×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

قراءة في المنهج الحديثي عند الألباني / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

الواحد فما فوقه في اللغة, وأنّ الإنذار هو الإعلام بما يفيد العلم, وهو يكون بتبليغ العقيدة وغيرها ممّا جاء به الشرع(١).

مناقشة الاستدلال بآية النفر

إنّ هذا الاستدلال من الألباني يكشف عن بساطة تامّة في التعامل مع كلام الشارع المقدّس, فمن قال إنّ الإنذار هو الإعلام بما يفيد العلم, فإنّه يمكن القول إنّ مقتضى الإطلاق أنّ التحذّر واجب عند الإنذار حتّى ولو لم يحصل العلم منه.

ثمّ إنّ الإنذار لا يحصل بنفس إخبار المخبر, بل هو يستبطن ويفترض العقاب مسبقا, بمعنى كون الحكم منجزا بمنجز سابق كالعلم الإجمالي وغيره، فالآية بعيدة كلّ البعد عن إفادة خبر الواحد للعلم, بل ولا تفيد حتّى حجيّة خبر الواحد، والآية أشبعت نقاشا في الكتب الأصوليّة في باب حجيّة خبر الواحد من شاء فليراجع.

٢

ـ آية النبأ

وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (٢)

١- وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين: ١٣- ١٤.

٢- الحجرات: ٦.

٨١
وفي القراءة الأخرى: (فتثبّتوا) وهذا يدلّ على الجزم والقطع بقبول خبر الواحد الثقة, وأنّه لا يحتاج إلى التثبّت، ولو كان خبره لا يفيد العلم لأمر بالتثبّت حتّى يحصل العلم، فدلّ هذا وأمثاله على أنّ خبر الواحد يفيد العلم.

مناقشة الاستدلال بآية النبأ

إنّ هذه أيضا بساطة إلى حدّ ما في التعامل مع فقه الآيات القرآنية, فإنّ الآية فيها كلام كثير وعميق في الكتب الأصوليّة لا نريد التعرّض له الآن، لكنّها في غاية البعد عن إفادة خبر الواحد للعلم، فقد ذكرنا مسبقا أنّ مسألة إفادة خبر الواحد للظنّ إنّما هي مسألة تكوينية لا دخل للشارع فيها, وغاية ما هناك يمكن للشارع جعل الحجيّة لها, وحتّى لو قلنا هنا بتمامية الاستدلال على حجيّة خبر الواحد فلا دلالة فيها على إفادته للعلم ولا في ثبوت العقائد التي تحتاج إلى معرفة تامّة ويقينيّة كما بيّنا ذلك سابقاً.

فهنا نلاحظ أنّ الألباني لم يفقه معنى الحجيّة, ولم يفرّق بين وجوب التعبّد بخبر الواحد وبين إفادته للعلم, على أنّ هناك كلاما كثيراً حول الاستدلال بهذه الآية على حجيّة خبر الواحد فليراجع في مظانّه.

وبذا يتّضح عدم معارضة هاتين الآيتين بما دلّ على النهي

٨٢
عن العمل بالظنّ، فإنّ غاية ما تفيده هاتان الآيتان _ إن تمّ_ إنّما هو حجيّة خبر الواحد, فيكون الأخذ بالخبر حينئذ لوجود الدليل العلمي اليقيني على التعبّد به, وعرفنا أنّه مخصوص بالأحكام وتفاصيل العقائد دون ما يجب معرفته من العقائد شرعاً أو عقلاً, كما اتّضح فيما سبق, وبذا يتّضح فساد كلام الألباني حول التعارض بين الآيات السابقة(١).

الدليل الرابع

لو كان هناك دليل قطعي على أنّ العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد كما يزعمون لصرّح بذلك الصحابة...(٢).

مناقشة الدليل الرابع

قد بيّنا فيما سبق أنّ الصحابة قاموا بردّ بعض الأخبار, وأنّ سيرتهم العمليّة دالّة على عدم التمسّك بكلّ خبر يردهم, وفي هذا دلالة على عدم إفادته للعلم, وبالتالي عدم ثبوت العقيدة به حسب التقسيم الذي بيّناه, وعدم تصريح الصحابة بأنّ خبر الواحد لايفيد العقيدة إنّما هو لكون المسألة تتّفق مع الطبيعة التكوينية للإنسان, ولأنّ كلّ ظنّ ليس بحجّة شرعا مالم يقم عليه الدليل, فلا يوجد مقتضىً لتصريح الصحابة بذلك.

١- انظر: وجوب الأخذ بحديث الآحاد في­العقيدة والرد على شبه المخالفين: ٩-١٠.

٢- المصدر نفسه: ١٠- ١١.

٨٣
الدليل الخامس

الاستدلال بالآيات والروايات الآمرة بالتمسّك بالكتاب والسنّة والتي ذكرها الألباني في كتابه الحديث حجّة بنفسه, باعتبارها مطلقة تشمل الأحكام والعقائد, وتخصيصها بالأحكام دون العقائد تخصيص بدون مخصّص وذلك باطل, فما لزم منه باطل فهو باطل(١).

مناقشة الدليل الخامس

والجواب عليه ما تقدّم في الأحكام من أنّ الآيات والروايات ناظرة إلى وجوب إطاعة النبيّ, وهذا ممّا لا كلام فيه على فرض ثبوت صدور الكلام عنه. وهي أجنبيّة وبعيدة كلّ البعد عن اعتبار خبر الآحاد، وغاية ما تدلّ عليه هو أنّ كلّ ما ثبت صدوره عن النبيّ يجب الأخذ به، ولا تفيد حجيّة خبر الواحد لا في العقائد ولا في الأحكام. نعم في خصوص آية النبأ والنفر وغيرها من الآيات التي يمكن الاستدلال بها على حجيّة خبر الواحد والتي لم يذكرها الألباني هناك, هذه الآيات لو تمّت إفادتها على حجيّة خبر الواحد فهي تكون شاملة للأحكام وكذا العقائد من القسم الثالث من الاقسام التي ذكرناها في الأمر الثاني, فليلاحظ.

١- وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين: ١١, الحديث حجة بنفسه: ٢٧- ٣٢.

٨٤
الدليل السادس

إنّ القول المذكور ليس فقط لم يقل به الصحابة, بل هو مخالف لما كانوا عليه، فإنّا على يقين أنّهم كانوا يجزمون بكلّ ما يحدّث به أحدهم من حديث عن رسول الله, ولم يقل أحد منهم لمن حدّثه عن رسول الله: خبرك خبر واحد لا يفيد العلم حتّى يتواتر...(١).

مناقشة الدليل السادس

والجواب: أنّ الصحابة إنّما كانوا ينقلون أموراً عديدة, منها الأحكام, وهي الأكثر, ومنها تفاصيل الاعتقادات, وهي كثيرة جدّا، وهذه الأمور لا مانع من الالتزام بحجيّة خبر الواحد بها, أمّا أنّهم كانوا يكتفون في خبر الواحد حتّى في مثل المعاد والتوحيد مثلا فهذه دعوى تحتاج إلى دليل.

وقد تقدّم ما يدلّ على أنّ الصحابة وعلى رأسهم السيدة عائشة والخليفة عمر قد ردّوا بعض أحاديث الآحاد ولم يجزموا ولم يصدّقوا بمؤدّاها.

مضافا إلى أنّ كثيرا من العقائد والأحكام كانت مشهورة معروفة منتشرة بين الصحابة, فكان الإخبار بها يفيد زيادة في

١- انظر: وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين: ١١- ١٢.

٨٥
الاطمئنان والوثوق عند السامع؛ لتعدّد جهة النقل ولشهرتها وانتشارها.

الدليل السابع

الاستدلال بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}(١) وقال: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ}(٢) وقال النبيّ: «بلّغوا عنّي فما أنتم قائلون» قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت. رواه مسلم, ومعلوم أنّ البلاغ هو الذي تقوم به الحجّة على المبلّغ, ويحصل به العلم, فلو كان خبر الواحد لا يحصل به العلم, لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجّة الله على العبد, فإنّ الحجّة إنّما تقوم بما يحصل به العلم...(٣).

مناقشة الدليل السابع

والكلام يقع تارة على الآية, وأخرى على الرواية.

أمّا الآية فهي ناظرة إلى تبليغ النبيّ الشريعة إلى الناس, وطبيعي أنّ كلام النبيّ باعتباره معصوماً يوجب العلم واليقين

١- المائدة: ٦٧.

٢- النور: ٥٤.

٣- انظر: وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين: ١٣- ١٤.

٨٦
لدى الصحابة, وبالتالي ينقلوها لغيرهم, فالمورد أجنبي عن حجيّة خبر الواحد.

أمّا الاستدلال بقوله: «بلّغوا عنّي» فهو أيضا أخصّ من المدّعى, فبخبر الواحد تحصل الحجّة في كثير من الأمور كالأحكام وتفاصيل الشريعة, بل وبعض أصول العقيدة إذا اشتهرت وانتشرت تلك الأخبار, ودلّت القرائن على صحّتها, فالخبر أعلاه لا يدلّ على أنّ خبر الواحد يفيد العلم, نعم قد يفيد الحجيّة, وإن كان النقاش فيه واردا أيضا, إذ إنّ أمر الصحابة بالتبليغ سوف يؤدّي إلى انتشار الأحكام والعقائد وذيوعها بحيث تورث العلم عند المتلقّي, وهذا بعيد عن حجيّة خبر الواحد.

والخلاصة: أنّ الأمر بالتبليغ لا يساوق حجيّة الخبر, فإنّ التبليغ قد يؤدّي إلى حصول العلم, ثمّ على فرض إفادته حجيّة الخبر فلا يدلّ على الحجيّة في كلّ الموارد بما فيها العقائد التي يجب فيها المعرفة شرعاً؛ لعدم حصول اليقين فيها بخبر الواحد.

الدليل الثامن

ما ملخّصه أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان يبعث الآحاد إلى الشاسع من البلاد, فدلّ ذلك على أنّ خبر الواحد تقوم به الحجّة في القضايا العقدية(١).

١- انظر: وجوب الاخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين: ١٤- ١٥.

٨٧
مناقشة الدليل الثامن

وقد أجيب عليه بما حاصله: أنّ الله تعالى قد بعث نبيّه بمكّة ومكث فيها ثلاثة عشر عاما يدعو الناس إلى عبادة الله, وحده لا شريك له, ونبذ عبادة الأوثان والأصنام, وكان الناس يأتون أفواجا من كلّ حدب وصوب إلى مكّة المكرّمة لزيارة بيت الله الحرام, وكان رسول الله يلتقي بهم, فيدعوهم إلى ما أُمر به, وكان هؤلاء الحجّاج يرجعون إلى بلدانهم, فيحذّرون أقوامهم بما سمعوه من رسول الله, واشتهرت بذلك الأخبار, وتواترت وشاع أمر الدعوة وذاع بحيث لم يخف على أحد من أهل تلك المناطق, ثمّ هاجر جماعة كبيرة من صحابته إلى الحبشة فاستقرّوا بها عدّة سنوات, وأسلم ملك الحبشة, واشتهر ذلك عنه, ثمّ هاجر رسول الله وصحابته إلى المدينة, وكانت بينهم وبين المشركين حروب طاحنة, ثمّ أجلى رسول الله اليهود من المدينة, وقتل بعض طوائفهم, واشتهر أمر الدعوة بذلك أكثر فأكثر, وأيضاً فكانت الوفود العربية تأتي من كلّ مكان لسماع دعوة رسول الله ومعرفة ما يدعو إليه, وكان كثير منهم يدخلون في الإسلام ويطلبون من رسول الله أنّ يبعث معهم من يعلّمهم أمور دينهم كما هو مشهور في كتب السير.

وبذلك يتبيّن لك أنّ أصول الاعتقادات انتقلت عن طريق

٨٨
التواتر القطعي, وأنّ أولئك الذين كان يبعثهم إلى المناطق كانوا يعلّمون الناس الفروع الفقهية فقط.

على أنّه من غير المسلّم أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان يبعث الآحاد, كما ادّعوا ذلك, فهذا الصحابي معاذ الذي بعثه النبيّ إلى اليمن لم يبعثه على جمل وحده كما يتخيّل بعضهم، بل ذهب في جماعة من الصحابة كما هو المعروف والمألوف, وكان هو على رأسهم، ففي تاريخ ابن جرير الطبري: «عن عبيد ابن صخر بن لوذان الأنصاري السلمي وكان فيمن بعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مع عمّال اليمن في سنة عشر بعد ما حجّ حجّة التمام وقد مات باذام, فلذلك فرّق عملها بين شهر ابن باذام وعامر بن شهر الهمداني, وعبد الله بن قيس أبى موسى الأشعري, وخالد بن سعيد بن العاص, والطاهر بن أبي هالة, ويعلى بن أميّة, وعمر بن حزم, وعلى بلاد حضرموت زياد بن لبيد البياضي وعكاشة بن ثور بن أصغر الغوثي... وبعث معاذ بن جبل معلّما لأهل البلدين اليمن وحضرموت»(١).

أمّا بعث الأصحاب إلى أهل الكتاب فلا دلالة فيه ألبتّة؛ لأنّهم سوف يدعونهم إلى أصل الإسلام, وهذا يستدعي إقامة

١- تاريخ الطبري: ٢/ ٤٦٣- ٤٦٤.

٨٩
الأدلّة العقليّة على أصل الإلوهية والنبوّة, أي أنّهم يبلّغونهم ويبشرونهم بالإسلام ويقيمون لهم الأدلّة على ذلك لكي يؤمنوا, فالمسألة أجنبيّة عن حجيّة خبر الواحد.

الدليل التاسع

الاستدلال بآية {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}(١) أي لا تتّبعه, ولا تعمل به, ومن المعلوم أنّ المسلمين لم يزالوا من عهد الصحابة يقفون أخبار الآحاد ويعملون بها ويثبتون بها الأمور الغيبيّة والحقائق الاعتقاديّة مثل بدء الخلق وأشراط الساعة, بل ويثبتون بها لله تعالى الصفات فلو كانت لا تفيد علما ولا تثبت عقيدة لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمّة الإسلام كلّهم قد قفوا ما ليس لهم به علم...(٢).

مناقشة الدليل التاسع

إنّ الالتزام بدلالة الآية يستدعي عدم العمل بها؛ لأنّ مفادها ظنّي أيضاً, فلا يصحّ الاستناد إليها؛ لأنّها تفيد الظنّ, فهي ليست علم حتّى يجب الانقياد وفق مفادها فيكون التمسّك بها مقتضيا لعدم العمل بها.

١- الإسراء: ٣٦.

٢- الحديث حجّة بنفسه: ٥٦.

٩٠
وبغض النظر عن هذا الإشكال, فإنّ الآية في مقام الإرشاد إلى عدم التورّط في مخالفة الشريعة نتيجة اتّباع الظنون, فتكون مقيّدة بما ثبت ودلّ الشارع على اعتباره, فبعد ثبوت حجيّة خبر الواحد ينتفي الإرشاد المتقدّم, ولا يكون العمل اتّباعا للظنون, فالآية غير ناظرة إليه باعتبار قيام الدليل القطعي عليه, فالسير وفقه لا يكون مدعاة لمخالفة الشريعة, فلا دلالة في الآية على إفادة خبر الواحد للعلم ألبتة.

وقال الغزالي في مقام الجواب على هذه الآية: «ولا تمسّك لهم في قوله تعالى:{وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (١) وأنّ الخبر لو لم يفد العلم لما جاز العمل به ؛ لأنّ المراد بالآية منع الشاهد عن جزم الشهادة إلا بما يتحقّق، وأّما العلم بخبر الواحد فمعلوم الوجوب بدليل قاطع أوجب العمل عند ظنّ الصدق، والظنّ حاصل قطعا، ووجوب العمل عنده معلوم قطعا، كالحكم بشهادة اثنين، أو يمين المدّعي مع نكول المدعى عليه»(٢).

وممّا تقدّم يظهر الجواب عن جميع ما حاول

الألباني الاستدلال به على إفادة خبر الواحد للعلم, وثبوت العقيدة به.

١- الاسراء: ٣٦.

٢- المستصفى: ١١٦.

٩١
شيخ حكمت قراءة في المنهج الحديثي عن الألباني » حكمت الرحمة » (ص ٩١ - ص ١٢٠)وقفة

يمكن القول إنّ الذي دفع الألباني والسلفيّة إلى القول بثبوت العقيدة بخبر الواحد هو الخلط الواضح بين حجيّة خبر الواحد وبين إفادته العلم, فإنّ العلم المراد تحقّقه في أساسيات العقيدة إنّما هو العلم الوجداني, وهذا لا يمكن تحقّقه من خلال مخبر يحتمل في حقّه الاشتباه والخطأ والنسيان ما لم تقم القرائن على صحّة قوله أو تواتره, ومجرّد أمر الشارع باتّباع خبر الواحد لا يدلّ على إفادة العلم, بل غاية ما يثبته هو وجوب الانصياع والسير وفق خبره, وهذا لا يصيّر الإنسان عالماً وجداناً بمفاد الخبر, فلا تتحقّق المعرفة في أساسيات العقيدة.

ومن هنا يتّضح الخلط الآخر الذي حصل للسلفيين, وهو عدم قدرتهم على التفريق بين جزئيات العقيدة وتفاصيلها من جهة, وأساسيات العقائد وما يجب معرفته عقلا أوشرعا من جهة أخرى, فإنّ الكلام إنّما هو فيما يجب معرفته من العقائد عقلاً أو شرعاً لا في تفاصيلها وجزئياتها, فإنّ القسم الثالث وهو الجزئيات والتفاصيل قال الكثير من العلماء بحجيّة خبر الواحد فيه.

ثمّ إنّ الألباني حاول في كثير من الأحيان إثبات أنّ بعض الأخبار تفيد العلم كالذي تلقته الأمّة بالقبول وغيره, وغفل أو

٩٢
تغافل أنّ هذا خروجٌ عن محلّ البحث, وانتقالٌ للصغرى, فنحن لم نقل أنّ خبر الواحد حتّى إذا أفاد العلم لا يؤخذ به, بل نؤمن أنّ الخبر إذا أفاد العلم لقرائن معيّنة, فإنّه تحصل به المعرفة, على أنّ المصاديق التي ذكرها الألباني مثل إفادة ما اتّفق عليه (البخاري ومسلم) العلم, فيها الكثير من النقاش الذي لا محلّ له الآن.

ومن جميع ما تقدّم يظهر أنّ الكثير من التفاصيل العقائدية يمكن الإيمان بها من خلال الروايات, ولا يستلزم الاعتماد على القرآن فقط, وترك الروايات كما ادّعى الألباني(١). بل حتّى في الأصول الاعتقادية الواجب معرفتها شرعا، فإنّه قد تصحب الروايات الصحيحة قرائن قويّة تفيدها اليقين, فلا يرد كلام الألباني على أيّة حال.

١- انظر: وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة: ٤٣.

٩٣

قراءة تطبيقية

في تصحيحات الألباني وتضعيفاته

٩٤

٩٥
قراءة تطبيقية في تصحيحات الألباني وتضعيفاته

بيان أقسام الحديث المعتبر عند الألباني

ولكي نقف على أقسام الحديث المعتبر لدى الألباني لا بد لنا أن نتعرض مجملا إلى تقسيم الحديث عند أهل السنّة, ونرى ما هو المعتبر من غيره؛ لنعرف بعد ذلك طبيعة أقسام الحديث عند الألباني ومنهجه في التصحيح وقبول الأحاديث.

وهنا نحاول الاقتصار على ذكر التقسيم الذي ذكره الشيخ ابن عثيمين, وهو احد السلفيين المعاصرين, حيث ذكر أنّ الحديث باعتبار طرق نقله إلينا ينقسم إلى قسمين: متواتر وآحاد.

أ - المتواتر:

ما رواه جماعة يستحيل في العادة أن يتواطؤوا على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس, وينقسم المتواتر إلى قسمين:

متواتر لفظاً ومعنىً، ومتواتر معنىً فقط.

فالمتواتر لفظاً ومعنىً: ما اتفق الرواة فيه على لفظه ومعناه.

٩٦
والمتواتر معنى: ما اتفق فيه الرواة على معنىً كلي، وانفرد كلّ حديث بلفظه الخاص.

والمتواتر بقسميه يفيد:

أوّلاً: العلم: وهو: القطع بصحّة نسبته إلى من نقل عنه.

ثانياً: العمل بما دل عليه بتصديقه إن كان خبراً، وتطبيقه إن كان طلباً.

ب- الآحاد:

ما سوى المتواتر.

وتنقسم الآحاد باعتبار الرتبة إلى خمسة أقسام:

صحيح لذاته، ولغيره، وحسن لذاته، ولغيره، وضعيف.

١ - فالصحيح لذاته: ما رواه عدل تام الضبط بسند متصل, وسلم من الشذوذ والعلة القادحة..

٢ - والصحيح لغيره: الحسن لذاته إذا تعدّدت طرقه.

٣ - والحسن لذاته: ما رواه عدل خفيف الضبط بسند متصل, وسلم من الشذوذ والعلة القادحة.

فليس بينه وبين الصحيح لذاته فرق سوى اشتراط تمام الضبط في الصحيح، فالحسن دونه.

٤ - والحسن لغيره: الضعيف إذا تعدّدت طرقه على وجه يجبر بعضها بعضاً، بحيث لا يكون فيها كذّاب، ولا متّهم

٩٧
بالكذب.

٥ - والضعيف: ما خلا عن شروط الصحيح والحسن(١).

وهذا التقسيم هو المشهور فعلا عند علماء أهل السنّة, وإن كان قديما لم يقسّم الحديث إلا إلى الصحيح والضعيف, لكنّ ذلك لا يضر؛ إذ إنّهم كانوا يدخلون الحسن ضمن أقسام الصحيح، فالمسألة فنيّة لا أكثر, ولعل أوّل من قسّم الحديث إلى صحيح وحسن هو الترمذي.

قال ابن الصلاح: «كتاب أبي عيسى الترمذي رحمه الله أصل في معرفة الحديث الحسن, وهوالذى نوّه باسمه وأكثر من ذكره في جامعه ويوجد في متفرّقات من كلام بعض مشايخه والطبقة التى قبله كأحمد بن حنبل والبخاري وغيرها»(٢).

وعند التتبع نجد أنّ هناك بعض الاختلافات الجزئية في بيان هذه الاصطلاحات, فالعدل التام الضبط المذكور في تعريف الصحيح لذاته يراد به عند الألباني وغيره من الكثير من العلماء هو الثقة التام الضبط, لا العدل بمعنى الاستقامة الدينيّة وعدم صدور المعصية منه.

١- انظر: مصطلح الحديث: ٨- ١١.

٢- مقدمة ابن الصلاح: ١/٢٠.

٩٨
قال ابن حجر: «وخبر الآحاد بنقل عَدْلٍ تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ هو الصحيح لذاته...»(١) فعلّق الملا علي القاري على قوله: (بنقل عدل): «أي برواية ثقة, فخرج من عُرف ضعفه أو جهل عينه أو حاله كما سيجيء بيانها, والمراد عدل الرواية لا عدل الشهادة»(٢) أي أنّ المراد من العدل إنّما هو الصادق, أي أنّ هذا الشخص الذي حفظت فيه صفة الصدق تارة يكون تام الضبط فيكون حديثه صحيحاً, وتارة يكون خفيف الضبط فيكون حديثه حسناً.

وبملاحظة تصحيحات علماء أهل السنّة ومنهم البخاري ومسلم وكذا الألباني للأحاديث التي في أسانيدها خوارج ونواصب والذين هم ليسوا بعدول بالمعنى الثاني يتّضح الحال.

كما أنّ المراد من الحسن لغيره عند الكثير من العلماء هو ما رواه ضعيف غير شديد الضعف فيكون قابلاً للارتفاع إلى درجة الحسن عند وجود رواية أخرى فيها راو غير شديد الضعف أيضاً, وهذا الراوي إن كان في نفس طبقة الراوي في الحديث الأوّل بحيث يكون السند بعدهما متّحداً سمّي بالمتابع, وإن كان في غير طبقته سُمّي الحديث بالشاهد على

١- نخبة الفكر: ١٣.

٢- شرح نخبة الفكر: ١/ ٢٤٣.

٩٩
تفصيل ليس هنا محلّ بحثه(١), كما أنّ الصحيح لغيره يطلق على الحسن لذاته إذا تعدّدت طرقه, أو الضعيف إذا ورد بسند آخر صحيح, أو الحسن لذاته إذا ورد من طرق أخرى فيها ضعف خفيف, وامتلأت كتب التصحيح والتضعيف بالشواهد على ذلك.

قاعدة تقوية الحديث بكثرة طرقه

وما يهمّنا هو أن نبيّن أنّ الحديث الضعيف يتقوّى بكثرة الطرق بشروط معينة, قال الألباني تحت عنوان: (تقوية الحديث بكثرة الطرق ليس على إطلاقه): «من المشهور عند أهل العلم أنّ الحديث إذا جاء من طرق متعددة فإنّه يتقوّى بها, ويصير حجّة, وإن كان كلّ طريق منها على انفراده ضعيفاً, ولكنّ هذا ليس على إطلاقه, بل هو مقيّد عند المحققين منهم بما إذا كان ضعف رواته في مختلف طرقه ناشئاً من سوء حفظهم لا من تهمة في صدقهم, أو دينهم, وإلاّ فإنّه لا يتقوّى مهما كثرت طرقه»(٢). كما أنّه من الواضح أنّ القاعدة المذكورة تشمل ماكان ضعفه ناشئا من التدليس, والإرسال وغيره.

قال ابن الصلاح: «ليس كلّ ضعف في الحديث يزول

١- راجع مثلاً قفو الأثر: ١/ ٦٤, شرح نخبة الفكر: ٢/ ٣٤٣- ٣٤٤.

٢- تمام المنّة: ٣١.

١٠٠