×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

قراءة في المنهج الحديثي عند الألباني / الصفحات: ٤١ - ٦٠

الشارع المقدّس, فلا بدّ من امتثال جميع هذه الأحكام على اختلافها وتنوّعها وكثرتها من الرجوع إلى العالم المدرك لتلك الأحكام, المحيط بها, العارف والقادر على استنباطها.

٣- إنّ بناء العقلاء قائم على رجوع الجاهل إلى العالم في شتّى أنواع العلوم والمعارف, كالطبّ والهندسة والعمران وغيرها, ولا يوجد مجتمع من المجتمعات مهما كانت قيمته الحضارية, وانتشرت فيه المعرفة يستطيع أن ينهض أفراده بالاستقلال بالمعرفة التفصيليّة لكلّ ما يتّصل بحياتهم دون أن يكون فيهم علماء وجهّال ليرجع جهّالهم إلى علمائهم, فأيّ مجتمع هذا الذي يكون فيه كلّ فرد عالم بالطب والهندسة والفقه وسائر أنواع العلوم والمعارف؟

فإنّ المجتمعات البشريّة منذ أن وجدت وإلى اليوم فيها الجاهل بشيء العالم بغيره وهكذا, والجاهل يرجع فيما يجهل إلى العالم, وليس مجتمع النبي بدعاً من المجتمعات يتفرّد أفراده بالاستقلال بالمعرفة التفصيليّة لمختلف ما يحتاجون التعرّف عليه من شؤون دينهم ودنياهم, فكانت تغيب عن كبار الصحابة الكثير من الأحكام والمعاني القرآنيّة وغيرها, فهذا

٤١
عمر كان لا يعرف التيمّم(١)، ولا الكلالة(٢), بل وغيرهما الكثير من الأحكام، فالصحابة بأنفسهم يرجع بعضهم إلى بعض في حال عدم معرفتهم, فالتقليد ورجوع الجاهل إلى العالم كان موجوداً في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله, خصوصاً مع كثرة الصحابة والأفراد والمجتمعات التي أسلمت, فهل يعقل أنّ كلّ هؤلاء الأفراد كانوا يستطيعون الوصول إلى النبيّ ويأخذون الحكم منه مباشرة, أم أنّ جاهلهم كان يرجع إلى عالمهم.

يقول السيّد الخوئي حينما سُئل عن تاريخ وجوب التقليد على المسلمين: «التقليد كان موجوداً في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم وزمان الأئمّة؛ لأنّ معنى التقليد هو أخذ الجاهل بفهم العالم, ومن الواضح أنّ كلّ أحد في ذلك الزمان لم يتمكن من الوصول إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله, أو أحد الأئمّة وأخذ معالم دينه منه مباشرة< ويضيف الشيخ

١- فقد جاء في صحيح مسلم: ١/ ١٩٣: >أنّ رجلا أتى عمر فقال: إنّي أجنبت فلم أجد ماء, فقال: لا تصلّ, فقال عمّار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا, فلم نجد ماء, فأمّا أنت فلم تصلّ, وأمّا انا فتمعكت في التراب وصلّيت, فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إنّما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض, ثمّ تنفخ, ثمّ تمسح بهما وجهك وكفّيك, فقال عمر: اتّق الله يا عمّار, قال: إن شئت لم أحدّث به<.

٢- سيأتي ذكر مايدلّ على ذلك في آخر مبحث التقليد.

٤٢
التبريزي: «وكانوا يأخذون معالم دينهم ممّن يتيسر لهم الوصول إليه كالفقهاء والمحدّثين ولو بأخذ الحكم منهم في صورة الرواية وبعنوانها<(١).

فرجوع الجاهل إلى العالم قامت عليه السيرة العقلائية, ولم يرد أنّ النبيّ قد نهى عن ذلك, أو ردع عنه, بل نلاحظ أنّ النبيّ كان يبعث الرسل والمبلّغين إلى مناطق معيّنة كاليمن وغيرها ليبلّغوهم أحكام الدين والشريعة.

٤- إنّ الرجوع إلى الكتاب والسنّة في استنباط الأحكام إذا كان لازماً على كلّ أحد يلزم منه تعطيل الحياة, فمن أين للناس معرفة الصحيح من السقيم ومعرفة معاني اللغة وحلّ التعارض بين الأدلّة, والكثير من المعضلات التي تواجه الفقيه عند الاجتهاد؟ ودعوى السلفيّة إلى الرجوع مباشرة إلى الكتاب والسنّة هي دعوة تشتمل على بساطة وسذاجة, فكيف يمكن التعرّف على معاني الكتاب والسنّة بهذه البساطة وكيف يمكن لغالبية المجتمع أن يتعرّف على الصحيح والضعيف والمجمل والمتشابه والمحكم والعام والخاص وكيفية التعارض وفهم معاني اللغة والمفاهيم العرفية ومقصود الشارع الواقعي من غيره؟ وما إلى ذلك من الأمور التي تؤدّي بالجميع إلى ترك

١- صراط النجاة: ١/ ١٧.

٤٣
أعمالهم ومعاشهم والتفرّغ إلى الدراسة الدينيّة, وتعطيل المصانع والدوائر, وكلّ ما يتعلّق بالزاد والمعاش والمعارف الأخرى, وهو كما ترى.

فإن أراد الألباني أنّ مجموعة قليلة فقط هي التي تسطيع معرفة الأحكام واستنباطها وبقيّة المجتمع ترجع إليهم فهذا هو التقليد.

وإن أراد أنّ الكثير من الناس المثقفين يستطيعون فهم معاني الكتاب والسنّة, وفهم المحكم من المتشابه, والخاص من العام, والمطلق من المقيد, والصحيح من السقيم.. فهو جهل من الألباني بمعاني الكتاب والسنّة, وجهل منه بطريقة الاجتهاد, لأنّ كلّ مطّلع على كتب الاستدلال الفقهيّة وأصولها يعرف مدى التعقيد الذي يواجهه الفقيه في استنباط الحكم الشرعي خصوصاً وهو يتعامل مع نصوص مرّت عليها قرون عديدة, وهي مختلفة ومتعارضة فيما بينها مع ملاحظة اختلاف الفهم في الأزمنة والأمكنة المتعدّدة.

فعمليّة الاستنباط هي عمليّة بغاية من الصعوبة والتعقيد, ولا يمكن تصويرها بهذه الكيفيّة التي يدعو إليها الألباني, فإنّ كلماته يستفاد منها أنّ الكثير قادر على معرفة الحكم الشرعي, انظر قوله: «على أنّني أرى إطلاق الكلام في العامّي, وأنّه لا بدّ

٤٤
له من تقليد لا يخلو من شيء؛ لأنّك إذا تذكرت أنّ التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجّة فمن السهل في كثير من الأحيان على بعض أذكياء العامّة أن يعرف الحجّة؛ لوضوحها في النصّ الذي بلغه, فمن الذي يزعم أنّ مثل قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: التيمّم ضربة واحدة للوجه والكفّين لا تبين الحجّة فيه لهم, بل ولمن دونهم في الذكاء؟ ولذلك فالحقّ أن يقال: إنّ من عجز عن معرفة الدليل فهو الذي يجب عليه التقليد<(١).

وهذه هي قمّة السذاجة والبساطة في كيفية استنباط الحكم الشرعي, فإنّ ماذكره من حديث يحتاج أوّلاً إلى معرفة صحّة سنده عن طريق دراسة الرجال, ثمّ البحث عن وجود معارض له من آية أو رواية من عدمه, ثمّ البحث عن حديث صارف له عن معناه من عدمه, ثمّ البحث عن الكيفيّة التي يحصل فيها التيمّم, فهي غير موجودة في الرواية, وما هو حدّ الوجه؟ وما هو حدّ الكفين؟ وهل يجوز التيمّم نكساً, أم لابدّ أن يكون من الأعلى إلى الأسفل؟، ومن أيّ مكان يبدأ, وإلى أين ينتهي؟.. ثمّ لو فرضنا معارضة هذا الحديث بآخر فلابدّ من التعرّف على طرق الترجيح, وأيّهما يقدّم على غيره.

١- الحديث حجّة بنفسه: ٨٦.

٤٥
وهكذا فإنّ استنباط الحكم من هذا الحديث الواضح بزعم الألباني يحتاج إلى مقدّمات أصوليّة ورجاليّة ودرائيّة كثيرة, وهي منتفية عند كلّ من لم يدرس العلوم الدينية دراسة وافية.

أمّا ما يفهمه الألباني من التقليد وتصويره أنّ التقليد هو: «أنّ ما يقوله هذا العالم لا يجوز ردّه حتّى ولو كان مخالفاً تمام المخالفة لما في الكتاب والسنّة, بمعنى أن لا تسمع إلى حكم الله وحكم رسول الله, ولكن المسألة... يقول له كذا فيخضع له ويتبعه, وكان المفروض أن يخضع ويسلم لله ربّ العالمين< فهذا لا يقول به أحد لا من العلماء ولا من العوام, فإنّ الغرض الرئيس من التقليد هو التعرّف على حكم الله سبحانه وتعالى عن طريق العلماء العدول الذين بذلوا وسعهم وجهدهم في تحرّي الروايات والآيات والقواعد التي يمكن من خلالها استنباط الحكم الشرعي, فإنّ الرجوع إلى العالم هو رجوع لمعرفة الحكم الشرعي منه, لا الوقوف على وجهة نظره المخالفة يقينا للحكم الشرعي, فإنّ مثل هذا ليس أهلا لأن يكون مرجعا ترجع إليه الناس في شؤون دينها.

٥- إنّ رجوع الجاهل إلى العالم باعتباره طريق إلى الكتاب والسنّة كما يقول الألباني هو يتضمّن في باطنه عودة إلى التقليد, ولكن بنوع من الفبركة الجديدة, فطبيعي أنّ العالم إنّما

٤٦
هو مجتهد من أجل الوصول إلى رأي الشريعة, وحينما يقول: رأيي كذا, فإنّما يقصد رأي الشارع الذي توصلت إليه حسب فهمي للأدلّة.

وكلّ من يرجع إلى فقيه فإنّما هو في الواقع طريق لمعرفة الحكم الشرعي وتخليص للذمّة إزاء التكليف الإلهي.

فإذا كان السلفيون لا يعتقدون بحجيّة قول الفقيه, فحينئذ كيف تبرأ ذمّة المكلّف حتّى بالرجوع إلى العالم باعتباره طريقاً للكتاب والسنّة, لأنّ العلماء مختلفون في التصحيح والتضعيف, وفي الترجيح بين الأدلّة, وفي فهم الدلالة وغير ذلك. فأيّ عالم سيكون هو الكاشف عن الكتاب والسنّة الواقعي, وكيف تبرأ ذمّة المكلف بالرجوع لأحدهما!

إن قيل: إنّ مراد السلفية من رجوع الجاهل إلى العالم إنّما هو الاتّباع, وليس التقليد, إذ إنّ الاتّباع هو الرجوع إلى العالم مع التعرّف على الدليل, فيكون آخذاً للحكم من دليله, بينما التقليد هو الرجوع إلى قول العالم من دون معرفة الدليل, فقد ذكر الألباني في كتابه الحديث حجّة بنفسه ما يدلّ على ذلك حيث قال:

«ومن هنا جاءت أقوال الأئمّة المجتهدين تتتابع على النهي الأكيد عن التقليد لهم أو لغيرهم, فقال أبو حنيفة رحمه الله

٤٧
تعالى: لا يحلّ لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه.

وفي رواية: حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي, فإنّنا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غداً.

وقال مالك رحمه الله تعالى: إنّما أنا بشر أخطئ وأصيب, فانظروا في رأيي فكلّ ما وافق الكتاب والسنّة فخذوه, وكلّ ما لم يوافق الكتاب والسنّة فاتركوه.

وقال الشافعي رحمه الله تعالى: أجمع المسلمون على أنّ من استبان له سنّة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لم يحلّ له أن يدعها لقول أحد.

وقال: كلّ مسألة صحّ فيها الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي.

وقال: كلّ ما قلت فكان عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم خلاف قولي ممّا يصحّ فحديث النبيّ أولى فلا تقلدوني.

وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لا تقلّدني ولا تقلّد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا.

واشتهر عنهم أنّهم قالوا: إذا صحّ الحديث فهو مذهبي.

٤٨
إلى غير ذلك من الأقوال المأثورة عنهم»(١).

فالألباني إذن يرى ضرورة معرفة الدليل لكلّ مسألة فقهيّة!

قلنا: إنّ هذا الكلام بديهي البطلان:

أولا: أنّ فتاوى السلفيين في متناول اليد, فها هي فتاوى الألباني وابن عثيمين وغيرهم من علماء السلفيّة لا نجدها مدعومة بالدليل, بل يجيبون أتباعهم بالحكم مباشرة, فكيف يشترطون الاتّباع وهم لا يبيّنون لأتباعهم الدليل عن كلّ مسألة يسألونهم بها.

ثانيا: أنّ تعلّم الناس المسائل الدينية مع أدلّتها هو أمر متعذّر على الكثيرين خصوصاً مع كثرة الأحكام, فهل يعقل أنّ كلّ الناس سيعرفون آلاف المسائل مع أدلّتها, ثمّ إنّ الكثير من الناس عاجز عن معرفة الدليل وفهم دلالته حتّى لو كرّرته عليه عشرات المرّات, بل إنّا نجد أنّ خليفة المسلمين عمر عجز عن فهم المراد من الكلالة.(٢)!! فكيف يفهمها أتباعه مع بعدهم عن

١- الحديث حجّة بنفسه: ٧٨- ٨٠.

٢- جاء في تفسير الطبري(جامع البيان) (٦ / ٥٨): عن عمر قال: «لأن أكون أعلم الكلالة أحبّ إليّ من أن يكون لي مثل جزية قصور الروم».

وجاء في صحيح مسلم(٢ / ٨١): عن عمر قال: «...ثمّ إنّى لا أدع بعدي شيئا
أهمّ عندي من الكلالة, وما راجعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في شيء=

= ما­راجعته­في الكلالة, وما أغلظ لي­في شيء ما أغلظ لي فيه حتّى طعن بإصبعه ­في ­صدري فقال: ياعمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء».

٤٩
عصر النصّ وقربه منه!!

وبهذا يتضح أنّ رفض التقليد إنّما هو مسألة نظرية لا يمكن أن تمتّ للواقع بصلة, وليس عليها دليل, بل الدليل على خلافها.

نعم لا يصحّ الوقوف على الفقهاء الأربعة ولا على غيرهم, بل لابدّ من الرجوع إلى الكتاب والسنّة والاجتهاد ضمن الأسس والقواعد, ويجب على العوام الرجوع إلى المجتهدين والفقهاء, فإن كان الألباني يريد من كلّ هذا هو عدم جواز الجمود على الأئمّة الأربعة, ويدعو إلى فتح باب الاجتهاد بالعودة إلى مصادره الرئيسة, وعدم الاجتهاد ضمن إطار مذهب معيّن, فهذا كلام متين لا غبار عليه, فإنّ الوقوف على آراء الأئمّة الأربعة وحصر الاجتهاد ضمن دائرتهم ونطاقهم ممّا لا محصّل له ولا دليل عليه, فإنّ فهم القرآن والسنّة ليس حكراً على أحد بعينه, فكلّ من تتوفّر فيه شرائط الاجتهاد والفتيا على طبق الأسس السليمة المنطقيّة المقرّرة في محلّها يحقّ له الاجتهاد واستنباط الحكم الشرعي, وإن خالف في ذلك الأئمّة الأربعة.

٥٠
تصريحات الألباني باعتبار خبر الواحد في العقائد والأحكام

بيّنا أنّ الشيخ الألباني يعدّ من علماء السلفيّة المتأخرين وممّن شيّد فكرهم ونهجهم؛ لذا فهو يذهب _ كما عليه المدرسة السلفيّة_ إلى حجيّة الخبر الواحد سواءً في العقائد أم في الأحكام.

قال في الفصل الثالث من كتابه (الحديث حجّة بنفسه):

«إنّ القائلين بأنّ حديث الآحاد, لا تثبت به عقيدة يقولون في الوقت نفسه بأنّ الأحكام الشرعيّة تثبت بحديث الآحاد وهم بهذا قد فرّقوا بين العقائد والأحكام, فهل تجد هذا التفريق في النصوص المتقدّمة من الكتاب والسنّة, كلاّ وألف كلاّ, بل هي بعمومها وإطلاقها تشمل العقائد أيضاً, وتوجب اتّباعه صلّى الله عليه وسلّم فيها؛ لأنّها بلا شكّ ممّا يشمله قوله (أمراً) في آية {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(١) وهكذا أمره تعالى بإطاعة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم, والنهي عن عصيانه والتحذير من مخالفته, وثنائه على المؤمنين الذين يقولون عندما يدعون للتحاكم إلى الله ورسوله: سمعنا وأطعنا, كلّ ذلك يدلّ على وجوب طاعته, واتّباعه صلّى الله عليه وسلّم في العقائد

١- الأحزاب: ٣٦.

٥١
والأحكام, وقوله تعالى{مَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ}(١) فإنّه (ما) من ألفاظ العموم والشمول كما هو معلوم, وأنت لو سألت هؤلاء القائلين بوجوب الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام عن الدليل عليه لاحتجّوا بهذه الآيات السابقة وغيرها ممّا لم نذكره اختصاراً, وقد استوعبها الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه (الرسالة) فليراجعها من شاء, فما الذي حملهم على استثناء العقيدة من وجود الأخذ بها, وهي داخلة في عموم الآيات، إنّ تخصيصها بالأحكام دون العقائد تخصيص بدون مخصّص وذلك باطل, وما لزم منه باطل فهو باطل»(٢).

وقال في آخر كتابه: «فوطّنوا أنفسكم على أن تؤمنوا بكلّ حديث ثبت لديكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم سواء كان في العقيدة أو الأحكام, وسواء قال به إمامك الذي نشأت على مذهبه بحكم بيئتك أو غيره من أئمّة المسلمين...,ولا تقلّدوا بشراً مهما علا أو سما»(٣).

وجاء في الحاوي في معرض كلامه عند عدم الفرق بين حجيّة خبر الواحد في العقيدة والأحكام: «فهل تجدون في

١- الحشر: ٧.

٢- الحديث حجّة بنفسه: ٥١- ٥٢.

٣- المصدر السابق: ٩٨.

٥٢
كتاب الله, أو في حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم هذا التفريق الذي ابتلي به قديماً بعض الفرق الإسلاميّة, وحديثاً بعض الشباب المسلم هل تجدون هذا التفريق؟ هناك النصوص عامّة مطلقة مثل: {مَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}(١), هذا من حيث إنّ الرسول مصدر الخبر الأوّل, ثمّ هل تجدون في الكتاب, أو في السنّة تفريقاً من حيث وصول الخبر من بعد الرسول, أنّه يجب أن يؤخذ بالأحكام ولو كان الناقل للخبر عن الرسول فرداً أمّا في العقائد فلا يؤخذ إلا أن يكونوا جماعة, هم جماعة التواتر،هل تجدون هذا في الكتاب أوفي السنّة؟ أمّا نحن فلم نجد ولن نجد, مستحيل أن نجد مثل هذا التفريق بين حديث الآحاد في العقيدة لا يؤخذ به, والراوي نفسه ثقة, هذا الراوي إذا روى خبراً في الأحكام أخذ به, وإذا روى خبراً في العقيدة ليس فيه حكم لا يؤخذ به, هذا التفريق لم نجده ولن نجده, ولكن نجد العكس, نجد النصوص من الكتاب والسنّة أيضاً تأتي نصوصاً عامّة كما أتت نصوصاً عامّة فيما يتعلّق بالرسول كمصدر أوّل, لا فرق سواء جاءنا عن الله ما نجد فيه غيباً, أو جاء بخبر فيه حكم, فيجب أن

١- الحشر: ٧

٥٣
نسلّم في الاثنين تسليماً...»(١).

وبهذا يتّضح أنّ الشيخ الألباني يذهب إلى حجيّة خبر الواحد في العقائد والأحكام, وغاية ما يستدلّ به هو إطلاق الآيات, وعدم تفريقها بين العقائد والأحكام, مع دعاوى خطابية فقط, وغير مستندة إلى أيّ دليل علمي, وسيأتي بيان أدلّته فيما يأتي بصورة تفصيليّة أكثر.

أدلّة الألباني على حجيّة خبر الواحد في الأحكام ومناقشتها

رأينا فيما تقدّم أنّ الألباني ساق عدد من الآيات لبيان حجيّة خبر الواحد في الأحكام، وقد ذكر في كتابه الحديث حجّة بنفسه مجموعة كبيرة من الآيات, وأردفها بمجموعة من الروايات, مدّعيا دلالتها المطلقة على حجيّة الخبر سواء في العقائد, أو الأحكام، ونحن هنا نسوق ذكر الآيات والروايات التي ذكرها, ثمّ نلاحظ مدى صحّة دعواه من عدمها:

أوّلاً: الآيات القرآنية

١- قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً مّبِيناً} (الأحزاب: ٣٦).

٢

١- الحاوي في فتاوى الألباني: ١/ ١٣- ١٤.

٥٤
- وقال عزّ وجلّ: {

يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيِ الله وَرسُولِهِ وَاتّقُوا الله إِنّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الحجرات: ١).

٣- وقال: {قُلْ أَطِيعُوا الله وَالرّسُولَ فَإِن تَوَلّوا فَإِنّ الله لاَ يُحِبّ الْكَافِرِينَ} (آل عمران: ٣٢).

٤- وقال عز من قائل: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَكَفَى‏ بِالله شَهِيداً * مَن يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله وَمَن تَوَلّى‏ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} (النساء: ٧٩ـ ٨٠).

٥- وقال: { يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدّوهُ إِلَى الله وَالرّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (النساء: ٥٩).

٦- وقال: {وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ وَلاَتَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنّ الله مَعَ الصّابِرِينَ} (الأنفال: ٤٦).

٧- وقال: {وَأَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى‏ رسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ}(المائدة: ٩٢).

٨- وقال: {لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ الله الّذِينَ يَتَسَلّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

(النور: ٦٣).

٩

٥٥
- وقال: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للّهِ‏ِ وَلِلرّسُولِ إذا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنّ الله يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (الأنفال: ٢٤).

١٠- وقال: {وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي

مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن

يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} (النساء١٣-١٤)

١١- وقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُروا بِهِ وَيُرِيدُ الشّيْطَانُ أَن يُضِلّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى‏ مَا أَنْزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدّونَ عَنكَ صُدُوداً} (النساء: ٦٠-٦١).

١٢- وقال سبحانه: {إِنّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنَا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ الله وَيَتّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} (النور: ٥١ ـ ٥٢).

١٣- وقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتّقُوا الله إِنّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الحشر: ٧).

١٤- وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن

٥٦
كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ} (الأحزاب: ٢١).

١٥- وقال: {وَالنّجْمِ إذا هَوَى * مَا ضَلّ صَاحِبُكُمْ وَمَا

غَوَى* وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى}

(النجم: ١-٤).

١٦- وقال تبارك وتعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ} (النحل: ٤٤).

إلى غير ذلك من الآيات المباركات(١).

وقد ذكرنا فيما سبق أنّ استدلال الألباني بالآيات كان مبتنياً على إطلاقها, فهي لم تميّز بين العقائد والأحكام وغيرها، فلابدّ أن يكون خبر الواحد حجّة في الجميع.

والملاحظ على جميع هذه الآيات أنّها قاصرة عن إفادة المدّعى ـ ألا وهو حجيّة خبر الواحد في الأحكام ـ فإنّ هذه الآيات تأمر بإطاعة النبيّ وامتثال أوامره.

فكلّ ما يثبت أنّه صدر من النبيّ يجب التمسّك به والعمل وفقه, لكنّ الكلام في أنّ ما وصل لنا عن طريق خبر الواحد هل هو صادر عن النبيّ أم لا؟ وهل هناك دليل على الأخذ به حتّى مع احتمال عدم صدوره أم لا؟ فالآيات بعيدة كلّ البعد عن حجيّة خبر الواحد, بل هي بصدد بيان ضرورة اتّباع كلّ ما

١- الحديث حجّة بنفسه: ٢٧- ٢٩.

٥٧
يصدر عن النبيّ صلى الله عليه وآله بلا فرق في ذلك بين العقائد والأحكام وغيرها.

فالألباني لم يميّز بين ضرورة اتّباع النبيّ صلّى الله عليه وآله، وبين وجوب اتّباع خبر الواحد واكتسابه الحجيّة الشرعية, فالآيات السابقة تبيّن أنّ كلّ ما ثبت لكم أنّه من النبيّ لابدّ من اتّباعه, وهي بعيدة غاية البعد عن حجيّة خبر الواحد.

وحتّى الآيات التي يمكن أن تكون صالحة للاستدلال على حجيّة خبر الواحد لم يأت بها الألباني هنا كآية النبأ, وآية النفر, وآية أهل الذكر, وغيرها من الآيات التي ذكرها علماء الأصول, على أنّ الكلّ كان موضعا للنقاش والأخذ والردّ.

ثانياً: الروايات

كما أنّه ذكر مجموعة من الروايات أيضاً تدلّ على وجوب إطاعة النبيّ صلى الله عليه وآله، حيث عنون موضوعه

بـ (الأحاديث الداعية إلى اتّباع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في كلّ شيء), وقال: «وأما السنّة ففيها الكثير الطيّب ممّا يوجب علينا اتباعه عليه الصلاة والسلام اتباعا عاما في كلّ شيء من أمور ديننا, وإليكم النصوص الثابتة منها:

١- عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: كلّ أمّتي يدخلون الجنّة إلا من أبى، قالوا: ومن

٥٨
يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى.

أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الاعتصام .

٢- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: جاءت ملائكة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو نائم، فقال بعضهم: إنّه نائم، وقال بعضهم: إنّ العين نائمة، والقلب يقظان، فقالوا: إنّ لصاحبكم هذا مثلا، فاضربوا له مثلا، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيه مأدبة، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها يفقهها، فقال بعضهم: إنّ العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا فالدار الجنّة، والداعي محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فمن أطاع محمّداً صلّى الله عليه وسلّم فقد أطاع الله، ومن عصى محمّداً صلّى الله عليه وسلّم فقد عصى الله، ومحمّد صلّى الله عليه وسلم فرق(١) بين الناس. أخرجه البخاري أيضاً.

٣- عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: إنّما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال: يا قوم, إنّي رأيت الجيش بعيني، وإنّي أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، فأنطلقوا على

١- أي يفرق بين المؤمنين والكافرين بتصديق إياه وتكذيب الآخرين له.

٥٩
مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم, فأصبحوا مكانهم, فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتّبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحقّ . أخرجه البخاري ومسلم.

٤- عن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا ألفينّ أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، ممّا أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه (وإلا فلا). رواه أحمد, وأبو داود, والترمذي وصحّحه وابن ماجة, والطحاوي وغيرهم بسند صحيح.

٥- عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ألا إنّي أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حرام فحرّموه، وإنّ ما حرّم رسول الله كما حرّم الله، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كلّ ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه, فإن لم يقروه، فله أن يعقبهم بمثل قراه . رواه أبو داود, والترمذي, والحاكم وصححه, وأحمد بسند صحيح.

٦٠