×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 11) / الصفحات: ١ - ٢٠

موسوعة من حياة المستبصرين ج ١١ » مركز الابحاث العقائدية » (ص ١ - ص ٣٠)



١

موسوعة

من حياة المستبصرين

المجلد الحادي عشر

تأليف

مركز الأبحاث العقائدية

٢

مركز الأبحاث العقائدية:

إيران ـ قم المقدّسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤

ص . ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف : ٣٧٧٤٢٨٠٨ – ٣٧٧٤٢٠٨٨- ٢٥ - ٠٠٩٨ -

الفاكس : ٣٧٧٤٢٠٥٦- ٢٥ - ٠٠٩٨ -

العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن(عليه السلام)

الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ - ٣٣ - ٠٠٩٦٤ -

الموقع على الإنترنت : com . aqaed . www

البريد الإلكتروني : com . aqaed @ info

شابك (ردمك)

موسوعة من حياة المستبصرين

المجلّد الحادي عشر

تأليف : مركز الأبحاث العقائدية

الطبعة الأُولى ـ ٢٠٠٠ نسخة

سنة الطبع: ١٤٣٤هـ

المطبعة:

* جميع الحقوق محفوظة للمركز *

٣

٤

٥

٦

٧

٨

٩

مقدّمة المركز

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمُد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، أبي القاسم محمّد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

الحمُد لله على إكمال الدين، وإتمام النعمة ورضى الربّ الإسلام ديناً لنا، بولاية سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين وقائد الغرّ المحجلين، الإمام علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين(عليهم السلام).

هذا هو المجلّد الحادي عشر - بين يديك عزيزي القارئ - من «موسوعة من حياة المستبصرين»، وهو يضمّ بين دفّتيه ترجمة ٤٩ رجلاً وامرأة ممن اعتنقوا مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وركبوا سفينة النجاة، سفينة علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومين من أبناء الحسين(عليهم السلام).

والملاحظ في تراجم المستبصرين في هذا المجلد - الذين هم من دولتي فرنسا والفلبّين - أنّ جلّهم من المسيحيين، الذين شرّفهم الباري عزّ وجلّ باعتناق الإسلام المحمّدي الأصيل المتمثّل بمدرسة أهل البيت(عليهم السلام).

إنّ هذه الثلّة المثقّفة تركت ميراث الآباء والأجداد، بعد بحث وتحقيق عميقين في الديانات السماوية التي بشّرت بنبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه خاتم الأنبياء والمرسلين.

١٠

والذي يراجع الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد وينظر فيه نظرة متفحّص منصف يجد فيه الكثير من النصوص الدالّة على كلامنا، وقد تضمّن هذا المجلّد من هذه الموسوعة الكثير من هذه النصوص، استدلّ بها أصحاب التراجم، والتي اعتبروها من الأدلة على تركهم لدينهم القديم واعتناق الدين الإسلامي الحنيف.

ولا أريد أن أسبق القارئ الكريم وأذكر هذه النصوص، فإنّه سوف يجدها مثبتة في طيّات هذا الكتاب إن شاء الله.

إنّ تراجم هذا المجلّد لا يمثّل العدد الواقعي للمستبصرين في فرنسا والفلبّين، وإنّما هي نماذج دالّة على اتّساع حركة المستبصرين العالمية.

ختاماً نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير لكلّ الإخوة الأعزاء الذين ساهموا في إخراج هذا المجلّد والمجلّدين التاليين له، ونخصّ بالذكر أصحاب السماحة الشيخ عصري الباني، والشيخ علي الحسّون، والسيّد محمّد الرضوي، والسيّد مرتضى الشيرازي، وفقهم الله وإيانا لخدمة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وجعله في ميزان حسناتنا إن شاء الله.

علماً بأنّ الإخوة الأعزاء مستمرون في إكمال هذه الموسوعة، التي ستصدر تباعاً إن شاء الله، والحمد لله أولاً وآخراً.

محمّد الحسّون

٢٧ جمادى الأولى ١٤٣٤هـ

١١

(١) بول جورج

(مسيحي / فرنسا)

ولد في «فرنسا»، ودرس في المدارس الأكاديمية حتّى حاز على شهادة الدكتوراه في التجارة والاقتصاد.

نشأ «بول» في أسرة تعتنق الديانة المسيحية، خاض رحلة فكرية شاقّة بحثاً عن الحقيقة; ليحرّر فكره من التقليد الأعمى والتعصّب والأنانية، فشملته العناية الربّانية، واهتدى إلى سبيل الحقّ والرشاد.

التقليد الأعمى:

من الطبيعي أنّ الذي يولد في بيئة خاصّة، وفي ظروف معيّنة، وفي دين أو مذهب خاص، ويبلغ أشدّه على تلك الحالة، يكون متأثراً بتلك الظروف، وتتكوّن شخصيّته الدينية والمذهبية وفقاً لتلك البيئة.

ومن الطبيعي أيضاً أنّ الذي يعيش في هذه البيئة يكون متقبّلاً لكلّ التعاليم التي يبيّنها علماء ذلك الدين والمذهب على أنّها أُمور صحيحة ومسلّم بها، وأنّها تعاليم من السماء، كلّ ذلك من غير تحقيق وتدبّر فيها، كما هو حال أغلب الناس الذين ينتمون الى الديانات السماوية، من اليهودية والمسيحية، وغيرالسماوية كالمجوسية والوثنية والبوذية، وغيرها; لانشغالهم وانغماسهم في حياتهم المادّية

١٢

والدنيوية وتعلّقهم بها، وحصر أفكارهم وعقولهم في زاوية معيّنة، وجهة خاصّة، وهي التفكير في كيفية الوصول إلى أسباب ووسائل الراحة لحياة سعيدة في الدنيا، والعيش الرغيد، وأمّا بالنسبة لأُمورهم العقدية والدينية والعبادية والحياة الأبدية في الآخرة، فلا يهتمّون بها، ولا تعدو بالنسبة إليهم سوى كونها عادات وتقاليد مأخوذة من الآباء والأجداد، لا عن وعي وبحث بل عن تقليد أعمى، ويؤدّونها تقليداً ليس إلاّ. ومع ذلك كلّه فإنّ أصحاب هذه الديانات يؤمنون بقوّة بصحة دينهم، وأنّه الحقّ فقط دون غيره من الأديان والملل والمذاهب; فإنّها خرافات وأباطيل.

ومن هذه الديانات الدين المسيحي، فهو غير خارج عن هذه القاعدة، فالفرد المسيحي يرى أنّ كلّ ما جاءت به تعاليمه من قبيل الذهاب إلى الكنيسة، والصلاة والصوم، وغسل التعميد الذي يُعدّ تطهيراً للنفس من الخطيئة والنجاسة، وإعلان التوبة، وطلب المغفرة من الربّ، يراها تعاليم صحيحة ومسلّم بها، من غير إلمام بمسائلها، وتحقيق فيها.

فالمولود في هذه الأجواء المسيحية، والذي يبلغ أشدّه على تلك الحالة تترسّخ في نفسه هذه العقائد والتعاليم التي تمارس، وترى المسيحية أنّها هي الدين الحقّ، وما سواها خرافات وأباطيل. فيرى اليهودية باطلة; لأنّ اليهود لم يتّبعوا المسيح(عليه السلام)، فهم يستحقّون غضب الربّ، والمسلمون كذلك، وعلى هذا فمَن لم يكن مسيحياً فلا يدخل الجنّة مهما فعل، وأمّا المسيحي الذي يؤمن بعيسى(عليه السلام)ويحبّه ويتّبعه فإنّ مصيره لا محالة إلى الجنّة مهما كان عمله; لأنّ ذنوبه وخطاياه قد غُفرت بالمسيح(عليه السلام).

وقد جاء القرآن الكريم برسالة الإسلام، فحارب تلك العقائد والخرافات الباطلة، وأدان هذا المنطق الخرافي القائم على أساس التقليد الأعمى لعادات

١٣

الآباء، والجمود على تراث السلف، من دون تمحيص أو تحقيق; قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾(١)

وقال تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (٢).

فاتّباع الآباء بغير علم، وعلى أيّ حال، سواء كانوا يعلمون شيئاً أو لم يهتدوا إلى شيء ينافي حكم العقل بلزوم اتّباع الحقّ; فإنّ اتّباع الآباء صحيح على تقدير كونهم على طريق العقل المتّبع للحق والهداية، فإن لم يكونوا كذلك فلا يكون اتّباعهم إلاّ تركيزاً للجهل والضلال، ويؤاخذهم عزّ وجلّ على ذلك بقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾(٣)، أو ﴿لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾(٤).

وقد أدّت هذه الدعوة من القرآن الكريم إلى تعريض كلّ الأفكار السابقة والموروثة إلى الاختبار من جديد في ضوء العقل، وعلى هدى الإسلام.

ومن الآيات التي تنهى عن التقليد الأعمى: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾(٥).

فقد أضاف عبدة الأصنام والمشركون الذين كانوا يبدون سوآتهم في

١- البقرة -٢-: ١٧٠.

٢- المائدة -٥-: ١٠٤.

٣- البقرة -٢-: ١٧٠.

٤- المائدة -٥-: ١٠٤.

٥- الأعراف -٧-: ٢٨ ـ ٢٩.

١٤

طوافهم: النساء والرجال الحمس خاصة(١) ـ مضافاً إلى مسألة التقليد الأعمى للآباء ـ حجّة كاذبة أُخرى، قائلين: ﴿وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ ; لتبرير أعمالهم القبيحة التي كانوا يقومون بها، فردّ الله عليهم فقال: قل لهم: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾(٢).

ومنها: قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾(٣).

قال تعالى على لسان فرعون وملئه لموسى وهم يعاتبوه: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾وتصرفنا ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ يريدون بذلك سُنّة قدمائهم وطريقتهم معاتبين بذلك موسى وأخاه هارون أنّهما اتّخذا الدعوة الدينية وسيلة إلى إبطال طريقة فرعون، ووضع طريقة جديدة لقيادة الأُمّة; كي ﴿تكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ﴾، ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾، ولا ننضمّ إليكما حتّى تنالا بذلك أُمنيتكما وتبلغا غايتكما من هذه الدعوة.

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْم وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَاب مُّنِير * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾(٤).

ونلاحظ في هذه الآية حصر طرق الهداية بأمور ثلاثة: ﴿عِلْم﴾، ﴿هُدًى﴾، ﴿كِتَاب مُّنِير﴾،إلاّ أنّ هذه الجماعة العنيدة لم تمتلك علماً ولم تتّبع مُرشداً ولا هادياً، ولا استلهمت من الوحي الإلهي شيئاً، وإنّما تمسكت بمنطق ضعيف سقيم،

١- التبيان ٤: ٣٨٢.

٢- تفسير القمّي١: ٢٢٦.

٣- يونس -١٠-: ٧٨.

٤- لقمان -٣١-: ٢٠ ـ ٢١.

١٥

وهو: اتّباع، الآباء والأجداد، فالله تعالى يطلب من الكفّار والمشركين الإيمان بما أنزل من القرآن والأحكام، والعمل بموجبه، والاقتداء به: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، فيجيب الكفّار بسوء اختيارهم: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾، فذمّهم الله على هذا التقليد الأعمى، فقال لهم مستفهماً مستنكراً عملهم: ﴿أَوَ﴾ أنّهم يتّبعون الشيطان حتّى إذا دعاهم إلى ما يوجب ﴿عَذَابِ السَّعِيرِ﴾، والهلاك؟!

ومنها: قول الله عزّ وجلّ حكاية عن إبراهيم(عليه السلام) إذ قال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلاَل مُّبِين﴾(١).

وقول إبراهيم(عليه السلام) هنا ما هذه التماثيل التي لا تضرّ ولا تنفع، فيه تحقير لشأنها وتوبيخ لهم على إجلالها، إذ كانوا لها عاكفين، أي: مقبلين عليها على سبيل التعظيم لها، فما كان جواب قومه لسؤاله(عليه السلام) إلاّ تبريراً لما يقومون به ; إذ لم يكن عندهم في الحقيقة جواب مقنع أمام هذا المنطق السليم القاطع، سوى أن يبعّدوا المسألة عن أنفسهم، ويلقوها على عاتق آبائهم، ولهذا قالوا: إنّ هذه السنّة من سنن آبائنا وأجدادنا فاقتدينا بهم، فقال إبراهيم(عليه السلام): ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلاَل مُّبِين﴾، لعدم استنادكم لا أنتم ولا آبائكم إلى حجّة قوية.

ومنها: قوله عزّ وجلّ حكاية عن إبراهيم(عليه السلام): ﴿اِذْ قَالَ لاَِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾(٢).

ففي هذه الآيات يتساءل إبراهيم عن سبب عبادتهم للأصنام، هل أنّها تسمع

١- الأنبياء -٢١-: ٥٢ ـ ٥٤.

٢- الشعراء -٢٦-: ٧٠ ـ ٧٣.

١٦

دعاءكم إن دعوتموها، أو تنفعكم ان عبدتموها، أم أنها تضرّكم إن لم تعبدوها; لأنّ أقلّ ما ينبغي توفّره في المعبود هو أن يسمع نداء من يعبده، وأن ينصره في البلاء، أو يضرّه عند مخالفة أمره.

إلاّ أنّ عبدة الأصنام، الجهلة المتعصّبين، واجهوا سؤال إبراهيم(عليه السلام) بجوابهم القديم، الذي طالما كررّوه، فـ : ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ مضربين عن جواب سؤاله واقعاً، ومتمسّكين بالتقليد الأعمى لأسلافهم.

ومنها: قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِّن نَّذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾(١).

ويتّضح من هذه الآيات الكريمة أنّه لم تكن لمن كان يعبد الملائكة من المشركين حجّة على عبادة الملائكة، لا عقلاً ولا نقلاً - فلم يأذن الله بها - ولا دليل لهم على أحقّية عبادتهم، سوى ما توهّموه بقولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّة﴾، فإنّ التشبّث بذيل التقليد ليس ممّا يختصّ بهؤلاء، فقد كان ذلك دأب أسلافهم من الأُمم المشركة; فإنّه ما من نبيّ أو رسول أرسله الله إلى أُمّة إلاّ تشبّث متنعّموها ومترفوها بالتقليد الأعمى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِّن نَّذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾.

فهذه الآيات تشير إلى المنطق الواهي في تحريم ما أحلّ الله، أو عبادة الأوثان، وغير ذلك، ويدين القرآن هذا المنطق الخرافي، القائم على أساس التقليد الأعمى لعادات الآباء والأجداد، إذ ليس اتّباعهم إلاّ تركيزاً للجهل والضلال.

١- الزخرف -٤٣-: ١٩ ـ٢٣.

١٧

فالإنسان الجاهلي لا يستند إلى قاعدة إيمانية يحسّ معها بوجوده وشخصيّته وأصالته، لذلك يستند إلى مفاخر الآباء وعاداتهم وتقاليدهم، فيصطنع لنفسه شخصية كاذبة وأصالة موهومة، وهذه عادة الجاهليين، قديماً وحديثاً، في تعصّبهم القومي والقبلي، وخاصّة في ما يتعلّق بأسلافهم.

إلاّ أنّ الدين الإسلامي أدان هذا المنطق الرجعي ; لأنّه ينفي العقل الإنساني، ويرفض تطوّر التجارب البشرية، ويصادر الموضوعية في معالجة قضايا السلف.

وهذا المنطق الجاهلي يسود اليوم - ومع الأسف - بقاع مختلفة من عالمنا، ويظهر هنا وهناك بشكل «صنم» يوحي بعادات وتقاليد خرافية مطروحة باسم «آثار الآباء» ومؤامرة باسم «الحفاظ على المآثر القومية والوطنية»، مشكّلاً بذلك أهم عامل لانتقال الخرافات من جيل إلى جيل، ولا مانع طبعاً من تحليل عادات الآباء وتقاليدهم، فما انسجم منها مع العقل والمنطق حُفظ، وما كان وهماً وخرافة لُفظ، فانّ المقدار المنسجم مع العقل والمنطق يستحقّ الحفظ والصيانة باعتباره تراثاً قومياً، وأمّا الاستسلام التام الأعمى لتلك العادات والتقاليد فليس إلاّ الرجعية والحماقة.

ويتّضح من خلال الآيات الواردة أنّ الاقتداء الحسن لا يكون إلاّ باثنين، بمَن كان يملك الفكر والعقل والعلم، ومَن كان قد اهتدى بالعلماء، إلاّ أنّ أسلاف هؤلاء لم يكونوا يعلمون، كمالم يهتدوا بمن يعلم، وهذا اللون من التقليد الأعمى هو سبب تخلّف البشرية; لأنّه تقليد الجاهل للجاهل، والآية التالية تبيّن سبب تعصب هؤلاء وإعراضهم عن الانصياع للحق، يقول تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾(١).

١- البقرة -٢-: ١٧١.

١٨

تقول الآية: إنّ مثلك في دعوة هؤلاء المشركين إلى الإيمان، ونبذ الخرافات والتقليد الأعمى، كمن يصيح بقطيع الغنم (لإنقاذهم من الخطر)، ولكنّ الأغنام لا تدرك منه سوى أصوات غير مفهومة، فالكفار والمشركون كالحيوانات والأنعام التي لا تسمع من راعيها الذي يريد لها الخير سوى أصوات مبهمة، فهؤلاء: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾; ولذلك يتمسّكون بالتقاليد الخاطئة لآبائهم، ويعرضون عن كلّ دعوة بنّاءة(١).

اختيار الحقّ:

وهكذا فإنّ «بول جورج» خاض رحلة فكرية شاقّة يبحث خلالها عن الحقيقة، واجتهد ليحرّر فكره من التقليد الأعمى، والتعصّب والأنانية، فدخل في ساحة الصراع القوي مع نفسه التي تجتذبه اتّجاه ما ينسجم مع مآربها ومبتغياتها، ومن جهة أّخرى كان نداء الفطرة السليمة يناديه إلى الحقّ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾(٢)، لكنّه اجتهد ليؤمّر عقله، ومنح زمام القيادة إليه; لكي ينجّيه إلى برّ الأمان، ويوصله إلى درجة من الوعي يميّز فيها الحقّ عن الباطل، وطلب من الله أن يوفّقه إلى مَن يرشده إلى جادّة الصواب، فسلّم أمره لله الواحد القهار: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾(٣)..

فشملته العناية الربّانية، ووفّقه الباري تعالى للتعرّف على دينه الذي أرسله على خاتم رسله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ شرح اللّه تبارك وتعالى صدره للإسلام: ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ

١- راجع: الأمثل في تفسير كتاب اللّه المنزل ١: ٤٨٢.

٢- الروم -٣٠-: ٣٠.

٣- الطلاق -٦٥-: ٣.

١٩

فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾(١)، وأزال الغشاوة عن قلبه، وهداه إلى سبيل الحقّ والرشاد(٢); لأنّه لا يلطف إلاّ بمَن عرف أنّ اللطف ينفع فيه، قال: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ﴾(٣) وقال: ﴿وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾(٤)، فلا يقدر أحد على إضلاله; إذ لا رادّ لفعله، بخلاف مَن يضلّه اللّه ويخذله عن طريق الجنّة بكفره ومعاصيه، فليس له هاد يهديه إليها، ولن تجد له أولياء، ولا أنصاراً: ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ﴾(٥)، ﴿وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد﴾(٦).

١- الأنعام -٦-: ١٢٥.

٢- نقلاً عن: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: ٦٥٨.

٣- الزمر -٣٩-: ٣٧.

٤- الإسراء -١٧-: ٩٧.

٥- الإسراء -١٧-: ٩٧.

٦- الزمر -٣٩-: ٢٣.

٢٠