×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة عبد الله بن عبّاس ـ ج 12 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

وقال عبد الغافر الفارسي وهو بلدّيه: كان من العلماء العاملين، نفّاعاً للخلق مباركاً(١).

وقال ابن كثير الشامي في (البداية والنهاية): ((كان من أعيان الفضلاء والأذكياء، والثقات الأمناء))، وذكر وفاته في سنة ٤٣١هـ(٢).

وقال السمعاني في (التحبير) ضمن ثبت مسموعات أبي علي الحدّاد المتوفى سنة (٥٢٥هـ): ((...كتاب التفسير في أربع مجلّدات لإسماعيل بن أحمد الضرير بروايته عن المصنّف إجازة))(٣).

وقال السبكي في (طبقات الشافعية) بعد ذكر اسمه ونسبه ونسبته: ((صاحب الكفاية في التفسير، وغيرها))(٤).

ونكتفي فعلاً بما مرّ من أقوال مترجميه، إذ ليس عند الباقين زيادة معلومات على ما قرأناه، ولكن هذا لم يأتنا بدليل قاطع على أنّه هو صاحب الكتاب الذي لدينا باسم (كتاب الأسامي في من نزل فيهم القرآن الحكيم). إذاً فلا نستطيع المجازفة بالجزم نفياً ولا إثباتاً، ولنقف حتّى يتبيّن الصبح لذي عينين، وتتكشّف الحال بعلم اليقين، فالله نهانا عن الخوض فيما ليس لنا به علم، فقال: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾(٥).

١- انظر: تاريخ الإسلام للذهبي ٢٩/٢٤٨.

٢- البداية والنهاية ١٢/٥٩.

٣- التحبير في المعجم الكبير ١/١٩٠.

٤- طبقات الشافعية الكبرى ٤/٢٦٥، ط الثانية ١٤١٣ تح د. محمود محمّد.

٥- سورة الإسراء/٣٦.

٢١

المبحث الثاني : في تعريف الكتاب

وهذا الجانب ممّا ينبغي الإلمام به بشكل دقيق: من جهة الشكل، ومن جهة المضمون.

فالكلام من الجهة الأُولى: وهي من ناحية الشكل، فعندي منه نسختان: رمزت للأولى بـ(أ)، وللثانية بـ(ب).

وللحديث عن نسخة (أ): يتعلّق بالناسخ رحمه الله الذي بذل جهداً في كتابة هذا الكتاب، عبّر عن معاناته في آخره حيث ختم الكتاب، واستماح العذر وطلب الدعاء من قارئيه، ولمّا كان الرجل أعجمي اللسان فقد وقعت منه بعض الأغلاط الإملائية ممّا يدركها القارئ بدون معاناة كبيرة، ولا عتب عليه في هذا، بل إن كان من عتب عليه فهو لم يذكر في نهايته مصدره الذي حصل منه على نسخة الكتاب، كما هو ديدن الكثير من الناسخين، لكنّه لم يفعل، كما يجد القارئ صورة ما ختم به الكتاب في أخر النسخة.

أمّا أنا فمصدر تحصيلي على هذه النسخة من الكتاب، فهو مكتبة المرحوم آية الله السيّد الحكيم قدس سره، العامّة في النجف الأشرف، ففيها المخطوطة برقم (١٨٧)، وهي تضم كتابين:

الأوّل: (زوائد النظائر وفوائد البصائر) للدامغاني، في (١٤٣) ورقة، في كلّ صفحة (١٦) سطراً.

٢٢

الثاني: (أسامي من نزل فيهم القرآن) لإسماعيل بن أحمد الضرير، في (٢٥) ورقة، في كلّ صفحة (١٦) سطراً.

وناسخ الكتابين واحد، وهو محمّد حسين بن عبد الله الخوانساري، وتاريخ النسخ (١٢٦٠هـ).

ومهما كان من قصور في قواعد الإملاء فهو معذور، وهو أيضاً مشكور لحفظه كتاباً تراثياً فيه من علوم القرآن ما ينفع الناس، وقد أحيى به ذكر مصنّفه الذي ذكره، فجزاه الله خيراً.

وأمّا عن نسخة (ب): فهي ضمن مجموعة في مكتبة سبهسالار طهران برقم (٧٥٢٧)، وعنها نسخة مصورة في مركز إحياء التراث الإسلامي بقم، وقد تفضّل بها مشكوراً سماحة العلاّمة السيّد أحمد الاشكوري، فأرسل نسخة مصوّرة عنها. وناسخها محمّد علي، وتاريخ نسخها شوال (١٣١٠هـ)، وهي ناقصة الآخر، وقد بيّن الناسخ عذره لإصابة الأرضة لما بقي من أوراقها فلم يمكنه استنساخها. وستأتي صورة صفحة من أوّلها وصفحة من آخرها.

والآن إلى البحث في الناحية الثانية من الكتاب: من جهة المضمون، وهذا ما يخص المصنّف والتنبيه على ما زاغ به القلم.

حيث ذكر معلومات زائغة، حسبها سائغة، ولم يوثّقها بحجّة بالغة دامغة، وزعم أنّها عن ابن عبّاس رضي الله عنه، لذلك اقتضى التنبيه على ما وافق رأي ابن عبّاس وما خالفه، ما دام المصنّف قال في مقدّمته:

((وعلوم القرآن كثيرة، ولكن أحقّها على قارئه تفسيره على ما جاء به الخبر عن السلف، ولا يبلغ إلى من أراد إلاّ بعد المعرفة بالتنزيل، معرفة من نزل فيه، وكثر القائلون بالتفسير، وأوّلهم بالذكر عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه، لأنّ

٢٣

النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال فيه: (اللّهمّ علمه الـتأويل والتنزيل) ــ كما في نسخة (أ) ــ.

فلمّا كان الأمر على هذا السبيل، دعاني أن أجمع هذا النوع من التنزيل، فاقتصرت على قول ابن عبّاس إذ هو ترجمان التفسير، مع ما سبقني إليه غير واحد من أهل التفسير، إلاّ أنّي جمعت فيه بترتيب غير ما ذهبوا إليه، غير أنّ لهم فضل القديم.

ورتّبت هذا الكتاب على حروف المعجم طلباً للتسهيل، وقصداً إلى الحفظ والتقريب، وذكرت مع كلّ واحد منهم آية تجنباً للتثقيل، وعقّبت الكتاب بذكر الآيات التي نزلت في الجماعة، وبذكر القبائل التي نزلت فيها الآيات الكثيرة، وسمّيته: (كتاب الأسامي التي نزل فيها القرآن الحكيم).

وهو التصنيف الخامس عشر ممّا جمعت أنا، مستعيناً بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل.

فأوّلها: عنوان التفسير، وتذكرة الوقوف، ومقلة الواعظين، وكتاب التنزيل، وكتاب الأوجه، وكتاب الفروق في شواذّ الحروف، وتاريخ المؤرخ، وكتاب معاني أسماء الله تعالى، وكتاب الفريضة والسُنّة، وعلل عدد الآي، وتفصيل مذهب القرّاء في عدد الآي، وعلل القراءات السبع، وعلل قراءة أبي عمرو، وعلل قراءة عاصم، والخامس عشر هذا الكتاب.

وفي عزمي أن أجمع كتاباً في التنزيل أكمل من هذا(١)، والله

١- لقد مرّ بنا ما ذكره بعض مترجميه بأنّ له كتاب (الكفاية) في التفسير، ووصفه السمعاني بأنّه في أربع مجلّدات، رواه عنه أبو علي الحداد المتوفى سنة (٥٢٥هـ) إجازة، فهل هو المقصود؟ وقد حصلت أخيراً على صورة جزء من كتاب (كفاية التفسير) موجودة نسخته في (كتابخانه استانه قدس) المكتبة الرضوية تاريخ نسخها سنة ٥٠٦، تفضّل بها القائمون عليها عند تشرّفي بزيارتها في يوم ٢٦ رجب ١٤٣٢هـ فأعطوني الصورة على قرص (سي دي)، وأنا أعطيته لسماحة الأخ العلاّمة المحقّق السيّد علي الشهرستاني سلمه الله تعالى، فصوّره على الورق، فجزاه الله خيراً، وجزى القائمين على شؤون المكتبة الرضوية كلّ خير. ولدى مقارنة بعض الموارد التي يذكر فيها شأن النزول، لم أجد توافقاً بين ما فيه وبين ما ورد في كتاب (الأسامي) المبحوث عنه، فلست فعلاً على يقين بأنّ كتاب (الأسامي) هو للضرير الحيري صاحب (كفاية التفسير)، وستأتي الشواهد على التباين.

٢٤

المستعان، وعليه التكلان)).

فمن هذه المقدّمة عرفنا شخصية المصنّف، وأنّها ذات أبعاد ثقافية قرآنية واسعة، كما يظهر من أسماء تصانيفه الخمسة عشر، وأنّ لديها مشاركة في عدّة علوم جعلتها آخذة بطرف من كلّ علم يمت إلى معرفة القرآن تنزيلاً وقراءة، وإحاطة بعلل القراءات، ولو أنّا حصلنا عليها كلّها لأفدنا منها أكثر ممّا حصلنا عليه فعلاً، وفي بيانه لمنهجيته في تصنيفه هذا وسبقه إليها فقد دلّنا من طرفٍ خفيّ على نحو اعتداد نفسي، قد لا يؤاخذ عليه لأنّه أمر طبيعي عادي، لو لم نقرأ وصف الخطيب البغدادي له، بقوله: ((ونعم الشيخ، كان فضلاً وعلماً ومعرفة وفهماً وأمانة وصدقاً وخلقاً...)).

أو قول ياقوت ــ وقد مرّ وصفه ــ : ((المفسّر المقرئ الواعظ الفقيه المحدّث الزاهد، أحد أئمّة المسلمين...)).

أو قول ابن بلده عبد الغافر: ((كان من العلماء العاملين، نفّاعاً للخلق مباركاً...)).

فمن كان بهذه الصفات لا يدلّل بمنهجيته لتكون له دالّة على قرّاء كتابه في سبقه بها.

٢٥

المبحث الثالث : ملاحظات نقدية حول الكتاب

لقد بدت لي عدّة ملاحظات نقدية حول الكتاب، حين قراءتي الأُولى له، ثمّ تزايدت حين استنسخته، لغرض تحقيقه باعتباره آثراً من آثار ابن عبّاس رضي الله عنه التي وصلت إلينا نسخته منذ عدّة قرون، ولكن الملاحظات تزايدت حين قابلت النص مع النسخة الثانية (ب)، فهي التي فرضت نفسها لتنفي أن يكون جميع ما في الكتاب صحيح النسبة إلى ابن عبّاس رضي الله عنه، لذلك صرت أذكر تلك الملاحظات لئلا يغتر قارئ الكتاب بأنّه يحكي آراء ابن عبّاس في شأن النزول، فيأخذ به ويعتمد عليه. وكلّ الملاحظات هي مؤاخذات على المصنّف الذي لم نعرفه حقيقة، ولم نعرف صحّة نسبة الكتاب إليه، لكنّا فعلاً نعامله على ما ذكره الناسخ لنسخة (أ)رحمه الله .

والمؤاخذات هي باختصار:

١ــ تحيّز المصنّف إلى ابن عبّاس رضي الله عنه في الاقتصار على قوله فيما يراه، وهو بهذا كان مهيناً لنفسه، ومشيناً لابن عبّاس رضي الله عنه؛ لأنّه لم يذكر له إسناداً يثبت ما زعم نسبته إلى ابن عبّاس رضي الله عنه، فهو بهذا قد أساء إلى نفسه حيث تخلّف عن القاعدة المتينة الرصينة: (إن كنت راوياً فالصحّة، وإن كنت مدعياً فالدليل).

وأمّا إساءته إلى ابن عبّاس رضي الله عنه، فقد نسب إليه ما لم يقله، وأيّ إساءة

٢٦

أعظم من الكذب عليه؟!

ثمّ هو ذكر أقوال الآخرين:

فقد ذكر قول مقاتل في اسم أبي قيس، هو صرمة بن أنس. كما ذكر قول عبد الرحمن بن أبي ليلى فيه، وأنّه صرمة بن مالك. وذكر قول ابن عبّاس، هو صرمة بن أياس، وقول الضحّاك في رواية روق: صرمة بن قيس.

وذكر قول مجاهد في أُمّ شريك بنت جابر، وأنّها التي وهبت نفسها للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ، وأمّا ابن عبّاس فقال: إنّها ميمونة بنت الحارث، وقال قتادة: لا، بل أراد زينب بنت خزيمة. (؟)

وذكر في اسم ثابت بن قيس بن شماس قول أنس بن مالك، وذكر قول مالك بن أنس (؟)، فهل المراد بأنس خادم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ، والثاني إمام المالكية، أم ثمّة سهو من الناسخ؟

وذكر في اسم سعد بن أبي وقاص قول الهيثم بن عدي.

وذكر في اسم طلحة بن عبيد الله قول عيسى بن طلحة.

وذكر في اسم عثمان بن عفّان قول عبد الله بن عمرو بن عثمان.

وذكر في اسم عليّ بن أبي طالب عليه السلام قول أبي جعفر محمّد بن علي، والمراد به هو الإمام الباقر عليه السلام.

وذكر في اسم عبد الله بن جحش قول سعيد بن المسيّب.

وذكر في اسم عثمان بن مظعون قول جابر.

وذكر في اسم عائشة عنها ما لم تقله، وإن كانت هي قد قالته فقد قالت ما لم يصحّ، ولم يوافقها عليه أحد من آل الرسول صلي الله عليه وآله وسلم ، ولا أزواجه.

٢٧

وقال في اسم وارث بن عمرو: وليس هذا إلا في تفسير مقاتل.

وذكر في آخر الكتاب عن وهب بن منبّه معلومة عن عدد المسوخ في بني إسرائيل (؟)، فأين صار زعمه: ((واقتصرت على قول ابن عبّاس))؟!

٢ــ لمّا كان ابن عبّاس رضي الله عنه يقول مفتخراً أنّ ما عنده من علم فهو عن عليّ عليه السلام، إذ هو القائل: (ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب عليه السلام)، وهو القائل: (إنّ علمي من علم عليّ عليه السلام)، إذاً فليس من المعقول ولا من المقبول أن يقول ابن عبّاس رضي الله عنه بخلاف قول عليّ عليه السلام!

ولدى مراجعة ما ذكره صاحب الكتاب في شأن النزول في أقوام زعم أنّها مروية عن ابن عبّاس، ولكن لم يوثقه بسند، ولم يأت عليه بدليل! وكان في المروي الثابت عن عليّ عليه السلام وابن عبّاس رضي الله عنه خلاف ذلك، فكيف نثق بكتابه؟!

٣ــ ذكر في كتابه ما انفرد به، بينما وجدنا من معاصريه مَن هم أعلى كعباً منه في هذا المجال، ولهم تصانيف في شأن النزول، لم يذكروا ما ذكره، بل ذكروا خلاف ما ذكره أيضاً، وسيأتي ما عندهم وهم أعلام ذكرتهم المصادر بإكبار، كالواحدي صاحب كتاب (أسباب النزول)، وهذا من أهل بلده، وكذلك الحاكم النيسابوري صاحب (المستدرك على الصحيحين)، ولا يفوتنا ذكر ابن مردويه فهو من معاصريه ومن أهل مذهبه، فقد كان شافعياً، قالوا عنه: ((وكان محدّثاً ومفسّراً ومؤرّخاً وجغرافياً...)).

فقد قال الواحدي في مقدّمة كتابه (أسباب النزول) بعدما ذكر بسنده عن محمّد بن سيرين: ((قال: سألت عبيدة ــ السلماني ــ عن آية من القرآن، فقال: اتّق الله وقل سداداً، ذهب الذين يعلمون فيما أنزل القرآن.

٢٨

وأمّا اليوم فكلّ واحد يخترع شيئاً، ويختلق إفكاً وكذباً، ملقياً زمامه إلى الجهالة، غير مفكّر في الوعيد للجاهل بسبب الآية، وذلك الذي حدا بي إلى إملاء هذا الكتاب، الجامع للأسباب، لينتهي إليه طالبوا هذا الشأن، والمتكلّمون في نزول القرآن، فيعرفوا الصدق، ويستغنوا عن التمويه والكذب، ويجدّوا في تحفظه بعد السماع والطلب...))(١).

وممّا يثير الشكّ في سلامة القصد في تأليف الكتاب ــ إن صحّت النسبة إلى الضرير الحيري ــ ملاحظة الزمان والمكان اللذين عاش فيهما المصنّف، ثمّ ملاحظة الشيوخ والتلاميذ الذين عايشوه، أخذ منهم أو أخذوا منه.

فالزمان كان أربعة عقود من القرن الرابع، وثلاثة تزيد قليلاً من القرن الخامس. وهو عصر تدهورت فيه هيبة الخلافة العبّاسية، إذ لم يبق لها إلاّ الاسم، الذي ُنبذ في مصر واليمن وطبرستان، وحتّى في المغرب حيث القيروان وغيرها، وحتّى طمع الفاطميون في أخذ بغداد فأرسلوا واردهم البساسيري، فخطب لهم في بعض الجمعات، ووقعت الفتن الطائفية، يغذيها رجال الحكم ووعاظ السلاطين معهم، فالديالمة والسلاجقة والغزّ والأتراك وغيرهم، كلّ له ليلاه يطبّل ويزمّر لها، وخليفة بني العبّاس لا حول له ولا طول، ومن كان منهم له بعض شأن كالقادر ــ صاحب الاعتقاد القادري ــ كان محاطاً بزمرة مستهترة تستهين به متى شاءت، وتخضع له متى شاءت، وتوجّهه كيف شاءت، ويضعون له المناقب، وهكذا تدهورت البلاد الإسلامية، ووعّاظ السلاطين نافقة أسواقهم عند الأمراء والوزراء والكتّاب،

١- أسباب النزول: ٤، ط هندية في غيط النوبي بمصر سنة ١٣١٥هـ.

٢٩

فيؤلفون الكتب بأسمائهم، كالتاجي، والعضدي، والمستظهري، والصاحبي، إلى غير ذلك.

ففي ذلك الزمان عاش المصنّف إن كان هو الضرير الحيري.

وأمّا المكان فنيسابور، وهي إحدى الحواضر العلمية يومئذ، ولها تاريخ حافل بذكر العلماء، ويكفي (تاريخ نيسابور) للحاكم النيسابوري إشادة بذكرهم، ولئن شحّ الزمان بنسخته ففي كتاب (السياق) لعبد الغافر الفارسي عوض عنه باختصاره، ولمّا كان الحكم فيها يتداوله الأمراء والوزراء بمباركة صورية من خليفة بغداد، كانت الحالة الاجتماعية تعلو وتهبط حسب أهواء الحاكمين، وتبعاً لهم مرتزقة السلاطين، ولهم دورهم في العنف الطائفي البغيض، فكانت الكتب تؤلّف للسُنّة برغبة من أمير أو وزير، أو تزلّفاً إليهما، حسب الأهواء، وكتابنا هذا في طابعه العام كتاب لا يخلو من تطرّف عبّاسي سُنّي غير محمود، ومصنّفه ليس بدعاً في تعصّبه لتسنّنه وولائه لبني العبّاس، وكم له أشباه وأشباه، لكنّ المؤاخذة التي لا خلاص له منها عند الحساب، ما أورده فيه مجانباً للصواب، ولم يذكر له سنداً يجنّبه مؤاخذة العتاب، وقد قال السيوطي في (الإتقان) بعد ذكره جماعة ممّن يذكرون التفسير بالأسانيد، كابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما:

((ثمّ ألّف في التفسير خلائق فاختصروا الأسانيد ونقلوا الأقوال بتراً، فدخل من هنا الدخيل، والتبس الصحيح بالعليل، ثمّ صار كلّ من يسنح له قول يورده، ومن يخطر بباله شيء يعتمده، ثمّ ينقل ذلك عنه من يجيء بعده، ظاناً أنّ له أصلاً، غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح

٣٠

ومن يرجع إليهم في التفسير، حتّى رأيت من حكى في تفسير قوله تعالى: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾(١) نحو عشرة أقوال، وتفسيرها باليهود والنصارى هو الوارد عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وجميع الصحابة والتابعين وأتباعهم! حتّى قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في ذلك اختلافاً بين المفسّرين!!))(٢).

وقد زاد الشوكاني في تفسيره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾(٣) الآية، فيما حكاه عن بعض المحقّقين: ((إنّ أقوال المختلفين في الروح بلغت إلى ثمانية عشر مائة قول))(٤).

٤ــ ولمّا كان ذكر المعلومة في كتابه على نهج اعتبره جديداً، فرتّب الأسماء على حروف المعجم ((طلباً للتسهيل، وقصداً للحفظ والتقريب، وذكر مع كلّ واحد آية تجنباً للتثقيل...))، وهو بهذا التعقيب قد أثقل كاهل القارئ بالتطويل المملّ، إذ لم يجد فيه أيّ فائدة جديدة سوى تكرار بعض الآيات تبعاً لبعض الأسماء ممّا لا داعي له، ولو أنّه جرى على نهج الآخرين في ذكر شأن النزول عند ذكر الآية في السورة حسب ورودها، لكان أجدر وضعاً، وأكثر نفعاً، وأحسن صنعاً. فهذا من جهة الترتيب والتبويب.

٥ــ ما ذكره من نزول بعض الآيات في بعض الأسماء خالف فيه المصادر المعنيّة من قبلُ ومن بعدُ، والتي ذكرت شأن النزول مسندة ذلك إلى رواة ترفع

١- سورة الفاتحة/٧.

٢- الإتقان٢: ١٩٠.

٣- سورة الإسراء/٨٥ .

٤- فتح القدير ٣/٢٥٤.

٣١
موسوعة عبدالله بن عباس ج ١٢ » السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان » (ص ٣١ - ص ٦٠)

عن صاحبها إصر المؤاخذة، ويبقى من حقّ أيّ إنسان النظر في القبول والردّ حسب الموازين المقبولة. لا تؤخذ بنحو الفرض، ولا تردّ بنحو الاعتباط، والوسطية في البحث مطلوبة (إن كنتَ مدعّياً فالدليل، وإن كنت راوياً فالصحّة).

٦ــ ولمّا كانت الملاحظات تترى بلا علاج، فالإغماض عنها بالمرّة غير مستساغ ممّن عني بجمع أخبار ابن عبّاس رضي الله عنه وتتبّع آثاره، لذلك رأيتُ الأوْلى أن أعرض أوّلاً الكتاب كما أوقره مؤلّفه بما عنده من طِم ورِمّ(١)، على ما في نسخته المخطوطة (أ) والمصورة (ب) التي عندي بعد تصحيح الأغلاط الإملائية، وإكمال الآيات التي لم يذكرها بتمامها، ثمّ التعقيب على موارد الخلاف فيه، حسب ورود الأبواب التي ذكرها وذكر موارد الاتّفاق، مع إضافة بعض التراجم لمن رأيته قد جانب فيها الصواب، في جانبي السلب والإيجاب، نحو ما ذكره في أبي طالب عليه السلام في أنّه مات كافراً (؟) وهذا من أفظع سلبياته كما سيأتي الرد عليه.

وأمّا ما ذكره من دفاع مستهتر عن المنافقين كأبي سفيان وأضرابه حتّى لقد اعتاد عبارة (ثمّ أسلم ومات مسلما) فمنحها لمن لا يساوي شروى نقير من أصحاب العير والنفير.

وسأذكر بعض ما قاله أئمته من أهل التسنن في تقويمهم، وجعلت هذه التعليقات في آخر الكتاب، لئلا أرهق القارئ عُسراً في تمزيق المتن بكثرة الهوامش.

والله ولي التوفيق، فهو نعم الرفيق والهادي إلى سواء الطريق.

١- جاء بالطِم والرِم، أي: جاء بالمال الكثير (صحاح: رمّ، طم)، وبالرطب واليابس (المنجد).

٣٢

٣٣

كتاب الأسامي في من نزل فيهم القرآن الحكيم

برواية

ابن عبّاس (؟)

لأبي عبد الرحمن أحمد بن عبد الله الحيري الضرير المتوفى بعد (٤٣٠هـ)

٣٤

٣٥

هذا كتاب الأسامي

ربّ تمّم ويسّر وسهّل بفضلك يا كريم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ

(وبه نستعين)(١)

هذا كتاب فيه أسامي من نزل فيهم القرآن(٢) (الحكيم)

تصنيف الشيخ الإمام أبي عثمان إسماعيل بن أحمد

الضرير الحيري المفسّر رحمة الله عليه

(في كتاب طيفور بن منصور)

١- كلّ ما يجده القارئ بين القوسين فهو من نسخة (ب) وكذلك ما سيأتي إلى آخر الكتاب، ولم أشأ أن أثقل على القارئ بتكرار ذلك في كلّ صفحة.

٢- ذكر الداوودي في طبقات المفسّرين في ترجمة محمّد بن السائب الكلبي أنّ له تفسيراً مشهوراً (تفسير الآي الذي نزل في أقوام بأعيانهم).

٣٦

الحمد لله الأوّل (الواحد) القديم، الواحد الحكيم، الملك الحليم، (الرحيم) السيّد الكريم، (العزيز العليم)، الذي هو سابق كلّ موجود، وآخر كلّ مخلوق، ولا يتناهى وجوده، ولا ينقطع ثبوته، لا يتغيّر عن حال، ولا يتبدّل بحال، موصوف بالوحدانية، معروف بالربوبية، مذكور بالإلهية، له الثناء والقدم، وإليه الآلاء والنعم، ومنه المواهب والقِسم، لا يفتخر مستحقّ دونه، ولا يتكامل في العزّ غيره، ولا يتأتى في العالم مثله، سبحانه هو (الله) الواحد القهار، الملك الجبار، العزيز الغفّار.

والصلاة والسلام على نبيّه محمّد الهاشمي (المكّي القرشي) العربي الأبطحي الحرمي الحجازي المدني (الأُمّي)، وسلّم كثيراً كثيراً.

أمّا بعد، فإنّ الله تبارك وتعالى أنعم على عباده، وبالغ في إنعامه، حتّى لو أرادوا إحصاء نعمه (ما أمكنهم ذلك، فكيف لو اجتمع جميع الخلائق على إحصاء نعمه) على عبد واحد لفني أعمارهم، ووقفوا على آجالهم، ولقوا الحمام وما بلغوا معشار ما أرادوا.

والنعمة نعمتان: نعمة الدين ونعمة الدنيا، وأجلّها نعمة الدين، وهي بحيث لا يتأتى عددها كما وصفنا، وأفضل نعمة الدين، (وأصل نعمة الدين) العلوم، وأوجب العلوم علم التوحيد، بأن يعلم أنّ الله واحد لا شريك له، ولا وزير له، ولا ندّ له ولا ضدّ له، ولا مثيل له ولا شبيه، إذ المتشابه يوجب التماثل، وليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، حيّ بلا فناء، باقٍ بلا نهاية (انتهاء)، مليك بلا زوال، سميع بلا (آلة) سمع، بصير بلا حدقة، عليم بلا تعليم، قدير بلا عجز، أزلي أبدي سرمدي، لا يُسئل عمّا يفعل وهم يُسئلون، ولا بقدر كما يقدرون وهم مخلوقون، يجري أمره في سلطانه، لا

٣٧

يمنعه شيء، ولا يجبره مجبر، ولا يسوؤه مسيء، ليس إلاّ كما قال:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ _ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(١).

وتمام هذا العلم بأن تعلم أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم صادق في أقواله، مصيب في أفعاله كما قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى _ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى _ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى _ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾(٢)،

وتعلم صدق نبيّنا محمّد صلي الله عليه وآله وسلم بالدلائل القاطعة، والشواهد الظاهرة (الباهرة)، وأجل دلايله الذكر الحكيم، وهو القرآن (المجيد)، إذ لم يأت أحد بشيء في نظمه، ولا في بلاغته، كما أتى به رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ، حتّى عجز البلغاء عن مقابلته، والفصحاء عن الإتيان بمثله، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ ممّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ _ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾(٣).

وكما أنّ هذا الكتاب أشرف الكتب، فكذلك علمه أجلّ العلوم، وعلوم القرآن كثيرة، ولكن أحقّها على قارئه تفسيره على ما جاء به الخبر

١- سورة آل عمران/٢٦ ــ ٢٧.

٢- سورة النجم/١ ــ ٤.

٣- سورة البقرة/٢٣ ــ ٣٤.

* وقد طبع محقّقاً بتحقيق نجف عرشي الهندي، حصل على درجة الدكتوراه من جامعة الزيتونة بتونس، وطبع الكتاب ثانية ١٤٣٢هـ في إيران (طبعته مؤسسة الطبع والنشر التابعة للأستانة الرضوية المقدّسة) باسم (وجوه القرآن).

٣٨

عن السلف، ولا يبلغ إلى ذلك من أراد إلاّ بعد المعرفة بالتنزيل، معرفة من نزل فيه، وكثر القائلون بالتفسير، وأولاهم بالذكر (عبد الله بن عبّاس) رضي الله عنه، لأنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال فيه: (اللّهمّ علّمه التأويل).

فلمّا كان الأمر على هذا السبيل دعاني إلى جمع هذا النوع من التنزيل، فاختصرت (فاقتصرت/ظ) على قول ابن عبّاس رضي الله عنه، إذ هو ترجمان التفسير، مع ما سبقني إليه غير واحد من أهل التفسير، إلاّ أنّي جمعت فيه بترتيب غير ما ذهبوا إليه، غير أنّ لهم فضل القديم، ورتّبت هذا الكتاب على حروف المعجم طلباً للتسهيل، وقصداً إلى الحفظ والتقريب، وذكرت مع كلّ واحد منهم آية تجنباً للتثقيل، وعقب الكتاب بذكر الآيات التي نزلت في الجماعة، وبذكر القبائل التي نزلت فيها الآيات الكثيرة وسمّيته: (كتاب الأسامي التي نزل فيه القرآن الحكيم) (أسامي الذين نزل فيهم القرآن الحكيم).

وهو التصنيف الخامس عشر، ممّا جمعت أنا مستعيناً بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل.

فأوّلها: عنوان التفسير، و(الثاني): تذكرة الوقوف، و(الثالث): مقلة الواعظين، و(والرابع): كتاب التنزيل، و(الخامس): كتاب معاني أسماء الله تعالى، و(السادس): كتاب الوجوه*، و(السابع): كتاب الفروق في شواذ الحروف، و(الثامن): تاريخ المؤرخ، و(التاسع): كتاب الفريضة والسُنّة،

٣٩

و(العاشر): علل عدد الآي، و(الحادي عشر): تفصيل مذهب القرّاء في عدد الآي، و(الثاني عشر): علل القراءة (القراءات/ظ) السبع، و(الثالث عشر): علل قراءة أبي عمرو، و(الرابع عشر): علل قراءة عاصم، و(الخامس عشر): هذا الكتاب. وعزمي ــ أي في قصدي ــ أن أجمع كتاباً في التنزيل أكمل من هذا، والله المستعان، وعليه التكلان، وبالله التوفيق.

باب الألف

١ــ الأوّل ذكراً أبو بكر الصدّيق، واسمه: عبد الله، وقيل: اسمه عتيق بن عثمان بن عامر. واسم أُمّه: سلمى، وكنيتها: أُمّ الخير، بنت صخر بن عامر، وقالت عائشة: توفّي أبوها (أبو بكر) بالمدينة ليلة الثلاثاء (لثمان ليال بقين) من جمادى الأُولى سنة ثلاث عشرة، وهو يومئذ ابن ثلاث وستّين سنة، وافق عمره (عُمر) النبي ّصلي الله عليه وآله وسلم، ووافق اسمه اسم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، لأنّ الله تعالى سمّى نبيّه عبد الله في قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾(١).

وهو الذي نزل فيه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾(٢)، وقال: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾(٣)، وقال: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ﴾(٤)، وقال: (ومن

١- سورة الجنّ/١٩. قال أبو جعفر الاسكافي في نقض العثمانية للجاحظ: فأين مقام الرئاسة العظمى لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وأين منزلة أبي بكر؟! ليسّوى بين المنزلتين، ويناسب بين الحالتين.

٢- سورة البقرة/٣ وبقية الآية: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ).

٣- سورة آل عمران/١٨٦. وبقية الآية: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ).

٤- سورة النساء/١٤٩، وبقية الآية: (أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً).

٤٠