×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 4 / الصفحات: ١ - ٢٠

ندوات مركز الأبحاث العقائدية » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ١ - ص ٣٠)



١

ندوات مركز الأبحاث العقائديّة

المجلّد الرابع

إعداد

مركز الأبحاث العقائدية

٢

مركز الأبحاث العقائدية :

l إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤

ص . ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ ( ٢٥١ ) ( ٠٠٩٨ )

الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ ( ٢٥١ ) ( ٠٠٩٨ )

l العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن (عليه السلام)

ص . ب : ٧٢٩

الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ ( ٣٣ ) ( ٠٠٩٦٤ )

l الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com

l البريد الإلكتروني : [email protected]

شابِك (ردمك) :

ندوات مركز الأبحاث العقائدية / المجلّد الرابع

إعداد

مركز الأبحاث العقائدية

الطبعة الأُولى ـ ٢٠٠٠ نسخة

سنة الطبع : ١٤٣٤ هـ

المطبعة : ستارة

* جميع الحقوق محفوظة للمركز *

٣

بسم الله الرحمن الرحيم

٤

٥

( ٤٥ ) المرجعية الفكرية لأهل البيت (عليهم السلام)

الشهيد السيّد محمّد باقر الحكيم

٦

٧

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد :

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين ، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا بقيّة الله في أرضه ، الحجّة ابن الحسن عجلّ الله تعالى فرجه الشريف ، والسلام على سادتي وإخوتي وأعزّائي الحاضرين ورحمة الله وبركاته .

﴿ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا اِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ ﴾(١) .

في البداية أبارك للإخوة الأعزاء والسادة الأفاضل جميعاً هذه الأيّام الشريفة أيّام شهر رمضان المبارك ، وكذلك أبارك لهم هذا المشروع والعمل الإسلامي الديني العقائدي ، ولا سيّما في هذا الشهر الشريف ، حيث إنّه من العبادات في هذا الشهر الشريف المعرفة وطلب العلم ، وهذا أيضاً مصداق من مصاديق هذه العبادة .

الموضوع الذي أحاول أن أطرحه في هذا اللقاء الذي كنت أوّد أن يكون طويلاً نسبيّاً ولو في ليالي متعدّدة ولكن ظروفي الخاصّة من ناحية ، ووضعي الصحّي في هذا اليوم من ناحية أخرى ، قد يمنع من الأداء الحسن والجيّد لهذا الموضوع .

الموضوع الذي أحاول أن أطرحه هو موضوع المرجعية الفكرية لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم ، وفي هذا الموضوع توجد عدّة عناوين وأبواب وفصول إذا أردنا أن نكتب هذا الموضوع ونسجّل هذا الموضوع على شكل كتاب ،

١- الأنبياء : ٧٣ .

٨

في هذا المجال وفي هذا الموضوع سوف أشير إلى مجموعة هذه العناوين والفصول والأبواب بصورة كليّة ، وأحاول أن أتناول بعض هذه العناوين بشيء من التفصيل ، وأترك الفرصة بعد ذلك إلى طرح الأسئلة في هذا الاجتماع ، ولكن سوف أختصر في الحديث نفسه من ناحية ، وأيضاً في موضوع الأسئلة والأجوبة من ناحية أُخرى مع الاعتذار الكامل من السادة الأفاضل والإخوة الأعزّاء .

موقعية أهل البيت(عليهم السلام)

إذا أردنا أن نتحدّث عن موقعية أهل البيت (عليهم السلام) يمكن أن نتصوّر أنّ الوجود الشريف لأهل البيت (عليهم السلام) له عدّة أهداف أشير إلى بعضها :

الهدف الأوّل :

هو هدف غيبيّ يرتبط بعالم الغيب ، ولكننا نراه من خلال النصوص التي وردت إلينا عن أهل البيت ـ سلام الله عليهم ـ وهو أنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم حفظ لأهل الأرض ، هذا الحفظ لأهل الأرض بمعناه الغيبىّ هو أمان لأهل الأرض كما ورد في ذلك عدّة نصوص(١) ، هذا هدف من وجود أهل البيت (عليهم السلام) .

ويبدو من هذه النصوص أنّ وجود الإمام بمعناه العام الذي يشمل الأنبياء أيضاً ، هذا الوجود الشريف له آثار غيبيّة غير معلومة لنا بتفاصيلها ، ولكنها معروفة لنا من خلال النصوص ومن خلال بعض الآثار التي نلاحظها في مسيرة التاريخ البشري والحياة ، والقرآن الكريم أيضاً يشير إلى مثل هذا الأمر في قوله تعالى : ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ (٢) ، حيث يلاحظ أنّ وجود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في نفسه هو أمان لأهل

١- انظر كامل الزيارات : ٨٦ ، الأمالي للشيخ الصدوق : ٧٣٨ ، بحار الأنوار١٠ : ٣٩٣ ، ١٦ : ٣٠٣ ، ٢٣ : ١٩ ،٢٧ : ٣٠٨ ، ٣٦ : ٢٩١ ، ٧٥ : ٣٨٠ ، ٩٧ : ٢٤٣ .

٢- الأنفال : ٣٣ .

٩

الأرض ولا ينزل العذاب بسبب وجوده ، كما أنّ العذاب لا ينزل إذا كان الناس في حال الاستغفار والطاعة لله سبحانه ، كذلك لا ينزل العذاب باعتبار وجود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

الهدف الثاني :

الذي يمكن أن نلاحظه من خلال النصوص الشريفة هو الحكم الإسلامي ، أو بتعبير آخر :حديث قيادة التجربة الإسلامية والحكم الإسلامي في المجتمع الإنساني ، حيث قدّر الله سبحانه وتعالى أن تكون الرسالة الإسلامية هي الرسالة الخاتمة ، وكانت الدولة الإسلامية عنصراً وجزءاً مهمّاً في هذه الرسالة الخاتمة ، حيث أُقيمت هذه الدولة في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهذا مما امتازت به الرسالة الخاتمة على الرسالات الإلهيّة السابقة ، واستمرّت أيضاً هذه الدولة طيلة قرون عديدة ، وشاء الله سبحانه وتعالى أنّ هذه الدولة بعد أن أطيح بها بفعل الكفّار والاستكبار العالمي ، شاء الله سبحانه أن تعود هذه الدولة مرّة أُخرى إلى حياة المسلمين ، والأمر الذي يعني أنّ هذه الدولة تمثّل جزءاً من هذه الرسالة الخاتمة ، وشاء الله سبحانه أيضاً أن تكون نهاية مسيرة البشريّة هي إقامة هذه الدولة على يد صاحب العصر والزمان الإمام الحجّة ـ عجّل الله فرجه الشريف ـ بحيث يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً ، الأمر الذي يعني أنّ قضيّة الدولة الإسلامية تمثّل هدفاً من الأهداف المهمّة لوجود أهل البيت (عليهم السلام) في امتداد وجودهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وللنبوّة الخاتمة .

الهدف الثالث :

الذي يمكن أن نلاحظه في وجود أهل البيت (عليهم السلام) هو ما يمكن أن نعبّر عنه بمهمّة حفظ الإسلام وحفظ الرسالة الإسلامية ، لأنّ الرسالة الإسلامية هي الرسالة الخاتمة ، وهذه الرسالة الخاتمة يحتاج حفظها وبقاؤها واستمرارها بالفعل والتأثير

١٠

في حياة الناس إلى حافظ يقوم بهذه المهمّة ، كما قام الأنبياء السابقون بحفظ الرسالات الإلهيّة ، ولكن هؤلاء الأنبياء لأنّهم لم يكونوا قد جاؤوا برسالة خاتمة ، وكانت فرصة مجيء رسالة بعد أُخرى في تاريخ الإنسان وحركة الرسالات الإلهية قائمة وموجودة ، لذلك لم تكن هناك حاجة لافتراض امتداد الإمامة في رسالة من هذه الرسالات ، أمّا بالنسبة للرسالة الخاتمة باعتبار أنّها الرسالة الخاتمة وليس بعدها نبىّ أو رسالة حتّى يمكن أن يملأ الفراغ في فرض تعرّض هذه الرسالة إلى الانحراف أو إلى القضاء عليها ، لذلك شاء الله سبحانه وتعالى أن يكون دور أهل البيت (عليهم السلام) والهدف من وجودهم هو أن يحفظوا هذه الرسالة وتستمر هذه الرسالة .

الهدف الرابع :

يمكن أن نشير إليه في هذا المجال هو المحافظة على وجود الأمّة الإسلامية كأمّة واحدة تتميّز بين الأمم جميعاً بمشتركات تشخّص هذه الوحدة وهذه الهوية في الأُمّة الإسلامية ، وهذا مما تمتاز به الأمّة الإسلامية عن الأمّة المسيحية النصرانية ، أو الأمّة اليهودية الموسوية ، التي أيضاً تنتمي بالاسم إلى رسالة من الرسالات الإلهية ، فضلاً عن الأمم الأُخرى إذا كانت صائبة على ديانة إبراهيم (عليه السلام) ، هذه الأمم مع انتمائها لمثل هذه الرسالات ، لكنّها لا تعبّر عن أمّة واحدة في خصائصها وفي مواصفاتها بخلاف الأمّة الإسلامية .

أمّا كيف يمكن أن نبيّن الفرق بين هذه الأمّة في وحدتها ، وتلك الأمم في تفرّقها واختلافها ؟ فهذا بحث آخر مستقل .

لكن أريد أن أشير هنا إلى العناوين ، وهو عنوان يمكن أن يكتب فيه كتاب مستقل في بيان خصائص الأُمّة الإسلامية في وحدتها واشتراكها بالرغم من وجود المذاهب وتعدّدها في الأمّة الإسلامية ، وعدم وجود هذه الوحدة في الأُمم الأخرى ، وأنّ الفاصل بين الأُمم الأُخرى هو أكبر مما هو الفاصل في الأمّة الإسلامية في تعدّد مذاهبها .

١١

الهدف الخامس :

الذي يمكن أن يذكر كهدف ودور لأهل البيت (عليهم السلام) في هذه الحياة الدنيا هو بناء الجماعة الصالحة ، جماعة أهل البيت هذه الجماعة التي نعبّر عنها بشيعة أهل البيت ، وعبّر عنها أيضاً النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعبّر عنها أئمّة أهل البيت بهذا التعبير . هذه الجماعة الصالحة المتمثّلة بأتباع أهل البيت (عليهم السلام) بناها أهل البيت كجماعة لها خصائصها ولها مواصفاتها وأهدافها ومسؤوليّاتها الخاصّة ، وليست هذه الجماعة مجرّد انتماء لهذا الإنسان لأهل البيت ، أو اعتقاد بإمامة أهل البيت (عليهم السلام) .

هذا محور من محاور شخصيّة هذه الجماعة ، بل هذه الجماعة لها مدلول أعمق وأكثر وضوحاً وتخصيصاً من مجرّد جماعة اعتقدوا بإمامة أهل البيت (عليهم السلام)في مقابل الجماعات الأُخرى التي لا تعتقد بإمامة أهل البيت ، بل هي جماعة لها مثل هذه الخصائص ، وقد أشرت لهذا الموضوع في كتاب دور أهل البيت في بناء الجماعة الصالحة ، وبيّنت وشرحت فيه هذا الهدف وما قام به أهل البيت (عليهم السلام) في هذا المجال .

الهدف السادس :

وذكرته سادساً وأخيراً باعتباره هو موضوع بحثنا ، وإلاّ من حيث التسلسل والأهمّية قد يكون هو الهدف الثالث في الأهميّة وفي الوضوح ، هو دور أهل البيت في الرجوع إليهم في الجانب الفكري والعقائدي ومعرفة الإسلام ، على ما سوف أوضّح في معنى المرجعية الفكريّة .

هذا أيضاً دور مستقل لأهل البيت (عليهم السلام) عن الأدوار السابقة التي أشرت إليها ، وهدف مستقلّ في نفسه ، هذه المرجعية الفكرية على أهمّيتها على ما سوف نبيّن ، لن تحظى بالاهتمام المناسب في أبحاثنا العقائدية ، وإنّما يتمّ بحثها في أكثر الأحيان في ظلّ بحث الإمامة ، بمعنى الحكم والموقع الخاص الذي أعطاه الله

١٢

سبحانه وتعالى لأهل البيت كمسؤولين عن إدارة المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي وشؤون المسلمين ، أو يبحث هذا الموضوع تحت عنوان الإمامة بمعناها العام ، دون أن يتمّ الدخول في تفاصيل هذا الموضوع الذي هو يعتبر من الموضوعات المهمّة ، كما سوف أشير من حيث أهمّيته وآثاره ، ولذلك كان أحد الأغراض في جعل هذا العنوان لهذا الاجتماع ولهذا اللقاء هو إلفات نظر الإخوة الأعزّاء المهتمّين بالقضية العقائدية ، وبالجانب العقائدي ، أن يهتمّوا بهذا الجانب في أهل البيت (عليهم السلام) لما له من آثار كبيرة في حياتنا من ناحية ، وحياة المسلمين من ناحية أُخرى ، بل وحياة البشرية والناس بصورة عامّة من ناحية ثالثة .

وطبعاً لا أريد أن أقول إنّه لم يتمّ الاهتمام والحديث في هذا الموضوع مطلقاً ، كان هناك اهتمام لكن هذا الاهتمام ليس بالمستوى المناسب لأهمّية الموضوع ، لا من حيث كمية هذه الاهتمامات وحجمها وعددها وانتمائها في أبحاثنا وكتاباتنا ومتابعاتنا ، ولا من حيث كيفية مستوى الاهتمام والدخول في تفاصيل هذا الموضوع ومتابعات آفاقه وآثاره والوصول فيه إلى الأهداف والنتائج المطلوبة في قضيّة المرجعية الفكرية .

هذا الموضوع يمكن أن أشير إلى أهمّيته ببعض النقاط بصورة موجزة ، وكما ذكرت في بداية حديثي أكتفي هنا بالعناوين ، والإخوة الأعزّاء يمكن أن يتابعوا العناوين إمّا من خلال المطالعة والمراجعة والمباحثة ، أو من خلال فرصة أُخرى أوفّق لأكون في خدمتهم لمتابعة هذه العناوين وأمثالها .

الأمر الأوّل : الذي يعطي هذا الموضوع أهمّية خاصّة هو أنّ هذا الموضوع على ما يبدو من تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) أفضل مدخل يدخل إليه أهل البيت (عليهم السلام) إلى المسلمين من أجل التعريف بمجموع أهدافهم ، ومن هذه الأهداف قضية الإمامة وحقّ أهل البيت في الحكم الإسلامي وفي قيادة التجربة الإسلامية ، حيث إنّ المسلمين بصورة عامّة كانوا لا يرون هذا الحق ، يعني حقّ الإمامة بمعنى قيادة

١٣

التجربة الإسلامية والحكم الإسلامي ، وقيادة الأُمّة الإسلامية بصورة عامّة ، المسلمون لم يكونوا يرون لأهل البيت هذا الحق إلاّ القلّة القليلة جدّاً منهم كان يرى هذا الحقّ ، والمسلمون في السابق غير المسلمين الآن ، المسلمون الآن انفتحوا بصورة واسعة على هذا الحق وعلى هذه الحقيقة ، ونسبة شيعة أهل البيت المعتقدين بإمامتهم إلى مجموع المسلمين تمثّل نسبة كبيرة جدّاً قد تكون نسبة الخمس أو السدس لمجموع المسلمين ، أمّا إذا أردنا أن ننظر إلى عصر أهل البيت (عليهم السلام) فنجد أنّ هذه النسبة كانت أقل بكثير من هذه النسبة الموجودة في عصرنا الحاضر ، خصوصاً إذا أردنا أن نأخذ زمن الإمام علي (عليه السلام) فكانت الحالة العامّة للمسلمين الذين كانوا يعتقدون بهذه الإمامة عملاً كان عددهم محدوداً كما يذكر في نصوصنا ، وبعد زمن الإمام علي (عليه السلام) أصبحت هذه القضيّة أكثر غموضاً ، باعتبار ابتعادهم عن عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والنصوص التي كان قد تحدّث بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذه الإمامة .

إنّ عدم الاعتقاد كان يمثّل حاجزاً عادة في الدخول إلى بيان هذه الحقيقة كما هو في كُلّ المعتقدات ـ المعتقدات التي تكون متبنّاة من جماعة وتصبح جزءاً من هوية تلك الجماعة ـ اختراق هذا الاعتقاد والعبور على هذا الحاجز للوصول إلى الحقيقة تصبح قضيّة صعبة ومعقّدة غاية التعقيد .

وهذا الموضوع يحتاج إلى بحث اجتماعي ، وبحث فكري قرآني ، يرتبط بأسلوب القرآن في طريقة دخول القرآن الكريم إلى أصحاب المعتقدات والرسالات الإلهية في طرح الإسلام عليهم ، وجعلهم يؤمنون بالإسلام كالمسيحيين واليهود ، والصعوبات التي واجهها الإسلام في ذلك ، وهذا الموضوع هو الذي يفسّر نزول القرآن في مكّة ، ولم ينزل في أوساط المسيحيين ، ولا في أوساط اليهود ، مع أنّ تلك الأوساط بحسب طبيعتها أقرب إلى فهم الوحي الإلهي ، وفهم الرسالات الإلهية ، من وسط المشركين الذين كانوا يعبدون الأوثان ولا

١٤

يؤمنون بالرسالات ولا بالأنبياء ، تلك الأوساط كانت أقرب إلى الوسط الإسلامي ، لكن مع ذلك القرآن الكريم نزل في وسط مكّة ولم ينزل في المدينة التي كان فيها اليهود ، فضلاً عن أن ينزل في أوساط المسيحيين .

هذا أيضاً هو أحد الأسباب في تفسير هذه الظاهرة ، ظاهرة نزول القرآن الكريم في مكّة ، وهو أنّ المدخل كان يمثّل صعوبة كبيرة مع وجود عقائد متبنّاة من قبل أُولئك الناس والأشخاص ، ولذلك عانى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من اليهود الذين كانوا هم أقرب الناس إلى الإسلام من حيث المفاهيم ومن حيث صور العقيدة ، يعني توحيد اليهود أقرب من توحيد المسيحيين ، ووجود الشرائع عند اليهود أكثر من وجودها عند المسيحيين من الناحية العقائدية ، ولكن مقاومة اليهود كانت أكثر من مقاومة المسيحيين ، واليهود كانوا قلّة أيضاً ، يعني كانوا يشعرون بالضعف في مقابل المسيحيين ، الذين كانوا يشعرون بالقوّة والقدرة ، عندهم دولة عظيمة ، ولكن مع ذلك يشير القرآن : ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ (١) يعني هؤلاء هم أشدّ عداوة كانوا للمؤمنين ، هذه الحقيقة ترتبط بهذا البحث الاجتماعي ، ليس الآن بحثه وإنّما أُشير إليه إشارة ، نحن نرى أنّ أفضل مدخل عقائدي للتأثير في أوساط المسلمين بصورة عامّة ، وتقريبهم إلى الاعتقاد الكامل بأهل البيت (عليهم السلام) هو مدخل المرجعية الفكرية ، يعني طرح المرجعية الفكرية لأهل البيت (عليهم السلام) .

وعلى مستوى نصوص إخواننا أهل السنة والمدارس الأخرى للمسلمين نجد أنّ المرجعية الفكرية لأهل البيت (عليهم السلام) بصورة عامّة مقبولة في نصوصهم ومقبولة أيضاً في وسطهم ، فهم على استعداد في الرجوع إلى أهل البيت (عليهم السلام) في معرفة الإسلام ، وفي معرفة الشريعة .

هؤلاء الذين يرفضون هذا الحقّ لأهل البيت (عليهم السلام) وهو حقّ الإمامة والحكم ،

١- المائدة : ٨٢ .

١٥

لكن في نفس الوقت لا يرون أنّ أهل البيت لا يصحّ الرجوع إليهم في قضايا الشريعة ، بل يرجعون إليهم في فريضة الحج مثلاً ، كما تعلمون أنّ رواية الإمام الباقر (عليه السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، هي الرواية الأولى والأخيرة من حيث الأهمّية المعتمدة عند المدارس الأُخرى ، وهذه الرواية هي التي وحّدت الحجّ بين المسلمين بصورة عامّة ; لأنّها تبيّن حجّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ويرويها الإمام الباقر (عليه السلام) ، وهم يروونها أيضاً في صحاحهم(١) ويعتمدونها ، هذا أوّلاً .

إذن بحث المرجعية الفكرية يمثّل المدخل الطبيعي والصحيح للوصول إلى ذلك الهدف الكامل ، الذي نسعى إليه في توضيح موقع أهل البيت الإلهي ، الذي جعله الله سبحانه وتعالى لهم بين المسلمين وفي الناس .

الأمر الثاني : فيما يتعلّق بأهمّية هذا الموضوع هو أنّ هذا الموضوع أيضاً هو الموضوع الأفضل لتعريف الإسلام إلى العالم من خلال بيان هذا الموقع والفكر الذي قدّمه أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم للبشرية ; لأنّ فكرهم هو فكر الإسلام ، وقولهم هو قول الله وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقول الحقيقة الصافية النقيّة التي لا تعترضها الشوائب .

ونحن في هذا العصر وفي هذا الزمان أحوج ما نكون إلى تقديم هذا الإسلام إلى البشرية وإلى الناس بصورة عامّة ، والدخول من هذا المدخل يقرّب الناس إلى الإسلام ، ويقرّبهم بعد ذلك إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وعقائد أهل البيت ، وفكر أهل البيت ، عندما أقول فكر أهل البيت لا أريد أن أبيّن أنّ هذا كان رأي في مقابل آراء ، وإنّما أبيّن ما نقله أهل البيت (عليهم السلام) عن الإسلام الأصيل ، وفي هذا ثروة عظيمة جدّاً لا توجد في أيّ مذهب آخر من المذاهب الإسلامية ، لذلك هذا الموضوع يعتبر أيضاً من المداخل المهمّة في تعريف الإسلام عالمياً .

وأيضاً نحن في هذا الموضوع بحاجة أكبر بالنسبة إلى نفس الجماعة

١- انظر فتح الباري ٣ : ٣٤٣ .

١٦

الصالحة ، التي تتحمّل هذه المسؤولية الكبيرة .

الآن في هذا العصر وفي هذا الزمان مسؤولية حمل راية الإسلام ، ومسؤولية الدفاع عن الإسلام ، ومسؤولية الدفاع عن المستضعفين والمظلومين في العالم ، ومسؤولية إقامة الحقّ ، ومسؤولية التمهيد لظهور الإمام الحجّة عجّل الله فرجه الشريف ، هذا النوع من المسؤوليّات العظيمة التي يتحمّلها الجماعة الصالحة ، والاهتمام بهذا الجانب جانب الفكر والمرجعية الفكرية ، وفهم ثقافة أهل البيت (عليهم السلام) ، وتسليط الأضواء على هذا الجانب من ثقافتهم ، هذا أيضاً له أهمّية خاصّة في هذا الدور وفي هذا الزمان .

وفي ذكرياتي العلمية التاريخية ، أتذكّر هذا الموضوع أنا طرحته في محاضرة ألقيتها في مدرسة البغدادي في النجف الأشرف ، قبل أكثر من أربعين عاماً ، وقلت : إنّ أفضل تعريف يمكن أن نعرّف به أهل البيت سلام الله عليهم إلى الناس بصورة عامّة ، وإلى المذاهب الأُخرى بصورة خاصّة ، تعريفهم من خلال فكرهم وثقافتهم ، وهذا في الواقع يقرّب القضيّة ويجعلها في متناول أيدي العقائد الأخرى ، ويجتاز هذا الحاجز النفسي والعقائدي الموجود عند الإنسان ، وعادة عندما يعتقد الإنسان بعقيدة من الصعب جدّاً أن تجتاز هذا الجانب وتخرق هذا الجانب فيه ، وقلت : هذا بحث قراني أيضاً ، وحتّى بحث فكري ، يعني القرآن الكريم يشير أيضاً إلى بعض الخصائص والتشريع ، وطبعاً هو بحث طويل لا يمكن أن نستوعبه في هذا المجال ، هذا إجمال الحديث حول أصل الفكرة .

معنى المرجعية الفكرية لأهل البيت(عليهم السلام) :

بعد ذلك ننتقل إلى فهرس هذا البحث :

الأمر الأوّل : ما هو المقصود من المرجعية الفكرية ، عندما نتحدّث عن المرجعية الفكرية لأهل البيت ما هو المقصود ؟

هنا يمكن أن نقول : إنّ الباب الأوّل للبحث هو بحث هذه النظرية ، نظرية

١٧

المرجعية الفكرية ، في هذا المجال أيضاً يوجد عندنا بحثان يمكن أن يطرحا في موضوع النظرية :

البحث الأوّل : واجبات المرجعية الدينية نظريّاً ، ما هي واجباتها وما هي مسؤولياتها من أجل أن نفهمها بعد ذلك ونرى ارتباطها بأهل البيت (عليهم السلام) ومسؤولية أهل البيت (عليهم السلام) والأدلّة على هذه المسؤولية ؟

البحث الثاني : مضافاً إلى الواجبات ، المضمون العلمي لهذه المرجعية ، ما هو المضمون الذي لابدّ أن يقدّمه أهل البيت (عليهم السلام) في هذا المجال الفكري ؟ هذا البحث الذي يرتبط بعلم بأهل البيت الذي يذكر عادة في الكتب العقائدية تحت عنوان علم أهل البيت الذي هو يرتبط بهذا المضمون العلمي ، ماذا ورد عن أهل البيت من مضمون علمي ، وكيف يمكن أن نثبت هذا الأمر بالنسبة إلى أهل البيت (عليهم السلام) ؟ هذا أيضاً بحث في النظرية .

نذكر العناوين ثُمّ بعد ذلك نشير إلى بعض التفاصيل في هذه العناوين بعد تعريف نظرية المرجعية وفهمها تصوّراً ـ كما نعبّر في المصطلحات المنطقية ـ ننتقل إلى البحث التصديقي .

إنّ هذه المرجعية التي تصوّرناها في بعديها في بُعد مضمونها العلمي وفي بُعد واجباتها ومسؤولياتها اتّجاه الأمّة والناس ، واتّجاه المضمون العلمي ، ما الدليل على ضرورتها ولزومها ووجوبها في حياة الناس ، وفي حياة البشرية ؟ في هذا الموضوع توجد أربعة أبعاد مهمّة من البحث في موضوع الجانب التصديقي .

البحث الأوّل : هو النصوص الدينية التي وردتنا في القرآن الكريم وفي أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ، التي تدلّ على ضرورة المرجعية الدينية نظريّاً ، يعني أنّ هذا الأمر هو ضرورة من الضرورات أن تكون لدينا مرجعية دينية ، ولا يُكتفى بالمرجعية السياسية التي هي عبارة عن قيادة الحكم ، وقيادة وإدارة شؤون الناس ، وإقامة الحق والعدل ، بل لابدّ من وجود هذه المرجعية ، حيث يوجد حديث وكلام

١٨

يثار عادة حول الرسالة الإسلامية ، وأنّ الرسالة الإسلامية هي الرسالة الخاتمة ، وهذه الرسالة الإسلامية التي هي رسالة خاتمة رسالة أبلغها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بكاملها ، وعرّفها للناس وبيّنها للناس ، ولم يبق شيء حتّى نحتاج أن يكون هناك مرجع نرجع إليه في الجانب الفكري .

نعم ، إدارة شؤون الناس ، وإدارة حياتهم نحتاجه ; لأنّه إدارة شؤون الناس ، وإدارة حياتهم ضرورة يومية .

أمّا الجانب الفكري والمعارف الإلهية ، هذه هي مبيّنة بالرسالة لا يوجد شيء آخر حتّى يمكن أن نحتاجه كما هو الحال في الرسالات السابقة ، ثُمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيّن الرسالة بكاملها ، فلماذا نحتاج إلى هذا المرجع الفكري بعد بيان الرسالة بكاملها ؟

إذا كان المقصود من الجانب الفكري هو عملية الاستنباط التي يمارسها العلماء في فهم الرسالة ، فهذه العملية أيضاً يمكن للعلماء بصورة عامّة أن يمارسوها دون حاجة إلى أن نفترض أنّ هناك إمامة لأهل البيت (عليهم السلام) ذات بُعد فكري ، يمكن للعلماء في كلّ مكان وفي كلّ زمان أن يستنبطوا من الإسلام ويأخذوا من القرآن ، وجود مرجعية فكرية في هذا الجانب يحتاج إلى إثبات ضرورة هذا الأمر ، غير قضيّة قيادة التجربة الإسلامية والحكم الإسلامي .

هذا أيضاً بحث عقائدي مهم جدّاً ، هذا جانب من الناحية النظريّة .

وجانب آخر أيضاً من الناحية النظرية يرتبط بقضيّة سابقة عليه ، وهي قضية ضرورة الدين ، وقد يتطوّر الإشكال كما هو موجود أيضاً في مقابل غير المؤمنين بالله سبحانه وتعالى ، والمؤمنين بالأديان ، ويثير هذا الإشكال العلمانيّون والمنكرون للأديان الإلهية ، وهو أنّه نحن قبل ضرورة المرجعية الفكرية لأهل البيت (عليهم السلام) نسأل أنّه من قال هناك ضرورة فكرية للدين . بحيث تكون هناك رسالات إلهية ، ويكون هناك دين لله سبحانه وتعالى خلق هذا الإنسان لكي يؤمن

١٩

بالله سبحانه وتعالى ، لكن ضرورة الرسالة والدين ومجيء هدى من الله سبحانه لهؤلاء الناس كما ترى ؟ الله خلق هذا الإنسان وأعطاه العقل ، والإنسان من خلال عقله وتجاربه وحركته يمكن أن يدرك المصالح والمفاسد ، وينظّم أيضاً حياته على أساس هذه المصالح والمفاسد ، كما يدّعي ذلك الآن العلمانيّون أيضاً .

وهؤلاء الذين يفترضون أنّ المعرفة يمكن الوصول إليها من خلال العلم ، وتقام الحياة على أساس هذه المعرفة العلمية ، دون الحاجة إلى الرسالات الإلهية ، هذا أيضاً بحث موجود في أبحاثنا العقائدية ولكن بصورة محدودة ، وفي كتب التفسير بعض كتب التفسير تتناوله ، وبعض الكتب الخاصّة أخيراً تناولها الشهيد الصدر ، تناولها في كتاب (اقتصادنا) ، وفي بعض الكرّاسات الأخيرة التي صدرت في آخر حياته ، لكن هذا البحث أيضاً يرتبط بموضوع المرجعيّة الفكرية بكُلّ أطرافه وخصائصه .

البحث الثاني : في هذه الضرورة تطبيق هذه الأفكار سواءً في أصل وجود المرجعية الفكرية ، أو ضرورة الدين على الرسالة الخاتمة ، وأنّ الرسالة الخاتمة رسالة أيضاً تتصف بهذه الضرورة ، وأنّ هذه الضرورة ليست ضرورة فقط للرسالات السابقة أو لأصل الدين ، وإنّما الرسالة الخاتمة بما هي رسالة خاتمة ، تحتاج إلى مثل هذه الضرورة .

هذا أيضاً بُعد آخر في موضوع بحث المرجعية الدينية ، وهو بحث عقائدي .

البحث الثالث : هنا يتمّ الحديث في المرجعية الفكرية لأهل البيت ، سواء قلنا بضرورة المرجعية الفكرية أم لا ، لكن من قال بأنّ المرجع هو أهل البيت (عليهم السلام)يمكن أن يكون المرجع آخرين ، المرجع هو الكتاب الكريم ، كما يذهب إلى ذلك عموم المسلمين ، أو أصحاب النبي ، كما طرح ذلك الخلفاء في الصدر الأوّل للإسلام ، ولا سيّما الخليفة الثاني (عمر بن الخطاب) الذي اهتمّ بإعطاء مثل هذه الصياغات ، وأسس هذا الأمر ، وتطوّر هذا الأمر إلى قضيّة أصبحت من القضايا التي تعيش في حياة المسلمين .

٢٠