×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة عبد الله بن عبّاس ـ ج 12 / الصفحات: ٥٠١ - ٥٢٠

وذكر ابن عبد البرّ في (الاستيعاب) في ترجمته، قال: ((كان عثمان بن مظعون أحد من حرّم الخمر في الجاهلية، وقال: لا أشرب شراباً يذهب عقلي، ويضحك بي من هو أدنى منّي، ويحملني على أنكح كريمتي، فلمّا حرّمت الخمر أتي وهو بالعوالي فقيل له: يا عثمان! قد حرّمت الخمر، قال: تباً لها، قد كان بصري فيها ثاقباً))(١).

أقول: ليت كان أخوه قدامة بن مظعون مثله، ولم يشربها حتّى بعد تحريمها، حتّى أقيم عليه الحد لشربه إيّاها؟! روى ذلك ابن عبد البرّ في (الاستيعاب) في ترجمته كما سيأتي بعد هذا.

١٩ـ قدامة بن مظعون.

قال المصنّف: ((قدامة بن مظعون، ويكنّى أبا عمرو (ومات سنة ستّ وثلاثين وهو ابن بضع وستّين سنة و) فيه نزل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ﴾(٢).

أخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصحّحه، والبيهقي في سننه من طريق عكرمة، عن ابن عبّاس: أنّ عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا نبيّ اللهّ كنّا في عزّ ونحن مشركون، فلمّا آمنا صرنا أذلّة، فقال: (أنّي أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم)، فلمّا حوّله الله إلى المدينة أمر الله بالقتال، فكفّوا، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى

١- الاستيعاب ٣/١٠٥٥.

٢- سورة النساء/٧٧.

٥٠١

الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ﴾(١))).

أقول: ولقد مرّ هذا في ترجمة عبد الرحمن بن عوف؛ فراجع. ولم أجد اسم قدامة فيما وقفت عليه من كتب التفاسير، وهذا ليس ببعيد عنه، فهو داخل في أصحاب ابن عوف! ومهما يكن (فهو خال عبد الله وحفصة ابني عمر بن الخطّاب، وكانت تحته صفية بنت الخطّاب أخت عمر بن الخطّاب، هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه: عثمان بن مظعون وعبد الله بن مظعون، ثمّ شهد بدراً وسائر المشاهد، واستعمله عمر بن الخطّاب على البحرين، ثمّ عزله وولّى عثمان بن أبي العاص).

قال ابن عبد البرّ: ((وكان سبب عزله ما رواه معمر عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة: أنّ عمر بن الخطّاب استعمل قدامة بن مظعون على البحرين ــ وهو خال عبد الله وحفصة ابني عمر بن الخطّاب ــ فقدم الجارود سيّد عبد القيس على عمر بن الخطّاب من البحرين، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّ قدامة شرب فسكر، وإنّي رأيت حدّاً من حدود الله حقّاً علَىَّ أن أرفعه إليك، فقال عمر: من يشهد معك؟ فقال: أبو هريرة، فدعى أبا هريرة، فقال: بم تشهد؟ فقال: لم أره يشرب، ولكنّي رأيته سكران يقيء، فقال عمر: لقد تنطعت في الشهادة، ثمّ كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله، فقال عمر: أخصيم أنت أم شهيد؟ فقال: شهيد، فقال: قد أديت شهادتك. قال: فصمت الجارود، ثمّ غدا على عمر، فقال: أقم على هذا حدّ الله، فقال عمر: ما أراك

١- الدرّ المنثور ٢/٥٥٤.

٥٠٢

إلاّ خصيماً، وما شهد معك إلاّ رجل، واحد فقال الجارود: إنّي أنشدك الله، قال عمر: لتمسكن لسانك أو لأسوءنك، فقال: يا عمر! أما والله ما ذلك بالحقّ، أن يشرب الخمر ابن عمّك وتسوءنى، فقال أبو هريرة: إن كنت تشكّ في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها ــ وهى امرأة قدامة ــ فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها، فأقامت الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة: إنّي حادّك. فقال: لو شربت كما يقولون ما كان لكم أن تحدوني. فقال عمر: لم؟ قال قدامة: قال الله عزّ وجلّ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ...﴾(١) الآية، قال عمر: أخطأت التأويل، إنّك إذا اتّقيت الله اجتنبت ما حرّم عليك، ثمّ أقبل عمر على الناس فقال: ماذا ترون في جلد قدامة؟ فقالوا: لا نرى أن تجلده ما كان مريضاً، فسكت على ذلك أياماً، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم على جلده، فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم: ما نرى أن تجلده ما كان وجعاً، فقال عمر رضي الله عنه: لأن يلقى الله وهو تحت السياط أحبّ إليَّ من أن ألقاه وهو في عنقي، ايتونى بسوط تام، فأمر عمر بقدامة فجلده، فغاضب عمر قدامة وهجره، فحجّ عمر رضي الله عنه وقدامة معه مغاضباً له، فلمّا قفلا من حجّهما ونزل عمر بالسقيا نام، فلمّا استيقظ من نومه، قال: عجّلوا عليَّ بقدامة، فوالله لقد أتاني آت في منامي، فقال: سالم قدامة فإنّه أخوك فعجّلوا عليَّ به، فلمّا أتوه أبى أن يأتي، فأمر به عمر إن أبى أن يجرّوه، فكلّمه عمر واستغفر له، فكان ذلك أوّل صلحهما)).

١- سورة المائدة/٩٣.

٥٠٣

وذكر ابن عبد البرّ: ((عن أيوب بن أبي تميمة، قال: لم يحدّ في الخمر أحد من أهل بدر إلاّ قدامة بن مظعون))(١).

٢٠ـ خبّاب بن الأرت.

قال المصنّف: ((خبّاب بن الأرت، ويكنّى أبا عبد الله، مات سنة سبعة وثلاثين بالكوفة، وصلّى عليه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان مولى لبني أنمار، وفيه نزل عدّة من الآيات، منها قوله تعالى: ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾(٢) الآية)).

أقول: كان خبّاب من السابقين إلى الإسلام، فقيل: هو سادس المسلمين، وقيل: هو مكمّل العشرين، وهو معدود من المعذّبين في الله، سـأله عمر في أيامه: ما لقيت من أهل مكّة؟ فقال: انظر إلى ظهري، فنظر فقال: ما رأيت كاليوم ظهر رجل مثله(٣).

وأخرج البخاري في التفسير، باب ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾(٤)، ومسلم في صحيحه في المنافقين(٥)، سؤال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن الروح، والترمذي في تفسير سورة مريم، والواحدي في (أسباب النزول)(٦)، ولفظه بسنده عن خبّاب، قال: كنت رجلاً قيناً، وكان لي على

١- الاستيعاب ٣/١٢٧٩.

٢- سورة البقرة/٢١٢.

٣- أخرجه ابن سعد في الطبقات ٣/١٦٥، وابن ماجة في المقدّمة باب فضائل خبّاب.

٤- سورة مريم/٧٧.

٥- صحيح مسلم باب/٤.

٦- أسباب النزول: ٢٢٨.

٥٠٤

العاصي بن وائل دين، فأتبعته أتقاضاه، فقال: لا أقضيك حتّى تكفر بمحمّد صلي الله عليه وآله وسلم، فقلت: لا أكفر حتّى تموت وتبعث، فقال: وإنّي لمبعوث بعد الموت فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مالي، قال: فنزلت فيه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾.

وأنزل الله تعالى فيه وفي صهيب، وبلال، وعمّار، وسلمان، وابن مسعود، قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾(١)، إلى قوله تعالى: ﴿فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾(٢).

روى هذا الواحدي في (أسباب النزول)(٣).

وشهد خبّاب مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مشاهده كلّها، وشهد مع الإمام عليه السلام الجمل، وقيل: صفين والنهروان، ومات بالكوفة سنة سبع وثلاثين، وهو أوّل من قبره عليّ بالكوفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأوّل من صلّى عليه بعد مرجع أمير المؤمنين عليه السلام من صفين، فكان أوّل مدفون دفن بالظهر ــ ظهر الكوفة ــ النجف ــ فدفن الناس موتاهم بالظهر(٤).

١- سورة الأنعام/٥٢.

٢- سورة الأنعام/٥٣.

٣- أسباب النزول: ١٦٢ ــ ١٦٣.

٤- ذكره الحاكم في المستدرك ٣/٣٨٢.

٥٠٥

﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾(١)

أصحاب هذه الآية هم الذين وعدنا القارئ بذكرهم في أوّل القراءة النقدية لكتاب (الأسامي) فيمن نزل فيهم القرآن. ونسب المصنّف في أوّل كتابه رواية شأن النزول عن ابن عبّاس، وما ذكره فيه كذب وافتراء.

والآن نحن نتّبع ابن عبّاس في تفسيره لهذه الآية المباركة، نقلاً عن (تفسير الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور)، قال: ((أخرج ابن المنذر، في قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾(٢)، قال: هذا حين تزايلت بهم المنازل، هم أصحاب اليمين وأصحاب الشمال والسابقون))(٣).

وأصحاب الشمال هم المنافقون وكثير من المؤلّفة قلوبهم ومَن لعنهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وهم ينتمون إلى صحابته، وهو صلي الله عليه وآله وسلم بريء منهم، كما في أخبار الحوض التي رواها البخاري في عشرة مواضع، ورواها مسلم في سبعة مواضع، ورواها أحمد في مسنده في مسند ابن عبّاس بطرق متعدّدة عنه.

في جملة منها، نقرأ قوله صلي الله عليه وآله وسلم: (ليذادّن أناس من أصحابي عن الحوض كما تذاد الغريبة من الإبل، أناديهم هلّم، فيقال: إنّهم بدّلوا بعدك، فأقول سحقاً سحقاً).

١- سورة الواقعة/٩.

٢- سورة الواقعة/٧.

٣- الدرّ المنثور ٨/٧.

٥٠٦

وفي لفظ آخر، عن أحمد: (فأقول: (بُعداً بُعداً).

وفي ثالث: عن عمر، عنه صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّي ممسك بحجزكم هلّموا من النار، وتغلبوني تقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، وأوشك أن أرسل حجزكم، وأنا فرط لكم على الحوض وتردون عليَّ معاً وأشتاتاً)(١).

وروى أحمد، والبخاري، ومسلم، وغيرهم، عن ابن عبّاس مرفوعاً: (... ألا ويجاء برجال من أُمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾(٢)).

إذاً فلا يستفزّن القارئ ما يجده من أسماء ضمن أصحاب المشأمة، ويحسبهم فيما عنده من موروث مقدّس موهوم عن الصحابة بأنّهم كلّهم عدول (؟) كيف وقد نزلت سورة كاملة باسمهم (سورة المنافقون)!

أخرج ابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي في (الدلائل)، عن ابن عبّاس، قال: نزلت سورة المنافقون بالمدينة. وعن ابن الزبير كذلك(٣).

وأخرج سعيد بن منصور، والطبراني في (الأوسط) بسند حسن عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في صلاة الجمعة [بالجمعة] فيحرّض بها المؤمنين، وفي الثانية سورة المنافقين، فيقرع بها المنافقين(٤). فإنّ الله

١- مسند أحمد ١/٤٥٤ و٤٠٨، ط الأُولى بمصر و٥/٤٨.

٢- سورة المائدة/١١٧.

٣- الدرّ المنثور ٨/١٦٠.

٤- المصدر نفسه.

٥٠٧

تعالى يقول: ﴿لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾(١).

وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، عن ابن عبّاس: إنّ صدر سورة البقرة إلى المائة منها في رجال سمّاهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبار اليهود، ومن المنافقين من الأوس والخزرج(٢).

وكان جماعة من الصحابة من غير أولئك، وفيهم من البدريين، كلّهم يخاف من النفاق على نفسه!

أخرج ابن الأثير في (جامع الأصول)(٣)، عن البخاري، وهو في كتاب الإيمان(٤)، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر: قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كلّهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول أنّه كان على إيمان جبريل وميكائيل.

وأخرج أحمد في مسنده(٥)، والهيثمي في (مجمع الزوائد)(٦)، نقلاً عن الطبراني في (الكبير): عن أبي مسعود، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبة فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: (إنّ فيكم منافقين، فمن سمّيت فليقم، ثمّ قال: قم يا فلان، قم يافلان، قم يافلان، حتّى سمّى ستّة وثلاثين رجلاً، ثمّ

١- سورة الممتحنة/١٣.

٢- الدرّ المنثور ١/٦٨.

٣- جامع الأصول ١٢/٢٠١.

٤- صحيح البخاري ١/١٤.

٥- مسند أحمد ٥/٢٧٣.

٦- مجمع الزوائد ١/١١٢.

٥٠٨

قال: إنّ فيكم، أو منكم، فاتقوا الله.

وأخرج مسلم في صحيحه(١)، بإسناده: ((عن أبي بكر بن شيبة، عن أسود بن عامر، عن شعبة بن الحجاج، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس، قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر عليّ، أرأياً رأيتموه؟ أو شيئاً عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً لم يعهده إلى الناس كافّة، ولكن حذيفة أخبرني عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : في أصحابي اثنا عشر منافقاً، فمنهم ثمانية لا يدخلون الجنّة حتّى يلج الجمل في سمّ الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة ــ سيأتي تفسيرها ــ وأربع لم أحفظ ما قال شعبة فيهم.

من قال هذا؟ هل هو الراوي عن شعبة، وهو أسود بن عامر! وما يدرينا صحّة نقل الرجل، فقد كان سيء الحفظ؟

أو هو الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة، أراد الستر على الأربعة، فلم يذكر ما قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيهم؟

أو لا هذا ولا ذاك، بل هو الإمام مسلم بن الحجّاج صاحب الصحيح الذي كان يحفظ ما يبلغ الآلاف؟ وهو أقرب إلى الواقع، لأنّه أعاد رواية الحديث تلو ما تقدّم، وبسند آخر، وفيه تفسير الدبيلة (بأنّها سراج من النار يظهر في أكتافهم حتّى ينجم من صدورهم)، ثمّ لم يذكر ما قال في الأربعة، فمن هو الذي لم يحفظ تمام الرواية؟

١- صحيح مسلم ٨/١٢٢.

٥٠٩

(من هم المنافقون والمؤلّفة قلوبهم ومن لعنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند المصنّف؟)

لقد ذكر المصنّف في كتابه الآيات التي نزلت في جماعات، ذكرهم في كتابه (الأسامي) ولم يصفهم بالنفاق، وذكر ثلاثة وعشرين آية زعم نزولها في أناس بأعيانهم، مع أنّها ليست كذلك في شأن النزول!

ومهما كان حاله، فإنّا نذكر منها ما يخصّ المنافقين والذين في قلوبهم مرض، لأنّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾(١).

نحو قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾(٢).

قال المصنّف: ((نزل في أبي سفيان بن حرب، وحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل)).

ونحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾(٣).

قال: ((نزل في المستهزئين، وهم: الأسود بن عبد يغوث الزهري، والوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والحارث بن قيس بن حنظلة، والأسود بن المطلب)).

ونحو قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾(٤).

١- سورة النساء/١٤٠.

٢- سورة التوبة/١٢.

٣- سورة الحجر/٩٥.

٤- سورة الشعراء/٢٢٤.

٥١٠

قال: ((نزل في عبد الله بن الزبعرى، وأبي سفيان بن حرب، وفي المنافقين، وفي عمر بن عبد الله بن أبي غرة، وهبيرة بن أبي وهب)).

ونحو قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾(١).

قال: ((نزل في عياض بن شدّاد الفهري، وكان تحته أُمّ حكيم بنت أبي سفيان، وفي عمر بن الخطّاب، وكان تحته هند بنت عبد العزى، وفي شماس بن عثمان المخزومي، وكان تحته بروع بنت واشق)).

ومع وضوح شأن أصحاب الأسماء فلم يصفهم بالنفاق!

وقد ذكر بعد هذا أسماء القبائل التي نزلت فيهم آيات من الذكر الحكيم مرتّبة على الحروف الهجائية، فذكر سبعاً وأربعين، بينها ثلاث ليست أسماء قبائل، بل هي نسب بلدانية، مثل (أهل مكّة)، (أهل المدينة)، (نصارى نجران).

ومع الإغماض عن مناقشة ما ذكره من شأن النزول، فإنّه أغمض عينيه عن ذكر الآية التي نزلت في بني أُميّة، فقد ذكر برقم (٤)، فقال: ((بنو أُميّة فيهم نزل)) ــ ولم يذكر الآية ــ واحتمال إدانة الناسخ بعدم ذكرها، ضعيف جدّاً، لأنّا وجدناه لم يصدر منه في غير هذا الموضع ما يدعو إلى الريبة فيه، لكن المصنّف أقرب إلى الإدانة لعدم الأمانة، كما مرّت الشواهد في مناقشته، حيث نسب إلى ابن عبّاس ما لم يقله، وفي المقام هو كذلك، فإنّ قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾(٢)، هي الآية التي لم يذكرها، وهي في شأن نزولها فيهم أعلا منها ذكراً.

١- سورة الممتحنة/١٠.

٢- سورة الإسراء/٦٠.

٥١١
موسوعة عبدالله بن عباس ج ١٢ » السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان » (ص ٥١١ - ص ٥٤٠)

وحسب القارئ دلالته على مصادرها، وأسماء القائلين بنزولها فيهم، وهم:

١ــ أُمّ المؤمنين عائشة، قالت لمروان: سمعت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول لأبيك وجدّك: (إنّكم الشجرة الملعونة في القرآن)، وهذا رواه الحافظ ابن مردويه، وحكاه عنه السيوطي في (الدرّ المنثور)(١).

٢ــ ابن عمر، قال: إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: (رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنّهم القردة)، فأنزل الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾، يعني: الحكم وولده.

٣ــ سعيد بن المسيّب، قال: رأى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قوماً على منابر، فشقّ ذلك عليه، وفيه نزل: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾، ذكره ابن الجوزي في (زاد المسير) نقلاً عن ابن الأنباري(٢).

إلى غير هؤلاء؛ وفي (روح المعاني) للآلوسي، ذكر أقوال سهل بن سعد ويعلى بن مرّة، مضافاً إلى من تقدّم، وقال: ((وفي عبارة بعض المفسّرين: هي بنو أُميّة... وكان هذا بالنسبة إلى خلفائهم الذين فعلوا ما فعلوا، وعدلوا عن سنن الحقّ وما عدلوا... في بني أُميّة))(٣).

أقول: وهذا يكفي في الدلالة على نُصب المصنّف لإعراضه عن ذكر الآية في بني أُميّة مع ورودها فيهم عن: عائشة، وابن عمر، وسهل بن سعد، وسعيد بن المسيّب، ويعلى بن مرّة. وسيأتي مزيد من البيان في ذكر أبي سفيان.

١- الدرّ المنثور ٥/٣١٢.

٢- زاد المسير ٥/٥٤.

٣- روح المعاني ١/٩٩ ــ ١٠٠، ط الأستانة.

٥١٢

(أصحاب المشأمة)

١ـ عبد الله بن أبيّ.

ذكره المصنّف في باب (العين) برقم (١٠)، وقال: ((رأس المنافقين، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾(١))).

ولم أقف على من ذكر نزول هذه الآية في ابن أبيّ! بل الآية التي نزلت فيه وفي أصحابه فيما أخرجه الواحدي والثعلبي بسنده: ((عن ابن عبّاس، قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ _ اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾(٢) في عبد الله بن أبيّ وأصحابه...))(٣).

كما أنّ سورة المنافقون نزلت أوائل آياتها إلى ثمان آيات فيه، ذكر هذا في جملة من مصادر الحديث والتفسير، فقد أخرج ابن سعد، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، عن زيد بن أرقم، قال: خرجنا مع رسول

١- سورة البقرة/٨.

٢- سورة البقرة/١٤ ــ ١٥.

٣- أسباب النزول ١/٧١.

٥١٣

الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فأصاب الناس شدّة، فقال عبد الله بن أُبيّ لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى ينفضّوا من حوله، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، فأتيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبيّ فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل، فقالوا: كذب زيدٌ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فوقع في نفسي ممّا قالوا شدّة حتّى أنزل الله تصديقي في: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ﴾(١)، فدعاهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ليستغفر لهم فلوّوا رؤسهم، وهو قوله: ﴿خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾(٢)، قال: كانوا رجالاً أجمل شيء(٣).

وكان لهذا المنافق ولداً اسمه الحبّاب، وسمّاه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله من المؤمنين الصالحين، وقد أراد قتل أبيه لأنّه يؤذي الله ورسوله صلي الله عليه وآله وسلم، واستأذن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرّات، فلم يأذن له، فقال: يا رسول الله! فذرني حتّى أسقيه من وضوئك لعلّ قلبه يلين، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعطاه فذهب به إلى أبيه فسقاه، ثمّ قال له: هل تدري ما سقيتك؟ قال له والده: سقيتني بول أُمّك، فقال له ابنه: لا والله، ولكنّي سقيتك وضوء

١- سورة المنافقون/١.

٢- سورة المنافقون/٤.

٣- الدرّ المنثور ٨/١٦٠ ــ ١٦١ وفي الهامش جملة من المصادر، كما يلي:

(مسند أحمد) كتاب أوّل مسند الكوفيين باب حديث زيد بن أرقم، رقم ٢٧٨٢٤.

(صحيح البخاري) كتاب تفسير القرآن باب (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ)، رقم ٤٦٢٠.

(صحيح مسلم) كتاب صفات المنافقين وأحكامه باب... رقم ٢٧٧٢.

(سنن الترمذي) كتاب تفسير القرآن عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم باب ومن سورة المنافقين رقم ٣٣١٤.

(السنن الكبرى للنسائي) ٦/٤٩٢ رقم ١١٥٩٨.

٥١٤

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(١).

أقول: فهذا الذي كان رأس المنافقين، وعظيم الشأن، كان له مقام يقومه كلّ جمعة لا يتركه شرفاً له في نفسه وفي قومه، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة يخطب، قام فقال: أيّها الناس هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهركم أكرمكم الله به، وأعزّكم به فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا، ثمّ يجلس، فلمّا قدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من أحد، وصنع المنافق ما صنع في أحد، فقام يفعل كما كان يفعل، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا: اجلس يا عدوّ الله، لست لهذا المقام بأهل، قد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطّى رقاب الناس، وهو يقول: والله لكأنّي قلت هجراً أن قمت أسدّد أمره، فقال له رجل: ويحك ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال المنافق: والله لا أبغي أن يستغفر لي(٢).

وفي ولده حبّاب ــ عبد الله، يحسن فيه قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾(٣)، وقد سأل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلّي على أبيه، ولمّا مات الأب صلّى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عليه قبل أن ينهى عن ذلك بنزول قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾(٤). وسأله قميصه يكفّن فيه لعلّه يخفّف عنه، ففعل(٥).

١- الدرّ المنثور ١/١٦٤.

٢- المصدر نفسه.

٣- سورة الأنعام/٩٥.

٤- سورة التوبة/٨٤.

٥- الاستيعاب ٢/٩٤١.

٥١٥

٢ـ أبو سفيان بن حرب.

قال المصنّف: ((﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾(١))).

وهذا من الأكاذيب الموضوعة على لسان ابن عبّاس! وما ورد عنه في تفسير الآية، كما أخرجه ابن جرير في تفسيره، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عبّاس رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، قال: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدّوهم، ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾(٢).

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عبّاس رضي الله عنه في قوله: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، قال: إلقه بالسلام، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾(٣).

فأين هذا ممّا ذكره المصنّف، وزعمه نزول الآية في أبي سفيان؟! إنّه لبهتان عظيم، إذ لم يتغيّر حال أبي سفيان حتّى بعد أن أظهر كلمة الإسلام ليحقن بها دمه.

فقد روى ابن عبد ربّه في (العقد الفريد) عن القحذمي: ((قال: ضرب عمر رجلاً بالدّرة، فنادى: يا لقصيّ! فقال أبو سفيان: يا بن أخي، لو قبل

١- المؤمنون/٩٦.

٢- الدرّ المنثور ٧/٢٨٢.

٣- المصدر نفسه.

٥١٦

اليوم تنادي قصيّاً لأتتك منها الغطاريف، فقال له عمر: أسكت لا أباً لك، فقال أبو سفيان: ها، ووضع سبّابته على فيه))(١).

ولولا الخوف من درّة عمر لبدا منه باطن كفره، لكنّه خاف عمر، فقال: ها، ووضع سبابته على فيه من خوفه؛ وإلاّ فهو منافق، بل هو زنديق.

فقد بقي على زندقته، كما قال الدكتور علي سامي النشّار: ((ثمّ ظهر غنوصي عنيف، اعتنق الزندقة ــ أي: الإيمان بالاثنين ــ على صورة عنيفة، وهذا الغنوصي هو أبو سفيان بن حرب، ولم يتنبه الباحثون إلى سبب عداوته الكبرى وضغنه المرير على الإسلام، سواء في جاهليته، أو بعد أن أرغم على اعتناق الإسلام غداة فتح مكّة، أمّا السبب في هذا: فهو أنّه كان في الجاهلية زنديقاً.

وقال: وكان من أخطر الزنادقة أبو سفيان الأموي، وعدو الإسلام العتيد(٢)..

ونحن نراه يشهد حنينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (وكانت الأزلام معه يستقسم بها)، وكان كهفاً للمنافقين، وكان يتشفى بالمسلمين إذا كشفوا بعض الكشف يوم اليرموك، فلم يؤمن حتّى بعروبته. ويظهر أبو سفيان عقيدته المتزندقة حين دخل على عثمان بن عفّان رضي الله عنه وقد صارت إليه الخلافة، فقال: ((لقد صارت إليك بعد تيم وعدي، فأدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أُميّة، فإنّما هو الملك، ولا أدري ما جنّة ولا نار(٣)..

١- العقد الفريد ١/٥٨.

٢- نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ١/٢٢٩، ط السابعة دار المعارف ١٩٧٧م.

٣- المصدر نفسه ٢/٦٦.

٥١٧

وقد طرده عثمان ونهره(١)، ولكن (عثمان) ما لبث أن وقع في أحابيل

١- لأنّه كان في المجلس من يحتشم، وقد قيل أنّه عليّ، ومهما كان شأن الحاضرين فإنّ عثمان كان لأبي سفيان وآله مطية طيّعة فقد عوضه عمّا اختانه من أموال المسلمين، فأخذه منه عمر ابن الخطّاب وطرحه في بيت المال، ومن يقرأ تاريخه أيام عمر يعجب من إذلاله له، كما ذكر ابن عبد ربّه في العقد الفريد ١/٥٧ ــ ٥٨.

فقد روى من حديث زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: بعث معاوية إلى عمر بن الخطّاب وهو على الشام بمال وأدهم ــ قيد حديد ــ وكتب إلى أبيه أبي سفيان أن يدفع ذلك إلى عمر، وكتب إلى عمر يقول: إنّي وجدت في حصون الروم جماعة من أسارى المسلمين مقيدين بقيود حديد أنفذت منها هذا ليراه أمير المؤمنين...

فخرج الرسول حتّى قدم على أبي سفيان بالمال والأدهم، فذهب أبو سفيان بالكتاب والأدهم واحتبس المال لنفسه. فلمّا قرأ عمر الكتاب، قال له: فأين المال يا أبا سفيان؟

قال: كان علينا دين ومعونة، ولنا في بيت المال حقّ، فإذا أخرجت لنا شيئاً فأحصصنا به.

قال عمر: إطرحوه في الأدهم حتّى يأتي بالمال، فأرسل أبو سفيان من أتاه بالمال، فأمر عمر بإطلاقه من الأدهم، فلمّا قدم الرسول على معاوية، قال له: رأيت أمير المؤمنين أعجب بالأدهم؟

قال: نعم وطرح فيه أباك، قال: ولم؟ قال: جاء بالأدهم وحبس المال.

قال: أي والله والخطابُ لو كان لطرحه فيه ــ

ــ وروى أيضاً، قال: وزار أبو سفيان معاوية بالشام، فلمّا رجع من عنده دخل على عمر، فقال: أجزنا أبا سفيان، قال: ما أصبنا شيئاً فنجيزك منه، فأخذ عمر خاتمه منه فبعث به إلى هند، وقال للرسول: قل لها يقول لك أبو سفيان انظري الخرجين اللذين جئتُ بهما فأحضريهما، فما لبث عمر أن أتي بخرجين فيهما عشرة الآف درهم، فطرحهما في بيت المال.

فلمّا ولّي عثمان ردّها عليه، فقال أبو سفيان: ما كنت آخذ مالاً عابه عليَّ عمر (؟)

ولقد جرت حالة مماثلة من عمر مع عتبة بن أبي سفيان (راجع العقد الفريد ١/٥٨) دلّت على أنّه كان يعرف أبا سفيان وولده بالخيانة، ويبقى العجب كيف تمكن معاوية من استحواذه على مشاعره حتّى بقي في الشام والياً من قبله حتّى قتل؟ ولعلّها سياسة الشعرة التي ساس بها الناس أرخاها لعمر فلم تنقطع.

ومهما يكن فيبقى هو ابن آكلة الأكباد، وابن أبي سفيان أخطر الزنادقة ورأس الأحزاب وأخو عتبة، وممّن قد لعنهم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم جميعاً بقوله: (لعن الله الراكب والقائد والسائق).

وفي نظري مهما بلغ معاوية من الدهاء فلم يستطع رفع أبيه عمّا هو فيه من الهوان حتّى دون رأس المنافقين عبد الله بن أبيّ بن أبي سلول الذي مرّت ترجمته، وقد استغفر له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وصلّى عليه وذلك قبل أن ينهى عن ذلك، وأعطى قميصه فكفّن فيه، يا لخزاية بني أُميّة.

لاحظ كتاب (الإصابة) لابن حجر في ترجمة صخر بن حرب ــ أبي سفيان ــ لترى تفاني ابن حجر في ولائه الأموي، حتّى أنّه قال: وروى البغوي بإسناد صحيح، عن أنس: أنّ أبا سفيان دخل على عثمان بعدما عمي وغلامُه يقوده (؟) ثمّ ماذا جرى لقد عمي ابن حجر كأبي سفيان عن ذكر تتمة ما قاله أبو سفيان لعثمان، وهذا ذكره غير واحد من المؤرخين فاقرأ المقريزي في (النزاع والتخاصم: ٣١) تجد الخبر كما مرّ في المتن، وأقرأ في (مروج الذهب للمسعودي ٣/٣٤٢) قول عمّار لما بلغه قول أبي سفيان في دار عثمان، فقام في المسجد، فقال: يا معشر قريش! أما إذا صدفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم ههنا مرّة وههنا مرّة، فما أنا بآمن من أن ينزعه الله فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله، ولاحظ (الفائق) للزمخشري، و(لسان العرب) لابن منظور في مادّة (زقف): أن أبا سفيان قال لبني أُميّة: تزقفوها تزقف الكرة ــ يعني الخلافة ــ .

٥١٨

هذه الأسرة المتزندقة، وحين تولّت هذه الأسرة الأموية الحكم أظهرت نفثاتها المسمومة على الإسلام كدين في أكثر الأحايين(١).

وقال ابن حجر في (الإصابة): ((وروى يعقوب أيضاً من طريق ابن إسحاق، عن وهب بن كيسان، عن ابن الزبير، قال: كنت مع أبي عام اليرموك، فلمّا تعبّأ المسلمون للقتال لبس الزبير لامته، ثمّ جلس على فرسه، وتركني؛ فنظرتُ إلى ناس وقوف على تلّ يقاتلون مع الناس، فأخذت تُرساً، ثمّ ذهبت فكنت معهم، فإذا أبو سفيان في مشيخةٍ من قريش، فجعلوا إذا مال المسلمون يقولون: إيه يا بني الأصفر، وإذا مالت الروم قالوا: يا ويح بني الأصفر...

١- نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ١/١٩٨، ط السابعة.

٥١٩

وروى ابن سعد من طريق أبي السفر، قال: لمّا رأى أبو سفيان الناس يطئون عقب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حسده، فقال: في نفسه: لو عاودتُ الجمع لهذا الرجل. فضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في صدره، ثمّ قال: (إذاً يخزيك الله). فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، والله ما تفوَّهتُ به، ما هو إلاّ شيء حدّثت به نفسي.

ومن طريق أبي إسحاق السَّبيعي نحوه. وقال: ما أيقنت إنّك رسول الله حتّى الساعة.

ومن طريق عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال: قال أبو سفيان في نفسه: ما أدري بمَ يغلبنا محمّد! فضرب في ظهره وقال: (بالله يغلبك). فقال: أشهد أنّك رسول الله))(١).

ولقد جاء في (قصص الأنبياء) للراوندي بالإسناد إلى الصدوق، بإسناده إلى ابن عبّاس: ((قال: دخل أبو سفيان على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يوماً، فقال: يا رسول الله! أريد أن أسألك عن شيء؟

فقال صلي الله عليه وآله وسلم: إن شئت أخبرتك قبل أن تسألني؟

قال: افعل.

قال: أردت أن تسأل مبلغ عمري؟

فقال: نعم يا رسول الله.

فقال صلي الله عليه وآله وسلم: إنّي أعيش ثلاثاً وستّين سنة.

فقال: أشهد أنّك صادق.

١- الإصابة ٣/ ٣٣٣ ــ ٣٣٤.

٥٢٠