×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 10) / الصفحات: ٥٠١ - ٥٢٠

وادّعاء زياد(١).

وقال الحسن البصري: أربع خصال كنّ في معاوية لم لم يكن فيه منهنّ إلاّ واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأُمّة بالسفهاء حتّى ابتزّها أمرها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة. واستخلافه ابنه بعده سكّيراً خمّيراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير. وادّعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الولد للفراش وللعاهر الحجر». وقتله حُجراً(٢).

وقال الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) لزياد في حضور من معاوية وعمرو بن العاص ومروان بن الحكم: «وما أنت يا زياد وقريشاً؟ لا أعرف لك فيها أديماً صحيحاً ولا فرعاً نابتاً، ولا قديماً ثابتاً، ولا منبتاً كريماً، بل كانت أُمّك بغيّاً تداولها رجال قريش، وفجّار العرب، فلمّا ولدت لم تعرف لك العرب والداً، فادّعاك هذا - يعني معاوية - بعد ممات أبيه، ما لك افتخار، تكفيك سميّة ويكفينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأبي علي بن أبي طالب سيّد المؤمنين الذين لم يردّ على عقبيه، وعمّي حمزة سيّد الشهداء، وجعفر الطيّار، وأنا وأخي سيّد شباب أهل الجنّة(٣).

نشاطات تبليغية:

بعد مرحلة الاستبصار قدم «محمّد» إلى الجمهورية الإسلاميّة الإيرانية، ودرس العلوم الدينية في مدينة قم المقدّسة، وبعد إغناء رصيده الديني عاد إلى بلده،

١- راجع: المصنّف لابن أبي شيبة ٨: ٣٤٠، المعجم الكبير ٣: ١٢٣، تاريخ مدينة دمشق ١٩: ١٧٩.

٢- راجع: تاريخ الطبري ٤: ٢٠٨، الكامل في التاريخ ٣: ٤٨٧، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢: ٢٦٢.

٣- المحاسن والمساوئ للبيهقي: ٦٥.

٥٠١

وقام - ضمن نشاطه التبليغي - بإدارة «جمعية أهل البيت(عليهم السلام) لنشر الإسلام».

وتُقدّم هذه الجمعية عدّة خدمات للجالية الشيعيّة في «كوناكري» فإنّها تقوم بإحياء ذكريات المعصومين(عليهم السلام) ولادةً ووفاةً، كما تقيم دورات تبليغية لأئمّة الجمعة والجماعات والأساتذة المتشيعين، وقد أجرت عدة لقاءات حوارية مع أتباع المذاهب الأخرى، كما قدّمت كتب المذهب إلى المثقفين.

٥٠٢

(٧٧) محمّد حبيب سو (وهّابي / غينيا - كوناكري)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ولد عام ١٣٨٩هـ (١٩٦٧م) في قرية (كمبيا) التابعة لمحافظة (لابي) في غينيا، تلقّى دروسه الأوّلية على يد والده الذي كان مدرّساً ومثقّفاً، وقد جهد أبوه خلال هذه الفترة وما بعدها لرفع مستوى ثقافة ابنه، فأرسلهُ إلى العاصمة كوناكري ليواصل دراسته، وكذلك ليتعلم اللغتين العربيّة والفرنسيّة.

وفي أثناء دراسته تأثّر بالفكر الوهّابي قليلاً ممّا جعله يروّج لها، وكان من الدعاة إلى الفكر الوهّابي في منطقته وفي العاصمة بالذات، إلاّ أنّ الظروف قادته إلى التحقيق والتشرّف بمذهب أهل البيت(عليهم السلام).

في سجون السعودية كانت البداية:

كان الأخ «محمّد» يتنقل بين البلدان لطلب العلم، وكان من عادته الرجوع إلى بلده خلال العطلة لتدريس ما تعلّمه، ويبثّ ما حصل عليه من معلومات بين أبناء بلده.

لا يخفى على أحد من أنّ الدعاية الكاذبة التي تروّجها الوهّابية لتمرير مخطّطاتهم الشيطانيّة قد تنطلي على كثير من المسلمين، لأسباب كثيرة: قسم منهم لا

٥٠٣

يعرف الكثير من المسائل العقدية المرتبط بدينه، لانعدام الوسائل المتاحة للتعليم والتعلم بسبب الفقر الساري في كثير من البلدان خصوصاً الدولة الأفريقية، أو لا يهتم بالأمور الدينية كثيراً، أو يصدّق ما يسمع بخبر أو يقرأ في كتاب أو مجلّة أو جريدة من دون تحقيق أو تكليف للنفس عناء البحث لمراجعة هذه المعلومات ممّا جعلهم تنطلي عليهم الأفكار المنحرفة، وإلحاق الضرر بكثير من المسلمين.

فاستغل الوهّابيون هذه الفرص للاصطياد في الماء العكر، وترويج أفكارهم بما يملكون من قوة من خلال إرسالهم للمبلغين وإعطاء الكتب المجانية والقنوات الفضائية وغير ذلك.

فجعلت الدعاية التوحيدية وغيرهم من مسائل التوسل والشفاعة التي تتمسك بها الوهّابية تبهر الأبصار لأوّل وهلة، وإن كان سرعان ما ينكشف زيفها وخداعها، والوجه الكالح لهذه الفرقة، إلاّ إنّه تأثّر بها كثير من الشباب منهم الأخ «محمّد حبيب»، وصار من دعاة الوهّابية في منطقته.

ويقول في هذا الصدد: «تأثّرت بالفكر السلفي مثل كثير من شباب منطقتنا، وصرت من دعاة الوهّابية في منطقتنا وفي العاصمة بالذات - لكنني مع ذلك كنت مشككّاً - وسافرت إلى السعودية للتعرّف أكثر على هذا المذهب، وقضيت هناك عدّة أشهر مع هؤلاء، إلاّ أنّهم زجوني في السجن حيث قضيت فيه ثلاثة أشهر، تعاملوا خلالها بقساوة ووحشية، فهم أوحش من الخوارج الذين خرجوا على الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، أو الخمير الحمر في كمبوديا».

فرأى «محمّد حبيب» - في هذه المدّة التي أقامها معهم - هؤلاء - أي الوهّابييون يوزعون صكوك التكفير على أهل القبلة كيفما شاؤا، في حين يتركون أعداء الإسلام في منأى عن حرابهم.

٥٠٤

فهذه تعدّ واحدة من آلاف الشهادات الحيّة بحقّ هذه الفرقة الممزقة لوحدة المسلمين.

أوجه الشبه بين الخوارج والوهّابية:

فقد بليت الأُمّة الإسلاميّة بفرقة تسمّى نفسها بالوهّابية، وتعتقد بأنّها هي الفرقة الناجية، وأمّا سائر المسلمين فهم مشركون لا حرمة لدمائهم وذراريهم وأموالهم، ودارهم دار حرب وشرك، ويعتقدون أنّ المسلم لا تنفعه شهادة أن (لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله) ما دام يعتقد بالتبرّك بمسجد الرسول - مثلاً - ويقصد زيارته ويطلب الشفاعة منه، ويقولون: إنّ المسلم الذي يعتقد بهذه الأمور فهو مشرك، وشركه أشدّ من شرك أهل الجاهليّة من عبدة الأوثان والكواكب ومن جرى مجراهم.

فالوهّابية تتبع في نهجها نهج الخوارج في تعاملها مع المسلمين ; فإنّ من يقرأ سيرة الخوارج وأفكارهم المتحجّرة، وفهمهم الخاطئ للإسلام، وموقفهم اتّجاه المسلمين من تكفيرهم واستحلال دمائهم وأموالهم، لرأى النهج الوهّابي استمراراً وامتداداً للنهج الذي اتّبعته الخوارج.

وفيما يلي نستعرض بعض أوجه الشبه بين الخوارج والوهّابية:

أوّلاً: إنّ شعار الخوارج هو (لا حكم إلاّ لله)، وهي كلمة حقّ يراد بها باطل فإنّ أمير المؤمنين علي(عليه السلام) قال: «ويحكم إنّها كلمة حقّ يراد بها باطل! إنّهم ما رفعوها أنّهم يعرفونها ويعملون بها، ولكنّها الخديعة والوهن والمكيدة! أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحقّ مقطعه، ولم يبق إلاّ أن يقطع دابر الذين ظلموا»(١).

١- شرح نهج البلاغة ٢: ٢١٦.

٥٠٥

فهي كلمة حقّ لأنّها تتطابق مع قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾، يراد بها باطل، وهو أنّه لا إمارة لأحد، ولا يجوز التحكيم في الأمور الدينيّة، وفرّعوا عليه إنّ التحكيم الذي كان بصفين كان معصية وكفراً.

مع أنّ التحكيم قد جاء في الشريعة الإسلاميّة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا﴾(١).

وقال تعالى في جزاء الصيد:﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْل مِّنكُمْ﴾(٢).

كذلك الوهابيّيون شعارهم: لا دعاء إلاّ لله، لا شفاعة إلاّ لله، لا توسّل إلاّ بالله، لا استغاثة إلاّ بالله، ونحو ذلك.

كلمات حقّ يراد بها باطل ; لأنّ المدعو والمتوسّل به حقيقة لدفع الضر وجلب النفع، والمغيث الحقيقي ومالك أمر الشفاعة هو الله. يراد بها باطل وهو منع تعظيم من عظّمه الله بدعائه والتوسّل به ليشفع عند الله تعالى ويدعوه لنا، وعدم جواز التشفّع والاستغاثة والتوسّل بمن جعله الله شفيعاً مغيثاً، وجعل له الوسيلة.

وهي كجملة من كلماتهم المزخرفة كقولهم: لمن يقول يا محمّد ويا فلان ويا فلان، هل الله أعطاك القوّة أو محمّد؟ فلابدّ أن يقول الله، فيقولون له: لم لا تدعو الله وتدعو محمّداً؟!

وهذا تمويه وتضليل يراد به باطل ; إذ لا يوجد أحد يعتقد أنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) أو غيره بيده الأمر أصالة، وإنّما هو التوسّل وطلب الشفاعة ممّن له الوسيلة والشفاعة، واعتراضهم هذا هو بالحقيقة اعتراض على الله الذي جعل الشفاعة لمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإلاّ فمتى جعلها له فعلينا أن نطلبها منه.

١- النساء -٤- : ٣٥.

٢- المائدة -٥- : ٩٥.

٥٠٦

ولو صحّ اعتراضهم هذا لتوّجه على من يسأل الدعاء من الغير فيقال له: الله الذي يجيب دعاءك أو أخوك المؤمن؟ فلابدّ أن يقول: الله، فيقال له: لم لا تدعو الله وتطلب من أخيك أن يدعو لك؟ وكقولهم لمن يقبّل ضريح النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو المنبر الموضوع في مسجده وفي مكان منبره إنّما تقبّل حديداً أو خشباً جيء به من بلاد الإفرنج، ولم يعلموا أنّه كما يحترم جلد الشاة بعمله جلداً للمصحف، والورق والمداد بكتابة المصحف عليه وبه، كذلك يحترم الحديد والخشب الذي وضع على قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أو في مسجده وفي مكان منبره(١).

لاشكّ أنّ الله تعالى فاوت بين مخلوقاته في الفضل، فجعل بعضها أفضل من بعض من الأزمنة والأمكنة، والأحجار والآبار، والحيوانات وبني آدم وغير ذلك.

ففي الأزمنة فضّل شهر رمضان على سائر شهور السنة، وجعل فيه ليلة القدر،وجعلها خيراً من ألف شهر، وجعل من أشهر السنة الاثني عشر، أربعة حرماً، حرّم فيها القتال، وفضّل يوم الجمعة على سائر الأيّام، وفضّل ساعة منه على سائره.

وفي الأمكنة فضل الكعبة على سائر بقاع الأرض، وتعبّد الناس بالحجّ إليها، والطواف حولها، ومكّة والمقام، وحجر إسماعيل، والمسجد، والمساجد الأربعة، والمسجد الحرام منها على غيرها.

وفي الأحجار فضّل الحجر الأسود على غيره، وتعبّد الناس باستلامه وتقبيله.

وفي الآبار فضّل بئر زمزم على غيره.

وفي الحيوانات فضّل الخيل على غيرها، وأمر بارتباطها وإكرامها، وجعل الخير معقوداً بنواصيها، وجعل بعض دم الغزال مسكاً، وفي ذلك يقول الشاعر:

١- كشف الارتياب في أتباع محمّد بن عبد الوهاب: ١١٢.

٥٠٧


فإن تفق الأنام وأنت منهم فإنّ المسك بعض دم الغزال

وفي بني آدم فضّل الأنبياء على غيرهم، ومحمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) على سائر الأنبياء، والشهداء على غيرهم، والعلماء على الشهداء وعلى بعض الأنبياء.

بل الشيء الواحد له فضل في حال دون حال، فالكنيف لا فضل له، وهو منتهى الخسة، فإذا جعل مسجداً صار معظّماً عند الله، وحرّم تنجيسه، ووجب تعظيمه.

وجلد الشاة يجعل نعلاً وحذاءً، فيكون في منتهى الإهانة، ويعمل جلداً للقرآن الكريم، فيكون في منتهى الإكرام والإعظام كما قال الشاعر:


أو ما ترى نوع الأديم فإنّه منه الحذاء ومنه جلد المصحف

والرجل يكون كسائر الناس، فيبعثه الله بالنبوة، فتجب إطاعة أمره ونهيه، أو ينصبه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعده خليفة، أو المسلمون، فيدخل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾(١).

ومن هذا القبيل البقعة من الأرض تكون كسائر البقاع، فيدفن فيها نبيّ أو ولي، فتكسب شرفاً وفضلاً وبركةً بدفنه لم تكن لها من قبل، ويجب احترامها، وتحرم إهانتها لحرمة من فيها، ومن احترامها قصدها لزيارة من فيها، وبناء القباب عليها، والحجر حولها، لتقي زائريها من الحرّ والبرد، وعمل الأضرحة لها التي تصونها عن كلّ إهانة، وإيقاد المصابيح عندها لانتفاع زائريها واللاجئين إليها، وجعل الخدمة والسدنة، وتقبيلها والتبرك بها، ووضع الخلع عليها، والمعلقات فوقها وغير ذلك.

ومن إهانتها هدمها، وهدم ما فوقها من البناء، وتسويتها بالأرض، وجعلها معرضاً لوقوع القاذورات، ووطئ الدواب والكلاب والآدميين، وترويث وبول

١- النساء -٤- : ٥٩.

٥٠٨

الدواب والكلاب وغير ذلك.

وهل يشك في ذلك عاقل وهو يرى أنّ الله تعالى جعل احتراماً لصخرة صماء بسبب وقوف إبراهيم الخليل(عليه السلام) عليها حين بنى البيت فقال عزّ من قائل: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾(١). أفيجعل الله احتراماً لمقام رجل خليله، ولا يجعل احتراماً لمدفن جسده، أو مدفن جسد سيّد أنبيائه؟!

وإذا كان له هذا الاحترام، فلماذا حرّم تقبيله، والطواف والتبرّك به، والصلاة عنده، ودعاء الله تعالى كما يصلّى عند مقام إبراهيم(عليه السلام) ويدعى؟ فإن كان لتوهم أنّه عبادة له كعبادة الأصنام، فهو توّهم فاسد ; لأنّ احترام من جعل الله له حرمة احترام لله، وعمل بأمر الله، وعبادة وإطاعة لله، فهو كتقبيل الحجر الأسود، وتعظيم الكعبة، والحرم والمقام، والمساجد، والتبرّك بماء زمزم، وسجود الملائكة لآدم(٢).

ثانياً: كما أنّ الخوارج متصلّبون في الدين مواظبون على الصلوات وتلاوة القرآن والعبادة حتّى اسودّت جباههم من طول السجود، متمسّكون بظواهر القرآن والسنّة قشرين، حتّى أنّه ورد أنّ إنساناً منهم ضرب خنزيراً برّياً بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض، والتقط أحدهم تمرة من الطريق فوضعها في فمه، فبادر آخر وطرحها من فمه.

فهم أكثر المسلمين عبادة ومحافظة على الصلاة، حتّى عرفوا بأهل الجباه السود من كثرة السجود، ومع ذلك كانوا لا يتورّعون عن سفك الدماء، ونهب الأموال، والإخلال بالأمن، وكان من جملة من قتلوه عبد الله بن خباب صاحب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أسروه وامرأته معه، وهي حامل فقالوا: من أنت؟ قال: أنا عبد الله

١- البقرة -٢- : ١٢٥.

٢- كشف الارتياب في أتباع محمّد بن عبد الوهاب: ١٠٩ - ١١٠.

٥٠٩

ابن خباب صاحب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّكم قد روعتموني. فقالوا: لا بأس عليك، حدثنا ما سمعت من أبيك فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي».

فاقتادوه بيده، فبينما هو يسير معهم، إذ لقي بعضهم خنزيراً لبعض أهل الذمّة، فضربه بعضهم، فشقّ جلده. فقال له آخر: لم فعلت هذا، وهو لذمي؟ فذهب إلى ذلك الذمي، فاستحلّه وأرضاه، وبينا هو معهم إذ سقطعت تمرة من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فمه. فقال له آخر: بغير إذن ولا ثمن؟ فألقاها ذاك من فمه، ومع هذا قدموا عبد الله بن خباب فذبحوه، وجاؤوا إلى امرأته فقالت: إني امرأة حبلى، ألا تتقون الله، فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها، فلمّا بلغ الناس هذا من صنيعهم خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام واشتغلوا بقتال أهله أن يخلفهم هؤلاء في ذراريهم وديارهم بهذا الصنع، فخافوا غائلتهم، وأشاروا على علي(عليه السلام) بأن يبدأ بهؤلاء، ثمّ إذا فرغ منهم ذهب إلى أهل الشام بعد ذلك والناس آمنون من شرّ هؤلاء فاجتمع الرأي على هذا وفيه خيرة عظيمة لهم ولأهل الشام أيضاً، فأرسل علي(عليه السلام) إلى الخوارج رسولاً من جهته وهو الحرث بن مرّة العبدي، فقال: أخبر لي خبرهم، وأعلم لي أمرهم واكتب إليّ به على الجلية، فلمّا قدم عليهم قتلوه، ولم ينظروه، فلمّا بلغ ذلك علياً(عليه السلام)عزم على الذهاب إليهم أوّلاً قبل أهل الشام(١).

وعن حميد بن هلال قال غزا عمارة بن فرض الليثي غزاة له فمكث فيها ما شاء الله، ثمّ رجع حتّى إذا كان قريباً من الأهواز سمع صوت الأذان فقال: والله مالي عهد بصلاة بجماعة من المسلمين منذ ثلاث، وقصد نحو الأذان يريد الصلاة، فإذا هو

١- البداية والنهاية ٧: ٣١٨ - ٣١٩.

٥١٠

بالأزارقة. فقالوا: له ما جاء بك يا عدو الله. فقال: ما أنتم إخواني. قالوا أنت أخو الشيطان لنقتلنك. قال: أمّا ترضون منّي بما رضي به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قالوا: أيّ شيء رضي به منّك؟ قال: أتيته وأنا كافر فشهدت أن لا إله إلاّ الله، وأنّه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فخلّى عنّي. فأخذوه فقتلوه. رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله رجال الصحيح(١).

وأيضاً روي أنّ الخوارج قطعوا الطريق على العالم المعروف واصل بن عطاء، ورفقة معه، ولمّا أرادوا قتلهم لا لشيء إلاّ لأنّهم مسلمون. قال لهم واصل: نحن مشركون ممّن قال الله فيهم: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾(٢) فنجوا، ولكن بعد أن اعترفوا على أنفسهم بالشرك، ولو قالوا للخوارج: نحن مسلمون، وأخوتكم في الدين لقتلوهم كما قتلوا الصحابي عبادة.

ولا يختلف الوهابيّة عن الخوارج في هذا الصعيد متصلّبون في الدين، يؤدّون الصلاة لأوقاتها، ويواظبون على العبادة، ويطلبون الحقّ وإن أخطأوه، ويتورّعون عن المحرّمات، كانت الوهّابية لا تكفّر بعض الصحابة، وتستحلّ دماءهم كما هي الحال عند الخوارج، ومهما يكن، فإنّ الإسلام في مفهوم الوهّابية ضيق جدّاً، بخاصّة فيما يتعلّق بالتوحيد، فإنّهم يفسرّونه تفسيراً ضيّقاً لا ينطبق إلاّ عليهم وحدهم، حيث يربطون به هدم القبور، وما بني عليهم من المساجد، حتّى قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتحريم الصلاة والدعاء عندها، ويحرّمون زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتبغ والتصوير الفوتغرافي، وما إلى ذاك، أمّا وضع الستائر على الروضة الشريفة، وقول المسلم سيّدنا محمّد، وحقّ محمّد، ويا محمّد، فبدعة وضلالة.. هذا هو الإسلام في مفهومهم(٣).

١- مجمع الزوائد ١: ٢٦.

٢- التوبة -٩- : ٦.

٣- هذه هي الوهّابية: ٦٩ - ٧١ (بتصرّف).

٥١١
موسوعة من حياة المستبصرين ١٠ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٥١١ - ص ٥٤٠)

ثالثاً: كما أنّ الخوارج كفّروا من عداهم من المسلمين، وقالوا إنّ مرتكب الكبيرة كافر مخلّد في النار، واستحلّوا دماءهم وأموالهم، وسبي ذراريهم، وقالوا إنّ دار الإسلام تصير بظهور الكبائر فيها دار كفر حتّى أنّهم قتلوا عبد الله بن خباب أحد أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صائماً في شهر رمضان والقرآن في عنقه وقتلوا زوجته وهي حبلى وبقروا بطنها ; لأنّه لم يتبرّأ من علي بن أبي طالب، وقالوا له هذا الذي في عنقك يأمرنا بقتلك فذبحوه على شاطئ النهر حتّى سال دمه في النهر. وكانوا إذا أسروا نساء المسلمين يبيعونهن فيما بينهم حتّى أنهم تزايدوا في بعض الوقائع على امرأة جميلة وغالوا في ثمنها فقام بعضهم فقتلها وقال إن هذه الكافرة كادت تقع فتنة بسببها بين المسلمين، وقالوا للحسن بن علي يوم ساباط المدائن: أشركت يا حسن كما أشرك أبوك.

كذلك الوهّابييون حكموا بشرك من خالف معتقدهم من المسلمين، واستحلّوا ماله ودمه، وبعضهم استحلّ سبي الذرّية، ولم يخاطبوه إلاّ بقولهم يا مشرك، وجعلوا دار الإسلام دار حرب، ودارهم دار إيمان تجب الهجرة إليها، وحكموا بقتال تارك الفرض، وإن لم يكن مستحلاً(١).

وبلغت بهم الجرأة في تكفير المسلمين بحيث يبيحون نهب أموال المسلم، وسفك دمائهم بسهولة، وقد فعلوا ذلك في تاريخهم مراراً.

رابعاً: كما أنّ الخوارج سيماهم التحليق أو التسبيد كذلك الوهّابيون سيماهم التحليق.

وفي حديث عن الخوارج: التسبيد فيهم فاش، وهو الحلق واستئصال الشعر.

روي أنّه قيل لأبي سعيد الخدري: هل سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يذكر الخوارج فقال: سمعته يذكر قوماً يتفقّهون في الدين، يحقّر أحدكم صلاته عند صلاته، وصومه

١- كشف الارتياب في أتباع محمّد بن عبد الوهّاب: ١١٤.

٥١٢

عند صومه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية... إلى أنّ يقول قيل: يا رسول الله ألهم آية أو علامة يعرفون بها؟ فقال: نعم، التسبيد فيهم فاش(١).

وقال أحمد زيني دحلان: عن السيّد عبد الرحمن الأهدل مفتي زبيد يقول: لا حاجة إلى التأليف في الردّ على الوهّابية بل يكفي في الردّ عليهم قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) سيماهم التحليق، فإنّه لم يفعله أحد من المبتدعة غيرهم(٢).

خامساً: كما أنّ الخوارج يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان كما أخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم بما رواه البخاري: «قوم يقرؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أنا أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد»(٣).

كذلك الوهّابييون يقتلون أهل الإسلام وحدهم، ولم ينقل عنهم أنّهم حاربوا أحداً سوى المسلمين، هل وجدت ثمة دعوة إلى الجهاد أو غزى الوهّابية اليهود والصهاينة الذين احتلّوا بلاد المسلمين واستعمروها.

فقد قتلوا جملة من المسلمين من أهل الحجاز والطائف والبلدان المجاورة بلا ذنب، وغزوهم بلاد الإسلام المجاورة لهم كالعراق واليمن وشرقي الأردن وغيرهم، وقتلهم أهل كربلاء سنة ١٢١٦هـ ، وقتلهم من ظفروا به من المسلمين، وعدم غزوهم للمستعمرين أو الصهيونيّين وتوجيه بأسهم وحربهم كله إلى المسلمين والعرب أقوى شاهد على ذلك(٤).

هاك العراق فهو خير شاهد على ما نقوله، تصلنا أنباء عمّا أرتكبه هؤلاء القوم من أعمال قاسية ووحشيّة، ذهب ضحيتها الآلاف من المدنيين العزّل من

١- الفائق في غريب الحديث ٣: ٢٣٤.

٢- فتنة الوهّابية ١٩.

٣- صحيح البخاري ٤: ١٠٨، صحيح مسلم ٣: ١١٠.

٤- لمزيد راجع عنوان المجد في تاريخ نجد في جزئين.

٥١٣

النساء والشيوخ والصبيان، خلال مجازر وحشيّة، وانفجارات للسيارات المفخّخة في وسط الأسواق والأزقّة قلّ أن شهد لها التاريخ نظيراً، سوى أنّهم يتبعون أهل البيت(عليهم السلام)، بحجّة مقاومة الاحتلال ولكنّهم لم يقتلوا من القوات المحتلة إلاّ النادر على سبيل الصدفة، وكلّ ذلك يتحقّق بفتوى كبار علماء الوهّابية، وسيدفع هؤلاء المجرمون الثمن غالياً لفعلتهم الشنعاء هذه، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُونَ﴾(١).

فهذه مجمل نقاط الالتقاء بينهم وبين الخوارج، وهناك أوجه شبه أخرى لم نذكرها روماً للاختصار(٢).

نقطة التحوّل:

يقول «محمّد حبيب»: «إنّ الوهّابية سجنوني ثلاثة أشهر كنت أنتقل خلالها من زنزانة إلى زنزانة أخرى، وقد اتعبوني كثيراً، وهناك لمست حقيقة الوهّابية الغليظة والمتحجّرة، وقرأت كتبهم، واستمعت إلى أحاديثهم، وعرفت انطباعاتهم، فقارنت كلّ ذلك مع ما يحمله فكر أهل البيت(عليهم السلام)، ومع نهج أتباعهم، وعطائهم العلمي والإنساني الجهادي، فوجدت الفرق الشاسع، والبون بين المسلكين، وعندها اتّخذت القرار الحاسم، وهو اعتناق مذهب الحقّ، ونبذ الوهّابية، وذكرياتهم المرّة، وعندما غادرت السجن بعدها رجعت إلى بلادي غينيا، وفور وصولي أعلنت تشيّعي على رؤوس الإشهاد، وطلبت الماء، وتوضأت أمام الوهّابيين، ومسحت على رجلي، فاغتاظوا منّي، وهكذا منّ الله تعالى عليّ بالنجاة من الهلكة، وعرّفني سبيل الهداية، ﴿وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ﴾(٣)

١- الشعراء -٢٦- : ٢٢٧.

٢- للمزيد راجع كشف الارتياب في أتباع محمّد بن عبد الوهّاب: ١٠٩ - ١١٠.

٣- الإسراء -١٧- : ٩٧.

٥١٤

(٧٨) محمّد رمضان جالوا (مالكي / غينيا - كوناكري)

ولد عام ١٤٠٥هـ (١٩٨٥م) بمدينة (بتمى) في غينيا في أسرة مالكيّة تتبع النهج الأشعري في العقيدة، حيث دخل في سلك طلب العلوم الدينيّة، ودرس فيها مدّة عشر سنوات، إلاّ أنّه تعرّف على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عن طريق والده، ثمّ وبعد صراع طويل مع نفسه اعتنق مذهب الشيعة الإماميّة في الشام (في منطقة السيّدة زينب(عليها السلام) وذلك عام ٢٠٠٣م.

تعرّفه على الشيعة:

يقول محمّد رمضان: «إنّ من أسباب تعرّفي على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) هو أنّ والدي الشيخ محمّد بيلو جالوا سافر إلى دمشق بقصد دراسة المذهب الشيعي، ودرس في إحدى الحوزات العلميّة هناك، واعتنقه عن إرادة وقناعة تامّة بأنّه هو المذهب الخالي من الشوائب والملابسات، وعندما عاد إلى غينيا في زيارة قصيرة تحدّث إليّ وإلى عائلتي عن مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وتكرّرت جلساتي معه، ولكنّ قلبي ما كان ليقتنع ويميل إلى كلامه، فقد كنت أتتلمذ على يد الشيخ جرن محمّد عمر ابن جرن من علماء المالكيّة في منطقتنا منذ عشرة أعوام، وكان يحيطني بمحبّة ورعاية خلال تلك السنين».

٥١٥

المنازعة مع النفس:

يقول «محمّد رمضان»: «كنت أفكّر في كلام والدي كيف يسرد لنا أدّلة حول أحقّية أهل البيت(عليهم السلام) في الخلافة، ونهجهم في كيفيّة الوضوء والصلاة حيث كانت صلاتهم ووضوئهم مطابقاً لوضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول كما في حديث مالك ابن الحويرث: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي»(١)، والروايات الواردة في حقّهم من حديث الثقلين والغدير والسفينة وغيرها».

ويضيف قائلاً: «وشاءت الأقدار أن افترقت عن أستاذي لأعود إلى العاصمة، ولمّا عدت للمنزل وصلتني رسالة من أستاذي يطلب منّي عدم تغيير مذهبي، ويلحّ بالطلب، وهذا ما زاد استغرابي، ومن جانب آخر كان أبي يحاول أقناعي بشتّى الوسائل لركوب سفينة النجاة، وقد أخذتني الحيرة بين أن أتّبع أستاذي وبين أن أستمع وأقرّ باستدلالات والدي؟

وعاد والدي إلى سوريا، وبعد مضيّ أشهر أرسل إليّ رسالة يطلب منّي الحضور لسوريا لأدرس معه في الحوزة، فرفضت ذلك، وكرّر طلبه، وألحّ عليّ، فقلت في نفسي: أسافر إلى سوريا (دمشق) لعلّني أتمكّن من أنّ أكمل دراستي في المذهب المالكي، وإذا لم أتمكّن من ذلك أعود إلى بلدي غينيا.

وبالفعل توجّهت إلى دمشق حاملاً أحلاماً ورؤى عن متابعة دراسة مذهبي، ولمّا وصلت، التقيت بوالدي، وطلبت منه أن يعرّفني على الأماكن والمعاهد التي تقوم بتدريس المذهب المالكي في دمشق، فطلب منّي أن أريح نفسي بعض الوقت، ومن ثمّ يساعدني، فوافقت، وأقمت معه في البيت الذي أستأجره، وكان يزوره العديد من المشايخ والسادة من الشيعة الإماميّة، ويتباحثون في مسائل وجدت أنّي في

١- السنن الكبرى ٢: ٣٤٥.

٥١٦

البداية أعرفها كمواد تاريخيّة، ولكنّ معرفتي كانت ظاهريّة، وليست معمّقة، كما هم يتحدّثون فيها، وفكّرت أن أعود لبلدي غينيا، ولكنّ والدي ألحّ عليّ أن أبحث عن الحقّ جيّداً، وأترك التعصّب جانباً، وهذه هي الفرصة المناسبة لمعرفة الحقيقة، واستغلّ وجودي في دمشق حيث المكتبات التاريخيّة الكبيرة التي ربمّا لا تحصل عليها في بلدنا.

وبالفعل صرت أتوجّه وأشارك بالحديث مع أصدقاء والدي شيئاً فشيئاً، وكانوا يصرّون عليّ أن أتأكّد من حقيقة كلامهم بالعودة للمصادر السنّية المختلفة، وأخذت أقارن الأحاديث باستدلالات الشيعة، فرأيت استدلالهم قويّ وحجّتهم دامغة، وحتّى أنّي حضرت مناظرة جرت بين أحد السادة وأحد المشايخ السنّة، وكنت أرى السنّي يلتزم كثيراً من الصمت في الموارد الهامّة والمصيريّة مثل مسألة السقيفة، ومسألة الهجوم على بيت السيّدة الزهراء(عليها السلام)، وأرى الشيعي يصول ويجول، ويقدّم الدليل تلو الدليل، وكيف يتناول المسائل الخلافيّة بين الشيعة والسنّة من قبيل اعتقاد الشيعة بعدالة الله من أنّه عادل غير ظالم، بمعنى أنّه يقوم بالقسط، وأنّه لا يجور، ولا يظلم، فلا يجوز في قضائه، ولا يحيف في حكمه، يثيب المطيعين، وله أن يجازي العاصين، ولا يكلّف عباده ما لا يطيقون، ولا يعاقبهم زيادة على ما يستحقّونه».

الله عادل لا يجور:

إنّ مفهوم العدل في اللغة بمعنى ما قام في النفوس أنّه مستقيم، وهو ضدّ الجور والحكم بالحق، أو السويّة والاستقامة، أو المرضي من الناس قوله وحكمه(١).

١- لاحظ العين ٢: ٣٨، القاموس المحيط ٤: ١٣، لسان العرب ١١: ٤٣٠، تاج العروس ١٥: ٤٧١ - ٤٧٣.

٥١٧

وفي العرف العام استعمل بمعنى رعاية حقوق الآخرين، إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه ولكن أحياناً هكذا يعرف بأنّ العدل: وضع الشيء في موضعه وعلى وفق هذا التعريف، يكون العدل مرادفاً للحكمة، والفعل العادل مساوياً للفعل الحكيم(١).

إذن فيمكن أن يتصوّر للعدل المعاني التالية:

الحكم بالحق والسويّة وهو ضدّ الجور، أو رعاية حقوق الآخرين، أو إصدار الفعل على وجه الحكمة.

وعلى ضوء ذلك، فلا يلازم العدل، القول بالتسوية بين البشر جميعاً، أو بين الأشياء كلّها، وكذلك فإنّ مقتضى الحكمة والعدل الإلهي لا يعني خلق المخلوقات بصورة متساوية فيخلق - مثلاً - للإنسان القرون، أو الأجنحة أو غيرها بل إن مقتضى حكمة الخالق وعدله أن يخلق العالم الإلهي أن يكلّف كلّ إنسان بمقدار استعداده وقابلّيته، وأن يقضي ويحكم فيه على حسب قدرته وجهده الاختياري، وأن يجازيه ثواباً أو عقاباً بما يتلاءم مع أفعاله(٢).

وأمّا بالنسبة لله تعالى فإنّ العدل من أبرز مصاديق صفاته الثبوتيّة الكماليّة من أنّه عادل غير ظالم، بمعنى أنّه يقوم بالقسط، وأنّه لا يجور، ولا يظلم، فلا يجور في قضائه، ولا يحيف في حكمه، يثيب المطيعين، وله أن يجازي العاصين، ولا يكلّف عباده ما لا يطيقون، ولا يعاقبهم زيادة على ما يستحقّونه.

وقد أستدلّ على عدله بالكتاب والسنّة والعقل:

قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾(٣)

١- نظرة حول دروس في العقيدة الإسلاميّة: ٩٢.

٢- نظرة حول دروس في العقيدة الإسلاميّة: ٩٢.

٣- آل عمران -٣- : ١٨.

٥١٨

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة﴾(١).

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾(٢).

قال تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾(٣).

مضافاً إلى حكم العقل، حيث يحكم بوضوح بالعدل الإلهي ; لأنّ العدل صفة كمال، والظلم صفة نقص، والعقل يحكم بأنّ الله تعالى مستجمع لجميع صفات الكمال، منزّه عن كلّ عيب ونقص في مقام الذات وفي مقام الفعل.

فلو كان يفعل الظلم والقبح - تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً - فإنّ الأمر في ذلك لا يخلو عن أربع صور:

١) إمّا أن يكون جاهلا بالأمر، فلا يدري أنّه قبيح.

٢) وإمّا أن يكون عالماً به، ولكنّه مجبور على فعله وعاجز عن تركه.

٣) وإمّا أن يكون عالماً به، وغير مجبور عليه، ولا يحتاج إليه، فينحصر في أن يكون فعله له تشهياً وعبثاً ولهواً، فهو لا يبالي بإتيان الأفعال الظالمة رغم علمه بقبحها، ورغم قدرته على القيام بالعدل(٤).

ومن البديهي أنّه لا سبيل لأيّ واحد من هذه الصور إلى الذات الإلهيّة المقدّسة، وكلّ هذه الصور محال على الله تعالى، وتستلزم النقص فيه، وهو محض الكمال ; فيجب أن نحكم أنّه منزّه عن الظلم، وكلّ ما هو قبيح، ومنزّه عن الجهل، والعجز، وعن الاحتياج والسفه ; ولهذا فإن جميع أفعاله تتّسم بالعدل والحكمة.

١- النساء -٤- : ٤٠.

٢- يونس -١٠- : ٤٤.

٣- غافر -٤٠- : ٣١.

٤- عقائد الإماميّة: ٤٠.

٥١٩

غير أنّ بعض المسلمين جوّز عليه تعالى فعل القبيح، تقدّست أسماءه، فجوّز أن يعاقب المطيعين، ويدخل الجنّة العاصين بل الكافرين، وجوّز أن يكلّف العباد فوق طاقتهم، وما لا يقدرون عليه، ومع ذلك يعاقبهم على تركه، وجوّز أن يصدر منه الظلم والجور والكذب والخداع، وأن يفعل الفعل بلا حكمة وغرض، ولا مصلحة، متمسّكين بقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾(١).

ومرجع الخلاف بين العدليّة وغيرهم في نقطة مركزية ومحوريّة أساسيّة، وهي قبول مسألة الحُسن والقبح العقليّين وإنكارها، فإنّ الشيعة والمعتزلة في رأيهم حول موضوع العدل الإلهي يطلق عليهما بمصطلح الكلامي (العدليّة) مقابل الأشاعرة، ولأجل أهميّة هذا الموضوع، اعتبر من المواضيع الرئيسيّة في علم الكلام، وممّيزات المذهب الكلامي للشيعة والمعتزلة.

فقد أنكر الأشاعرة الحُسن والقبح العقليّين، واعتقدوا بأنّ الحُسن في الأمور التكوينيّة هو ما يفعله الله، وأمّا في الأمور التشريعيّة فالحُسن ما يأمر به الله، وليس الفعل في ذاته حسناً ; ولأجل ذلك يفعله الله، أو يأمر به بخلاف العدليّة، فيعتقدون بأنّ الأفعال تتّصف في ذاتها بالحُسن والقبح بغضّ النظر عن انتسابها التكويني والتشريعي لله تعالى، ويمكن للعقل - إلى حدّ ما - أن يدرك جهات الحُسن والقبح في الأفعال.

قال المحقّق نصير الدين الطوسي قدّس سرّه في شرح قواعد العقائد: «الأفعال تنقسم إلى حسن وقبيح، وللحُسن والقبح معان مختلفة:

فمنها: أن يوصف الفعل الملايم أو الشيء الكامل بالحُسن والناقص بالقبح.

وليس المراد هنا هذين المعنيين، بل المراد بالحُسن في الأفعال ما لا يستحقّ

١- الأنبياء -٢١- : ٢٣.

٥٢٠