×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

قراءة في المنهج الحديثي عند الألباني / الصفحات: ٦١ - ٨٠

٦- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّّى الله عليه وسلّم: تركت فيكم شيئين لن تضلّوا بعدهم (ما تمسّكتم بهما) كتاب الله وسنّتي، ولن يتفرّقا حتّى يردا عليَّ الحوض .

أخرجه مالك مرسلاً، والحاكم مسنداً وصحّحه»(١).

والكلام عليها هو الكلام المتقدّم على الآيات، فإنّها ناظرة إلى وجوب طاعة النبيّ فيما يثبت أنّه صدر عنه, وغير ناظرة إلى الأخذ بخبر الواحد, مضافا إلى أنّ الاستدلال على حجيّة الخبر بالروايات يلزم منه الدور مالم تبلغ الروايات حدّ التواتر, فالآيات والروايات التي ذكرها الألباني إنّما تفيد وجوب اتّباع النبيّ والرجوع إليه, ولم تتطرّق لحجيّة خبر الواحد لا من قريب ولا من بعيد. ولو فرضنا وجود عدد من الروايات تدلّ على حجية خبر الواحد فلابدّ من القطع بصدورها حتّى يمكن الاستدلال بها؛ لأنّها إذا كانت غير يقينيّة الصدور فحجيّتها ستكون موقوفة على حجيّة خبر الواحد واعتباره, وهو دور واضح.

هذا, ولابدّ من التنبيه على أنّ النقاش هنا مبني على أدلّة الألباني, وليس الغرض منه إثبات عدم حجيّة خبر الآحاد في

١- الحديث حجّة بنفسه: ٢٩- ٣٢.

٦١
شيخ حكمت قراءة في المنهج الحديثي عن الألباني » حكمت الرحمة » (ص ٦١ - ص ٩٠)الأحكام, فإنّ ذلك ثابت من دون شكّ وريب ولا أقل من أنّ سيرة العقلاء الممضاة قائمة على الأخذ بخبر الواحد فيها, بل أردنا أن نبيّن السطحيّة المتّبعة في طريقة الاستدلال عند الألباني.

بيان آخر من الألباني

قلنا: إنّ الألباني اقتصر على التمسّك بإطلاق الآيات للتمسّك بحجيّة خبر الواحد في العقائد والأحكام, وبيّنا أنّ الآيات بالأساس أجنبيّة عن مسألة حجيّة خبر الواحد, وناظرة إلى وجوب طاعة النبيّ صلى الله عليه وآله, وهنا بيان آخر للألباني لابدّ من ذكره والوقوف عليه حيث قال: «هذه النصوص المتقدّمة من الكتاب والسنّة, كما أنّها دلّت دلالة قاطعة على وجوب اتّباع السنّة اتباعا مطلقا في كلّ ما جاء به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم, وأنّ من لم يرض بالتحاكم إليها والخضوع لها فليس مؤمنا, فإنّي أريد أن ألفت نظركم إلى أنّها تدلّ بعموماتها وإطلاقاتها على أمرين آخرين هامّين أيضا:

الأوّل: أنّها تشمل كلّ من بلغته الدعوة إلى يوم القيامة، وذلك صريح في قوله تعالى: {لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ}، وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} وفسّره صلّى الله عليه وسلّم بقوله في حديث: (... وكان النبيّ يبعث إلى قومه

٦٢
خاصّة، وبعثتُ إلى الناس كافّة) متّفق عليه، وقوله: والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمّة ولا يهودي ولا نصراني ثمّ لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار. رواه مسلم وابن منده وغيرهما (الصحيحة ١٥٧).

والثاني: أنّها تشمل كلّ أمر من أمور الدين، لا فرق بين ما كان منه عقيدة علميّة، أو حكماً عملياً، أو غير ذلك، فكما كان يجب على كلّ صحابي أن يؤمن بذلك كلّه حين يبلغه من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم, أو من صحابي آخر عنه كان يجب كذلك على التابعي حين يبلغه عن الصحابي، فكما لا يجوز للصحابي مثلاً أن يردّ حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا كان في العقيدة بحجّة أنّه خبر آحاد سمعه عن صحابي مثله عنه صلّى الله عليه وسلّم، فكذلك لا يجوز لمن بعده أن يرده بالحجّة نفسها مادام أنّ المخبر به ثقة عنده، وهكذا ينبغي أن يستمرّ الأمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد كان الأمر كذلك في عهد التابعين والأئمّة المجتهدين كما سيأتي النصّ بذلك عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى»(١).

١- الحديث حجّة بنفسه: ٣٥- ٣٦.

٦٣
مناقشة بيان الألباني

أمّا الأول: فلا شكّ في أنّ رسالة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله هي الرسالة الخاتمة وهي شاملة لكلّ من بلغته الدعوة، فكلّ من علم برسالة الإسلام, وقامت عنده الأدلّة على ذلك, وجب عليه اعتناق الإسلام، وهذا ليس محلّ بحثنا.

وأمّا الثاني: ففيه خلط واضح بين من سمع مباشرة من النبيّ صلّى الله عليه وآله وبين من سمع بالواسطة, فإنّ الأوّل لا يجوز له ردّ كلام النبيّ صلى الله عليه وآله باعتبار حصول اليقين له به, فأيّ يقين أكثر من أن يسمع من النبيّ مباشرة؟ فالآيات والروايات المذكورة شاملة لهذا الفرد دون من سمع بالواسطة واحتُمل في حقّه الخطأ والاشتباه, فهو لم يحصل له يقين بكلام النبيّ, فالآيات والروايات التي ذكرها الألباني لا تساعد على كلامه المتقدّم، نعم هو في آخر كلامه ذكر دليلاً آخر, وهو ما يمكن أن نصطلح عليه بسيرة المتشرّعة حيث قال: «وقد كان الأمر كذلك في عهد التابعين والأئمّة المجتهدين...» وهذا من الممكن التسليم به في حجيّة الخبر بالأحكام, لكنّه أجنبي عن دلالة الآيات والروايات التي ذكرها.

فاتّضح إذن أنّ الألباني يرى حجيّة خبر الواحد في الأحكام. وتقدم تحليل ونقد أدلّته في ذلك.

٦٤
أدلة الألباني على اعتبار خبر الواحد في العقائد ومناقشتها

مقدّمة وفيها أمران

بيّنا فيما سبق أنّ الألباني لا يفرّق في حجيّة خبر الواحد فيما إذا ورد في عقيدة أو حكم شرعي, وقد استدلّ بمجموعة من الآيات والروايات في كتابه الحديث حجّة بنفسه, وقد أجبنا على هذه الأدلّة عند تعرّضنا لحجيّة الخبر في الأحكام, بأنّ هذه الأدلّة غاية ما تفيده هو وجوب الإيمان والتصديق بما ثبت صدوره من النبيّ صلّى الله عليه وآله, وغير متعرّضة لحجيّة خبر الواحد, ونريد هنا أن نبيّن أدلّة أخرى ساقها الألباني في فصل آخر من كتابه الحديث حجّة, وكذا كتابه (وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والردّ على شبه المخالفين) ونحاول أن نقتصر على أهمّها, وقبل البدء في ذلك ننوّه إلى أنّ أكثر استدلالاته مبتنية على أنّ خبر الواحد يفيد العلم, وبالتالي تثبت به عقيدة فقال: «ذهب بعضهم إلى أنّه لا تثبت العقيدة إلا بالدليل القطعي بالآية, أو الحديث المتواتر تواتراً حقيقياً, إن كان هذا الدليل لا يحتمل التأويل, وادّعى أنّ هذا ممّا اتّفق عليه عند علماء الأصول, وأنّ أحاديث الآحاد لا تفيد العلم, وأنّها لا تثبت بها عقيدة»(١).

١- وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والردّ على شبه المخالفين: ٧

٦٥
ثمّ ساق وجوهاً عديدة لإبطال هذا القول وإثبات أنّ خبر الواحد يفيد العلم, وتثبت به العقيدة, وقبل أن نبيّن أدلّة الألباني لابدّ من بيان أمرين يتّضح من خلالهما الجواب على الكثير من أدلّته:

الأمر الأوّل

أنّ مسألة إفادة خبر الواحد للظن غالباً إنّما هو من الأمور التكوينية الوجدانيّة المتعلّقة بطبائع الأفراد. فحيث إنّ المخبر لم يكن معصوماً, جاز في حقّه السهو والغفلة والخطأ والنسيان, إلى غير ذلك من الاحتمالات, فمع ذلك لا يمكن التصديق والقطع بصحّة خبره, وهذا من الأمور العقلائية الوجدانيّة المتسالم عليها, وليست بحاجة إلى دليل, فكلّ شخص يؤمن بقرارة نفسه أنّ الأخبار الواصلة إليه عن طريق الآحاد لا توجب له يقيناً وجزماً, بل يحتمل في حقّها الخطأ وعدم مطابقتها للواقع.

وحينئذ فإنّ العمل طبق خبر الواحد إنّما هو تابع لمقدار ما دلّ عليه الدليل الموجب للتعبّد بخبر الواحد, ومع عدم الدليل لا يمكن الالتزام به, مالم نقطع بصدوره من الشارع المقدّس.

ومن أبرز الشواهد على أنّ خبر الواحد يفيد الظن لا القطع هو وجود الروايات المتعارضة الصحيحة التي لا ينكرها أحد

٦٦
حتّى الألباني نفسه, فكيف يقوم بترجيح بعضها على بعض مع زعمه أنّها تفيد العلم! فإفادتها للعلم تقتضي العلم بصدور كلا الخبرين المتعارضين من النبيّ صلّى الله عليه وآله, فيكون التناقض راجع إلى النبيّ نفسه والعياذ بالله, لا إلى خطأ الراوي وسهوه ونسيانه, وعلى العموم فإنّ الشواهد على إفادة خبر الآحاد للظنّ كثيرة لعلّ بعضها سيأتي في طيّات الأجوبة.

الأمر الثاني

أنّ المسائل الاعتقادية يمكن أن تقسّم إلى ثلاثة أقسام:

١- ما يجب معرفته عقلاً, كمعرفة الباري جلّ شأنه, ومعرفة النبوّة, ومن الواضح هنا عدم حجيّة خبر الواحد, بل ولا المتواتر؛ إذ الكلام هنا في أصل ثبوت الشريعة, فقبل ثبوت الشريعة لا معنى للقول باعتبارها للخبر من عدمه.

٢- ما يجب معرفته شرعاً, كالمعاد مثلاً, وهنا أيضاً لا يكفي خبر الواحد في إثباته؛ لعدم حصول اليقين بإخباره, ولا تتحقّق المعرفة به, ولا يكون تحصيله خروجاً من ظلمة الجهل إلى نور العلم, مضافاً إلى أنّ الواجب في أصول الاعتقادات التحرّز والتحفّظ عن الوقوع في الضلال, وهذا الوجوب عقلي, والركون إلى الظنّ في أمثال هذه الموارد لا يؤمّن هذا الجانب.

٣- ما يجب عقد القلب عليه والتسليم والانقياد له,

٦٧
كتفاصيل البرزخ, وتفاصيل المعاد, وتفاصيل الصراط والميزان, ونحو ذلك ممّا لا تجب معرفته, وإنّما الواجب عقد القلب عليه والانقياد له على تقدير إخبار النبيّ صلّى الله عليه وآله به, وهذا من الممكن الاعتماد على خبر الواحد فيه, فلا مانع من الالتزام بمتعلّقه وعقد القلب عليه؛ لأنّه ثابت بالتعبّد الشرعي, وهذا هو مذهب الكثير من العلماء, ولا حاجة لتفصيل القول فيه.

وبعد هذا البيان نعود لنستعرض بعض أدلّة الألباني على أنّ أخبار الآحاد تفيد العلم, وأنّها تثبت بها عقيدة:

الدليل الأول: «أنّه قول مبتدع محدث, لا أصل له في الشريعة الغرّاء, وهو غريب عن هدي الكتاب وتوجيهات السنّة, ولم يعرفه السلف الصالح, ولم ينقل عن أحد منهم, بل ولا خطر لهم على بال, ومن المعلوم المقرّر في الدين الحنيف: أنّ كلّ أمر مبتدع من أمور الدين باطل مردود لا يجوز قبوله بحال...»(١).

مناقشة الدليل الأول

ويلاحظ عليه: أنّ مسألة إفادة أمر ما للعلم واليقين وبالتالي

١- وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والردّ على شبه المخالفين: ٧- ٨.

٦٨
ثبوت العقيدة به, إنّما هو من الامور التكوينيّة المتعلّقة بطبائع الأفراد كما بيّنا, وحيث إنّ غير المعصوم يحتمل في خبره الخطأ والاشتباه والسهو والنسيان؛ لذا لا يمكن حصول اليقين في النفس الإنسانية منه, وحينئذ لا يمكن وصفه بالبدعة؛ لأنّه ليس أمراً شرعيّاً يرتقب صدوره من الشارع, فالشارع يمكن أن يتعبّد الإنسان بالعمل وفق الظن, ولا يمكن أن يأمره ويتعبّده في أن يحصل له يقين عن طريق خبر الواحد, فإفادة خبر الواحد عادة للظنّ إنّما هو من الأمور التكوينية لدى البشر, ودعوى حصول اليقين منه هي التي تحتاج إلى دليل وحجّة.

أمّا مسألة أنّ السلف لم يقل به, بل ولا خطر على بال أحدهم, فهو جزاف من القول, فإنّ السلف عملاً لم يتعاملوا على أساس إفادة خبر الواحد للعلم, وإليكم بيان ذلك:

أحاديث آحاد ردّها الصحابة

المتتبع لسيرة الصحابة وسلوكهم يرى أنّهم لا يتعاملون مع أخبار الآحاد على أنّها تفيد القطع, فإنّ هناك كثيراً من الأخبار الآحادية ردّها الصحابة, ولم يقبلوها ممّا يدلّل عدم إفادتها العلم عندهم, فإنّ العلم يجب الأخذ به, ولا يجوز تركه أو ردّه, ونحن هنا نذكر شواهد على ذلك ليس إلا, فإنّ بحثها بصورة مفصّلة يحتاج إلى بحث أوسع ممّا نحن فيه:

١

٦٩
- ردّ عمر خبر فاطمة بنت قيس عندما روت أنّ النبيّ لم يجعل لها نفقة ولا سكن فقال: «لا نترك كتاب الله وسنّة نبيّنا لقول امرأة, لا ندري لعلّها حفظت أو نسيت»(١) وهي صحابيّة كما لا يخفى.

٢- ردّ السيّدة عائشة خبر عمر في حديث: «تعذيب الميّت ببكاء أهله عليه»(٢) وقالت: «يرحم الله عمر, والله ما حدّث رسول الله أنّ الله ليعذّب المؤمن ببكاء أهله عليه» وقالت: «حسبكم القرآن» {ولا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}»(٣) وكذلك ردّت خبر ابنه عبد الله في تعذيب الميّت ببكاء الحي وقالت: «يغفر الله لأبي عبد الرحمن, أما أنّه لم يكذب, ولكنّه نسى أو أخطأ, إنّما مرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على يهودية يبكى عليها فقال: إنّهم ليبكون عليها, وإنها لتعذّب في قبرها»(٤).

٣- وردّت خبر أبي هريرة وغيره في أنّ النبيّ قال: «يقطع

١- صحيح مسلم: ٤/ ١٩٨.

٢- صحيح البخاري: ٢/ ٨١.

٣- الزمر: ٧.

٤- صحيح مسلم: ٣/ ٤٥.

٧٠
الصلاة المرأة والحمار والكلب...»(١) فقد روى مسلم أنّها قالت حينما ذكر لها هذا الحديث: «إنّ المرأة لدابة سوء, لقد رأيتني بين يدي رسول الله معترضة كاعتراض الجنازة وهو يصلّي»(٢) وروى البخاري أنّها قالت: «شبّهتمونا بالحُمُر والكلاب, والله لقد رأيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يصلّي, وإنّي على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة...»(٣).

فإذا كان الصحابة بأنفسهم ومع قربهم من النبيّ قد ردّوا بعض أخبار الآحاد, ولم يحصل له لهم العلم واليقين بها، فكيف يوجب لغيرهم العلم, مع بعد الزمن واختلاف الأهواء وتوارد الفتن!!

رأي الأئمّة الأربعة بخبر الواحد

أطبقت كلمة الأئمّة الأربعة على أنّ خبر الآحاد لا يفيد العلم واليقين, فهذا مالك بن أنس يرى تقديم عمل أهل المدينة على خبر الواحد.

قال القاضي عياض في ترتيب المدارك تحت باب: «ما جاء

١- صحيح مسلم: ٢/ ٦٠, مسند أحمد: ٤/ ٨٦, ٦/ ١٣٤, سنن ابن ماجة: ١/ ٣٠٥, ٣٠٦.

٢- صحيح مسلم: ٢/ ٦٠, مسند أحمد: ٦/ ١٢٦, صحيح ابن حبان: ٦/ ١٥٠.

٣- صحيح البخاري: ١/ ١٣٠.

٧١
عن السلف والعلماء في الرجوع إلى عمل أهل المدينة: في وجوب الرجوع إلى عمل أهل المدينة وكونه حجّة عندهم وإن خالف الأكثر... قال ابن القاسم وابن وهب: رأيت العمل عند مالك أقوى من الحديث»(١).

فلو كان خبر الواحد يفيد عنده القطع لما قدّم عليه عملاً ولا غيره, إذ المقطوع به لا يعارض بالمظنون, ولا يمكن أن يتعارض مع مقطوع به, ولا يمكن الجمع بينهما.

كما ثبت عن الإمام مالك أنّه كان يردّ كثيراً من الأحاديث الآحادية بمجرّد مخالفتها لبعض القواعد الكليّة, أو لبعض الأدلّة العامّة.

قال الشاطبي: «...ومن ذلك أنّ مالكا أهمل اعتبار حديث (من مات وعليه صوم صام عنه وليّه) وقوله: «أرأيت إن كان على أبيك دين» الحديث. لمنافاته للأصل القراني الكلّي نحو{ألّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى‏ * وَأَن لّيْسَ لِلاِْنسَانِ إلا مَا سَعَى}(٢),... وأنكر مالك حديث إكفاء القدور التي طبخت من الأبل والغنم قبل القسم لمن احتاج إليه, قال ابن العربي: «ونهى عن صيام ست من شوال مع ثبوت الحديث فيه تعويلاً على

١- ترتيب المدارك: ١/ ٦٦.

٢- النجم: ٣٨ـ ٣٩.

٧٢
أصل سدّ الذرائع, ولم يعتبر في الرضاع خمساً ولا عشراً للأصل القرآني في قوله: {وَأُمّهَاتُكُمُ الّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِنَ الرّضَاعَةِ}(١) وفي مذهبه هذا كثير»(٢).

وكذا فإنّ مالكاً يقدّم القياس على خبر الآحاد:

جاء في أصول السرخسي: «وكان مالك بن أنس يقول: يُقدّم القياس على خبر الواحد في العمل به، لأنّ القياس حجّة بإجماع السلف من الصحابة، ودليل الكتاب والسنّة والإجماع أقوى من خبر الواحد, فكذلك ما يكون ثابتا بالإجماع...»(٣).

فبعد هذا, هل نقول إنّ مالكاً يرى أنّ أحاديث الآحاد تفيد القطع, وإنّه يستدلّ بها في مسائل الاعتقاد!؟.

كما أنّ الامام أحمد كان يردّ بعض آحاديث الآحاد, ممّا يدللّ على أنّه لا يرى أنّ خبر الآحاد يفيد القطع, فقد جاء في مسنده, وكذا في البخاري ومسلم, من طريق أبي هريرة, عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه قال: «يُهْلِكُ أُمَّتِي هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ, قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ الله, قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ

١- النساء: ٢٣.

٢- الموافقات: ٣/ ١٢- ١٣.

٣- أصول السرخسي: ١/٣٣٩.

٧٣
اعْتَزَلُوهُمْ<(١).

قال عبد الله بن أحمد: «وقال أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث فإنّه خلاف الأحاديث عن النبيّ...»(٢).

فهذا دليل واضح على أنّ أحمد لا يرى الحديث الآحادي يفيد القطع, علماً أنّ هذا الحديث وارد في الصحيحين كما مرّ في تخريجه.

وأخرج مسلم عن أبي هريرة أنّ النبي قال: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب...»(٣).

قال الترمذي: «قال أحمد: الذي لا أشكّ فيه أنّ الكلب الأسود يقطع الصلاة, وفي نفسي من الحمار والمرأة شيء»(٤) فهذا يدلّ دلالة واضحة على أنّ الإمام أحمد يرى أنّ خبر الآحاد لا يفيد القطع, وإلاّ لما توقّف فيه.

وكذلك فإنّ الشافعي كان لايرى إفادة خبر الآحاد للعلم, وكان يقول: «الأصل: القرآن والسنّة وقياس عليهما، والإجماع

١- مسند أحمد: ٢/٣٠١, صحيح البخاري: ٤/ ١٧٧, صحيح مسلم: ٨/ ١٨٦.

٢- مسند أحمد: ٢/ ٣٠١.

٣- صحيح مسلم: ٢/ ٦٠.

٤- سنن الترمذي: ١/ ٢١٢.

٧٤
أكبر من الحديث المنفرد»(١) وإنّما قال (الإجماع أكبر من الحديث المنفرد) لأنّه يرى أنّ الإجماع يفيد العلم والقطع, والحديث المنفرد الذي هو الآحاد يفيد الظن فقط, وسيأتي أنّ ابن عبد البر عدّ الإمام الشافعي من القائلين بأنّ العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد.

والإمام أبو حنيفة كذلك لا يرى إفادة خبر الآحاد للعلم:

قال النووي عند الردّ على رأي أبي حنيفة في أنّ الشهيد يصلّى عليه ولا يغسّل: «ولأنّ أبا حنيفة لا يقبل خبر الواحد فيما تعمّ به البلوى, وهذا منها والله أعلم»(٢).

وجاء في بدائع الصنائع: «(وجه) قول أبي حنيفة إنّ خبر من ليس بمعصوم عن الكذب محتمل للكذب فلا يفيد العلم للقاضي بالمشهود به والأصل أن لا يجوز القضاء بما لا علم للقاضي به وبما ليس بثابت قطعا...»(٣), انتهى موضع الشاهد من كلام أبي حنيفة, وفي هاذين القولين دلالة واضحة على أنّ الإمام أبا حنيفة لا يرى أنّ خبر الواحد يفيد العلم, وهو معروف من مذهبه وقوله بالقياس كما لا يخفى.

١- سير أعلام النبلاء: ١٠/ ٢٠, ٢١, حلية الأولياء: ٩/ ١٠٥.

٢- المجموع: ٥/ ٢٦٥.

٣- بدائع الصنائع: ٤/ ١١١.

٧٥
تصريحات علماء أهل السنّة بعدم إفادة خبر الواحد للعلم

ونختم الجواب بنقل تصريحات بعض أهل العلم بأنّ خبر الواحد لا يفيد العلم واليقين:

١- قال ابن عبد البرّ: «واختلف أصحابنا وغيرهم في خبر الواحد العدل, هل يوجب العلم والعمل جميعا أم يوجب العمل دون العلم؟ والذي عليه أكثر أهل العلم منهم أنّه يوجب العمل دون العلم, وهو قول الشافعي وجمهور أهل الفقه والنظر, ولا يوجب العلم عندهم إلا ما شهد به على الله, وقطع العذر بمجيئه قطعاً ولا خلاف فيه»(١).

٢- قال النووي: «وأمّا خبر الواحد فهو ما لم يوجد فيه شروط المتواتر سواء كان الراوي له واحدا أو أكثر, واختلف في حكمه, فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدّثين والفقهاء وأصحاب الأصول أنّ خبر الواحد الثقة حجّة من حجج الشرع, يلزم العمل بها ويفيد الظن, ولا يفيد العلم»(٢).

٣- قال الخطيب البغدادي في الكفاية: «(باب ذكر ما يقبل فيه خبر الواحد وما لا يقبل فيه): خبر الواحد لا يقبل في شيء

١- التمهيد: ١/ ٧.

٢- شرح صحيح مسلم: ١/ ١٣١.

٧٦
من أبواب الدين, المأخوذ على المكلّفين العلم بها, والقطع عليها, والعلّة في ذلك أنّه إذا لم يعلم أنّ الخبر قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان أبعد من العلم بمضمونه, فأمّا ما عدا ذلك من الأحكام التي لم يوجب علينا العلم بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قرّرها وأخبر عن الله عزّ وجلّ بها, فإنّ خبر الواحد فيها مقبول, والعمل به واجب»(١).

٤- قال الغزالي في المستصفى: «مسألة: (هل خبر الواحد يفيد العلم؟) اعلم أنّا نريد بخبر الواحد في هذا المقام ما لا ينتهي من الأخبار إلى حدّ التواتر المفيد للعلم، فما نقله جماعة من خمسة أو ستّة مثلا فهو خبر الواحد، وأمّا قول الرسول عليه السلام ممّا علم صحّته فلا يسمّى خبر الواحد، وإذا عرفت هذا فنقول: خبر الواحد لا يفيد العلم، وهو معلوم بالضرورة، أنّا لا نصدّق بكلّ ما نسمع، ولو صدّقنا وقدرنا تعارض خبرين فكيف نصدق بالضدّين...»(٢).

٥- ولقد اعترف ابن تيمية في (منهاج السنّة) بذلك فقال: «الثاني: أنّ هذا من أخبار الآحاد فكيف يثبت به أصل الدين

١- الكفاية في علم الرواية: ٤٣٢.

٢- المستصفى: ١١٦.

٧٧
الذي لا يصحّ الإيمان إلا به؟!»(١).

إلى غير ذلك من الأقوال العديدة التي لا يسمح المجال بذكرها؛ لأنّ البحث مبني على الاختصار.

وبعد كلّ هذا, هل يصحّ قول الألباني بأنّ عدم إفادة خبر الواحد للعلم بدعة, وأنّه لم يقل به أحد من السلف؟ أم أنّ الألباني ابتدع على الصحابة والسلف والأئمّة الأربعة, ونسب إليهم ما لم يقولوا به؟

الدليل الثاني

إنّ هذا القول يتضمّن عقيدة تستلزم ردّ مئات الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبيّ لمجرّد كونها في العقيدة!! وهذه العقيدة: هي أنّ أحاديث الآحاد لا تثبت بها عقيدة, وإذا كان الأمر كذلك عند هؤلاء المتكلّمين وأتباعهم, فنحن نخاطبهم بما يعتقدونه فنقول لهم: أين الدليل القاطع على صحّة هذه العقيدة لديكم من آية أو حديث متواتر قطعي الثبوت قطعي الدلالة, بحيث أنّه لا يحتمل التأويل(٢).

١- منهاج السنة: ٤/ ٥٩.

٢- وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين: ١٢- ١٣.

٧٨
مناقشة الدليل الثاني

إنّ هذا الكلام من الشيخ الألباني يحمل في طيّاته الكثير من الغرابة, فإنّ من البديهيات المسلّم بها عند كلّ أحد أنّ الدليل إذا كان قطعيّا فهو حجّة على أساس حجيّة القطع, وإذا لم يكن كذلك فإن قام دليل قطعي على حجيتّه أُخذ به, وأمّا إذا لم يكن قطعيّا وشكّ في جعل الحجيّة له شرعا مع عدم قيام الدليل على ذلك فالأصل فيه عدم الحجيّة, بمعنى عدم إمكان ترتيب اثر على هذا الظن, وحينئذ فإنّ القول بأنّ خبر الواحد لا تثبت به عقيدة هو الأساس المسلّم به, وأنّ دعوى ثبوت العقيدة به تحتاج إلى دليل, ومن المعلوم أنّ الدليل قام على حجيّة خبر الواحد في الأحكام, ويمكن القول باعتباره في تفصيلات المعارف الدينية أيضا كما تقدّم فيما سبق.

أمّا دعوى ثبوت كافّة العقائد به حتّى من قبيل المعاد ونحوه فهي تحتاج إلى دليل, هذا مضافا إلى أنّ هناك آيات قرآنيّة عديدة نهت عن اتّباع الظن من قبيل: «إن يتّبعون إلا الظنّ وإنّ الظنّ لا يغني عن الحقّ شيئا» وغيرها وهي كما هو واضح ترشد إلى عدم اتّباع الظن, وأنّ العمل به ممّا لا يحصل معه الأمن من العقاب لاحتمال مخالفته الواقع, فإنّ مفاد الآيات هو الإرشاد إلى حكم العقل بعدم صحّة الاعتماد على الظنّ

٧٩
وإنّه لابدّ من العمل بما يحصل معه الأمن من العقاب, والعمل بالظنّ ممّا لا يحصل معه الأمن من العقاب لاحتمال مخالفته للواقع.

أمّا مسألة ردّ مئات الأحاديث الصحيحة فليس صحيحاً على إطلاقه، فإنّا قد قدّمنا أنّ خبر الواحد في تفصيلات المعارف الدينية التي لا يجب معرفتها, بل التي يجب عقد القلب عليها هو معتبر وحجّة, وإنّ الكثير من الأخبار إنّما وردت في ذلك، فلا مانع من التمسّك بها.

ثمّ إنّ الخبر الصحيح يولّد ظنّا عند من بلغه, فقد يقترن بقرينة معيّنة توجب رفع هذا الظنّ إلى اليقين، فيمكن التمسّك به عندئذ حتّى في القسم الثاني, فلا يوجد ردّ لمطلق هذه الأخبار كما ادّعى الألباني.

الدليل الثالث: استدلاله ببعض الآيات القرآنيّة

١ـ آية النفر

وهي قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوَلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(١) بدعوى أنّ الطائفة تقع على

١- التوبة: ١٢٢.

٨٠