×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 10) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

على نفسها الاستماع إلى محاضرات من ليس على مذهبها، فلهذا كانت تسمع المحاضرات الإسلاميّة لأتباع مذهب أهل البيت عليهم‏السلام ولا تأبى الحضور في المجالس الشيعيّة أو مجالس أيّ مذهب آخر تغاير معتقداته معتقدات مذهبها.

العواطف المقدّسة:

إنّ المجالس والمآتم والمواكب الحسينيّة لفتت انتباه الأخت «ليلى»، فبدأت تفكّر فيها بعمق:

من هو الإمام الحسين عليه‏السلام؟

ما هي منزلته وعظمته عند اللّه‏ عزّ وجلّ؟

لماذا لقتل الحسين عليه‏السلام حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً؟

كيف استطاعت المجالس الحسينيّة أن تجذب قلوب الناس بمختلف الطبقات إليها؟

وأسئلة أخرى تدفع كلّ إنسان متعطّش لمعرفة الحقيقة نحو البحث من أجل الحصول على الأجوبة.

قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم : «حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ اللّه‏ من أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط»(١).

وقال صلى الله عليه و آله و سلم أيضاً: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»(٢).

وقال صلى الله عليه و آله و سلم حول الإمامين الحسن والحسين عليهماالسلام: هما ريحانتاي من الدنيا»(٣).

وكان الرسول صلى الله عليه و آله و سلم يضمّ الامامين الحسن والحسين عليهماالسلام ويقول: «اللّهم إنّي أحبّهما فأحبّهما»(٤).

ومن هنا فالحزن الذي يحزن الشيعة على مأساة الإمام الحسين عليه‏السلام ليست اعتباطيّة، وإنّما هي على إنسان عظيم وله عند اللّه‏ منزلة رفيعة جدّاً.

١- مسند أحمد ٤: ١٧٢، سسن ابن ماجة ١: ٥١.

٢- مسند أحمد ٣: ٣، سنن ابن ماجة ١: ٤٤، سنن الترمذي ٥: ٣٢١.

٣- صحيح البخاري ٤: ٢١٧، كتاب الفضائل، سنن الترمذي ٥: ٣٢٢.

٤- مسند أحمد ٥: ٣٦٩، مجمع الزوائد ٩: ١٧٩.

٢١

ولهذا فلا لوم لمن يعيشون محنة الإمام الحسين عليه‏السلام والذين ما زالوا يعيشونها حتّى اليوم أن نجد حرارة حبّهم لمأساة كربلاء تدفعهم إلى الجزع في تفاعلهم مع مصائبه الفادحة.

فهذا نبيّ اللّه‏ يعقوب حزن على يوسف حتّى قال تعالى في وصفه: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾(١)، مع أنّ النبيّ يوسف لم يواجه أبداً جزءاً يسيراً ممّا واجهه الإمام الحسين عليه‏السلام في واقعة الطفّ.

وكذلك النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله و سلم بكى وحزن على عمّه حمزة، وكذلك بكى على جعفر وزيد في مؤتة، فالبكاء إضافة إلى كونه أمراً طبيعيّاً إزاء فقد ومصائب الأحبّة فإنّه مشروع من الناحية الدينيّة، إذن هو مستحبّ شرعاً وعقلاً ؛ لأنّه مصداق للتعبير عن الشعور بالمحبّة لمن اصطفاه اللّه‏ عزّ وجلّ للإمامة.

وقد ورد عن أنس بن مالك: أنّ ملك القطر استأذن أن يأتي النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، فأذن له، فقال صلى الله عليه و آله و سلم لأمّ سلمة: املكي علينا الباب، لا يدخل علينا أحد.

قال: وجاء الحسين بن علي ليدخل، فمنعته، فوثب فدخل، فجعل يقعد على ظهر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وعلى منكبه وعلى عاتقه.

قال: فقال الملك للنبي صلى الله عليه و آله و سلم : أتحبّه؟

قال: نعم.

قال: إنّ أمّتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يُقتل فهي، فضرب بيده، فجاء بطينة حمراء، فأخذتها أمّ سلمة فصرّتها في خمارها.

قال ثابت: بلغنا أنّها كربلاء»(٢).

١- يوسف ١٢: ٨٤.

٢- مجمع الزوائد ٩: ١٨٧.

٢٢

وورد أيضاً عن نجم الحضرمي أنّه سار مع علي عليه‏السلام وكان صاحب مطهرته، فلمّا حاذى نينوى، وهو منطلق إلى صفّين، فنادى علي: اصبر أبا عبد اللّه‏، اصبر أبا عبد اللّه‏، بشطّ الفرات.

قلت: وما ذاك؟

قال: دخلت على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ذات يوم، وإذا عيناه تذرفان.

قلت: يا نبيّ اللّه‏، أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟

قال صلى الله عليه و آله و سلم : بل قام من عندي جبرئيل عليه‏السلام فحدّثني أنّ الحسين يُقتل بشطّ الفرات.

قال: فقال: هل لك أن أشمّك من تربته؟

قلت: نعم.

قال: فمدّ يده، فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عينيّ أن فاضتا»(١).

وورد أيضاً: قالت أمّ سلمة: دخل الحسين على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وأنا جالسة على الباب، فتطلّعت فرأيت في كفّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم شيئاً يقبّله... فقلت: يا رسول اللّه‏، تطلّعت فرأيتك تقبّل شيئاً في كفّك، والصبي نائم على بطنك، ودموعك تسيل؟

فقال: إنّ جبرئيل أتاني بالتربة التي يُقتل عليها، وأخبرني أنّ أمّتي يقتلونه»(٢).

وورد أيضاً عن عائشة قالت: قال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم : يا عائشة ألا أعجبك، لقد دخل عليّ ملك آنفاً ما دخل عليّ قط، فقال: إنّ ابني هذا مقتول، وقال: إن شئت أريتك تربة يُقتل فيها، فتناول الملك بيده فأراني تربة حمراء»(٣).

١- مجمع الزوائد ٩: ١٨٧.

٢- مصنف ابن أبي شيبة ٨: ٦٣٢.

٣- المعجم الكبير للطبراني ٣: ١٠٨.

٢٣

وورد أيضاً عن أمّ سلمة قالت: «كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم في بيتي، فنزل جبرئيل فقال: يا محمّد، إنّ أمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك، وأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم وضمّه إلى صدره، ثمّ قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم : يا أمّ سلمة، وديعة عندك هذه التربة، فشمّها رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم وقال:

ويح كرب وبلاء.

قال: وقال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم : يا أمّ سلمة إذا تحوّلت هذه التربة دماً فاعلمي أنّ ابني هذا قد قُتل.

قال: فجعلتها أمّ سلمة في قارورة، ثمّ جعلت تنظر إليها كلّ يوم، وتقول: إنّ يوماً تحولين دماً ليوم عظيم»(١).

والأحاديث الشريفة الواردة في هذا المجال كثيرة، حتّى ولو لم تكن هذه الأحاديث، فكلّ عاقل يعلم أنّ البكاء أمر طبيعي ينبئ عن حزن الإنسان وهضمه إزاء مصيبة معيّنة، وإذا أحبّ الإنسان شخصاً، فإنّه لا شكّ سيتفاعل معه، ويحزن لحزنه، ويفرح لفرحه.

وقد قال ابن كثير في كتابه البداية والنهاية حول البكاء على الإمام الحسين عليه‏السلام: «فكلّ مسلم ينبغي له أن يحزنه قتله رضى اللّه‏ عنه، فإنّه من سادات المسلمين وعلماء الصحابة وابن بنت رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم التي هي أفضل بناته، وقد كان عابداً وشجاعاً وسخيّاً».

فهذه عقيدة عالم من علماء أهل السنّة حول شخصيّة الإمام الحسين عليه‏السلاموهو يبيّن بإنّ البكاء على استشهاده أمر مطلوب، فكيف إذا عرف الإنسان الحقيقة وانكشف له الواقع، وتبيّن له الحقّ، وهو أنّ الإمام الحسين عليه‏السلام أرفع الشهداء درجة عند اللّه‏، ودق اقشعرّت أظلّة العرش لسفك دمه، وأنّه باب نجاة الأُمّة، وقد بكت

١- مجمع الزوائد ٩: ١٨٩.

٢٤

على استشهاده السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهنّ وما بينهن.

الالتحاق بسفينة النجاة:

استطاعت ليلى بعد البحث والتنقيب أن تغيّر انتماءها المذهبي، وفي عام ١٣٧٧ه (١٩٩٧م) حسمت قرارها، وأعلنت استبصارها، ثمّ واصلت بحثها ووسّعت نطاق نشاطها الديني من أجل نشر علوم ومعارف أهل البيت عليهم‏السلام، وإنقاذ العباد من التيه والضلال، وتشجيعهم لاتّباع أئمّة أهل البيت عليهم‏السلام مصابيح الهدى وسفن النجاة.

٢٥

(٤) ماجد الزهروني (صابئي / العراق)

ولد سنة ١٣٨٠ه (١٩٦١م) في «البصرة» جنوب العراق، ونشأ في أُسرة صابئية. واصل الدراسة إلى المرحلة المتوسطة، اعتنق مذهب آل البيت عليهم‏السلام سنة ١٤٠٨ه (١٩٨٨م) في معسكر «برندك» بطهران.

الموقف الحرج في معسكر برندك:

يقول «ماجد»: «وقعت في الأسر في «إيران» أيّام الحرب العراقية الإيرانية وقد جيء بي إلى معسكر «برندك» قرب العاصمة طهران، مع مجموعة كبيرة من الأسرى العراقيين الذين كان أكثرهم من المسلمين بطبيعة الحال.

وكانت هذه المرّة الأولى التي أخرج فيها من محيطي الصابئي في جنوب العراق، وقد عانيت من حرج شديد من معاشرة المسلمين ؛ لأنّهم عندما كانوا يسألوني عن ديني وعقائدي كنت لا استطيع الجواب بشيء، لأنّي في الواقع لا أعرف شيئاً كثيراً عن عقائدنا، وعن طقوسنا الدينيّة.

وقد دفعني هذا الوضع الحرج إلى البحث عن العقائد الصحيحة التي يحتاجها الإنسان بفطرته، وقد هيأت لي أجواء المعسكر الوقت الكافي للقراءة والبحث والمناقشة، فطالعت العديد من الكتب الإسلاميّة، وتأمّلت فيها، وناقشت أفكارها مع زملائي في المعسكر، فحصلت لي القناعة التامّة بصحة العقائد الإسلاميّة التي أتى

٢٦

بها الرسول محمّد صلى الله عليه و آله و سلم ، ثُمّ اخترت ولاء الإمام علي وأولاده المعصومين عليهم‏السلام».

من طقوس الصابئة «القوم المنسيين»:

يعيش الصابئة اليوم في جنوب «العراق»، وجنوب «إيران»، قرب أنهار دجلة والفرات والكرخة الكارون والدز ؛ وذلك لأنّ معظّم طقوسهم تجري في الماء الجاري، ومن أهمّ هذه الطقوس هي التعميد بالماء مع ذكر الأوراد والأدعية التي وردت في الكتب المقدّسة.

ويدّعي الصابئة أنّهم يقومون بهذه الطقوس التي جاء بها النبيّ يحيى عليه‏السلامالذي اشتهر بـ«يوحنا المعمّدان»، ولا يكون التعميد لمرّة واحدة كما هو عند المسيحيين، بل يتكرّر لعدّة مرات، ويقوم به روحانيّو هذا الدين كالكنزورا والترميده.

يقول أحد روحانيّي الدين الصابئي: «يعدّ التعميد ركناً من أهمّ أركان الديانة الصابئية المندائيّة(١)، ويتّم في الماء الجاري . . . كان سيّدنا يحيى يعمّد أتباعه على أحد ضفاف نهر الأردن، وسيّدنا عيسى

يعمّد أتباعه على الضفة الأُخرى . . . إنّ أهمّ عمل ديني قام به سيّدنا يحيى هو إحياء سنّة التعميد، حيث كان يعمّد الناس بالماء الجاري لكي يعلنوا التوبة، ولا يذهبوا وراء الذنوب، لذلك فقد لُقّب

سيّدنا يحيى بلقب «يوحنا المعمّدان»، وقد ورد في كتاب «تعاليم يحيى» أنّ السيّد المسيح طلب من يحيى أن يعمّده «يا يحيى عمّدني واطلق الاسم الذي تذكره عليّ بالتعميد» ومن هنا اشتهر سيّدنا يحيى بين مختلف شعوب العالم بـ«يحيى المعمّدان» أي المعمّد»(٢).

١- يطلق الصابئة على أنفسهم اسم: المندائيّون أي أصحاب المعرفة، انظر الصابئة
المندائيّون: ٥٠.

٢- الصابئة المندائيّون: ٢٤ ـ ٢٥، عن سالم الجحيلي.

٢٧

إنّ هذه الطقوس لا يعرف تفاصيلها ولا فلسفتها إلاّ رجال السلك الروحانيّ عادة الذين يكتمونها عن الآخرين، مما أدّى أن يعيش معظّم أبناء الطائفة الصابئيّة جاهلون بطقوسهم الدينيّة، ففي حالة «ماجد» الذي ينتمي إلى أُسرة روحانيّة معروفة عند الصابئة، إلاّ أنّه لا يعرف شيئاً عن دينه، لعدم كونه من الروحانيّين.

إنّ الصابئة قوم منسيّون يعيشون في مناطق مخصوصة، ويلفّ أصولهم وعقائدهم الغموض، ممّا فتح الباب على مصراعيه لاختلاف الآخرين بشأنهم فبعضهم يراهم من عبدة النجوم، والآخرون من عبدة الأصنام، وبعضهم يراهم قوماً موحدين يعدّون من أهل الكتاب، كما هو ظاهر القرآن الكريم(١).

لقد هاجر الصابئة إلى جنوب العراق وإيران من فلسطين حيث كان النبيّ يحيى الذي يعتبرونه آخر أنبيائهم، نتيجة الضغوط التي واجهوها من الأقوام المجاورة، وأتباع الديانات الأُخرى، وخاصة اليهود.

ويعاملهم المسلمون معاملة أهل الكتاب، وقد عاشوا معاً لقرون طويلة بدون احتكاك، وخاصّة أنّهم يعيشون في مناطق يسكنها الشيعة الذين هم قوم مسالمون، لا يعتدون على الآخرين من أجل العقيدة، بل يتعاطفون مع كلّ الضعفاء والغرباء والمظلومين، ويحسّون بمعاناتهم، لأنّ التاريخ سجّل طول القرون الظلم الذي وقع على الشيعة بسبب عقيدتهم.

١- ورد ذكر الصابئة ثلاث مرّات في القرآن الكريم، البقرة ٢ : ٦٢، المائدة ٥ : ٦٩، الحجّ
٢٢ : ١٦.

٢٨

(٥) ماجد محمّد أحمد رشيد (حنفي / العراق)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ولد «ماجد» في مدينة كركوك في العراق عام ١٣٩٠ه (١٩٧١م)، نشأ في أسرة كرديّة تنتمي إلى المذهب الحنفي، وقد واصل دراسته حتّى نال شهادة الثانويّة.

وتشرّف بالانتماء إلى مذهب أهل البيت عليهم‏السلام عام ١٤١٦ه (١٩٩٦م) في مدينة أربيل العراقيّة.

البداية:

يحتوي شمال العراق المعروف بـ(كردستان العراق) على تنوّعات عرقيّة ودينيّة كثيرة فهو يضمّ القوميّة الكرديّة والعربيّة والتركمانيّة، كما يضمّ الدين الإسلامي والمسيحي والإيزدي إضافة إلى ذلك توجد هناك تيّارات وخطوط سياسيّة مختلفة ومتضادّة أحياناً فكلّ هذا التنوّع في هذه المنطقة التي تحتوي على

موارد طبيعيّة كبيرة وخاصّة النفط، أدّى إلى أن تتحوّل منطقة كردستان العراق إلى منطقة قلقة ومضطربة، خاصّة في الثمانينات والتسعينات في القرن الماضي، فقد شهدت حروباً ضارية ومعارك عنيفة، سواء مع الدولة المركزيّة في بغداد، أم فيما بين الأحزاب الكرديّة المتنازعة فيما بينها.

إنّ كلّ هذا جعل أبناء كردستان يضطرّون إلى الانتماء لمختلف الأحزاب

٢٩

السياسيّة فكان «ماجد» عضواً في أحد الأحزاب، وكانت من ضمن مهامّه حراسة المقرّات الحزبيّة، وفي أثناء القيام بواجبة تعرّف على أحد الأشخاص، يقول «ماجد» بهذا الصدد: (لَفَت نظري تديّن أحد الأشخاص وورعه ووقاره في المنطقة، فقد كان كثير الصلاة ومواظباً على صلاة اللّيل، وعرفت من طريقة صلاته وسجوده على التربة أنّه من الشيعة، كما كان ملتزماً التزاماً دقيقاً بمسائل الحلال والحرام). إنّ هذه الصورة الطيّبة التي عكسها هذا الشخص جعلته محلّ تقدير المحيطين به، رغم الاختلافات في القوميّة والمذهبية والتقاليد والثقافة، فقد صار بعلمه وسلوكه مؤثرّاً على كلّ من يحيط به.

نقطة التحوّل:

لقد كان هذا الشيعي محطّ أنظار الجميع، وكان العديد من الاخوة يوجّهون إليه مختلف الأسئلة. يقول الأخ «ماجد»: (سألتُه ذات يوم: لماذا تصلّي على هذه الحجارة «التربة» )؟

فأجابني بهدوء واتزّان: وذلك لأن الصلاة لا تجوز إلاّ على الأرض أو ما لا يؤكل ولا يُلبس من نباتها. ثمّ دخلنا في نقاشات عديدة...

السجود على التربة:

إنّ مسألة السجود على التربة ليست إلاّ ضجّة مفتعلة يحاول البعض إثارتها، والإيحاء بأنّ الشيعة يسجدون للتربة ويعبدونها. وهذا محضّ أفتراء، فإنّ من يراجع كتب الشيعة والأفكار المطروحة فيها المأخوذة من فكر أهل البيت عليهم‏السلاميجد التوحيد الخالص الذي لا تشوبه شائبة.

فحقيقة الأمر في هذه المسألة هي أنّ الشيعة يسجدون على التربة لا لها، وهناك بون شاسع بين الحالتين، كما أنّ أهل السنّة يسجدون على السجاد مثلاً لاله أضف إلى ذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم صرّح في مقولته المشهورة: (جُعلت لي الأرض

٣٠

مسجداً وطهوراً)(١) بجواز السجود على الأرض، وأبرز مصداق للأرض هو التراب الذي يحوّله الشيعة إلى طين بأضافة شيء من الماء إليه، ثمّ يضعونه في قوالب خاصة ويتركونه حتّى يجف، ثمّ يسجدون عليه أثناء صلاتهم لربّ السموات والأرض.

فالأمر وبكلّ بساطة ليس إلاّ محاولة ذكيّة للجمع بين الحكم الشرعي المسلّم (السجود على التراب) وبين مقتضيات العصر التي تدعو إلى رعاية النظافة في جميع الأوقات، فإن السجود على التراب االعادي يؤدي إلى تتريب جبهة المصلّي وأنفه وانتشار الأتربة في المساجد والبيوت، وعلى أيّ حال فقد تعرّف «ماجد» على رجل شيعي لم يذكر لنا أسمه، ولكن يبدو أنّه كان من الرجال المؤمنين الذين كثر وجودهم في العراق أيّام النظام الدكتاتوري البائد، وقام النظام بقمعهم ومطاردتهم وقتلهم، فقد برزت في ذلك الوقت ثلّة من الشباب المتحمّس المؤمن الذين لا تأخذهم في اللّه‏ لومة لائم، وقد كانوا ملتزمين بأحكام الإسلام من ا لحرام والحلال، وكان الكثير منهم من أهل التهجّد وقيام اللّيل وليس هذا الأمر جديداً في المجتمع الشيعي، فقد واظب الكثير من المؤمنين وخاصّة علماء الشيعة خلال التاريخ على صلاة اللّيل وعدم تركها في أيّ حال من الأحوال، حتّى نرى منهم من واظبَ عليها ستين أو سبعين عاماً من دون انقطاع، حتّى في أيام المرض.

فضيلة صلاة اللّيل:

لقد اهتمت الرّوايات بصورة كبيرة جداً بصلاة اللّيل، فقد أورد الشيخ الحرّ العاملي في كتابه (وسائل الشيعة) عشرات الروايات الحاثّة على صلاة اللّيل وذكر فضلها وكراهيّة تركها(٢)، فقد جاء في الحديث عن رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم عن جبرئيل:

(شرف المؤمن قيامه باللّيل)(٣). وهذا يدلّ على مكانة هذه الصلاة الرفيعة وأهميّتها

١- صحيح البخاري ١: ٨٦ .

٢- وسائل الشيعة ٨: ١٤٥ - ١٦٤.

٣- المصدر نفسه ٨: ١٥٢ - ١٥٣.

٣١
موسوعة من حياة المستبصرين ١٠ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٣١ - ص ٦٠)

البالغة، ولو كان جبرئيل يرى أهميّة أكبر لِعملٍ آخر لقدّمه عليها.

وقد عُبّر عنها في الحديث بأنّها فرحة المؤمن. قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم في وصيّته لأمير المؤمنين عليه‏السلام: (يا عليّ، ثلاث فرحات للمؤمن في الدنيا، منها: التهجّد في آخر اللّيل)(١).

وممّا يدل على الأهمّية الكبرى لصلاة اللّيل هو أنّها كانت إحدى الأسباب التي أدّت إلى أن يتّخذ اللّه‏ إبراهيم خليلاً، فقد روى الصحابي الجليل جابر بن عبد اللّه‏ الأنصاري قال: «سمعت رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم يقول: ما أتخذ اللّه‏ إبراهيم خليلاً إلاّ لإطعامه الطعام، والصلاة باللّيل والناس نيام»(٢).

وهذا يجعل قيمة صلاة اللّيل خارجة عن عقول البشر العاديّين، ولا يعرفها إلاّ من عرف حقيقة إبراهيم عليه‏السلام ومقام الخلّة الذي وصل إليه ولا يصل إليه إلاّ الأوحديّ من البشر.

ولهذا كلّه أضحى ثواب صلاة اللّيل مجهولاً، وصارت هذه العبادة من العبادات التي أُخفي ثوابها، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه‏السلام أنّه قال: «ما من عمل حسن يعمله العبد إلاّ وله ثواب في القرآن، إلاّ صلاة اللّيل، فإنّ اللّه‏ لم يبيّن ثوابها لعظم خطرها عنده، فقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(٣)، فما هي قرّة الأعين التي أدّخرها اللّه‏ تعالى لهم وأخفاها يا تُرى؟ إنّها لو كانت من نوع الأنهار الجارية أو القصور العالية لذكرها تعالى، ولكن يبدو أنّها من نوع آخر، هو أعظم من أن يُذكر ويُصرّح به.

ثمّ إنّه قد وردت في الأحاديث الشريفة فوائدُ عديدةٌ لصلاة اللّيل، مثل ما

١- المصدر نفسه ٨: ١٥٢.

٢- وسائل الشيعة ٨: ١٥٦.

٣- المصدر نفسه ٨: ١٦٣.

٣٢

ورد عن أمير المؤمنين عليه‏السلام أنّه قال: «قيام اللّيل مصحة البدن، ورضا الربّ، وتمسُّكٌ بأخلاق النبيّين، وتعرّض لرحمته»(١). كما جاء عن الإمام جعفر الصادق عليه‏السلام أنّه قال:

«صلاة اللّيل تبيّض الوجه، وصلاة اللّيل تطيّب الريح، وصلاة اللّيل تجلب الرزق»(٢).

إذن لهذه الصلاة فوائد عديدة، وهي لا تقتصر على الجانب المعنوي والأُخروي فقط، بل تشمل الجانب المادّيّ للإنسان أيضاً، فهي تؤدّي إلى صحّة البدن، وجلب الرزق، فالرواية مطلقة ولم تخصّص الرزق بالمعنوي فيكون شاملاً للرزق المادّي من أموال أو أولاد أو جاه أو غير ذلك، وبالطبع فإنّ إعطاء كلّ ذلك يُشترط بشروط أخرى كالمصلحة، أي إنّ مجرّد المواضبة على صلاة اللّيل لا تحوّل الإنسان إلى أحد الأثرياء، بل هذه الصلاة تُعدّ عاملاً مساعداً لإعطاء الرزق وليست سبباً مستقلاً وتامّاً لذلك ؛ ولذلك قد يوجد مانع من وصول الرزق فلا يصل حتّى مع المواظبة على قيام اللّيل.

عودٌ على بدء:

استمرّت النقاشات بين «ماجد» والأخ الشيعي المؤمن مدّة تسعة أشهر، اطّلع خلالها «ماجد» على مجموعة كبيرة من الكتب والأشرطة الدينيّة، فتعرّف من خلال ذلك على ظُلامات أهل البيت عليهم‏السلام وعلى أحقيّة مذهبهم، ما أدّى في نهاية المطاف إلى اقتناعه بهذا المذهب، حيث أعلن تشيّعه مع سائر أفراد أسرته.

١- المصدر نفسه ٨: ١٥٠.

٢- المصدر نفسه ٨: ١٤٩.

٣٣

(٦) مازن محمّد أحمد رشيد (حنفي / العراق)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ولد عام ١٣٥٨ه (١٩٧٧م) في مدينة كركوك، فرضت عليه الأجواء التربويّة التي عاشها الانتماء إلى المذهب الحنفي.

حقائق في غياهب الكتمان، يحاول البعض الوصول إليها، وشكوك تدفعهم إلى الركون نحو معطيات تلقّاها سلف عن سلف، فهل يا ترى هو تارك لتعاليم عاش على ضوء معطياتها شطراً من الزمن؟

سؤال حاول البعض الإجابة عنه، وذلك من خلال البحث والتحقيق حول الحقيقة.

«مازن محمّد رشيد» هو أحد الأشخاص الذين حاولوا الوصول إلى شاطئ الحقيقة، وذلك من خلال البحث والتحقيق الحثيث في التراث الإسلامي الذي حمل في أحضانه الكثير من الحقائق.

يقول «مازن»: كان دأبي البحث والتحقيق حول الأمور التي تقرّبني إلى اللّه‏ أكثر فأكثر.

فمضت الأيّام وأنا أبحث عن ضالّتي المفقودة عسى أن أجدها.

وذات يوم تعرّفت على شخص شيعي، وذلك من خلال تواجده في المكتبة

٣٤

التي كنت كثيراً ما أذهب إليها.

وفي يوم لفت انتباهي أنّه يقرأ الكتاب ويكرّر كلمة «لا اللّه‏ إلاّ اللّه‏»، كأنّما كان يقرأ موضوعاً يزعجه كثيراً، اقتربت منه وسألته عن الأمر الذي أزعجه فقال:

أتعجّب من ذوي الأقلام الرخيصة التي تكتب ما تشاء من دون دليل.

فقلت له: ماذا تقصد من كلامك هذا؟

فقال: إنّ صاحب هذا الكتاب يتّهم الشيعة بأنّهم يعبدون الإمام عليّاً عليه‏السلام، ويرون أنّ جبرئيل خان الأمانة الإلهيّة فأنزلها على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وأنّهم يعبدون الأحجار و...فقلت له: هكذا نعرفهم، أليست هذه عقائدهم؟!

فقال لي: إنّ الشيعة يتبرّؤن ممّن يحمل مثل هذه العقائد، وليس من الصحيح أن ترمي الفرق والمذاهب الإسلاميّة بهذه التهم، والشيعة ترى أنّ الإمام عليّاً عليه‏السلامهو الخليفة بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم ، مستندون إلى الأحاديث الكثيرة الواردة في كتب الفريقين، ويرون أنّ أهل البيت هم المرجع السياسي والديني بعد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وهم الوسيلة التي يُتقرّب بها إلى اللّه‏.

فقلت له: هل يمكن لك الاستدلال على كلامك هذا من كتبنا المعتمدة؟

فقال لي: نعم يا أخي، وأخذ يبرهن على كلامه مستنداً إلى المصادر التي نعتمد عليها، ممّا جعلني لا أملك الجواب أمامه.

تمكّنت أن أتخلّص منه وأوجل الحوار إلى وقت آخر، وعلائم الحيرة واضحة في وجهي، وكأنّي سجين وجّهت إليه العديد من التهم لا يمكنه إنكار أحدها.

عزمت بعدها إلى مواصلة البحث والتحقيق حول هذا الموضوع تاركاً خلفي عواطف وأحاسيس كلّ من يحاول التغلّب عليّ من خلال إقناعي بعدم الحاجة إلى البحث والتحقيق، ويحاول إقناعي بالركون إلى حالة التقوقع والتقليد الأعمى للآباء

٣٥

والأسلاف.

تمكّنت من تخطّي هذه العقبة وبدأت بالبحث والتحقيق حول الأدلّة التي استدلّ الشيعي عليها لإثبات خلافة أهل البيت عليهم‏السلام وأنّهم الوسيلة التي يُتقرّب بها إلى اللّه‏، وسرعان ما ظهرت لي نتائج تبرهن على صحّة كلامه ممّا جعلني في موقف حرج أمام تراث تلقّيته من آبائي وعشت مدّة ليست بقليل من عمري على ضوء تعاليمه.

ولم تحسم الأحاسيس هذا الموقف فقد عزمت على ترك ما يفتقر إلى الدليل والبراهين وأحاول أن أشيّد معتقداتي على أسس لا تشوبها شائبة.

النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم والخلافة:

عجّت رؤوس الأقلام بالكتابة حول قضيّة الخلافة التي أصبحت العقبة الكبرى منذ رحيل النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم ، فقد عكّرت الأجواء على المسلمين نتيجة للسياسة التي اتّخذها المنافقون اتجاه أهل البيت عليهم‏السلام، فقد عمدوا إلى تحطيم المقام والمنزلة الرفيعة لأهل البيت عليهم‏السلام، ومن ثمّ إنكار الفضائل التي نزلت في حقّهم وإبعاد الناس منهم وذلك لتمشية أمورهم الدنيويّة.

التاريخ والخلافة:

يمكن من خلال التتبّع في التاريخ الوصول إلى نتائج تساهم في عمليّة البحث حول الحقيقة، فقد غزى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم العديد من الغزوات ولم يترك الأُمّة من دون خليفة له عندما كان يغادر المدينة، فما هو الأمر الذي ضعضع الموازين في الخلافة بعد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ؟

هل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ترك الأُمّة من دون خليفة؟

هل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم عيّن خليفة للأمّة بعده؟

سؤال نترك المجال للمسلمين أن يجيبوا عنه.

٣٦

آية الولاية:

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾(١).

تعتبر هذه الآية من الآيات الدالّة على خلافة الإمام علي عليه‏السلام، وذلك باعتراف المفسّرين بنزولها في حقّ الإمام علي عليه‏السلام، فقد ذكر الآلوسي في تفسيره «والآية عند معظم المحدثين نزلت في علي كرّم اللّه‏ تعالى وجهه...»(٢).

وقال الثعلبي في تفسير «الكشف والبيان»: «قال ابن عبّاس، وقال السدي، وعتبة بن حكيم، وثابت بن عبد اللّه‏: إنّما يعني بقوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ﴾ الآية. علي بن أبي طالب رضي اللّه‏ عنه مرّ به سائل وهو راكع في المسجد وأعطاه خاتمه»(٣).

وقال ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير في القول الأوّل: «أنّ عبد اللّه‏ بن سلام وأصحابه جاؤوا إلى رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم وقالوا: إنّ قوماً قد أظهروا لنا العداوة، ولا نستطيع أن نجالس أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقالوا: رضينا باللّه‏ وبرسوله وبالمؤمنين، وأذّن بلال بالصلاة، فخرج رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم فإذا مسكين يسأل الناس، فقال رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم:

«هل أعطاك أحد شيئاً»؟ قال: نعم. قال: «ماذا»؟ قال: خاتم فضّة. قال: «من أعطاكه»؟ قال: ذاك القائم، فإذا هو علي بن أبي طالب، أعطانيه وهو راكع، فقرأ رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عبّاس، وبه قال مقاتل. وقال مجاهد: نزلت في علي بن أبي طالب، تصدّق وهو راكع»(٤).

١- المائدة ٥: ٥٥ .

٢- تفسير الآلوسي ٦: ١٨٦.

٣- تفسير الثعلبي ٤: ٨٠ .

٤- زاد المسير ٢: ٢٩٢.

٣٧

إلى ما هناك من الروايات المتضافرة في هذا المجال، فقد أخرج الحاكم بسنده إلى علي بن أبي طالب عليه‏السلام قال: «نزلت هذه الآية على رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾(١)، فخرج رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم ودخل المسجد والناس يصلّون بين راكع وقائم، فصلّى فإذا سائل، قال: يا سائل أعطاك أحد شيئاً؟

فقال: لا، إلاّ هذا الراكع - لعلي - أعطاني خاتماً»(٢).

وكذا ذكر السيوطي في الدرّ المنثور عن الخطيب في ا لمتّفق قال: «وأخرج الخطيب في المتّفق عن ابن عبّاس قال تصدّق علي بخاتمه وهو راكع، فقال النبيّ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم للسائل: من أعطاك هذا الخاتم؟

قال: ذاك الراكع. فأنزل اللّه‏ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، وأخرج عبد الرزاق وعبد الحميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عبّاس في قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ...» الآية. قال: نزلت في علي بن أبي طالب.

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن عمّار بن ياسر قال: وقف بعلي سائل وهو راكع في صلاة تطوع فنزع خاتمه وأعطاه السائل، فأتى رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم فاعلمه ذلك، فنزلت على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم هذه الآية: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ...». فقرأها رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم على أصحابه ثمّ قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن علي بن أبيطالب قال نزلت هذه الآية على رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم في بيته: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾

١- المائدة ٥: ٥٥.

٢- معرفة علوم الحديث: ١٠٢.

٣٨

إلى آخر الآية، فخرج رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم فدخل المسجد، وجاء الناس يصلّون بين راكع وساجد وقائم يصلّي، فإذا سائل، فقال: يا سائل هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: لا، ذاك الراكع - لعلي بن أبي طالب - أعطاني خاتمه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن سلمة بن كهيل قال:

تصدّق علي بخاتمه وهو راكع فنزلت ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ﴾الآية. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ﴾ الآية نزلت في علي ابن أبيطالب تصدّق وهو راكع.

وأخرج ابن جرير عن السدي وعتبة بن حكيم مثله. وأخرج ابن مرودويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: أتى عبد اللّه‏ بن سلام ورهط معه من أهل الكتاب نبيّ اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم عند الظهر فقالوا: يا رسول اللّه‏ إنّ بيوتنا قاصية، لا نجد من يجالسنا ويخالطنا دون هذا المسجد، وإنّ قومنا لمّا رأونا قد صدّقنا اللّه‏ ورسوله وتركنا دينهم أظهروا العداوة، وأقسموا أن لا يخالطونا ولا

يؤاكلونا، فشقّ ذلك علينا، فبيناهم يشكون ذلك إلى رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم إذ نزلت هذه الآية على رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾.

ونودي بالصلاة صلاة الظهر وخرج رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم فقال:

أعطاك أحد شيئاً؟

قال: نعم.

قال: من؟

قال: ذاك الرجل القائم.

قال: على أيّ حال أعطاكه؟

٣٩

قال: وهو راكع.

قال: وذاك علي بن أبيطالب فكبّر رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عيه وسلّم عند ذلك وهو يقول: ومن يتولّ اللّه‏ ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب اللّه‏ هم الغالبون(١).

الوصول إلى الحقيقة:

يقول «مازن»: بعد معرفة هذه الحقائق عزمت على ترك الموروث العقائدي الذي تقبّلته من أسلافي دون وعي وتفكّر، ولم يكن هذا ذنبي حيث ترعرعت في أجواء فرضت عليّ تقديس تعاليم سرعان ما بدا لي زيفها وبطلانها.

عزمت بعد ذلك على تشييد معتقداتي من جديد، وبنائها على أُسس تستمدّ قوتّها من الأدلّة العقليّة، ولا تؤثّر فيها العواطف والأحاسيس، فالتحقت بسفينة النجاة سفينة أهل بيت المصطفى عليهم‏السلام.

١- الدر المنثور ٢: ٢٩٤.

٤٠