×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 10) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

(٧) مجيد قادر طه (شافعي / العراق)

ولد في أربيل شمال العراق، ونشأ في أجواء فرضت عليه الانتماء إلى المذهب الشافعي.

إنّ تعاليم وتقاليد كلّ فرد لها تأثير في تأصيل ما تلقّاه الإنسان من أسلافه، تتأرجح النتائج بين تضييع الجانب العقلي وحصر آفاق رؤيته في زاوية ضيّقة تؤدّي به في نهاية المطاف إلى الحرمان من الجوانب الأخرى للحقيقة، وبين هيمنة حالة من الركود والانغلاق عن الجانب العقلي، فيصبح الإنسان نتيجة لهذه العمليّة ضحيّة للعواطف والتحيّز والتعصّب الأعمى لدين آبائه.

حفّزت هذه الأمور «مجيداً» على البحث والتحقيق في منعطفات التاريخ، وذلك لتوسيع آفاق رؤيته في مجال العقيدة.

وبعد مدّة من تحمّل عناء البحث والتحقيق التي كان ثمارها ترك ما تلقّاه من تعاليم اُمليت عليه من قبل آبائه وأسلافه، وكان للبيئة التي عاشها التأثير البالغ في تمهيد الأرضيّة لتقبّل هذه التعاليم.

فعزم على تتبّع ما تملي عليه الأدلّة والبراهين العقليّة لتكن اُسسه العقائديّة مبتنية على عقليّة لا تؤثّر فيها العواطف والأحاسيس.

٤١

التعقّل هو الحلّ:

يسعى الإنسان في مختلف مراحل النمو إلى ارتقاء مستواه الفكري والثقافي، فيواجه العديد من العقبات في طريقه إلى تحقّق أهدافه وميوله وفق الأسس والمباني الفكريّة السليمة.

ولا يتمّ هذا الوعي إلاّ ببذل الجهود الحثيثة، لتكون النتائج واضحة لا غبار عليها.

«مجيد» هو ممّن رفض هيمنة التقاليد على حياته الدينيّة والعقائديّة، ممّا جعله يعيد النظر في أسسه العقائديّة والفكريّة، مستعيناً بالأدلّة والبراهين التي تأخذ بيد الإنسان إلى الطريق الصواب.

طريق الهداية:

يقول «مجيد»: واجهت العديد من الشكوك اتّجاه ما تلقّيته من تعاليم ورثتها سلفاً عن سلف، ولكن لم أجد ما يشفي تعطّشي لمعرفة الحقيقة، فعزمت على البحث والتحقيق لمعرفة الحقيقة.

وبعد البحث والتحقيق في منعطفات التاريخ الإسلامي الذي ضمّ بين دفّتيه العديد من الحقائق، وجدت ضآلتي المنشودة.

الخليفة بعد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم :

أخذت مسألة الخلافة حيّزاً واسعاً في تاريخ الأُمّة الإسلاميّة، ومهدّت الأرضيّة لزرع بذور الخلاف في صفوف المسلمين حتّى يومنا هذا، ممّا يجعل المسألة ذات أهمّية بالغة لدى المسلمين، فكلّ يرى أنّه على الحقّ.

فيا ترى هل الحقّ هو ما نشأ عليه المسلم في البيئة التي عاشها؟

أو أنّ الحقّ هو ما تلقّاه عبر تراث شبّ عليه آباؤه وأسلافه وعملوا على ضوء تعاليمه؟

٤٢

أو أنّ الحقّ ما استند إلى دليل قاطع، وبرهان ساطع، لا تشوبه شائبة، ولا يركع إلى شبهات تحاول جعله هدفاً لمرماها؟

سؤال حاول «مجيد» الإجابة عليه من خلال تتبّعه في جذور الاختلاف بين المسلمين، أسفر عن تركه تراثاً هشّاً لا يعوّل على برهان، وتعاليم عقيمة أثبت له البحث عن مدى بطلانها وزيفها.

الخلافة بعد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم :

دعوة استمّرت خمسة وعشرون عاماً حاول فيها الرسول الأكرم تثبيت رسالته السماويّة، وتحمّل العديد من الضغوط ا لخارجيّة والداخليّة التي كانت تحاول بشتّى الطرق عرقلة هذه العملية.

وكان النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يعلم بهذا الأمر عبر الوحي الإلهي، وقد أفشل العديد من المؤامرات التي رسمتها الأيادي الخبيثة، فيا ترى هل كان النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يترك الأُمّة الإسلاميّة بعد رحيله من دون خليفة له؟!

يكمن الجواب في تقصّي المواقف التي بيّن فيها النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم الخليفة بعده، وإليك بعضها:

حديث الثقلين:

هذا الحديث هو من الأحاديث التي تناولتها كتب الفريقين، ووصلت إلى حدّ التواتر ممّا يغنينا عن البحث في سندها، وسنذكر صيغ الحديث المختلفة:

أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم قال: «قام رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم يوماً فينا خطيباً بماء يُدعى خمّاً بين مكّة والمدينة، فحمد اللّه‏ وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثمّ قال: أمّا بعد ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فُاجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب اللّه‏ فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللّه‏ واستمسكوا به، فحثّ على كتاب اللّه‏ ورغّب فيه، ثمّ قال وأهل

٤٣

بيتي، أذكّركم اللّه‏ في أهل بيتي، أذكّركم اللّه‏ في أهل بيتي، أذكّركم اللّه‏ في أهل بيتي...»(١).

وأخرج الترمذي بسنده أيضاً عن زيد بن أرقم قال: «قال رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم: إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه‏ حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(٢).

وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير بسنده عن زيد بن أرقم أيضاً(٣).

وأخرج النسائي في السنن الكبرى بسنده إلى زيد بن أرقم قال: «لمّا رجع رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم من حجّة الوداع ونزل غدير خُمّ أمر بدوحات فقممن، ثمّ قال: كأنّي قد دُعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه‏، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض، ثمّ قال: إنّ اللّه‏ مولاي وأنا ولي كلّ مؤمن، ثمّ أخذ بيد علي فقال: من كنت وليّه فهذا وليّه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه.

فقلت لزيد: سمعته من رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وسلّم؟

قال: ما كان في الدوحات رجل إلاّ رآه بعينه وسمع بأذنه»(٤).

تواتر حديث الثقلين:

يتبيّن من خلال ما ذكره المؤرّخون إنّ حديث الثقلين قد بلغ حدّ التواتر، على ما صرّح به الشيخ أبو المنذر سامي بن أنور المصري الشافعي حيث قال: «فحديث العترة بعد ثبوته من أكثر من ثلاثين طريقاً وعن سبعة من صحابة سيّدنا رسول اللّه‏

١- صحيح مسلم ٧: ١٢٢.

٢- سنن الترمذي ٥: ٣٢٩.

٣- المعجم الكبير ٥: ١٦٦.

٤- السنن الكبرى للنسائي ٥: ٤٥.

٤٤

صلّى اللّه‏ عليه وآله ورضي عنهم، وصحّته التي لا مجال للشكّ فيها يمكننا أن نقول:

إنّه بلغ حدّ التواتر...»(١).

وذكر ابن حجر الهيتمي حديث التمسّك وقال في ذيله: «ثمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابيّاً، ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشُبه، وفي بعض تلك الطرق أنّه قال ذلك بحجّة الوداع بعرفة، وفي أُخرى أنّه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أُخرى أنّه قال ذلك بغدير خمّ وفي أُخرى أنّه قاله لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف كما مرّ ولا تنافي ؛ إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة»(٢).

مواجهة الحقائق:

أمضيتُ مدّة من زمن أعيش حالة من الصراع النفسي، توحي إليّ الأدلّة والبراهين ببطلان معتقدي الموروث، فأبادر إلى ترك معتقدي السابق، ولكن تمنعني العاطفة، فأحنُّ على تراث عشتُ على ضوء تعاليمه شطراً من الزمن، وكانت الشكوك هي العقبة الكبرى للتحرر من الماضي، فكان شباك الشكوك هو الآخر من نوعه في توقّفي عن اتّباع ما تملي علي الأدلّة والبراهين، وكان السؤال المهم في خضمّ

هذه التساؤلات هو: هل تذعن ببطلان ما كان عليه السلف الصالح؟

التحرّر من العصبيّة طريق النجاة:

أمضيتُ مدّة من الزمن على هذا الحال، انجذب تارة نحو تعاليم العقل، تاركاً خلفي تعاليم الأسلاف التي تبيّن لي مدى بطلانها وزيفها، وأخرى تتغلّب عليّ العاطفة فأحنّ على ما ورثته وناضلت من أجله وبذلت الكثير من الجهود في سبيله.

١- أئمّة أهل البيت في كتب أهل السنّة للشيخ حكمت الرحمة: ٦٦، نقلاً عن الزهرة العطرة
في حديث العترة: ٦٩.

٢- الصواعق المحرقة ٢: ٤٤٠.

٤٥

وفي خضمّ هذا الصراع كان العقل هو المنتصر فيه، ولم أستسلم للعقل إلاّ بعد

التحرّر من التعصّب والتقليد الأعمى للآباء والأسلاف، كيف والقرآن الكريم يذمّ

الذين يتّبعون الآباء والأسلاف من دون دليل قائلاً:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾(١).

وقال سبحانه أيضاً: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾(٢).

ومن هذا المنطلق قمت بغربلة موروثاتي العقائديّة، وتركت ما كان عليه آبائي حيث تبيّن لي فساد ما كانوا عليه، واتّبعت ما تملي عليّ الأدلّة والبراهين التي لا تشوبها شائبة، فتمسّكت بتعاليم أهل البيت عليهم‏السلام، متّبعاً ما أوصى به النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وملتحقاً بسفينة النجاة وهم أهل البيت عليهم‏السلام.

١- البقرة ٢: ١٧٠.

٢- لقمان ٣١: ٢١.

٤٦

(٨) محمّد إبراهيم يونس (شافعي / العراق)

ولد عام ١٣٨١ه (١٩٦٢م) في مدينة الموصل بالعراق، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب الشافعي، وكان من أهمّ الأسباب التي شجّعته على الاستبصار هي الحقائق التي تجلّت له من خلال بحثه العلمي، وحواره مع صديقه الشيعي.

السبيل إلى الاستبصار:

أدرك «محمّد إبراهيم» بأنّ الحياة الدنيا دار صراع بين الخير والشرّ، وقد كلّف اللّه‏ الإنسان في هذه الساحة ليتحلّى بالخير والفضيلة، ويتنزّه عن الشرّ والرذيلة.

وأعداء الإنسان في هذه الساحة كثيرون، ويحيطونه من كلّ حدب وصوب، منها الجهل والهوى والنفس الشيطانيّة و...

وأدرك «محمّد إبراهيم» أهميّة العلم كسلاح لمواجهة الشرّ في الحياة الدنيا، وأنّه الوسيلة الأولى التي ينبغي اكتسابها للانتفاع منها في مواجهة الشر.

ثمّ أدرك «محمّد إبراهيم» بأنّه لوحده وبمفرده غير قادر على اقتحام العقبات، ودفع كيد الشيطان ووساس النفس الأمّارة بالسوء ولابدّ في هذه الساحة من الاستعانة باللّه‏ تعالى والتوسّل إليه ؛ وذلك لأنّ التوسّل من الطرق المهمّة والمؤثّرة

التي تدفع الإنسان إلى الكمال والفلاح، وتوصله إلى قرب اللّه‏ تعالى ؛ ولذلك يعدّ

٤٧

التوسّل من أهمّ المواضيع عند عموم المسلمين، وقد أكدّ الباري عزّ وجلّ على أداء هذا الأمر، ودعى كلّ المسلمين إلى التمسّك به.

وقد قال اللّه‏ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾(١).

التوسّل في اللغة والاصطلاح:

ورد في كتاب لسان العرب في معنى التوسّل: «الوسيلة المنزلة عند الملك.

والوسيلة: الدرجة. والوسيلة: القرب. ووسل فلان إلى اللّه‏ وسيلة إذا عمل عملاً

تقرّب به إليه، والواسل: الراغب إلى اللّه‏.

قال لبيد:


أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهمبلى كلّ ذي رأي إلى الله واسل

وتوسّل إليه بوسيلة: إذا تقرّب إليه بعمل، وتوسّل إليه بكذا: تقرّب إليه بحرمة

آصرة تعطفه عليه. والوسيلة: الوصلة والقربى، وجمعها الوسائل.

قال اللّه‏ تعالى: ﴿أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ»(٢).

وقال ابن كثير في التوسّل: «الوسيلة هي التي يتوصّل بها إلى تحصيل المقصود. والوسيلة أيضاً عَلَمٌ على أعلى منزل في الجنّة وهي منزلة رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم »(٣).

منشأ التوسّل:

عندما نراجع الكتب الروائيّة والتأريخيّة نرى بأنّ منشأ التوسّل كان في زمن نبيّنا آدم عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام.

١- المائدة ٥: ٣٥.

٢- لسان العرب ١١: ٧٢٤.

٣- تفسير ابن كثير ٢: ٥٥.

٤٨

توسّل آدم بالنبي محمّد صلى الله عليه و آله و سلم :

قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم : «لمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا ربّ أسألك بحقّ محمّد لما غفرت لي.

فقال اللّه‏: يا آدم، وكيف عرفت محمّداً ولم أخلقه؟

قال: يا ربّ لأنّك لمّا خلقتني بيدك، ونفخت فيّ من روحك، رفعتُ رأسي

فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلاّ اللّه‏، محمّد رسول اللّه‏، فعرفتُ أنّك لم تضف إلى اسمك إلاّ أحبّ الخلق إليك.

فقال اللّه‏: صدقت يا آدم، إنّه لأحبّ الخلق إليّ، إذ سألتني بحقّه فقد غفرت لك، ولولا محمّد ما خلقتك»(١).

التوسّل في القرآن الكريم:

إنّ حقيقة التوسّل بدأت من زمن نبيّنا آدم عليه‏السلام، وتداولت في كلّ العصور وكان الناس في عصر أنبيائهم يتوسّلون بهم لحلّ مشاكلهم. ومن الآيات التي تشير إلى هذه الحقيقة:

١ - توسّل الناس بالنبي عيسى عليه‏السلام:

قال تعالى:﴿ وٍُبْرِىُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ﴾(٢).

وتكشف المصادر التأريخيّة بأنّ الناس كانوا يتوسلون بالنبي عيسى للعلاج

وحلّ المشاكلّ

٢ - توسّل أبناء يعقوب عليه‏السلام:

قال تعالى: ﴿ قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾(٣).

١- شفاء السقام في زيارة خير الأنام، تقي الدين السبكي: ٢٩٥.

٢- آل عمران ٣: ٤٩.

٣- يوسف ١٢: ٩٧.

٤٩

عندما ارتكب أبناء يعقوب ما ارتكبوا في حقّ أخيهم يوسف عليه‏السلام، ثمّ طلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم عند اللّه‏، فأجاب يعقوب لأبنائه: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾(١).

آراء علماء أهل السنّة حول التوسّل:

إنّ مسألة التوسّل عند علماء أهل السنّة مقبولة وهم لا يختلفون مع الشيعة في ذلك، وقد تبيّن للباحثين أهميّة مسألة التوسّل عندهم.

يقول السبكي: «أن يطلب منه ذلك الأمر المقصود بمعنى أنّه صلى الله عليه و آله و سلم قادر على التسبّب فيه بسؤاله ربّه وشفاعته إليه فيعود إلى النوع الثاني في المعنى وإن كانت العبارة مختلفة، ومن هذا القول القائل للنبي صلى الله عليه و آله و سلم أسألك مرافقتك في الجنّة، قال:

(أعنّي على نفسك بكثرة السجود) والآثار في ذلك كثيرة أيضاً، ولا يقصد الناس بسؤالهم ذلك إلاّ كون النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم سبباً وشافعاً»(٢). يقول: أبو علي الخلال شيخ الحنابلة: «ما همّني أمر فقصدتُ قبر موسى بن جعفر فتوسّلت به إلاّ سهلّ اللّه‏ تعالى لي ما أحب»(٣). يقول السبكي: «إعلم إنّه يجوز ويحسن التوسّل، والاستغاثة، والتشّفع بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم إلى ربّه سبحانه وتعالى وجواز ذلك وحُسنه من الأمور المعلومة لكلّ ذي دين، المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين، وسير السلف الصالحين والعلماء

والعوام من المسلمين»(٤).

١- يوسف ١٢: ٩٨.

٢- شفاء السقام، تقي الدين السبكي: ٣١٣.

٣- تاريخ بغداد ١: ١٣٣.

٤- شفاء السقام، تقي الدّين السبكي: ٢٩٣.

٥٠

الوسائل المقربة إلى اللّه‏ تعالى:

إنّ قضية التوسل لا تنحصر بالأولياء الصالحين فقط، بل أيّ شيء يرتضيه اللّه‏ ليكون الوسيلة بينه وبين العباد فإنّه يصحّ التوسّل به إلى اللّه‏، ومن أهمّ الوسائل

التي أشار إليها مولانا أمير المؤمنين عليه‏السلام هي:

«إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى اللّه‏ سبحانه وتعالى، الإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله، فإنّه ذروة الإسلام، وكلمة الإخلاص فإنّها الفطرة، وإقام الصلاة فإنّها الصلة، وإيتاء الزكاة فإنّها فريضة واجبة، وصوم شهر رمضان فإنّه جُنّة من العقاب، وحجّ البيت واعتماره فإنّهما ينفيان الفقر ويدحضان الذنب، وصلة الرحم فإنّها مثراة في المال، ومنسأة في الأجل، وصدقة السرّ فإنّها تكفّر الخطيئة، وصدقة

العلانية فإنّها تدفع ميتة السوء، وصنائع المعروف فإنّها تقي مصارع الهوان(١).

التوسّل عند الوهّابيّة:

صرّح الوهّابيّون بشرك وبطلان عقيدة الذين يتوسّلون بأولياء اللّه‏ الصالحين، وقال هؤلاء:

١ - إنّ دعاء الصالحين والاستغاثة بهم والتوسّل بجاههم لم يكن في دين اللّه‏ تعالى قربة ولا عملاً صالحاً فيتوسّل به أبداً، وإنّما كان شركاً في عبادة اللّه‏ محرّماً، يخرج فاعله من الدين، ويوجب له الخلود في جهنّم و[أيضاً قولهم]: يا سيّدي فلاناً ومولاي فلاناً خذ بيدي، وكن لي كذا، وادع اللّه‏ بكذا، أو أنا في حماك، وأنا بك وباللّه‏ و... من كلمات الشرك والباطل هو من الضلال...

٢ - النذور للأولياء الصالحين، الذبائح لأرواح الأولياء، العكوف حول قبور

١- نهج البلاغة خطب الإمام علي تحقيق: الشيخ محمّد عبده ١: ٢١٥، خطبة ١١٠،

٥١

الصالحين، سؤال اللّه‏ بجاه فلان، سؤال اللّه‏ تعالى بحقّ فلان، كلّ هذا ضلال وباطل وهو شرك محرّم...(١).

وأيضاً تنكر الفرقة الوهّابية مبادرة اللذين يتوسلون بروح النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أو الأولياء الصالحين ويعتقدون بأنّ هذا العمل غير مقبول عند اللّه‏.

الجواب: ادّعاء الفرقة الوهّابيّة على خلاف ما ذهب إليه كبار علماء أهل السنّة كأحمد بن حنبل وابن ماجة حيث صحّح هؤلاء الكثير من الأحاديث الشريفة الواردة حول التوسّل، منها ورد: «بأنّ رجلاً ضرير البصر أتى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فقال: ادع اللّه‏ أن يعافيني، قال صلى الله عليه و آله و سلم إن شئت دعوت لك وإن شئت صبرت فهو خير قال: فادعه، قال: فأمره، أن يتوضّأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: «اللّهم

إنّي أسالك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد نبيّ الرحمة، يا محمّد إنّي توجّهت بك إلى ربّي في حاجتي ليقضي لي، اللّهم شفّعه فيّ»(٢).

ففي هذه الرواية بدل أن يدعو الرسول صلى الله عليه و آله و سلم مباشرة، يأمره أن يتوسّل به إلى اللّه‏ عزّ وجلّ وعندما توسّل الرجل بالنبي زال ضرره وعاد له بصره. قال ابن حنيف: فواللّه‏، ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضرر قطّ(٣).

يقول أنس بن مالك: لمّا ماتت فاطمة بنت أسد، دخل صلى الله عليه و آله و سلم عليها فجلس عند رأسها قال: «... اللّه‏ الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأُمّي فاطمة بنت

١- عقيدة المؤمن: ٨٩ إلى ٩١.

٢- شفاء السقام، تقي الدين السبكي ٣٠٠ - ٣٠١.

٣- نفس المصدر: ٣٠٤.

٥٢

أسد ونكبتها [أي: لقّنها] حجّتها، ووسّع عليها مدخلها، بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي فإنّك أرحم الراحمين...»(١).

يقول أبو سعيد الخدري: قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم : من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللّهم إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك، وأسألك بحقّ ممشاي هذا، فأنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة، خرجت اتّقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، إنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت أقبل اللّه‏ عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك»(٢). ويصرّح هذا الحديث بجواز التوسّل بجاه ومقام الأولياء الصالحين.

جواب شبهة مقدّرة:

إن قيل كيف يمكن أن نستغيث بالأنبياء المعصومين سلام اللّه‏ عليهم وهم ليسو على قيد الحياة؟

نقول: أن القرآن الكريم يثبت حياة الشهداء الذين يُقتلون في سبيل اللّه‏ عزّ وجلّ وطلب الشفاعة منهم.

التحرّر من التقليد الأعمى:

يقول «محمّد إبراهيم»: قبل بحثي حول مذهب التشيّع كنت من المتعصّبين ضدّ هذا المذهب، وكنت أظّنه مذهباً باطلاً يبتغي إضلال الآخرين وإبعادهم عن الحقّ، ولكن كلّ هذه التصورات كانت تنشأ من التقليد الأعمى لكبار مذهبنا ومرشدينا، حيث كانوا يحاولون تبيين صورة شنيعة حول التشيّع في أذهان الناس، ولكنّني بعون اللّه‏ تعالى وجهد صديقي الشيعي انطلقت نحو البحث والدراسة حول هذا المذهب

١- المعجم الكبير الطبراني ٢٤: ٣٥٢.

٢- سنن ابن ماجة ١: ٢٥٦، حديث٧٧٨.

٥٣

الذي كنت أشمئزّ منه، ودراسة عقائد التشيّع أغنتني في المجال الفكري ووسّعت آفاقي المعرفيّة، وبدأت أشعر بنشوة ولذّة، وكأنّي غائص في بحر من المعارف التي كنت أتلقّاها من هذا المذهب، وكنت أشعر بقوّة عجيبة في كياني تدفعني للمزيد من التّعرف على هذا المذهب، فبدأت البحث والدراسة بإمعان ودقّة فحصلت على المزيد من المعلومات العقائديّة المختلفة لمذهبي، هذا الأمر جعلني أن أبدأ بمقايسة

براهين مذهبي مع براهين الشيعة، فرأيت براهين الشيعة هي البراهين الحقّة والمقبولة عند اللّه‏، فاقتنعت بمذهب التشيّع وأنقذت نفسي من ظلمات الجهل. فأعلنت استبصاري عام ١٤٢٢ه (٢٠٠٣م).

٥٤

(٩) محمّد كاظم عبّاس ليمي (حنفي / العراق)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ولد سنة ١٣٧٨ه (١٩٥٩م) في «المدائن» في أطراف «بغداد» عاصمة العراق، ونشأ في أُسرة سنّية حنفيّة المذهب، واصل دراسته إلى المرحلة المتوسطة، استبصر واعتنق مذهب آل البيت عليهم‏السلام سنة ١٩٨٥م في معسكر منجيل شمال إيران.

حديث الثقلين هداني إلى ولاية أهل البيت عليهم‏السلام:

يقول: «محمّد»: «هيّأت لي فترة الأسر في إيران فرصة لمراجعة النفس، وقراءة الكتب والصحف، فاطلعت على ثقافة جديدة كنت محروماً منها سابقاً، واستمعت إلى محاضرات دينيّة عن الإسلام مملوءة بالمعارف والوعظ وعلوم أهل البيت عليهم‏السلام.

هذا وقد كان لحديث الثقلين(١) الذي يرويه الطرفان من الشيعة والسنّة أثر كبير في نفسي، حيث عرفت أنّ الرسول لم يترك أمّته سدى، ولم يوكّل الأمر للأمّة تنتخب من تشاء بدون دليل، بل أوصى أمّته بأنّ هناك جماعة يعادل التمسّك بهم التمسّك بالقرآن الكريم.

فالقرآن هو الدّستور، وهم الذين يسيرون على المنهج، وعليه فهم القادة

١- مسند أحمد ٣: ١٤، ١٧، ٥٩.

٥٥

والساسة لهذه الأُمّة.

ثُمّ من الواضح أنّ أهل البيت عليهم‏السلام - إذا استثنينا الرسول الكريم المتّفق عليه من الطرفين - هم فاطمة وبعلها وبنوها لا غير، أمّا سعي البعض لإدخال الآخرين معهم، أو تشويه معنى الآل بمعان ما أنزل اللّه‏ بها من سلطان، فهو سعي خائب يهزمه الدليل، ويردّه البرهان.

غصب الخلافة من آل البيت عليهم‏السلام وظلم شيعتهم:

ثُمّ إنّ تقدم الآخرين عليهم في إدارة الأمور وادّعاء الخلافة، هو غصب لمناصب عيّنها اللّه‏ لهم، وهي لا تليق إلاّ بهم لعصمتهم فالأمر هو خلافة للرسول، ولابدّ أن يكون من يخلف الرسول مثله في سياسة الأمّة، وإلاّ لحصل إفساد وعمّ الخراب، كما حصل فعلاً، رغم سعي آل الرسول عليهم‏السلام للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه وهم خارج السلطة الظاهرية.

ثُمّ إنّ الشيعة الذين والوا أهل البيت عليهم‏السلام، حاربهم المغتصبون بكلّ وسيلة، وأراقوا دمائهم بأدنى تهمة، فعاش الشيعة طوال القرون مظلومين محرومين مُطاردين، ولكنّهم استسهلوا الصعب، وركبوا الخطر من أجل بقاء الدين، ووفاءً لقادته الذين ضحوا بالنفس والنفيس من أجل سيادة الإسلام وعزّة المسلمين.

إنّ الظالمين كانوا وما زالو يحاربون الشيعة، ويتهموهم بكل شنيعة ويسبّوهم بكل دنيئة لعلّهم يفلحون في الوصول إلى مآربهم الشيطانيّة. ولكن هيهات، فشأن الشيعة هو الذي يعلو ولا يعلى عليه على مر الزمان، وأمّا أعداءهم وأعداء آل البيت فما نصيبهم إلاّ ازدياد الخزي، وتجدد العار في كلّ عصر وحين وزمان.

٥٦

(١٠) محمّد جاسم اللهيبي (سنّي / العراق)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ولد سنة ١٣٨٦ه (١٩٦٧م) في مدينة «الموصل» شمال العراق، ونشأ في أُسرة سنّية المذهب، وقع في أسر القوات الإيرانية في الحرب بين «العراق» و«إيران» في ثمانينات القرن الماضي، استبصر واعتنق مذهب آل البيت عليهم‏السلام سنة ١٤٠٦ه (١٩٨٦م) في إيران.

سطوع نور الولاية يقودني إلى الهداية:

يقول «محمّد»: «عندما وقعت في الأسر في إيران، لم تذهب أيّامي هدراً كما ضاع شبابي أيّام كنت في الجيش العراقي الظالم، فقد سنحت لي الفرصة للاطلاع على الكتب المختلفة ثقافيّة ودينيّة واجتماعيّة، وتفتّحت آفاقي الذهنية على عالم جديد حُرمت منه سابقاً، كما جذبتني المحاضرات الدينيّة التي عالجت جوانب متعدّدة من مفاهيمي الدينيّة، وعواطفي النفسيّة.

كما ساهم حضوري الفعّال في النشاطات المختلفة في معسكرات الأسر في الالتقاء والتواصل مع أبناء بلدي الذين يشاركوني في الأسر، فاطلعت على أفكارهم ومشاعرهم وأسباب فرحهم وحزنهم، ممّا ولدّ لي فرصاً لاكتساب الصداقات، والتعرّف على أنماط مختلفة المزاج من البشر، والاستفادة من تجاربهم في

الحياة، وكانت النقاشات المتبادلة بيننا تشمل الأُمور الدينية والمذهبيّة، إن لم أقل

٥٧

أنّها كانت في صميم همومنا وفي عمدة أفكارنا.

لقد ساهمت الأُمور السابقة في تشكيل هويّتي الدينيّة والشخصيّة الجديدة، فقد سطع نور أهل البيت عليهم‏السلام على آفاق نفسي الروحيّة التي غرّر بها الظالمون سابقاً، وساقوها إلى حرب ضروس لم أعرف لها مغزى، ولم أقف منها إلاّ على الويلات والشرور.

ثُمّ قادني هذا النور الساطع إلى الاعتقاد بمذهبهم الذي يرفع راية الحقّ التي ألقاها الآخرون جانباً، وإن كثر الادّعاء والانتساب.

المذهب الحقّ هو مذهب آل البيت عليهم‏السلام:

يريد اللّه‏ سبحانه وتعالى أن يحقّ الحقّ ويَهزمُ الباطل ؛ لأنّه على الحقّ تدور عجلة الوجود وفق حكمة اللّه‏ والحقّ هو من أسماء اللّه‏ الحسنى ولابدّ من تحققه في كلّ أرجاء الكون، شاء الظالمون أم أبوا، ورضي المجرمون أم سخطوا.

قال تعالى:﴿ . . . وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الُْمجْرِمُونَ﴾(١). وقد سعى الأنبياء والأولياء على طول التاريخ في الدفاع عن الحقّ، ومحاربة الباطل ممّا أدّى إلى أن يقتلهم الظالمون فضلاً عن إيذائهم، قال تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا . . . »(٢).

وقال عزّ من قائل: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ . . . ﴾(٣).

كما انتقد القرآن الكريم الأُمم السابقة بكتمانها الحقّ، وعدم التزامها به، قال

١- الأنفال ٨ : ٧ - ٨.

٢- البقرة ٢ : ١١٩.

٣- البقرة ٢ : ٦١.

٥٨

تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾(١).

وقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(٢).

وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ . . . ﴾(٣).

كما أن مجانبة الحقّ كافية في إدانة المجانبين له، قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾(٤). وقال سبحانه: ﴿ . . . الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾(٥).

وعليه فإنّ الميزانَ الذي توزن به الأُمور هو الحقّ قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ . . . ﴾(٦).

ونطق القرآن على لسان شعيب عليه‏السلام: ﴿ . . . رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾(٧).

هذا وجعل اللّه‏ استمرار الحقّ بعد وفاة النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله و سلم في علي عليه‏السلام الذي كان فدائيّ الإسلام الأوّل، فقال الرسول الكريم صلى الله عليه و آله و سلم : «علي مع الحقّ والحقّ مع علي»(٨)،

١- البقرة ٢ : ١٤٦.

٢- آل عمران ٣ : ٧١.

٣- المائدة ٥ : ٧٧.

٤- الأنعام ٦ : ٦٦.

٥- الأنعام ٦ : ٩٣.

٦- الأعراف ٧ : ٨.

٧- الأعراف ٧ : ٨٩.

٨- مجمع الزوائد ٧: ٢٣٥.

٥٩

وقد عانى الإمام علي عليه‏السلام بشدّة كما عانى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم سابقاً حتّى قال في بعض المواقف: «صبرت وفي الحلق شجى، وفي العين قذى»(١).

وهكذا كان الأمر مع بقية أهل البيت المعصومين الذين اختارهم اللّه‏ لحمل دينه الحقّ والدفاع عنه أمام الأعداء المجرمين، أتباع الشيطان، وعبّاد الدنيا.

ثُمّ إنّ الشيعة الكرام والوا أئمّتهم على الحقّ، وتبعوهم عليه، فكانوا غرضاً لكلّ ظالم، وهدفاً لكلّ مستهتر، وقد ضحّوا بالنفوس الغالية، والنفائس النفيسة في سبيل الحقّ، خضوعاً منهم للدين الحقّ الذي يقوده من جسّم الحقّ تجسيماً، فاعطاه اللّه‏ حقّ الولاية وحقّ الوصاية.

إن الإنسان المسلم بولائه للحقّ، وبحثه عن الحقيقة، وبصبره في سبيل نيلهما، يكون قد سلك معراج الكمال ؛ وارتقى سلّم الهداية، اللذان يقودانه إلى السعادة الأبديّة، والراحة السرمديّة في جنان الخلد، بالحشر مع الأنبياء والأولياء والصالحين، وما أعظمها من سعادة لو كان الناس يفقهون ما ينفعهم وما يضرّهم حسب الواقع المغطّى بستائر كثيفة من الظلام، والتي يحتاج المرء إلى جهاد وصبر بعد الإيمان القوي ليكشف الحجب، وينال الحقائق، ويتمسّك بالحق مع أهله.

١- نهج البلاغة ١: ٣٠، الخطبة ٣، المعروفة بالشقشقية.

٦٠