×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 5 / الصفحات: ١ - ٢٠

ندوات مركز الأبحاث العقائدية » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ١ - ص ٣٠)



١

ندوات مركز الأبحاث العقائديّة

المجلّد الخامس

إعداد

مركز الأبحاث العقائدية

٢

مركز الأبحاث العقائدية :

l إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤

ص . ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ ( ٢٥١ ) ( ٠٠٩٨ )

الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ ( ٢٥١ ) ( ٠٠٩٨ )

l العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن (عليه السلام)

ص . ب : ٧٢٩

الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ ( ٣٣ ) ( ٠٠٩٦٤ )

l الموقع على الإنترنيت : com . aqaed . www

l البريد الإلكتروني : com . aqaed @ info

شابِك (ردمك) :

ندوات مركز الأبحاث العقائدية / المجلّد الخامس

إعداد

مركز الأبحاث العقائدية

الطبعة الأُولى ـ ٢٠٠٠ نسخة

سنة الطبع : ١٤٣٤ هـ

المطبعة : ستارة

* جميع الحقوق محفوظة للمركز *

٣

٤

٥

( ٥٩ و٦٠ و٦١ و٦٢ ) في رحاب القرآن

الشيخ محمّد مهدي الآصفي

٦

٧

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله الطيّبين الطاهرين .

يصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) القرآن فيقول : «فهو بينهم شاهد صادق وصامت ناطق»(١) ، القرآن صامت وناطق ، صامت لمن لا يعيه ولمن لا يفقهه ولمن لا يستطيع أن يعي ويففه ، وناطق لمن يعي ويفقه هذا الكتاب ، فهو شاهد صادق ، القرآن شاهد وليس بغائب ، شاهد يعني حاضر وليس بغائب ، شاهد صادق ، والحاضر يشهد ، يشهد للانسان ، وعلى الإنسان ، شاهد حاضر ، شاهد صادق ، يشهد للناس ، وعلى الناس ، إذا استقام الناس على هدي القرآن يشهد لهم ، وإذا تخلّف الناس عنه يشهد عليهم .

فالقرآن يوم القيامة شاهد في المحكمة الكبرى ، القرآن شاهد ، يشهد للذين استقاموا على هدي القرآن ، ويشهد على الذين اختلفوا في القرآن ، وهو كما عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «شافع مشفّع وماحل مصدّق»(٢) .

القرآن يوم القيامة يشهد ويشفع ويمحل ، يشهد للذين استقاموا ، ويشهد على الذين تخلّفوا ، شاهد صادق هذا الشاهد بالضرورة صادق وشافع .

كذلك القرآن يشفع يوم القيامة للذين اهتدوا بهداه ، شافع مشفّع ، المشفّع يعني الذي تُقبل شفاعته يوم القيامة في المحكمة الكبرى ، الله عزّ وجلّ يتقبّل شفاعة القرآن ، شافع مشفّع وماحل مصدّق ، الماحل يعني الساعي ، الشخص الذي

١- الكافي ٨ : ٣٩١ .

٢- الكافي ٢ : ٥٩٩ ، الجامع الصغير ٢ : ٢٦٤ .

٨

يسعى بشخص إلى الحاكم ويشكوه عنده ، يسعى عليه يسمّى ماحلاً ، القرآن شافع ، الماحل ضدّ الشافع ; لأنّ الماحل بمعنى الساعي الذي يسعى على أحد عند الحاكم ، يسعى عليه عند الحاكم .

هذا السعي نقوله مقابل الشفاعة وضدّها ، شافع مشفّع وماحل مصدّق .

الساعي إذا كان مصدّق في سعيه تقبل المحكمة سعايته ، القرآن شافع مشفّع وماحل مصدّق ، يعني ساعي ، والله عزّ وجلّ مصدق سعايته .

أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول : «صامت ناطق» ، القرآن له خطاب في حياة الناس وله جواب ، القرآن عنده خطاب ، يخاطبنا القرآن ، وللقرآن جواب ، الخطاب غير الجواب ، الجواب عند السؤال والخطاب أوسع من الجواب ، القرآن يخاطب البشرية والإنسانية والمؤمنين والناس جميعاً ، فللقرآن خطاب ، وكذلك للقرآن جواب ، لذلك الإمام يقول : «صامت ناطق» ، القرآن عنده نطق ، عنده خطاب ، نطق يعني خطاب ، ويقول الإمام : «ذلكم القرآن فاستنطقوه» .

عندما تريدون جواب على مشاكلكم وشؤونكم تطلبون من القرآن جواباً ، إسألوا القرآن وهو يجيبكم .

(فاستنطقوه) يعني يجيبكم القرآن .

فإذن في القرآن خطاب وفي القرآن جواب .

أوّلاً : للقران خطاب ، القرآن له خطاب وسوف أتحدّث عن ثلاث نقاط :

النقطة الأولى : كيف ينطق القرآن ؟ صامت ناطق كيف ينطق القرآن ؟

النقطة الثانية : لمن ينطق القرآن ؟

النقطة الثالثة : لماذا ينطق القرآن ؟

فإذن محاور هذا الحديث ثلاثة .

أما النقطة الأولى : كيف ينطق القرآن ؟

القرآن عنده خطاب للبشرية وخطاب للذين آمنوا ، القرآن يأمر ، القرآن

٩

يزجر ، القرآن يقرع الأسماع ، القرآن يستهزئ ، القرآن يخاصم ، القرآن يجادل ، القرآن ينذر ، القرآن يبشّر .

إذن القرآن عنده خطاب بكُلّ أبعاد الخطاب ونقرأ بعض خطابات القرآن قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾(١) ، وقال عزّ وجلّ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾(٢) ، و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ﴾(٣) ، و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء﴾(٤) ، و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾(٥) ، و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ﴾(٦) ، و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾(٧) ، و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَة تُنجِيكُم مِّنْ عَذَاب أَلِيم﴾(٨) ، و﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيٌْ عَظِيمٌ﴾(٩) ، و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾(١٠) .

إذن خطاب القرآن فيه تقريع ، وفيه تبشير ، وفيه إنذار ، وفيه أمر ، وفيه زجر ، وفيه نهر ، وفيه ردع ، وفيه خصام ، وفيه جدال .

١- آل عمران : ١٠٢ .

٢- النساء : ٥٩ .

٣- النساء ١٣٥ .

٤- النساء ١٤٤ .

٥- الأنفال ٢٤ .

٦- الأنفال ٢٧ .

٧- التوبة : ٣٨ .

٨- الصف : ١٠ .

٩- الحج : ١ .

١٠- الصف : ٢ .

١٠

القرآن خطاب الله للإنسان ، والقرآن جواب كذلك ، ليس خطاباً فقط ، القرآن جواب ، عندما يعرض الإنسان أو البشرية في أي دهر وأي برهة من الزمان مشكلتهم على القرآن فسيجيبهم القرآن فالقرآن خطاب ، والقرآن جواب .

هذا المحور الأوّل من الحديث .

المحور الثاني : لمن ينطق القرآن ؟

الجواب : لمن يُحسن أن يستنطق القرآن ، الذي يعرف أن يستنطق القرآن يجد عند القرآن جواباً لكُلّ سؤال ، ما يعرض الإنسان على القرآن إلاّ ويجد في القرآن جواباً لذلك السؤال ، ما نعرض على القرآن داءً إلاّ ونجد في القرآن شفاءً لذلك الداء ، علاجاً لذلك الداء ، علاجاً لذلك المرض .

ما نعرض على القرآن مشكلة من مشاكلنا الأخلاقية والاقتصادية والسياسية والعقائدية والفكرية إلاّ نجد في القرآن حلاً لتلك المشكلة ، ولكن لمن ينطق القرآن ؟ ومن الذي يأخذ الجواب من القرآن ؟

من يعرف أن يستنطق القرآن ـ هذه المسألة جداً مهمّة أن نعرف أن نستنطق القرآن ـ ، وليس كُلّ شخص يعرف أن يستنطق القرآن ، الإمام (عليه السلام) يقول : «ذلك القرآن فاستنطقوه»(١) ، إذا تعرفون تستنطقون ، يعني تأخذون القرآن إلى النطق إذا عرفتم أن تستنطقوا القرآن تجدون الجواب عند القرآن لمشاكلكم .

هذه الجملة من كلام الإمام : «ذلك القرآن فاستنطقوه» نتوقف عندها ، القرآن كتاب الله المدوّن ، ولله تعالى كتابان ، كتاب التكوين وهو عبارة عن الكون كُلّه وكتاب الله التدويني ، كتاب مدوّن لله تعالى ، وهو القرآن .

وهذان الكتابان متطابقان ، القرآن يطابق الكتاب التكويني في الكون ، الكون ناطق وليس بصامت ، ولكن لمن ينطق الكون ؟

للذي يعرف أن يستنطق الكون ، القرآن يقول : ﴿وَإِن مِّن شَيْ إِلاَّ يُسَبِّحُ

١- نهج البلاغة ٢ : ٥٤ ، خ(١٥٨) .

١١

بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾(١) .

إذن هذا الكون كون ناطق ، وليس كُلّ الناس يفقهون تسبيح الكون هذا الكون يسبح بحمد الله ، يذكرنا بجلال الله ، يذكرنا بجمال الله ، ولكن ليس كُلّ أحد يفقه تسبيح الكون . يعني هذا الكون يشهد لنا بتنزيه الله تعالى عن العجز ، هذا الكون يحمد الله بجميل صنعه .

فإذن لهذا الكون حمد ، ولهذا الكون تسبيح ، ولكن ليس كُلّ أحد يفقه تسبيح الكون . من يفهم تسبيح الكون ؟

الذي يقدر أن يستنطق الكون ، الذي يستنطق الكون يفهم تسبيح الكون وحمد الكون ، يفقه تسبيح السماوات والأرضين والجبال والمجرات ، هذه المجرات والسحب الكونية والجبال والبحار تسبح بحمد الله ، والذين يفقهون تسبيح الجبال والبحار والأشجار هم قلّة من الناس ، هؤلاء يعرفون كيف يحسنون أن يستنطقوا الكون ، أمير المؤمنين (عليه السلام) له كلمه يقول : «فصار كُلّ ما خلق حجّة له ودليلاً عليه وإن كان خلقاً صامتاً فحجّته بالتدبير ناطقة»(٢) إنّما الكون صامت للقلوب المنغلقة ، أما القلوب المنفتحة والواعية فحجّتها التدبير .

في كلمة أُخرى الإمام يقول : «وأرانا من ملكوت قدرته ، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته»(٣) .

إذن هذا الكون وهذه الآثار وهذه السماوات وهذه الاجرام الكونية الكبيرة والمجرات والسحب الكونية ناطقة بحكمة الله سبحانه وتعالى ، وهذه الآثار ـ الآثار اليوم علم من العلوم علم وفن علم الآثار ـ والخرائب لها خطاب كآثار بابل والقلاع الأثرية الموجودة اليوم والتي هي من جملة اهتمامات الإنسان .

مرّ أمير المؤمنين (عليه السلام) على مدائن كسرى ـ أنا شاهدت مدائن كسرى على

١- الإسراء : ٤٤ .

٢- نهج البلاغة ١ : ١٦٣ و١٦٤ خ(٩١) ، وفي خطبة الأشباح .

٣- نهج البلاغة ١ : ١٦٣ و١٦٤ خ(٩١) ، وفي خطبة الأشباح .

١٢

مقربة من بغداد حيث مدفن الصحابي الصالح سلمان الفارسي في بغداد معروف بمنطقة سلمان باك ـ وهناك طاق كسرى إلى الآن موجود طاق كسرى هذا تم إنشاؤه قبل مولد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنتم إذا لم تشاهدوا الطاق لابدّ أنكم رأيتم صورة الطاق في الآثار ـ مرّ أمير المؤمنين (عليه السلام) على طاق كسرى وكان أحد أصحابه إلى جنبه فلمّا نظر إلى الطاق قال : جرت الرياح على رسوم ديارهم فكأنهم كانوا على ميعاد ، الإمام (عليه السلام) قال : «أفلا قلت كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيا فاكهين ، كذلك وأورثناها قوماً آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين»(١) .

هذا خطاب الآثار فالآثار لها خطاب ، طاق كسرى له خطاب وهذا خطابه : كم تركوا من جنات أين الذين كانوا يتنعمون في هذا القصر الشامخ ؟ والذي بقي طاقه بعد ما يقرب بـ١٥٠٠ سنة الطاق قائم ، كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوماً آخرين ، فما بكت عليهم السماء لمّا تركوا هذه القصور وهذه الزروع وهذه الجنات واحتوتهم الأرض ، فاضجعوا في بطن الأرض ، وأهالوا عليهم التراب . تلك الوجوه المنعّمة أهالوا عليها التراب ، كيف ما يكون ملك أو فقير فهذا التراب يُلقى عليه ، لمّا ألقوا عليهم التراب أخرجوهم من قصورهم ونعيمهم ، وأُضجعوا في قبورهم وأُهيل عليهم التراب ، لابكت عليهم السماء ولابكت عليهم الأرض وما كانوا منظرين .

هذا خطاب الآثار . إذا أخذنا الآثار علم الآثار بخطابها بخطاب الآثار ، الآثار مفيدة نافعة وإلاّ اذا جرّدنا الآثار من هذا الخطاب ، الآثار آثار بليدة وعجماء وما فيها خطاب وما فيها وعي وكالسياحة في العالم السياحة في الغرب من جملة هوايات الغربيين ، والسياحة من الأمور التي أكّد عليها القرآن ، ولكن

١- كنز الفوائد : ١٤٥ ، شرح نهج البلاغة ٣ : ٢٠٢ ، والآيات من سورة الدخان : ٢٥ ـ ٢٩ .

١٣

بين السياحتين فارق كبير ، القرآن وؤكد فمن الناس الذين يرفعهم القرآن بالسياحة ]قال تعالى[ : ﴿السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ﴾ والسياحة اليوم في الغرب من جملة هوايات الغربيين ، ولكن شتان بين سياحة وسياحة ، تلك السياحة سياحة واعية وفيها خطاب وسياحة ناطقة وهذه السياحة سياحة بليدة ومجردة عن كُلّ وعي وعن كُلّ فهم .

هذا كتاب التكوين .

كتاب التدوين : وهو القرآن الكريم ، كذلك فيه خطاب ، وهذا الخطاب يختصّ به من يعرف لغة القرآن ومن يُحسن أن يستنطق القرآن ، أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول عن القرآن : «ناطق لا يعيى لسانه ، وبيت لا تهدم أركانه ، وعزّ لا تهزم أعوانه»(١) ، القرآن ناطق ، وكُلّ ناطق يعيى ، فلاتجدون ناطقاً لا يعيى ولا يتعب ولا يكلّ ولا ينغلق عليه النطق الناطق ، مهما كانت قدرته في النطق والكلام والخطاب فهو يعيى ويتعب لا محالة .

فالناطق مهما كان قادراً ومهما كان متمكّناً فإنّ ظروف الكلام تؤثّر عليه ، الحرّ يؤثر فيه ، والبرد يؤثّر فيه ، والقلق يؤثّر فيه ، والخوف يؤثّر فيه ، إذا كان خائفاً الخوف يؤثّر في نطقه ، وإذا كان مضطرباً اضطرابه يؤثّر في نطقه إلاّ القرآن الكريم فإنّه ناطق لا يعيى ، لا يكلّ ، ولا يتعب ، ولا يختلّ له نطاق ، ولا يضطرب ، ولا يقلق ، ولا ينفعل ، ولا يخرج عن حالة الانفعال ، لا ينفعل إلى اليمين أو اليسار ناطق لا يعيى لسانه .

وأين يجد الإنسان ناطقاً لا يعيى لسانه ، وبيت لا تهدم أركانه ؟ القرآن بيت ، هذه حقيقة عظيمة إذا عرفنا أنّ القرآن بيت ، الإنسان يأوي إلى البيت ويسكن إلى البيت ، القرآن يقول البيوت سكن لكم : ﴿جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ

١- نهج البلاغة ٢ : ١٦ ، خ١٣٣ .

١٤

سَكَناً﴾(١) ، البيت سكن ، وهو المكان الذي يستقرّ فيه الإنسان ، القرآن يقول : بيوتكم سكن ، يعني الإنسان يستقرّ في الليل وفي النهار جهد وتعب وعناء وحركة فمتى يستقرّ الإنسان ؟

يستقرّ بالليل فالليل سكن ، والبيت سكن ، الله عزّ وجلّ جعل في بيت كُلّ إنسان سكناً له ، لا يشعر الإنسان بالراحة في أيّ مكان مهما كان ذلك المكان الذي يذهب إليه حتّى لو كان أفخم القصور فلا يرتاح الإنسان إلاّ في بيته ولو كان صغيراً ، هذا معنى الاستقرار ومعنى السكن .

القرآن بيت للبشرية وسكن للبشرية ، البشرية إذا آوت إلى القرآن وجدت في القرآن سكناً واستقراراً ، عندما يأوي الإنسان إلى القرآن يجد في القرآن سكناً واستقراراً ، وعندما يخرج عن حريم القرآن فأين ما يذهب إلى الغرب أو الشرق أو إلى الحضارات الشرقية الغربية أو إلى الثقافات الغربية أو الثقافات الشرقية البابلية أو الثقافة الأكدية أو الهندية أو الرومانية أو الثقافة الأمريكية أو الثقافة الماركسية فلا يجد استقراراً إلاّ في القرآن الكريم ، يشعر أنّه بيته القرآن ، بيت الله ، وأعدّ هذا البيت لاستقرار الإنسان ، يجد الإنسان في هذا البيت استقراره النفسي .

فهو بيت لا تهدم أركانه ، وعزّ لا تهدم أعوانه ، الذي يعتزّ بعزّ القرآن ، والذي يحتمي بحماية القرآن لا ينهزم ، هذه قلعة ، القلعة فيها هذه الخاصّية ، سابقاً قبل الغارات الجوية الناس كيف كانوا يأوون ؟

يأوون في القلاع ، يسيجون مدينتهم بقلعة وجدران عالية وقوية ورفيعة ، وأنتم تشاهدون آثار القلاع اليوم ، فبعد ما يبنون القلاع ، بعدها أصبح لا يوجد فيها فائدة نتيجة الغارات الجوية تجتاز القلاع ، عندما كان الناس يأوون إلى القلعة ويغلقون باب القلعة وإن كان العدو يحاصرهم من كُلّ الأطراف يجدون أنّ هذه القلعة تحميهم ، إذا فتحوا باب القلعة وإذا خرجوا من القلعة يتعرّضون للأذية ،

١- النحل : ٨٠ .

١٥

ويتعرّضون للهزيمة .

القرآن عزّ لا تهزم أعوانه ، أعوان القرآن الذين يحتمون بعزّ القرآن لا ينهزمون إنّما المسلمون أصابتهم الهزائم هزيمةً بعد أُخرى عندما خرجوا من عزّ القرآن وعندما خرجوا مِن حمى القرآن ، لمّا خرجوا من حمى القرآن وجدوا هزيمة بعد هزيمة ، ووجدوا ذلاًّ بعد ذلّ ، واذا رجعوا إلى حمى القرآن واحتموا به من جديد فسيستعيدون موقعهم من القرآن ، القرآن يحميهم .

فإنّ هذه الكلمة : «ناطق لا يعيى لسانه» كيف ينطق القرآن ؟ ولمن ينطق القرآن ؟

القرآن ينطق لمن يُحسن أن يستنطق القرآن ، أنا أوضّح هذا الموضوع وأقول : الناس اتّجاه القرآن ثلاث طوائف .

الطائفة الأولى

طائفة من الناس معرضون عن القرآن وهؤلاء الناس القرآن منغلق عليهم تماماً وصامت معهم ، لا يسمعون ولا يعون للقرآن خطاباً ولا جواباً وهذه القلوب محجوبة عن القرآن ومنغلقة عن القرآن ، على آذانهم وقر وعلى أبصارهم غشاوة ، لا ينفد إلى قلوبهم نور القرآن أبداً ، ولا يعون للقرآن جواباً ، ولا يعون للقرآن خطاباً ، هؤلاء اجعلوا عليهم علامة ضرب . وطائفة واسعة من الناس ختم الله على قلوبهم ، والذي ختم الله عزّ وجلّ على قلبه ماذا تريد من عنده ؟ وماذا تتصوّر فيه ؟

الطائفة الثانية

الطائفة الثانية من الناس : يتعامل مع القرآن ولكن من موقع الفوقية وليس من موقع التبعية ، يحمِّل رأيه على القرآن يُطوع القرآن لرأيه وهواه وليس العكس ، يريد أن يستنطق القرآن ولكن يحبّ أن يستنطق القرآن كما يحبّ وكما يشتهي وكما يهوى وكما تتحقّق ميوله ومنافعه ، وهؤلاء طائفة ثانية من الناس القرآن ما

١٦

ينفد إلى قلوبهم أبداً كالطائفة الأولى ، لا ينتفعون بخطاب القرآن ، ولا ينتفعون بجواب القرآن .

أنا استعرضت كلمات الإمام ، وفكرة المحاضرة القرآن في نهج البلاغة إنّ فكرة المحاضرة رؤية الإمام (عليه السلام) إلى القرآن ، يقول (عليه السلام) : «وآخر قد تسمّى عالماً» ، يُسمي نفسه عالماً ، كلام الإمام دقيق ، ليس بعالم فيسموه عالماً ، يُسمي نفسه عالماً وهو ليس بعالم : «فاقتبس جهائل» أخذ نظريات وأفكار الجاهلية : «فاقتبس جهائل من جهّال ، وأضاليل من ضلاّل ، ونصب للناس اشراكاً من حبائل غرور وقول زور ، قد حمل الكتاب على آرائه ـ الكتاب هو القرآن ـ وعطف الحق على أهوائه»(١) .

يعطف الإنسان هواه على الحقّ ، لكن هؤلاء بالعكس يعطفون الحق على أهوائهم وميولهم ومصالحهم بينما الصحيح أن يجعل الإنسان مصلحته وأهواءه ورغباته تابعةً للحقّ ، إلاّ أنّ هؤلاء بالعكس عطفوا الحقّ على أهوائهم يقول :

أقف عند الشبهات وفيها وقع ، هو يقول : قف عند الشبهات ، يقرأ القرآن يقول : قف عند الشبهات ولكن فيها وقع ويقول : «أقف عند الشبهات وفيها وقع» ، ويقول : «اعتزل البدع وبينها اضطجع ـ هو مضطجع بين البدع ويقول اعتزل البدع ـ لا يعرف باب الهدى فيتبعه ولا باب العمى فيصدّ عنه»(٢) ، هؤلاء الناس لا يفقهون القرآن ولا يعون من القرآن خطاباً ولا جوابا ، هذه الطائفة الثانية .

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «خلّف فينا راية الحقّ ـ راية الحقّ القرآن ـ من تقدّمها مرق ، ومن تخلّف عنها زهق ، ومن لزمها لحق»(٣) ، هذه الراية التي يتقدّمها مارق والذي يتخلف عنها زاهق والذي يلزمها لاحق ، من

١- نهج البلاغة ١ : ١٥٣ ، خ٨٧ .

٢- المصدر السابق .

٣- نهج البلاغة ١ : ١٩٣ ، خ١٠٠ .

١٧

تقدّمها مرق ، ومن تخلّف عنها زهق ، ومن لزمها لحق . هذه الطائفة الثانية ، وأمير المؤمنين (عليه السلام) تجرّع الأمرّين من هؤلاء في حياته ، وواجه هذه الحالة ، حالة المروق عن القرآن ، وحالة تحميل الأهواء على القرآن في الناكثين وفي المارقين وفي القاسطين ، المارقون مسلمون ، والقاسطون مسلمون ، والناكثون مسلمون . الإمام (عليه السلام) وجد في الناكثين والقاسطين والمارقين هذه الحالة يقول (عليه السلام) ـ والخطاب يخصّ الخوارج وهم المارقون ـ : «كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم»(١) ، كأنّهم أئمة الكتاب ، يفسرّون الكتاب ، يفسرّون خطاب الله تعالى كما تشتهي نفوسهم ، كأنّهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم . هذه الطائفة الثانية .

وهي منغلقة كالأولى عن القرآن تماماً لا يجدون للقرآن خطاباً ولا جواباً ، ولا ينعمون بنكهة القرآن أبداً ولا يشتمّون رائحة القرآن ، أُناس لا يشمّون رائحة الجنّة ولو كانوا إلى جوار الجنّة ، والجنّة يستنشق المؤمنون روائحها من الدنيا ، توجد بعض الروايات عبر ٥٠٠ ألف سنة ، يعني وهو في الدنيا يستنشق رائحة الجنّة ، يوجد أناس في الدنيا وهو في هذه الدنيا وفي مكاره الدنيا وفي عذاب الدنيا وفي عناء الدنيا وفي سجون الدنيا وفي اضطهاد الدنيا ويستنشق روائح الجنّة ، ويوجد أُناس إذا يذهب إلى جنب الجنّة وعلى باب الجنّة لا يستنشق رائحة الجنّة .

وهذا زكام حادّ ماذا تعمل له ؟ كذلك القرآن هناك أُناس لا يستنشقون نكهة القرآن أبداً .

الله يرحم أحد المشايخ الكبار لا أذكر اسمه رحمة الله عليه يقول : كنت في النجف أيّام الشتاء القارسة ، سابقاً ما أظنّ أنتم أدركتم هذا النوع من التدفئة ، التدفئة المنزلية قبل أن تظهر التدفئة المركزية كانت هناك تدفئة موضعيّة ، موضع عليه كرسي ويغطّى هذا الكرسي بغطاء ، وتحت الكرسي موقد نار يتدفئون به .

١- نهج البلاغة ٢ : ٣١ ، خ١٤٧ .

١٨

هذا النوع من التدفئة لا يزال معروفاً في بعض القرى ، وفي المدن لا يوجد . ما أظنّ بعضكم شاهد هذا النوع من التدفئة ، فكانت أيّام قارسة شديدة البرد ، يقول : أنا كنت أذهب تحت هذا الغطاء إلى حنكي ، البرد شديد إتدفا بهذه التدفئة ، وأقرأ القرآن آخذ القرآن بيدي وأقرأ القرآن ، يقول يوماً ما أتيت إلى أُستاذنا السيّد القاضي رحمة الله عليه وقلت له سيّدنا أهل المعرفة يقولون في القرآن نكهة وفي القرآن نور ، وفي القرآن لذّة ، ينعم الإنسان بالقرآن ، ويلتذّ الإنسان بالقرآن ويجد في القرآن لذّة ونعيماً ، لكن أنا ما أجد هذه اللذّة ، وأقرأ القرآن ، وأتمعّن النظر فيه إلاّ أنّي لا ألتذّ ؟

قال لي : بلى أنت عندما تذهب تحت الغطاء وطبيعي لا تجد لذّة في القرآن ، قم آناء الليل وسط البرد وأقم الصلاة في البرد وقم بين يدي الله واتلو القرآن حتّى تجد رائحة القرآن وتستنشق نكهة القرآن .

فللقرآن نكهة ، وللقرآن نعيم ، وللقرآن لذّة ، والقرآن قرّة عيون المؤمنين ، ويجد الإنسان ما لا يجده في أي نعيم آخر ، ويجد الإنسان في القرآن من النعيم واللذّة ما لا يجده في أي مكان آخر .

هناك أُناس لا يجدون ذلك مع أنّهم يسمعون القرآن ليلاً ونهاراً وبالأخصّ القرآن يبثّ في الإذاعات ومحطّات التلفزيون والمجالس ، القرآن يتلى علينا ليلاً ونهاراً ، ولكن هناك أُناس لا يجدون للقرآن لذّةً ولا نعيماً ، محجوبون عن القرآن وإن حشروا مع القرآن .

الطائفة الثالثة

وهناك أُناس يجدون في القرآن لذّةً ونعيماً هؤلاء هم الطائفة الثالثة .

الطائفة الثالثة يفقهون القرآن ويحسنون استنطاق القرآن ، هؤلاء يعرفون كيف يستنطقون القرآن ، أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول عن الإمام الحجّة عجّل الله فرجه عندما يظهر : «يعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الهدى على الهوى ويعطف الرأي

١٩

ـ يعطف يعني يجعله تابعاً ـ على القرآن اذا عطفوا القرآن على الرأي فالفاصل - بين ثورة الإمام وحالة عصره والظروف التي يعيشها الناس يعطفون الهدى على الهوى ، الإمام (عليه السلام) يعطف الهوى على الهدي - ١٨٠ درجة تماماً ، فالناس يعطفون القرآن على الرأي ، يفسّرون القرآن كما يشتهون وكما يُحبّون يعطفون الرأي على القرآن ، الإمام بالعكس يعطف الرأي على القرآن .

هذه الثورة الكونية الكبرى التي يقودها الإمام (عليه السلام) يعطف فيها الهوى على الهدى ، ويعطف الرأي على القرآن .

هذه الثورة الكونية التي يقودها الإمام ، الإمام (عليه السلام) أيضاً يتحدّث عن هذه الطائفة الثالثة فيقول : «قد أمكن الكتاب ـ يعني القرآن ـ من زمامه فهو قائده وإمامه ، يحلّ حيث حلّ ثقله ، وينزل حيث كان منزله»(١) .

هؤلاء الناس يمكّنون القرآن من أزمتهم ، يعطون زمامه إلى القرآن فيقودهم القرآن حيث شاء ، فقائده وإمامه القرآن ، يحل حيث حلّ ثقله ، وينزل حيث ينزل القرآن ، ويسير حيث يسير القرآن .

الإمام (عليه السلام) يوجّه الناس اتّجاه القرآن فيقول (عليه السلام) : «واستدلّوه على ربّكم» استدلّوا بالقرآن خذوا الدلالة من القرآن .

«واستنصحوه على انفسكم» ، استنصحوا القرآن خذوا النصيحة من القرآن على أنفسكم .

«واتهموا عليه آرائكم»(٢) ، إذا اختلف رأيك والقرآن ، اختلفت مشتهياتك النفسية ورغباتك النفسية مع القرآن فاتهم نفسك واستنصح القرآن ، فكُلّ ما وجدت من رغبة نفسية تخالف القرآن فاتهم نفسك واستنصح القرآن .

هذا القرآن مقياس في الحياة ، القرآن مقياس للدلالة ، ومقياس للهدى ،

١- نهج البلاغة ١ : ١٥٣ ، خ٨٧ .

٢- نهج البلاغة ٢ : ٩٢ ، خ١٧٦ .

٢٠