، وهذا المعنى من حكم العقل قاصر عن إثبات الحرمة المصطلحة.

إذاً فما معنى حرمة الإضرار عقلاً؟ وما هو الملاك لحكم العقل بحرمته؟

إنّ العقل لا يحكم على الأشياء بعناوينها العارضة عليها حكماً جزافيّاً، بل لابدّ له في حكمه من ملاك يتبعه.

وإذا كان هو لا يدرك في مطلق ما يؤذي النفس واجديته لملاك التحريم شرعاً، وكان نفس كونه منافراً للطبع أو مؤذياً أو مضرّاً لا يستتبع حرمته عقلاً ولا شرعاً، بمعنى استحقاق العقاب عليه(١)، فما هو الملاك لحكمه على عنوان المضرّ للنفس بلزوم تركه حتّى لو بلغ الضرر إلى درجة هلاك النفس، فضلاً عما دونه(٢)؟

أجل، إنّ دفع الضرر عن النفس أمر جبلي فطري، وليس بحكم عقليّ يتبع ملاكاً يخصّه أو يعمّه تبعية المعلول لعلّته، ولذلك يشترك فيه الإنسان العاقل وسائر الحيوانات العجم، فإنّها بما أودع في طباعها بأصل الخلقة تتحرّز عن مظانّ الوقوع

١- قد تقرّر في الاُصول أنّ الحسن والقبح العقليين بمعنى كون الشيء ملائماً للطبع أو منافراً له، لا يستتبع حكماً عقلاً ولا شرعاً بوجوب الملائم وحرمة المنافر، بمعنى استحقاق الجزاء الأخروي عليهما.

٢- وفذلكة الأمر أنّ حكم العقل القطعي المستقل مفقود قطعاً، وغير المستقل إن ثبت لا
يجدي شيئاً، ودعوى كون الضرر من الظلم ستعرف ما فيها.

٦٨

في الضرر.

وهذا في الضرر المقطوع والمظنون مما لا تعتري العقول فيه شبهة.

وعلى كلّ حال، فإنّ إدماء الرأس بمجرّده ليس ضرراً، ولا ممّا يقطع أو يظنّ بكونه ضرراً ، نعم لا ريب في كونه إيذاءً للنفس وإيلاماً، والإيذاء غير الضرر.

وربما يدّعي أنّه لا فطرة ولا جبلة تقضي بالفرار إلاّ عن الضرر، أعني الموجب لخطر الهلاك، لا عن مطلق إيذاء النفس وإيلامها(١).

ولو فرض تساويهما في لزوم الدفع بالفطرة، لم يجد ذلك في دعوى حكم العقل المزعوم ؛ لأنّ النفرة عن شيء بالطبع غير حكم العقل بلزوم الفرار عنه.

وآية ذلك أنّك تجد الإنسان عند تسليم نفسه للفصد أو الحجامة أو لعمليّة جراحيّة، يرضى بذلك ويريده بعقله، ولكنّه كاره له بطبعه حينما هو راض به، فهو يفضّل الحكم العقلي ترجيحاً للمنفعة على الدافع الجبلي.

وأخرى أنّ العقلاء مع فطرتهم وجبلتهم يقتحمون موارد الضرر المقطوع، فضلاً عن المظنون والمحتمل ؛ لأغراض لهم لا تقع تحت الحصر، ومع ذلك لا يرون في تجاوزهم حدّ الفطرة والجبلة قبحاً عقلاً، ولا مراغمة إلاّ لحكم الفطرة الذي يكون مغلوباً كثيراً لحكم العقل.

كما أنّهم في بعض الموارد يحجمون عن الاقتحام في الضرر المحتمل، فضلاً

١- قيل: ولعلّ الخلاف في كون وجوب دفع الضرر المظنون إلزامياً كما عليه الأكثر، أو
استحسانياً كما عليه الحاجبي مبنيّ على توهّم تعميم المضرّ للمؤذي، وإلاّ فلا ريب في أن دفع المؤذي، كإدماء الرأس إذا لم يكن فيه ضرر، أي تعريض النفس لخطر الهلاك ليس إلزامياً، والتحرّز عن مظنونه احتياط مستحسن، ولذلك يقدم عليه العقلاء ولو لا لغرض معتدّ به بلا تحاش ومن دون مراغمة للفطرة.

٦٩

عن المظنون والمقطوع، حسبما يتجلّى لهم أهميّة أحد الأمرين السلامة والخطر(١).

ومعلوم أنّ مخالفة الأمر الجبلي، بما هو أمر يندفع إليه أو عنه الإنسان بطبعه، لا تستدعي حرمة شرعيّة ولا عقاباً أخروياً.

وبلحاظ الأهميّة التي أشرنا إليها تقدم النساء على الوشم المتعارف وعلى قلع الأسنان الخلقيّة، ويقتحم الرجال خطر المهالك في المفاوز وغمرات البحار للتجارة إزاء منافع دنيويّة ينالونها، ويرتكبون المهن المجهدة الشاقة والمضرّة بالبدن.

ولعلّه بلحاظ هذه الأهميّة أفتى الشهيدان في القواعد وتمهيدها(٢) بجواز أن يسلّم الإنسان نفسه للقتل إذا أجبر على إظهار كلمة الكفر، كما يدلّ على ذلك تعليلهما بأنّ في القتل إعزازاً للإسلام وتثبيت عقائد العوام.

ومع أنّ إظهار كلمة الكفر جائز إجماعاً، ونصّاً كتاباً وسنّة إن لم يكن واجباً حفظاً للنفس، وما ذلك إلاّ لأهميّة إظهار عزّ الإسلام وتثبيت عقائد العوام على السلامة عن أعظم الأضرار والآلام.

وإذا كان المحسوس لعرفاء الجعفريّة، أنّ إعزاز طريقتهم وتثبيت عقائد

١- إنّ دفع الضرر لكونه جبلياً لا حكماً عقلياً لا يقف بالعقلاء على حد الجبلة بحيث لا
يتجاوزون إلاّ بقاسر، بداهة أنهم يلقون بأيديهم إلى الموذيات والإضرار حسب تفاوت مراتبها، حتّى مرتبة الهلاك فإنّهم يتخطون إليها اختياراً لأغراضهم المتنوعة، ولا يرون في ذلك قبحاً عقلاً ولا استهجاناً، ولا يجدون مراغمة إلاّ للفطرة والجبلة التي تتبع أهم الأمرين، وكثيراً ما تفضل الهلاك على السلامة لرجاء الفوز بعاقبة تهون الأخطار دونها، أو للخلاص عن بؤس الحياة وتعاستها.

٢- [القواعد والفوائد ١: ١٢٤].

٧٠

عوامهم، بسموّ مراتب أئمّتهم، واجتماع كلمتهم، وتميّزهم عن سائر الشيع، وظهورهم للملأ بمظهر أكبر الفرق، يكون بإشهار مصيبة الحسين عليه السلام بمظاهرها المتنوّعة، التي منها تمثيله عليه السلام وأصحابه مثخّنين بالجراح وقد سالت دماؤهم على ثيابهم المتخذة أكفاناً لهم.

فلماذا ينكر عليهم إذا فضّلوا ذلك - بما فيه من تعب وألم - على الراحة والدعة، وهم على كلّ حال ناجون من الخطر واثقون بالسلامة؟

لماذا ينكر عليهم إذا وقفوا يمثّلون إمامهم مفادياً بروحه العزيزة في سبيل نصرة الدين على قلّة الناصر، ووفور العدوّ عدة وعدداً، يرون الناس - أو كأنّهم يخاطبونهم بلسان الحال - بأنّ رجلاً تكون هذه حاله في المفاداة، مع كونه أقرب الناس إلى الرسول والبقيّة من أهل البيت الطاهر، هو الذي ينبغي أن يكون إمام الحقّ وهو الذي يلزم اتّباعه والاقتداء بأفعاله البارّة دون سائر المنتحلين اسم الزعامة الدينية في الإسلام؟

٧١

الدليل النقلي على حرمة الإضرار

ظنّ شيخنا الأعظم في رسالة الظنّ دلالة بعض الآيات(١) على حرمة تعريض النفس للمهالك والمضارّ الدنيويّة والأخرويّة المظنونة.

وهي على تقدير دلالتها على حكم التعريض المذكور لا تدلّ إلاّ على الطلب الإرشادي لا التحريم الشرعي(٢)، وأكثرها يدلّ على الإيعاد على ترتّب

١- وهي آية النبأ [الحجرات ٤٩ : ٦] بمقتضى التعليل الموجود فيها.

وقوله تعالى «وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» [البقرة (٢) : ١٩٥].

«فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» [النور (٢٤) : ٦٣].

«وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً» [الأنفال (٨) : ٢٥].

«وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ» [آل عمران (٣) : ٢٨].

«أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ» [النحل (٦) : ٤٥].

٢- التحريم الشرعي لا يتصوّر بالنسبة إلى الضرر الأخروي المقطوع، فضلاً عن غيره. وأمّا الدنيوي فإنّه وإن كان قابلاً لتعلّق الحكم الشرعي بالمظنون منه أو المقطوع من باب الموضوعيّة إلاّ أنّ ذلك خلاف ما ذكر من الآيات، لأنّها على تقدير دلالتها على حكم تعريض النفس للأضرار، لا تدلّ إلاّ على الطلب الإرشادي بالتحذّر عن الوقوع في المضار لما أنّها غير ملائمة للطباع.

٧٢

لوازم مخالفة الشارع.

وأمّا الكاتب فإنّه لم يذكر من الأدلّة النقليّة سوى أدلّة نفي الحرج كما في ص٣، وهذه لو تمّت دلالتها لا تقتضي على مذهبه المصرّح به في ص١٧ و١٨ و٢٠(١) إلاّ رفع الحكم في مورد تحقّق الحرج، فأين ما يدلّ على ارتفاع الحكم عند الضرر، عمّا يدلّ على ثبوت الحرمة ؟

ولو أنّه ادّعى رفع الحكم عند حصول الضرر بالفحوى بقي ما يدّعيه من ثبوت الحرمة بغير دليل ؛ لأنّ أدلّة نفي الحرج لا تفي بذلك قطعاً باعترافه في المواضع المشار إليها.

أمّا إذا تمسّك بما دلّ على سهولة الشريعة وسماحتها، وعدم جعل الحكم الحرجي فيها بأصل التشريع، لوتمّ ذلك(٢) من حيث دلالته بالفحوى على عدم

١- في ص١٧ «الموذي والشاق غيران حكماً وموضوعاً».

وفي ص١٨ و٢٠ «الكلفة إذا بلغت حدّ العسر أوجبت رفع الحكم، وإذا بلغت حدّ الضرر أوجبت حرمة الفعل».

٢- إشارة إلى نقوض كثيرة موردة على القاعدة المذكورة تدلّ على عدم تماميتها، وقد ذكرها بحر العلوم، وكاشف الغطاء، وصاحب الفصول، والفاضل النراقي، وشيخنا المرتضى وكثير من تلامذته وتكلّفوا في الجواب عنها.

وتخصيص القاعدة بها مع ورودها في مورد الامتنان بعيد.

وتوجيهها بأنّ ملاحظة كثرة الثواب المترتب عليها يوجب عدم الضرر والحرج فيها كماترى ؛ لأنّ الملاحظة المذكورة وإن صحّ أن تكون داعياً لبعض النفوس إلى الإقدام على الضرر والمشقة، إلاّ أنّ ذلك لا يوجب انقلاب الحكم عما هو عليه من كونه شاقاً أو ضررياً.

ولعل تأويل ما دلّ على عدم جعل الحكم الحرجي بالأصل إلى إرادة رفع ما يعوض عليه الحرج من الأحكام المشروعية أسلم من التوجيه المذكور وغيره.

٧٣

جعل الحكم الضرري كذلك كان:

أوّلاً: محجوجاً بمثل الجهاد والختان وغيرهما، فإنّ الحكم الإيجابي متعلّق بهما في أصل التشريع مع كونهما مضرّين.

وتخصيص مثل قاعدة الحرج، المفروض استفادة حكم الضرر منها، مع سوقها مساق الامتنان، في غاية البعد.

ولو أنّه تخلّص عن النقض بالجهاد بما لا حاجة إلى ذكره الآن فلا مخلّص له في مسألة الختان وثقب الآذان والأنوف والوشم وخصوص ختان الخنثى المشكل، إلا الالتزام بمشروعيّة الموذي في الجملة.

وهذا مضافاً إلى ما سيمر عليك مفصّلاً من الإيذائات الاختياريّة الواقعة من الأئمّة عليهم السلام لأنفسهم في العبادات وغيرها(١).

وثانياً: أنّ مقتضى تلك الأدلّة أنّ اللّه‏ تعالى لم يجعل في أصل التشريع حكماً ضرريّاً، بمعنى أنّه لم يشرع حكماً يأتي من قبله الضرر.

والحكم الاستحبابي مهما كان متعلّقة مضرّاً بذاته - كالقتل فضلاً عن إدماء الرأس - ليس بحكم ضرري، إذ المراد بالضرري ما يجيء الضرر من قبله، ويكون هو الموقع للإنسان في الضرر.

والحكم إنّما يكون كذلك إذا كان إلزاميّاً غير مرخّص بتركه، كما سيأتي تفصيل ذلك في قاعدة الضرر.

وقول الكاتب في مواضع من رسالته: «الجرح ضرر وإدماء الرأس ضرر»

١- كتحمّلهم الجوع المفرط ثلاثة أيام، وتورم أقدامهم من القيام للصلاة، ومن المشي
وانخرام آنافهم وإثفان جباههم من السجود، وغير ذلك ممّا ستعرفه مفصّلاً.

٧٤

من التمويهات أو الأوهام.

نعم، هو ضرر، أي أمرٌ هو بذاته مضرّ، ولكن ما ذا يترتّب على كونه ضرراً بالمعنى المذكور إذا كان الشرع لم يرفع الضرر رفعاً تكوينياً، ولا نهى أن يضرّ أحد نفسه بالفرض، وإنّما نفى بفحوى أدلّة الحرج أو بقاعدة الضرر الآتية أن يجي من قبله الضرر المنحصر، ذلك في كون حكمه الذي بيده رفعه ووضعه ضررياً.

ولا ريب أنّ كونه كذلك إنّما يتحقّق إذا كان حكمه إلزامياً، سواء كان موضوعه مضرّاً بذاته أم لا، ولا أثر للمضريّة للشيء بمجرّدها إذا كان حكمه

مرخصاً في تركه.

٧٥

حرمة المؤمن عند اللّه‏

قد يتوهّم متوهّم أنّ ما دلّ على عدم جواز إيذاء الغير وإضراره لاحترامه عند اللّه‏ تعالى، يدلّ على عدم جواز إيذائه لنفسه وإيلامها ؛ لأنّه كغيره في الاحترام، وليس احترامه لنفسه موكولاً إليه وداخلاً تحت اختياره حتّى يكون له إسقاطه.

وهذا من المغالطات ؛ لأنّ احترام المؤمن بعدم إيذائه قد أوجبه اللّه‏، إذ أمر به.

أمّا احترامه لنفسه، بمعنى عدم إدخال الأذى عليها، فلم يوجد في الأدلّة ما يقضي بلزومه، ولا ملازمة بين لزوم احترام الناس له وبين لزوم احترامه لنفسه(١).

١- قول القائل: «المؤمن محترم عند اللّه‏، له معنيان:

أحدهما: أنّه تعالى لم يهنه ولم يخذله ولم يكله إلى غيره، بل وقّره وقرّبه، وجعل له على
نفسه حقوقاً أن يجيب دعوته ويرفع عمله مضاعفاً ويجزيه عليه أوفى جزاء. وهذا لا دخل له بما يريده المتوهّم.

ثانيهما: أنّه تعالى أمر الناس باحترامه فيما بينهم بعدم إيذائه وإضراره وإهانته، وهذا هو الذي يراد التشبّث به على حرمة إيذاء نفسه واضرارها.

ولا يخفى أنّه لا ملازمة بين لزوم احترام الناس له، وبين لزوم احترامه لنفسه. ومع فرض عدم الملازمة، لا دليل يدلّ بخصوصه على لزوم احترامه لنفسه.

٧٦

وغاية ما يوجد في الأدلّة الشرعيّة أنّه لا يظلم نفسه ولا يلقي نفسه في التهلكة، أي لا يتلفها ولا يعرّضها لخطر الهلاك. وأين هذا من مسألة إيذاء النفس المدّعى حرمته مطلقاً؟!

وأما قضيّة دخول احترام الإنسان لنفسه تحت اختياره، فهي إثباتاً ونفياً تتوقّف على البرهان، ولا برهان على النفي إلاّ الدعوى نفسها.

وأمّا الإثبات، فيكفيه مع قطع النظر عن كلّ شيء، أصالة الجواز والإباحة(١).

١- بل ما يدلّ على أولوية الإنسان بنفسه من كلّ من عدا النبيّ صلي الله عليه و اله و سلم والأئمّة يقتضي
إطلاقه سلطنته عليها نحو سلطانه على ماله في تصريفه كيف شاء إلاّ ما علم عدم جوازه.

٧٧

قاعدة الضرر

قد تبلغ الفقاهة بأحدٍ إلى حدّ الاستدلال على حرمة إيذاء النفس وإضرارها بقاعدة نفي الضرر(١) المستفادة من قوله صلي الله عليه و اله و سلم : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»، وهذا الاستدلال مردود بوجوه:

الأوّل: أنّ القاعدة المذكورة - على ما استظهره المحقّقون من أدلّتها على اختلاف تعبيراتهم - إنّما تنفي ما يوجب الضرر من الأحكام، بمعنى أنّ ما يكون منها ضرراً على أحد من اللّه‏ أو من العباد منفي شرعاً وغير مجعول للّه‏، ولا ممضى عنده في أصل التشريع وبعده.

وهذا كما ترى لا يقتضي إلاّ عدم جعل الأحكام الضرريّة ورفع الحكم المجهول إذا لزم منه الضرر، وأين ذلك من ثبوت الحرمة في مورد الضرر كما يدّعيه المدّعي؟!

نعم، لو حمل لفظ «لا» في قوله «لا ضرر» على نفي الحقيقة ادعاء بلحاظ نفي الحكم الثابت أو المناسب للضرر المنفي، كما يذهب إليه شيخنا المحقّق

١- لما بلغت الفقاهة إلى حدّ الاستدلال على حرمة الضرر بما دلّ على رفع الحكم عند حصول العسر والحرج، فلا بدع أن تبلغ إلى حدّ الاستدلال بقاعدة الضرر على حرمته.

٧٨

صاحب «الكفاية»، كان اللازم الحكم بعدم جواز إدماء الرأس حيث يكون ضرراً لا مطلقاً، وهذا أخصّ من المدّعى إن تمّ مبناه.

ولكن إدماء الرأس لما كان نفسه ضرراً عند الكاتب(١)، يلزمه بمقتضى زعمه عدم صحّة الاستدلال بالقاعدة على حرمته، لخروجه عنها موضوعاً، ضرورة أنّ الحكم المنفي بنفي الضرر على هذا الرأي لا يعمّ الثابت للأفعال بما هي أمور ضرريّة كالجهاد والزكاة، فضلاً عن نفس الضرر؛ لأنّ كون الشيء ضرريّاً أو ضرراً علّة لنفي الحكم بالفرض، ولا يعقل أن يكون الموضوع في ظرف تحقّقه مانعاً عن ثبوت حكمه(٢).

على أنّ الحكم المناسب أو التوهّم لنفس الضرر هو الحرمة، ونفيها بالقاعدةينتج ضدّ المدّعى، وليست القاعدة بمثبتة لحكم ما، وإنّما هي من القواعد النافية للأحكام على جميع الآراء، غاية الأمر أنّ نفيها يلزمه الحكم بالحرمة في بعض الفروض، لا أنّ الحرمة هي مؤدّى نفس القاعدة.

نعم، لو حمل لفظ «لا» على النهي، كما تفرّد به البدخشي(٣)، وتبعه شاذّ منّا(٤)، لكان لما ذكر من التحريم وجه، لكن حمل «لا» على النهي غير وجيه

لوجوه مبيّنة في غير هذا الموضع.

١- إذ يقول في ص٢١: الجرح نفسه ضرر وإيذاء محرّم.
وفي١٤: الحجامة محرّمة بالأصل ؛ لأنّها ضرر وإيذاء للنفس.

٢- بل القاعدة على هذا الرأي تنفي الحكم الثابت للأفعال بعناوينها الأوليّة في حال
الضرر، ولا تعمّ غيره، وإلاّ لوقعت المعارضة بين مادلّ على وجوب الزكاة مثلاً، وبين أدلّة القاعدة، وذلك ممّا لم يقل به أو يتوهمه أحد من العلماء.

٣- [مناهج العقول في شرح منهاج الوصول].

٤- [وهو شيخ الشريعة الأصفهاني في نخبة الأزهار ١٦٤ - ١٦٥].

٧٩

الثاني: أنّ القاعدة على المذهب المشهور في مدلولها، وهو الذي يلوح من الكاتب اختياره(١) مختصّة بالالزاميّات، ولا تشمل المباحات والمندوبات، لما

فصّلناه آنفاً من أنّ رفع الحكم الذي يتأتّى من قبله الضرر للامتنان، ولا منّة في رفع المندوبات.

ومن ارتفاع الضرر موضوعاً مع الترخيص في الترك، كما يصرّح بذلك شيخنا المرتضى في رسالة الضرر إذ يقول: «إنّ إباحة الضرر، بل طلبه استحباباً، ليس حكماً ضرريّاً، ولا يلزم من جعله ضرر على المكلّفين ليكون مرفوعاً بالقاعدة».

ومن أنّ الظاهر من أدلّة القاعدة عدم كون جعل الشارع سبباً قريباً لإلقاء المكلّف في الضرر، وهو إنّما يكون سبباً كذلك إذا كان حكمه إلزامياً ؛ لأنّ الإلقاء في الضرر لو كان الحكم غير إلزامي يكون مستنداً إلى اختيار المكلّف، لا إلى جعل الشرع.

ومن وقوع المندوبات الضرريّة بكثرة فائقة في الشرع(٢)، وذلك آية اختصاص القاعدة بغيرها.

وربما يزاد هنا وجه آخر، وهو أنّ كون عدم جعل الحكم الضرري إحداثاً وإبقاءً للامتنان يقتضي جواز أن يؤذي الإنسان نفسه ويضرّها بغير القتل، فإنّ منعه عن ذلك خلا الامتنان بخلاف إضرار الغير، فإنّ في رفعه كمال المنّة بانتظام أمر

١- إذ يقول في ص١٧ من رسالته: إنّ اللّه‏ لم يجعل حكماً ضرريّاً بمقتضى قوله صلي الله عليه و اله و سلم لا ضرر ولا ضرار.

٢- قد ذكرنا في باب الحرج كثيراً من العبادات الضرريّة فراجعها، وياتي في توابع هذا الفصل أضعافها.

٨٠