×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

قراءة في المنهج الحديثي عند الألباني / الصفحات: ٢١ - ٤٠

«حينما نقول نحن والسلف فإنّما نقصد به خير طائفة وجدت على وجه الأرض بعد الرسل والأنبياء, وهم صحابة رسول الله, الذين كانوا القرن الأول, ثمّ التابعين الذين جاءوا في القرن الثاني, ثمّ أتباع التابعين الذين جاءوا في القرن الثالث, أهل القرون الثلاثة هم الذين يطلق عليهم السلف, وهم خير أمّة, وإذا كانت هذه الأمّة هي خير الأمم كلّها, نتج أنّ من بعد الرسول هم أفضل البشر قاطبة باستثناء الرسل والأنبياء كما ذكرت..., فحينما تنتمي إلى السلف فمعنى ذلك أنّه انتمي إلى خير القرون, ويجب أن نلاحظ أنّ هذا الانتساب لا يعني الانتساب إلى شخص, أو إلى جماعة من الممكن أن يكون على خطأ, أو على ضلال كليّ أو جزئي<(١).

فاتّضح من خلال ما تقدّم المراد من السلف, كما اتّضح أيضا: أنّ السلفي يقصد منه من ينتمي إلى السلف ويتّبع نهجهم وطريقتهم.

قال الذهبي: «السلفي بفتحتين هو من كان على مذهب السلف<(٢).

وقال السمعاني: «السلفي بفتح السين واللام وفي آخرها فاء

١- الحاوي في فتاوى الشيخ الألباني: ٢/ ٢٦٦,٢٦٧.

٢- سير أعلام النبلاء: ٦/ ٢١.

٢١
هذه النسبة إلى السلف وانتحال مذهبهم على ما سمعت<(١).

فالانتساب إلى السلفيّة: هو انتساب إلى منهج السلف إيماناً واعتقاداً, فقهاً وعلماً, عبادةً وسلوكاً, تربيةً وتزكيةً, وحيث إنّ عصر السلف خال من التعقيد؛ فكانوا يأخذون الدين ببساطة من القرآن والسنّة النبويّة, وهما المصدران الوحيدان لفهم الشريعة والعقائد الإسلامية, لذا فإنّ منهج السلفيين هو الاعتماد على الكتاب والسنّة, ولكن بفهم السلف؛ باعتبار قربهم من عصر النصّ, وهذا المعنى جليّ وواضح في كلماتهم:

قال الهلالي: «السلفيّة تعني الإسلام المصفّى من رواسب الحضارات القديمة, ومورثات الفرق العديدة, بكماله وشموله كتابا وسنّة بفهم السلف الممدوحين بنصوص الكتاب والسنّة<(٢).

كما أنّ الشيخ الألباني يشير إلى ذلك في محاضرته (أصول الدعوة السلفيّة), حينما يتكلّم عن الفرقة الناجية, ويبيّن أنّ القرآن والسنّة ليست علامة للفرقة الناجية, حيث إنّ الكلّ يدّعي انتماءه للقرآن والسنّة, ولايمكن لأحد من المسلمين أن يتبرّأ من القرآن والسنّة؛ لأنّ ذلك يساوق الخروج عن الإسلام،

١- الأنساب: ٣/ ٢٧٣.

٢- لماذا اخترت المنهج السلفي: ٣٤.

٢٢
أمّا السلفية – بزعم الشيخ الألباني- يختلفون عن بقية الفرق الإسلاميّة؛ لأنّهم ينتمون إلى شيء آخر, نصّ عليه الشيخ الألباني بقوله: «وهذا الشيء الآخر: العصمة من الخروج عن الكتاب والسنّة باسم التمسّك بالكتاب والسنّة, ألا وهو التمسّك بما كان عليه أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من المهاجرين والأنصار, والذين تبعوهم من أتباعهم وأتباع أتباعهم، ألا وهم القرون المشهود لهم بالخيريّة في الحديث الصحيح, بل الحديث المتواتر...<(١).

وقال أيضاً: «ولذلك فعدم الرجوع إلى ماكان عليه سلفنا الصالح من المفاهيم ومن الأفكار والآراء, هو السبب الأصيل الذي جعل المسلمين يتفرّقون إلى مذاهب شتّى وطرائق قددا. فمن كان يريد حقا الرجوع إلى الكتاب والسنّة, فيلزمه الرجوع إلى ماكان عليه أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والتابعين وأتباعهم من بعدهم<(٢).

إنّما ذكرنا هذه المقدّمة في بيان معنى السلفيّة والسلفي؛ لأنّ الشيخ الألباني المعني في هذا البحث هو المشيّد لأسس وأركان السلفيّة في عصرنا الحديث, فدراستنا لمنهجه الحديثي

١- انظر المنهج السلفي عند الشيخ ناصر الدين الألباني: ١٤- ١٥.

٢- المصدر السابق: ٢٧.

٢٣
هي عبارة عن دراسة المنهج الحديثي للفكر السلفي المعاصر, فإنّه يمكن القول إنّ السلفيّة بدأت بدعوة أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١هـ) بالرجوع إلى الكتاب والسنّة, وكانوا يُسمّون بأهل الحديث, ثمّ وضع أسسها وأصولها ابن تيمية(ت: ٧٢٨هـ)، ووضعها موضع التطبيق محمّد بن عبد الوهاب(ت: ١٢٠٧هـ) وشيّد أركانها ودعا لها بقوة الشيخ الألباني من خلال كتبه ودروسه ومحاضراته.

مناقشة معنى السلفيّة

وقبل الشروع في آراء الألباني في الحديث لا بدّ من الإشارة ولو على نحو الاختصار بأنّ هذا التعريف الاصطلاحي للسلفيّة ممّا لا محصّل له عند التأمّل؛ وذلك لشدّة الاختلافات التي حصلت لدى السلف, سواء في الأمور العقائدية أو الفقهية, بل حصلت بينهم معارك وحروب واقتتال وسالت بينهم دماء كثيرة!

ولعلّ أهمّ وأوّل الخلافات التي نشأت هو الاختلاف الناشئ في أوّل يوم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله, فأيّ فهم للسلف سوف يُتّبع؟ فعليّ عليه السلام والمقداد وأبو ذر وغيرهم من خيار الصحابة رفضوا بيعة أبي بكر, بينما نجد عمر وغيره اشتركوا في صراع السقيفة الذي نتج عنه مبايعة

٢٤
أبي بكر, فلماذا تمّ اختيار رأي عمر, ولم يتمّ اختيار رأي عليّ وأصحابه, فكلاهما من السلف, وكلاهما من القرن الأوّل, وهو خير القرون بحسب حديث البخاري المتقدّم, فالصحابة انقسموا في مسألة الخلافة إلى علويين شيعة, يؤمنون بالنصّ والتعيين النبويّ المباشر لعليّ بن أبي طالب، وآخرون انتصروا لأبي بكر وعمر وعثمّان, وآمنوا بشرعيّة خلافتهم، وغيرهم رام الحياد, وإن تطور هذا التيار فيما بعد ليصبح ما عرف بالعثمانيّة. وهذا الخلاف ليس بالهيّن؛ لأنّ السيف قد جرّد فيه, وتبادل الفريقان التكفير والتضليل، فمن تبع الفريقين, إذن يكون متّبعا للسلف غير منحرف عن نهجهم, فلا يصحّ لما يُسمّون أنفسهم بالسلفيين تكفير فرقة وانتقاد أخرى مادام الكلّ متّبعاً للسلف!!

والمتتبّع للتاريخ يرى انحرافات عديدة قام بها ما يسمّون بالسلف الصالح، بل نجد أنّ النبيّ صرّح في أحاديث عامّة بأنّ بعض أصحابه في النار كما في أحاديث الحوض(١), وخصّ بعضهم على التحديد بكونهم في النار كما في حديث: «قاتل

١- انظر صحيح البخاري: ٤/ ١١٠, ٥/ ١٩١, ٧/ ١٩٥, صحيح مسلم: ٧/ ٦٨, ٧٠- ٧١.

٢٥
عمّار وسالبه في النار<(١), حيث إنّ الذي قتل الصحابي عمّار بن ياسر هو صحابي آخر, يدعى أبا الغادية الجهني(٢), بل كيف يمكن التوفيق بين حديث النبيّ لعليّ عليه السلام: «لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق<(٣) وبين الحديث الذي خصّ به النبيّ معاوية وأصحابه بقوله لعمّار: «... ويح عمار تقتله الفئة الباغية، عمّار يدعوهم إلى الله, ويدعونه إلى النار<(٤) فمعاوية وأصحابه قاتلوا عليّا وقتلوا عمّارا, وهم فئة باغية ويدعون إلى النار, فكيف يكونون سلفا صالحا يجب الاقتداء بهم، وكيف نُخرجهم من دائرة النفاق باعتبارهم مبغضين لعليّ ابن أبي طالب عليه السلام، وفي نفس السياق يدخل طلحة والزبير وزعيمتهم السيّدة عائشة الذين قاتلوا أمير المؤمنين في حرب الجمل, فهل يشملهم حديث النفاق لبغضهم عليّا عليه السلام, أم أنّهم قاتلوا عليّاً لكنّهم محبّون له وغير مبغضين!! وهذه الحروب كما هو واضح تضمّ عددا كبيراً من الصحابة

١- أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين: ٣/ ٣٨٧, وصحّحه, ووافقه الذهبي, وأورده الهيثمّي عن مسند أحمد وقال: «ورجال أحمد ثقات», انظر: مجمع الزوائد ٧: ٢٤٤.

٢- انظر تعجيل المنفعة: ٥٠٩.

٣- صحيح مسلم ١: ٦١.

٤- صحيح البخاري ٣: ٢٠٧.

٢٦
ومن التابعين, فالسلف لم يتّفقوا, وخلافاتهم بلغت الذروة حتّى سالت لأجل ذلك الدماء. فهل اتّباع كلّ فريق منهم _ والحال هذه _ يكون منجياً ويكون صاحبه ضمن الفرقة الناجية, ويكون صالحا مهتدياً؛ لأنّه تبع السلف!!!

إنّ أصحاب القرون الثلاثة الأُولى ذهبوا مذاهب شتّى متنافرة ومتناحرة، وكتب تاريخ الفرق تدلّ بوضوح على ذلك, فالمحقّق والمطّلع على آثار هؤلاء وسيرهم في كتب التاريخ يجد بينهم اختلافات عديدة جدّاً جدّاً, وقد كان يهون الاختلاف لو لم يكفّر بعضهم بعضاً, ويعتبر ذلك ديناً له وأصلاً من أصوله, فالإمام أبو حنيفة في نظر الإمام أحمد بن حنبل مرجئي، والمرجئي ضال منحرف. وقد كفّرته باقي الفرق، وهو يقول بخلق القرآن، وعليه فقد لزمه الكفر؛ لأنّ كلّ من قال بخلق القرآن فهو جهمي, وكلّ جهمي في نظر الحنابلة وإمامهم كافر. وهذه مسألة متعلّقة بالعقائد وأصول الدين وليست من الفروع حتّى يقال: لا يضر الاختلاف فيها.

يقول ابن قُتيبة, وهو يصف حال اختلاف أهل الحديث: «وكان آخر ما وقع من الاختلاف أمراً خصّ بأصحاب الحديث الذين لم يزالوا بالسنّة ظاهرين, وبالاتباع قاهرين, يداجون بكلّ بلد, ولا يداجون, ويستتر منهم بالنعل ولا

٢٧
يستترون، ويصدعون بحقّهم الناس ولا يستغشون، لا يرتفع بالعلم إلا من رفعوا, ولا يتضع فيه إلا من وضعوا, ولا تسير الركبان إلا بذكر من ذكروا, إلى أن كادهم الشيطان بمسألة لم يجعلها الله تعالى أصلاً في الدين ولا فرعاً, في جهلها سعة وفي العلم بها فضيلة، فنما شرّها وعظم شأنها, حتّى فرّقت جماعتهم, وشتّتت كلمتهم ووهّنت أمرهم, وأشمتت حاسديهم، وكفت عدوهم مؤنتهم بألسنتهم وعلى أيديهم, فهو دائب يضحك منهم ويستهزئ بهم, حين رأى بعضهم يكفّر بعضاً, وبعضهم يلعن بعضاً, ورآهم مختلفين وهم كالمتّفقين, ومتباينين وهم كالمجتمعين...<(١).

وهناك نصّ آخر أورده عبد الله ابن حنبل في كتابه (السنّة) يلقي الضوء على عقائد أهل الحديث, وما أصابها من تهافت وتناقض وانتقائية, يقول: حدّثنا يحيى بن أيوب إملاءً سنة ثلاثين ومائتين, نا أبو حفص الأبار, حدّثني شيخ من قريش, عن الشعبي قال: «أرجئ الأمور إلى الله تعالى, ولا تكن مرجئا, وأمر بالمعروف وانهَ عن المنكر ولا تكن حروريا, واعلم أنّ الخير والشرّ من الله ولا تكن قدريا...<(٢).

١- الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة: ١٢.

٢- السنة: ٢/ ٥٥٩.

٢٨
هذا الخليط العجيب من الأفكار والمعتقدات المتناقضة والمتضاربة يسمّونه (مذهب السلف). وفي الحقيقة أنّ التيه الذي حصل للسلفيين وغيرهم من مذاهب وتيّارات أهل السنّة هو في إعطائهم الصحابة غير حجمهم الحقيقي, وعدم التعامل معهم وفق المعيار الإلهي الذي ينصّ على أنّ التقوى هي الميزان في التفاضل بين الأفراد, وابتعادهم كذلك عن وصايا النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله, فإنّ الجمع بين الحال التاريخي الواقعي الذي كان عليه الكثير من الصحابة, ونظرة أخرى في روايات النبيّ الموجبة لاتّباع أهل البيت عليهم السلام, كحديث الثقلين والسفينة وغيرهما من الأحاديث الواردة في عليّ عليه السلام وأولاده الطاهرين تفضي إلى نتيجة حتميّة وهي أنّ قيادة الأمّة الإسلاميّة وخلافتها بعد النبيّ وفي بعديها السياسي والديني هي إنّما لأهل البيت عليهم السلام, أي أنّ النبيّ لم يترك أمر هذه الأمّة سدى في مهبّ الرياح, بل بيّنه وأكّد عليه أيّما تأكيد, وقد ذكرنا في كتابنا (أئمّة أهل البيت في كتب أهل السنّة) مجموعة من الآيات والروايات تؤكّد بشكل غير قابل للشكّ والترديد على أنّ الخلافة بعد النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله هي لأهل البيت عليهم السلام, من شاء فليراجع.

٢٩

حجية الحديث: حدودها وأدلتها

٣٠

٣١
شيخ حكمت قراءة في المنهج الحديثي عن الألباني » حكمت الرحمة » (ص ٣١ - ص ٦٠)

حجية الحديث: حدودها وأدلتها

حجيّة الحديث ثبوتا عند الألباني

ونقصد بكلمة (ثبوتاً) هو أصل مسألة اعتبار الحديث النبويّ والقول بحجيّة السنّة النبويّة, فنقول: لا شكّ في أنّ المسلمين يعتبرون السنّة النبويّة المصدر والمرجع الثاني بعد القرآن الكريم, لكنّهم اختلفوا في نوع الحديث الذي يجب التمسّك به, هل هو الخبر المتواتر أم الآحاد أم المحفوف بالقرينة؟ وهكذا, وكذا اختلفوا في سعة حجيّة الحديث, فهل هو حجّة في الأحكام الشرعيّة فقط أم يشمل العقائد والتفسير وغيرها؟ فظهرت مدارس واتجاهات متنوّعة بعضها اشترط في قبول الخبر في العقائد أن يكون متواترا, وبعضها اكتفى بكونه خبر آحاد صحيح, وبعضها اعتبر حجّيتها في الأحكام أن يكون مقطوعا بصدوره لقرائن وغيرها, وبعضهم اكتفى بكون رواته ثقاتاً, وهكذا تعدّدت المدارس والاتجاهات في هذا المجال تبعا لاختلافها في نوع الحديث الحجّة, ومدى سعته وشموله.

غير أنّ هناك فرقة تنفي أن يكون الحديث النبويّ حجّة

٣٢
بأيّ حال من الأحوال, وترى أنّ المصدر الرئيس للشريعة هو القرآن الكريم, وأصحاب هـذه الفـرقة يسمّــون بالقـرآنيين, باعتبار مصدرهم الأوحد هو القرآن الكريم, ونفيهم حجّية الحديث النبويّ, وليس هنا محلّ نقاشهم أو التعرّف على عقائدهم, بل ذكرناهم باعتبار أنّهم لا يرون حجيّة الخبر ثبوتا وفي مرحلة متقدّمة على عالم الإثبات.

وما يهمّنا في هذا البحث هو معرفة رأي الشيخ الألباني في قبول حجيّة الحديث من عدمها, ومن الواضح أنّ الشيخ وتبعاً للمنهج السلفي يُعدّ من القائلين باعتبار حجيّة الحديث, بل ومن المتوسعين في شمول حجيّته وعمومها كما سيتضح فيما بعد, غير أنّنا هنا ننقل له نصّاً واحداً يبيّن ذلك, قال في كتاب له بعنوان: (الحديث حجّة بنفسه): «إنّ من المتّفق عليه بين المسلمين الأوّلين كافّة أنّ السنّة النبويّة - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - هي المرجع الثاني والأخير في الشرع الإسلامي في كلّ نواحي الحياة من أمور غيبية اعتقادية, أو أحكام, عمليّة, أو سياسيّة, أو تربويّة, وأنّه لا يجوز مخالفتها في شيء من ذلك لرأي أو اجتهاد أو قياس كما قال الإمام الشافعي رحمه الله في آخر (الرسالة): لا يحلّ القياس والخبر موجود.

٣٣
ومثله ما اشتهر عند المتأخرين من علماء الأصول: إذا ورد الأثر بطل النظر. لا اجتهاد في مورد النصّ.

ومستندهم في ذلك الكتاب الكريم والسنّة المطهّرة<(١).

ثمّ أخذ يبيّن أدلّته على ذلك من القرآن والسنّة الشريفة, وسيأتي التعرّض لبعضها فيما بعد.

ومن يتتبع مؤلّفات الألباني الحديثية يظهر له موقف الشيخ من الاعتماد على الحديث بوضوح, فقد كانت له مشاريع في تصحيح وتضعيف الأحاديث, وفرز بعضها عن البعض الآخر؛ ليتّضح ما يمكن الاعتماد عليه من الذي يجب تركه كما يصرّح هو بذلك، ولعلّ من أهم مؤلّفاته في هذا الباب مايلي:

١- سلسلة الأحاديث الصحيحة.

٢- سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة.

٣- صحيح سنن النسائي.

٤- ضعيف سنن النسائي.

٥- صحيح سنن الترمذي.

٦- ضعيف سنن الترمذي.

٧- صحيح سنن ابن ماجة.

٨- ضعيف سنن ابن ماجة.

٩

١- الحديث حجّة بنفسه: ١.

٣٤
- صحيح سنن أبي داود.

١٠- ضعيف سنن أبي داود.

١١- صحيح الجامع الصغير.

١٢- ضعيف الجامع الصغير.

١٣- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل.

١٤- صحيح الأدب المفرد.

١٥- صحيح الترغيب والترهيب.

١٦- ضعيف الترغيب والترهيب.

١٧- تحقيق وتخريج مشكاة المصابيح.

وغير ذلك الكثير الكثير من الكتب التي حكم الألباني على أحاديثها بالصحّة أو الضعف, لغرض تمييزها والعمل والاعتماد على الصحيح وترك ماسواه.

وليلتفت أنّ المراد من الصحيح هنا إنّما هو المعتبر والحجّة الشامل للحسن وغيره.

رفض التقليد وضرورة الرجوع إلى الكتاب والسنّة

من المبادئ الرئيسة التي يسير عليها السلفيون هو الرجوع إلى الكتاب والسنّة, والاستقاء منهما مباشرة, لذا فهم رفضوا الوقوف على تقليد الأئمّة الأربعة, بل رفضوا التقليد برمّته, وقالوا بوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنّة, واستثنوا من ذلك

٣٥
خصوص الجاهل الذي لا يفهم معاني الكتاب والسنّة, فهذا يرجع إلى العالم, ولكن رجوعه كطريق لفهم الكتاب والسنّة فقط, وليس من باب تقليد العالم والوقوف على رأيه.

يقول الألباني في ذلك: «نحن نقول في التقليد إنّ الأصل الواجب على كلّ مسلم أن يدين بالكتاب والسنّة, وأن يتّبع ما ثبت في الكتاب والسنّة.

هذا هو الواجب على كلّ مسلم بدون التفريق بين عالم ومتعلّم, وبين أمّي, كعقيدة لا فرق في ذلك. الفرق يأتي في الأسلوب, العالم كيف يعرف حكم الله, والأمّي كيف يعرف حكم الله... الجواب في نفس القرآن: {فَسْأَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ}(١) اسألوا أهل الذكر عن ماذا؟... لا شكّ أنّ السؤال عن حكم الله أنزله في كتابه, وبيّنه رسوله في حديثه, فالاختلاف بين العالم والأمّي الجاهل ليس في حقوق وجوب اتّباع الكتاب والسنّة على كلّ منهما, وإنّما الاختلاف في طريقة الوصول إلى معرفة ما يجب اتّباعه بالكتاب والسنّة, فالعالم يعرف ذلك مباشرة, أما الأمّي العامي فلا يمكنه أن يعرف ذلك إلا بواسطة العالم... فواسطة الأمّي والجاهل لمعرفة حكم الله وحكم رسول الله هو هذا العالم, فالعالم وسيلة

١- النحل: ٤٣.

٣٦
وليس غاية, والغاية هو اتّباع الكتاب المبين, والسنّة المبيّنة للكتاب, ولكن أن يصل الأمر إلى قلب هذه الحقيقة, فهذا هو الضلال المبين, فما هو القلب للحقيقة؟ هو أن تجعل الوسيلة غاية, بمعنى أن تجعل هذا العالم الذي ربّما هو الغاية(١) وأنّ

ما يقوله هذا العالم لا يجوز ردّه حتّى ولو كان مخالفاً

تمام المخالفة لما في الكتاب والسنّة, بمعنى أن لا تسمع إلى حكم الله وحكم رسول الله, ولكنّ المسألة... يقول له كذا فيخضع له ويتّبعه, وكان المفروض أن يخضع ويُسلّم لله ربّ العالمين...<(٢).

ويقول في آخر كتابه الحديث حجّة بنفسه: «فوطّنوا أنفسكم على أن تؤمنوا بكلّ حديث ثبت لديكم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سواء كان في العقيدة أو الأحكام, وسواء قال به إمامك الذي نشأت على مذهبه بحكم بيئتك أو غيره من أئمّة المسلمين..., ولا تقلّدوا بشراً مهما علا أو سما<(٣).

١- المراد هنا بحسب السياق: ربّما هو الوسيلة, فهي إمّا زلّة لسان من الشيخ، أو سهو قلم من محرر المحاضرة, أو لكونها محاضرة صوتية فتكون (الذي) زائدة, ويكون مراده: أن تجعل هذا العالم ربما (أي أحياناً) هو الغاية, بينما هو وسيلة والغاية هو اتّباع الكتاب والسنّة.

٢- الحاوي في فتاوى الألباني: ٢/ ٢٣٣.

٣- الحديث حجّة بنفسه: ٩٨.

٣٧
إذن فالشيخ الألباني وتبعاً للمنهج السلفي لا يجوّز التقليد, ويوجب الرجوع إلى الكتاب والسنّة, ومستنده في ذلك مضافاً إلى الآيات والروايات الكثيرة التي توجب على الإنسان المسلم الرجوع إلى الكتاب والسنّة, الآيات الناهية عن اتّباع الآباء والأجداد والأحبار والرهبان, منها:

قوله تعالى: {وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ

إلّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنّا وَجَدْنَا آباءَنَا عَلَى‏ أُمّةٍ وَإِنّا عَلَى‏ آثَارِهِم مُقْتَدُونَ}(١)

وقوله تعالى: {اتّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِن دُونِ الله}(٢).

وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هذِهِ التّمَاثِيلُ الّتِي أَنْتُم لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ}(٣).

وقد ذكر في كتابه الحديث حجّة بنفسه جملة منها(٤), كما أنّه عقد بابا خاصّا في (التقليد واتخاذه مذهبا ودينا, حقيقة التقليد والتحذير منه), تناول فيه كلاماً طويلاً عن التقليد وذمّه,

١- الزخرف: ٢٣.

٢- التوبة: ٣١.

٣- الأنبياء: ٥٢- ٥٣.

٤- انظر: الحديث حجّة بنفسه: ٢٧- ٣٢, حيث ذكر الآيات الآمرة بالتمسّك بالكتاب والسنّة, وفي ص٧٦- ٧٧, ذكر الآيات الناهية عن اتّباع التقليد.

٣٨
وأنّه غير مفيد للعلم, وفرّق بينه وبين الاتّباع(١), سنتطرّق لذكر بعض كلماته أثناء الردود خشية التكرار والإطالة.

مناقشة أدلّة الألباني بخمسة وجوه

لا شكّ في أنّه لا كلام لنا في ضرورة الرجوع إلى الكتاب والسنّة, لكن الكلام في رفض التقليد, فلا توجد أيّ منافاة بينه وبين الرجوع إلى الكتاب والسنّة, فإنّ الرجوع إلى المجتهد العارف بالأحكام, المطّلع على مداركها العارف بعامّها وخاصّها, ومقيّدها ومطلقها.. هو في حقيقته رجوع إلى الكتاب والسنّة؛ باعتبار حجّية قول هذا العالم شرعاً وعقلاً, ويكون الرجوع اليه مُخرِجاً لعهدة المكلّف من التكاليف الإلهية, وبحسب التعبير الأصولي فإنّ الرجوع إليه منجّز ومعذّر, ويمكن الإجابة على كلام الألباني بعدّة أمور منها:

١- إنّ الآيات الناهية عن تقليد الآباء والرؤساء أجنبيّة عمّا نحن بصدده, فإنّ محلّ كلامنا إنّما هو التقليد في الأحكام الفرعيّة, والآيات المباركة إنّما وردت في ذمّ التقليد في الأصول, حيث كانوا يتّبعون آباءهم ورهبانهم في أديانهم مع أنّ الفطرة قاضية بعدم جواز التقليد من مثلهم حتّى في الفروع؛

١- انظر: الحديث حجة بنفسه: ٧٥- ٨٧.

٣٩
وذلك لأنّه من رجوع الجاهل إلى جاهل مثله, ومن قيادة الأعمى لمثله, فالذمّ فيها منصبّ على عدم رجوعهم إلى العلماء المطّلعين العارفين, بل بسبب رجوعهم إلى جُهّال مثلهم يتّبعون هوى أنفسهم من دون دراسة وتمعّن, مضافا إلى أنّ الأمور الاعتقادية يعتبر فيها العلم والمعرفة ولا يسوغ فيها الاكتفاء بالتقليد, فليس في الآيات المتقدّمة ما يدلّ على النهي عن التقليد في الفروع.

بل إنّ هناك آيات دلّت على جواز التقليد وحجّية الفتوى من قبيل آية النفر {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقّهُوا فِي الدّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ}(١). فهي ظاهرة في وجوب التفقّه وتحصيل الأحكام الشرعية على طائفة من كلّ فرقة, ثمّ تبليغها للجاهلين بها, ويؤيّد ذلك ما كان يفعله النبيّ صلى الله عليه وآله من بعث أشخاص إلى مناطق معيّنة لتعليمهم أحكام دينهم, فالتقليد في الفروع ثابت بنصّ القرآن وفعل النبي صلى الله عليه وآله.

٢- إنّ حجّية التقليد فطريّة جبلّية يشعر بها كلّ إنسان, حيث إنّه يعلم بوجود أحكام وتكاليف عديدة مطلوبة من

١- التوبة: ١٢٢.

٤٠