×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

قراءة في المنهج الحديثي عند الألباني / الصفحات: ١٢١ - ١٤٠

المورد الثاني: تدليسه في خبر التهنئة:

ومرادنا به تكملة وذيل الحديث المتواتر: «من كنت مولاه فعلي مولاه< حيث جاء في مسند أحمد وغيره: «فلقيه عمر بعد ذلك، فقال له: هنيئا يابن أبي طالب, أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة<(١).

قال الألباني: «ورجاله ثقات, رجال مسلم غير علي بن زيد وهو ابن جدعان, وهو ضعيف<(٢).

وقال في موضع آخر: إنّ هذا القول: «لا يصحّ لتفرّد علي بن زيد به كما تقدّم»(٣).

ويرد عليه:

أ- أنّ أحاديث عليّ بن زيد يمكن الحكم عليها بالحسنة, فقد وثّقه عدّة من العلماء:

قال يعقوب بن شعيب: «ثقة صالح الحديث وإلى اللين ما هو»(٤).

قال الساجي: «كان من أهل الصدق»(٥).

١- مسند أحمد: ٤/ ٢٨١.

٢- سلسلة الأحاديث الصحيحة: ٤/ ٣٤١.

٣- المصدر السابق: ٤/ ٣٤٤.

٤- تهذيب التهذيب: ٧/٢٨٣

٥- المصدر السابق: ٧/٢٨٥

١٢١
شيخ حكمت قراءة في المنهج الحديثي عن الألباني » حكمت الرحمة » (ص ١٢١ - ص ١٥٠)قال الترمذي: «صدوق»(١).

ولذا فإنّ العلامة أحمد محمّد شاكر يرى صحّة أحاديثه, فقد قال في تحقيقه على مسند أحمد: «علي بن زيد, وهو ابن جدعان, وهو ثقة»(٢).

وكذلك فإنّ الشيخ حمزة أحمد الزين يرى أنّ أحاديثه حسنة كما في تحقيقه على مسند أحمد(٣), هذا فضلاً عن تحسين الترمذي لأحاديثه في سننه, ووصفه له بالصدق كما تقدّم.

ب- على فرض ضعفه فحديثه يرتفع إلى درجة الحسن عند وجود المتابع أو الشاهد له سواء عند الألباني أو غيره؛ لأنّ ضعفه إن تمّ فإنّما هو ناشئ من سوء حفظه, قال الألباني عنه (أي عن علي بن زيد): «أقول: الصواب فيه أنّ العلماء اختلفوا، والأرجح أنّه ضعيف، وبه جزم الحافظ في (التقريب)، ولكنه ضعف بسبب سوء الحفظ، لا لتهمة في نفسه، فمثله يحسّن حديثه أو يصحّح إذا توبع»(٤), وهو لم يتفرّد بالرواية كما ادّعى

١- سير أعلام النبلاء: ٥/٢٠٧.

٢- مسند أحمد بتحقيق أحمد محمد شاكر: ١/ ٣٥, مكتبة التراث الإسلامي.

٣- انظر مسند أحمد بتحقيق حمزة أحمد الزين: ١١ / ٢٥٧، حديث رقم ١٣٦٦٣, ١١ / ٣٣٦، حديث رقم ١٣٩٧٣، دار الحديث، القاهرة.

٤- سلسلة الأحاديث الصحيحة: ١/ ٢٧١.

١٢٢
الألباني, بل تابعه عليها أبو هارون العبدي.

قال ابن كثير في (البداية والنهاية): قال الحافظ أبو يعلى الموصلي والحسن بن سفيان: ثنا هدبة، ثنا حمّاد بن سلمة، عن عليّ بن زيد وأبي هارون, عن عدي بن ثابت, عن البراء، وذكر الحديث الذي في ذيله: «فلقيه عمر بن الخطاب فقال: هنيئاً لك أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلّ مؤمن ومؤمنة<(١).

وأبو هارون وإن كان فيه كلام إلا أنّ إمام أهل الحديث الذهبي يرى أنّ في رواياته لين(٢), فيمكن أن تتعاضد مع رواية عليّ بن زيد فيرتفع الحديث إلى مرتبة الحسن.

ج - لو أغضضنا الطرف عن كلّ ذلك, فإنّ لرواية عليّ بن زيد شاهداً من رواية أبي هريرة, أخرجها الخطيب البغدادي في تاريخه: «أنبأنا عبد الله بن علي بن محمّد بن بشران, أنبأنا علي بن عمر الحافظ, حدّثنا أبو نصر حبشون بن موسى بن أيوب الخلال, حدثنا علي بن سعيد الرملي, حدثنا ضمرة بن ربيعة القرشي, عن بن شوذب, عن مطر الوراق, عن شهر بن حوشب, عن أبي هريرة, قال: من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا, وهو يوم غدير خم, لمّا أخذ

١- البداية والنهاية: ٥ / ٢٢٩.

٢- انظر: سير أعلام النبلاء: ١٤/ ٥٥٧.

١٢٣
النبي صلّى الله عليه وسلّم بيد علي بن أبي طالب, فقال ألست ولي المؤمنين؟ قالوا بلى يا رسول الله, قال: من كنت مولاه فعلي مولاه فقال عمر بن الخطاب. بخ بخ لك يا بن أبي طالب, أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم, فأنزل الله اليوم أكملت لكم دينكم, ومن صام يوم سبعة وعشرين من رجب كتب له صيام ستين شهرا, وهو أوّل يوم نزل جبريل عليه السلام على محمّد صلّى الله عليه وسلم»(١). فتكون الرواية حسنة لهذا الشاهد.

إذ إنّ هذا الإسناد لا غبار عليه لولا أنّ مطر الوراق وشهر ابن حوشب سيئا الحفظ, وهما صالحان للمتابعة عند الألباني, بل يحتجّ بهما عند غيره,فقد قال الذهبي: «مطر من رجال مسلم, حسن الحديث<(٢) وسيأتي تصريح الألباني بأنّ البعض يحسّن حديث ابن حوشب, ولا نريد التطرّق لذلك لأنّ كلامنا مع الألباني وتدليساته وتنزلاً على مبانيه.

قال الألباني معلّقا على سند أحد الأحاديث: «وهذا إسناد حسن لولا أنّ مطراً فيه ضعف من قبل حفظه»(٣). فهو إذن سيّيء الحفظ عند الألباني.

١- تاريخ بغداد: ٨/ ٢٨٤.

٢- ميزان الاعتدال: ٤/ ١٢٧.

٣- سلسلة الأحاديث الصحيحة: ٥/ ٢١٦.

١٢٤
وقال في ابن حوشب: «وشهر لا بأس به في الشواهد، وبعضهم يحسّن حديثه»(١).

فالحديث يرتفع إلى مرتبة الحسن, بضميمة الحديث الذي ورد من طريق عليّ بن زيد, وقد رأينا أنّ الألباني لم يشر إلى متابعة أبي هارون العبدي, ولا إلى شاهد الحديث من طريق شهر بن حوشب ومطر الوراق عن أبي هريرة.

هذا وقد صرّح غير واحد من علماء اهل السنّة بصحّة الخبر منهم العلامة الحنفي سبط ابن الجوزي(٢) في (تذكرة الخواص)(٣).

كما أقرّ بصحته الغزالي, بل علّق عليه بما يدلّ على تخليه عن مذهبه والتحاقه بمدرسة أهل البيت، فقد ذكر الذهبي في (سير أعلام النبلاء): «ولأبي المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في كتاب "رياض الأفهام في مناقب أهل البيت" قال: ذكر أبوحامد في كتابه «سر العالمين وكشف ما في الدارين» فقال في حديث: «من كنت مولاه، فعليّ مولاه» إنّ عمر قال لعليّ:

١- سلسلة الأحاديث الصحيحة: ٥/ ٥٨٢.

٢- قال عنه الذهبي: «الشيخ العالم المتفنن الواعظ البليغ المؤرخ الأخباري واعظ الشام» انظر ترجمته في (سير أعلام النبلاء): ٢٣ / ٢٩٦، مؤسسة الرسالة، و>تاريخ الإسلام<: حوادث وفيات (٦٥١ ـ ٦٦٠) ص ١٨٣، دار الكتاب العربي.

٣- تذكرة الخواص: ٣٦.

١٢٥
بخ بخ، أصبحتَ مولى كل مؤمن ومؤمنة. قال أبو حامد: وهذا تسليم ورضا، ثم بعد هذا غلب عليه الهوى حبّاً للرياسة، وعقد البنود، وأمر الخلافة ونهيها، فحملهم على الخلاف، فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلاً، فبئس ما يشترون، وسرد كثيراً من هذا الكلام الفسل الذي تزعم الإمامية، وما أدري ما عذره في هذا؟ والظاهر أنّه رجع عنه وتبع الحق فإنّ الرجل من بحور العلم، والله أعلم<(١).

وليت الذهبي يخبرنا كيف استظهر أنّ الغزالي رجع عن هذا القول؟!

فاتّضح اذن أنّ خبر التهنئة معتبر ولا غبار عليه, وحينئذ يمكن القول أنّّه لا معنى لتهنئة عمر للإمام عليّ إلاّ إذا كان المراد من الولاية في حديث الغدير المعروف المتواتر: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» هي الإمامة والخلافة الإسلامية بعد الرسول صلّى الله عليه وآله.

المورد الثالث: تدليسه في قول النبيّ في حديث الغدير: «(وانصر من نصره واخذل من خذله)» حيث قال: «و أمّا قوله في الطريق الخامسة من حديث عليّ رضي الله عنه: وانصر من نصره واخذل من خذله. ففي ثبوته عندي وقفة؛ لعدم ورود ما يجبر

١- سير أعلام النبلاء: ١٩ / ٣٢٨.

١٢٦
ضعفه، وكأنّه رواية بالمعنى للشطر الآخر من الحديث: اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه»(١).

ويرد عليه:

أنّ هناك طريقا معتبراً لذاته, وردت فيه هذه اللفظة قد خفي على الألباني أيضاً!! وهو ما أخرجه الحافظ ابن ديزل في كتاب وقعة صفين(١٦٥- ١٦٦), وأورده عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج(٢). قال: قال إبراهيم في الكتاب المذكور:

«حدّثنا يحيى بن سليمان الجعفي, قال: حدّثنا ابن فضيل، قال حدّثنا الحسن بن الحكم النخعي، عن رياح بن الحارث النخعي, قال: كنت جالساً عند عليّ إذ قدم عليه قوم متلثمون، فقالوا: السلام عليك يا مولانا، فقال لهم: أولستم قوماً عرباً؟ قالوا: بلى، ولكنّا سمعنا رسول الله يقول يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه, وعاد من عاداه, وانصر من نصره, واخذل من خذله.

قال: فلقد رأيت عليّاً ضحك حتّى بدت نواجذه، ثمّ قال: اشهدوا, ثمّ إنّ القوم مضوا إلى رحالهم فتبعتهم، فقلت لرجل منهم: من القوم؟ قالوا: نحن رهط من الأنصار، وذاك ـ يعنون رجلا منهم ـ

١- سلسلة الأحاديث الصحيحة: ٤/ ٣٣٠, وما بعدها, حديث رقم ١٧٥٠.

٢- انظر شرح نهج البلاغة: ٣/ ٢٠٨.

١٢٧
أبو أيوب صاحب منزل رسول الله قال: فأتيته فصافحته».

وهذه الرواية معتبرة سنداً:

فإبراهيم بن ديزل، قال فيه الذهبي: «الإمام الحافظ الثقة العابد...»(١).

وقال أيضاً: «قال صالح بن أحمد الحافظ: سمعت أبي، سمعت عليّ بن عيسى يقول: إنّ الإسناد الذي يأتي به إبراهيم لو كان فيه أنْ لا يؤكلّ الخبز، لوجَبَ أنْ لا يؤكلّ لصحّة إسناده»(٢).

ويحيى بن سليمان الجعفي: قال الذهبي: «صويلح»(٣). وأقلّ حالاته أن يكون حديثه حسناً, مع أنّ الألباني وثّقه, وذكر أنّه من رجال البخاري كما في (إرواء الغليل)(٤).

ومحمّد بن فضيل الحافظ وثّقه الذهبي في (الكاشف)(٥)، وقال عنه الألباني: «هو ثقة من رجال الشيخين»(٦).

والحسن بن الحكم النخعي قال عنه أبوحاتم: «صالح الحديث»(٧) ..

١- سير أعلام النبلاء: ١٣ / ١٨٤.

٢- المصدر السابق: ١٣ / ١٨٨.

٣- الكاشف: ٣ / ٢٤٤.

٤- إرواء الغليل: ٤ / ١٩٤.

٥- الكاشف: ٣ / ٧١.

٦- سلسلة الأحاديث الصحيحة: ٢ / ٨٩.

٧- انظر: الكاشف للذهبي: ١ / ١٧٥.

١٢٨
ووثّقه الهيثمي في (مجمع الزوائد)(١).

ورياح ابن الحارث النخعي وثقه الهيثمي(٢), والألباني(٣).

فهذا الحديث حسن لذاته على أقلّ تقدير, فكيف يدّعي الألباني أنّ الطريق الذي ذكره لايوجد ما يجبر ضعفه!!!

بل وردت هذه الألفاظ بطريق صحيح أيضاً, كما نقل ذلك الهيثمي في (مجمع الزوائد) عن البزار بسنده إلى عمر بن ذي مر وسعيد بن وهب وزيد بن بثيع قالوا: «سمعنا علياً يقول: نشدت الله رجلاً سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول يوم غدير خمّ لمّا قام فقام ثلاثة عشر رجلاً فشهدوا أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم, قالوا: بلى يا رسول الله, قال: فأخذ بيد عليّ فقال: من كنت مولاه فهذا مولاه اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه وأحب من أحبّه وأبغض من يبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله».

قال الهيثمي: «رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة»(٤).

١- مجمع الزوائد: (٥ / ٢٤٦) و(٨ / ١٠٤).

٢- المصدر السابق: ٩/ ١٠٤

٣- سلسلة الأحاديث الصحيحة: ٤/ ٣٤٠.

٤- مجمع الزوائد: ٩ / ١٠٥.

١٢٩
وهناك نكتة مهمّة في رواية ابن ديزل المتقدّمة لا بأس بالاشارة إليها وهي:

إنّا عرفنا أنّ قوماً من الأنصار سلّموا على عليّ عليه السلام بقولهم: «السلام عليك يا مولانا».

فأجاب الإمام عليّ بشكل يلفت الناس ويذكرّهم بأنّه الولي والخليفة بنص الرسول فقال: «كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب», أو «أولستم قوماً عرباً» والمعنى أنتم قوم عرب أحرار ولستم عبيداً, فكيف أكون ولياً عليكم وسيداً لكم وأولى بالتصرف من أنفسكم.

فقالوا: سمعنا رسول الله يقول يوم غدير خم وذكروا الحديث.

فلمّا سمع عليّ عليه السلام ذلك منهم ضحك حتّى بدت نواجذه وقال: «اشهدوا». ومن الواضح أنّه لا معنى لأن يشهدهم على أنّه ناصر المؤمنين بعد طيلة هذه السنين من جهاده عليه السلام ومعرفة كلّ الناس أنّ المؤمنين بعضهم أولياء بعض ولم يشكّ أحد في أنّ علياً ناصر المؤمنين؛ لذا فمن سلامهم عليه بالولاية وجوابه لهم بتلك الطريقة من التساؤل, ثمّ إشهادهم على ذلك يتّضح أنّ المراد من الولاية والمفهوم منها عند الصحابة هي الأولوية في التصرف من النفس وهي تعني الإمامة الإسلامية العامّة.

١٣٠

المورد الرابع: تدليسه في تضعيف حديث:

«لا يحبّ عليّا منافق ولا يبغضه مؤمن»(١).

حيث قال في ضعيف سنن الترمذي: «ضعيف»(٢) وقال في المشكاة: «وفيه المساور الحميري, قال الحافظ في التقريب: مجهول»(٣).

ويرد عليه:

أوّلا: تحسين الترمذي للحديث, حيث قال: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه...»(٤), ولعلّه بنفس تحسين الترمذي ترتفع جهالة المساور الحميري, فليتأمّل.

ثانيا: أنّ للحديث شاهداّ صحيحاّ في معناه، وهو ما أخرجه مسلم في صحيحه من طريق عليّ عليه السلام: «والذي خلق الحبّة وبرأ النسمة أنّه لعهد النبيّ الأمّيّ إليّ أن لا يحبّني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق»(٥), وقد تجاهل الألباني الإشارة إلى هذا الطريق, مع أنّ الترمذي بنفسه قال بعد الحديث: «وفي الباب عن عليّ»(٦).

١- أخرجه الترمذي في سننه: ٥/ ٢٩٩.

٢- ضعيف سنن الترمذي: ٤٩٩.

٣- مشكاة المصابيح: ٣/ ١٧٢٢.

٤- سنن الترمذي: ٥/ ٢٩٩.

٥- صحيح مسلم: ١/ ٦١.

٦- سنن الترمذي: ٣/٢٩٩.

١٣١

المورد الخامس: تضعيفه حديث: «من سبّ عليا فقد سبّني» محتجّا باختلاط أبي إسحاق السبيعي, حيث قال في المشكاة: «ورجاله ثقات إلا أنّ أبا إسحاق, وهو السبيعي كان اختلط، فلا تغتر بتصحيح الحاكم للحديث وموافقة الذهبي له»(١).

ويرد عليه:

أوّلا: أنّ الذهبي والحاكم قد صحّحاه كما اعترف هو بذلك, والتصحيح تجده في المستدرك, حيث قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي في التلخيص.(٢) والحديث أخرجه النسائي في الخصائص, وقال فيه المحقّق أبو إسحاق الحويني الأثري: «إسناده صحيح»(٣), وقال الهيثمي: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عبدالله الجدلي وهو ثقة»(٤).

ولم يتعرّض أحد من هؤلاء العلماء إلى اختلاط أبي إسحاق السبيعي, بل إنّ الذهبي صرّح بعدم اختلاطه, حيث قال في الميزان في ترجمة عبد الملك بن عمير اللخمي ما نصّه:

١- مشكاة المصابيح: ٣/ ١٧٢٢.

٢- المستدرك على الصحيحين وبهامشه تلخيص المستدرك: ٣/ ١٢١.

٣- تهذيب خصائص الإمام علي: ٧٦.

٤- مجمع الزوائد: ٩/ ١٣٠.

١٣٢
«والرجل من نظراء السبيعي أبي إسحاق وسعيد المقبري, لمّا وقعوا في هرم الشيخوخة نقص حفظهم, وساءت أذهانهم ولم يختلطوا، وحديثهم في كتب الإسلام كلها»(١). وقال عن أحاديث السبيعي: «وحديث أبي إسحاق محتج به في دواوين الإسلام»(٢).

ثانياً: أنّ الألباني بنفسه صحّح روايات لأبي إسحاق السبيعي حتّى في الأسانيد التي عنعن فيها, فلا يتأتّى الإشكال بأنّ السبيعي قد عنعن في هذه الرواية وهو مدلّس.

قال السقاف بعد نقل عبارة الذهبي المتقدّمة في عدم اختلاط السبيعي: «وقد رأيت أحاديث كثيرة لأبي إسحاق السبيعي قد عنعن في أسانيدها وصحّحها الألباني دون متابعات أو شواهد, يضيق المقام الآن عن إيرادها»(٣).

ومن جملة الاحاديث التي صحّحها الألباني وفي سندها السبيعي وقد عنعن هو ما رواه النسائي في سننه: «أخبرنا عبدة ابن عبد الرحيم المروزي قال أنبأنا ابن شميل هو النضر قال أنبأنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن البراء أنّ

١- ميزان الاعتدال: ٢/ ٦٦١.

٢- سير أعلام النبلاء: ٥/ ٣٩٩.

٣- تناقضات الألباني: ٢/ ١٧١- ١٧٢.

١٣٣
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كَانَ إذا صَلَّى جَخَّى».(١)

قال الألباني معلّقا على الحديث: «صحيح».(٢)

على أنّ الحاكم نقل الرواية بسند آخر وفيها أنّ أبا اسحاق السبيعي لم يعنعن, بل حدّث حيث قال: سمعت أبا عبدالله الجدلي. ولم يقل: عن أبي عبدالله الجدلي كما في النقل الأوّل(٣), وتقدم أنّ المدلّس إذا حدّث يؤخذ به.

ثالثاّ: ثمّ لو سلّمنا أنّ أبا إسحاق السبيعي مختلط وكذا مدلّس فإنّ الطبراني والخطيب رَوَيا حديثاّ بإسناد رجاله ثقات يحمل نفس المعنى المتقدّم فهو يشهد بصحّة ذلك الحديث, فقد جاء في تاريخ بغداد: «أخبرنا إبراهيم بن مخلد بن جعفر حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم الحكيمي حدّثنا الحسن بن الفضل الزعفراني وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي. قالا: حدّثنا عبد الحميد بن صالح حدّثنا عيسى بن عبد الرحمن عن السدى عن أبي عبد الله الجدلي عن أم سلمة قالت: يا أبا عبد الله، أيسبّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيكم على المنابر؟ قال: سبحان الله، وأنّى يكون هذا؟. قالت أليس يسب علي ومن

١- سنن النسائي: ٢/ ٢١٢.

٢- صحيح سنن النسائي: حديث رقم ١١٠٥.

٣- المستدرك على الصحيحين وبهامشه تلخيص المستدرك: ٣/ ١٢١

١٣٤
يحبه؟ فأنا أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه كان يحبه»(١).

وجاء في المعجم الكبير للطبراني: حدّثنا محمّد بن عثمان ابن أبي شيبة ثنا عون بن سلامة ح.

وحدّثنا القتات ثنا عبد الحميد بن صالح قالا: ثنا عيسى بن عبد الرحمن عن السدي عن أبي عبد الله الجدلي عن أمّ سلمة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مثله.(٢)

قال في مجمع الزوائد بعد أن نقل الحديث الثاني عن الطبراني والذي في سنده السبيعي: «وروى الطبراني بعده بإسناد رجاله ثقات إلى أمّ سلمة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: مثله»(٣). وهو يشير الى السند الذي نقلناه قبل قليل.

المورد السادس: تناقضه في حديث: «علي منّي وأنا من علي ولا يؤدّي عنّي إلا أنا أو علي» حيث أعلّه باختلاط أبي إسحاق السبيعي كما في المشكاة(٤).

ونلاحظ هنا أنّ جملة كبيرة من العلماء صحّحوا

١- تاريخ بغداد: ٧/ ٤١٣- ٤١٤.

٢- المعجم الكبير: ٢٣/ ٣٢٣.

٣- مجمع الزوائد: ٩/ ١٣٠.

٤- مشكاة المصابيح: ٣/ ١٧٢٠.

١٣٥
الحديث, ولم يلتفت أحد منهم إلى مسألة تخليط أبي إسحاق, فالحديث صحّحه الترمذي(١), وحسّنه الذهبي(٢) وقال محقق السير في تعليقه: «هذا إسناد صحيح, رجاله رجال الشيخين»(٣) كما قال الحويني الأثري في تعليقه على الخصائص: «إسناده صحيح»(٤).

ثمّ إنّ الألباني عاد وصحّحه في تحقيقه على الجامع الصغير(٥), وسنن ابن ماجة(٦), وقد تقدّم عن السقاف أنّ الألباني صحّح أحاديثاً للسبيعي من دون شواهد أو متابعات, وتقدم منّا ذكر مثال لذلك أيضاً, كما عرفنا من الذهبي أنّ السبيعي لم يكن مختلطاً, وأنّ حديثه محتجٌّ به في كتب الإسلام.

هذه جملة من التدليسات التي ضعّف الألباني الروايات لأجلها, وأوهم قرّاءه بصحّة تخريجاته ودقّة تصحيحاته وتضعيفاته, وقد عثرنا على ما تقدّم بتتبع شخصي واقتصرنا فيه

١- انظر: سنن الترمذي: ٥/ ٣٠٠.

٢- انظر: سير أعلام النبلاء: ٨/ ٢١٢.

٣- المصدر نفسه: ٨/ ٢١٢.

٤- تهذيب خصائص الإمام علي: ٦٧.

٥- انظر: صحيح الجامع الصغير: ٢/ ٧٥٣.

٦- انظر: سنن ابن ماجة بتحقيق الألباني: ١/ ٧٥.

١٣٦
على ما يتعلّق بالآثار الواردة في حقّ أهل البيت عليهم السلام, غير أنّا ذكرنا فيما تقدّم عدّة كتب ردّ مؤلّفوها على الكثير من أوهام وتدليسات وتناقضات الألباني, نقتصر الآن على ذكر شواهد منها:

المورد السابع: تناقضه في التصحيح والتضعيف:

أ- «حديث عن محمود بن لبيد, قال: أخبر رسول الله صلّى الله عليه وآله عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبان، ثمّ قال: أيلعب بكتاب الله عزّ وجلّ وأنا بين أظهركم؟! حتّى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ رواه النسائي.

ضعّفه الألباني في (تخريج مشكاة المصابيح)، الطبعة الثالثة، بيروت ـ سنة ١٤٠٥ هـ المكتب الإسلامي: ٢ / ٩٨١، فقال: ورجاله ثقات, لكنّه من رواية مخرمة, عن أبيه, ولم يسمع منه.

ثمّ تناقض فصحّحه في كتاب (غاية المرام تخريج أحاديث الحلال والحرام) طبعة المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة١٤٠٥ هـ صفحة: ١٦٤, حديث رقم (٢٦١)»(١).

ب- «حديث: (إذا كان أحدكم في الشمس فقلص عنه الظل, وصار بعضه في الظل وبعضه في الشمس فليقم).

أقول: صحّحه الألباني فقال في صحيح الجامع الصغير وزيادته (١ / ٢٦٦ / ٧٦١): " صحيح, الأحاديث الصحيحة: ٨٣٥".

١- تناقضات الألباني الواضحات: ١/ ٣٧.

١٣٧
ثمّ تناقض فضعّفه في: تخريج مشكاة المصابيح (٣ / ١٣٣٧) برقم ٤٧٢٥, الطبعة الثالثة, وقد عزاه في كلّ من الموضعين إلى سنن أبي داود».(١)

ج ـ «حديث: (الجمعة حق واجب على كلّ مسلم...)

ضعّفه الألباني في: تخريج "مشكاة المصابيح"(١ / ٤٣٤) فقال: رجاله ثقات, وهو منقطع كما أشار أبو داود.

ومن التناقضات أنّه أورد الحديث في إرواء الغليل (٣ / ٥٤) برقم ٥٩٢, وقال: صحيح»(٢).

وغير ذلك الكثير الكثير من تناقضاته, فقد ذكر السيّد السقاف (٢٥٠) موردا من هذه التناقضات في الجزء الأوّل من كتابه(٣), وذكر (٢٠) مورداً في الجزء الثاني(٤), وذكر (٣٥) مورداً في الجزء الثالث(٥).

كما أنّ الأستاذ محمود سعيد ممدوح كتب كتاباً في ستّة مجلّدات أسماه التعريف بأوهام من قسّم السنن إلى صحيح وضعيف, ردّ فيه على تقسيم الألباني للسنن إلى صحيح

١- تناقضات الألباني الواضحات: ١/ ٣٧- ٣٨.

٢- المصدر السابق: ١/ ٣٨.

٣- انظر: المصدر السابق: ١/ ٣٧- ١٨٤.

٤- انظر: ص١٤٣- ١٥٤, من الجزء الثاني.

٥- انظر: ص ١٨١- ص ٢٠٦ من الجزء الثالث.

١٣٨
وضعيف, مبيّنا عدة مباني خالف فيها الألباني لعلماء أهل السنّة منها عدم العمل بالضعيف مطلقا(١), ومخالفته العلماء في تضعيفه للراوي الذي لم يرد في حقّه جرح أو تعديل مع تصحيح رواياته من قبل المتقدمين, وبيان تناقضه في ذلك(٢), وحكمه بجهالة من سكت عنه ابن أبي حاتم وتناقضه في ذلك(٣), وردّه للراوي الموثّق من ابن حبان, بل وسرى الحكم إلى الموثق من ابن معين إذا لم يرو عن الراوي إلاّ واحد أو اثنان(٤), واضطراب وتصرّف الألباني في حديث مجهول الحال (المستور) فتارة يقبله وتارة يردّه(٥), واعتماده على المختصرات, بل أخصر المختصرات وعدم رجوعه إلى المفصلات مستشهداً بكلماته في رجوعه إلى المختصرات وكلمات تلاميذه بأنّه لم ينشط لذلك في بعض الأحيان(٦)(أي لم ينشط لمراجعة التهذيب أو غيره من الكتب المفصّلة!!!) ودعواه تساهل العجلي في التوثيق والردّ عليه(٧), وكذا دعواه

١- انظر: التعريف بأوهام من قسم السنن إلى صحيح وضعيف: ١/ ٢٦٧.

٢- المصدر السابق: ١/ ٢٠٩- ٢١٣.

٣- المصدر السابق: ١/ ٢٤٥- ٢٤٧.

٤- المصدر السابق: ١/ ٢٦٩- ٢٧١.

٥- المصدر السابق: ١/ ٢٩٩- ٣٠٥.

٦- المصدر السابق: ١/ ٣٢٣- ٣٥٤.

٧- المصدر السابق: ١/ ٣٥٧- ٣٨٣.

١٣٩
تساهل ابن حبان والردّ عليه(١), ودعواه تساهل الترمذي والردّ عليه(٢), إلى غير ذلك من المباني والآراء غير السديدة للألباني في نظر الأستاذ محمود, والتي ذكرها في الجزء الأوّل.

ثمّ إنّه تناول في أجزائه الخمسة الباقية (٩٩٠) حديثاً ممّا حكم عليها الألباني بالضعف, مبيّناً ما يمكن أن يكون علّة تضعيف الألباني الحديث على أساسها, ثمّ يرد عليه ويبيّن تناقضه, أو تدليسه, أو إيهامه لقرّائه واتّباعه بضعف الحديث.

المورد الثامن: تناقضه في توثيق الراوي وتضعيفه:

وهنا نسوق بعض الأمثلة من كتاب تناقضات الألباني الواضحات للسقاف:

أ- قنان بن عبد الله النهمي:

تناقض الألباني حيث وثّق قنانا هذا في موضع, وضعّفه في موضع آخر، وإليك ذلك:

قال في صحيحته(٣ / ٤٨١): قلت: وقنان حسن الحديث, فقد وثّقه ابن معين. وتناقض تناقضا بيّنا حيث قال في ضعيفته(٤ / ٢٨٢): وقنان هذا فيه ضعف!! وجعله أحد سببي ضعف السند(٣).

١- التعريف بأوهام من قسم السنن إلى صحيح وضعيف: ١/ ٤٠٩- ٤٣٩.

٢- المصدر السابق: ١/٤٥١- ٤٦١.

٣- انظر: تناقضات الألباني الواضحات: ٢/ ١٥٧.

١٤٠