×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة عبد الله بن عبّاس ـ ج 12 / الصفحات: ٥٢١ - ٥٤٠

فقال صلي الله عليه وآله وسلم: بلسانك دون قلبك.

قال ابن عبّاس: والله ما كان إلاّ منافقاً.

قال: ولقد كنّا في محفل فيه أبو سفيان وقد كُفّ بصره، وفينا عليّ صلوات الله عليه، فأذن المؤذّن، فلمّا قال: أشهد أنّ محمّد رسول الله، قال أبو سفيان: أها هنا من يحتشم؟

قال واحد من القوم: لا.

فقال: لله درّ أخي بني هاشم، أنظروا أين وضع اسمه؟

فقال عليّ عليه السلام: أسخن الله عينك يا أبا سفيان، الله قد فعل ذلك بقوله عزّ من قائل: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾(١).

فقال أبو سفيان: أسخن الله من قال أن ليس ها هنا من يُحتشم))(٢).

٣ـ الوليد بن عقبة.

ذكره المصنّف في باب (الواو) وقال: ((فيه نزل قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ﴾(٣)، يعني بالمؤمنين: عليّ، وبالفاسق: الوليد بن عقبة)).

أقول: وهذا ممّا لا خلاف فيه بين المفسّرين وأهل الحديث.

قال ابن عبد البرّ في (الاستيعاب): ((ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل

١- سورة الشرح/٤.

٢- قصص الأنبياء: ٢٩٤، بتوسط البحار ٣١/٤٤٦.

٣- سورة السجدة/١٨.

٥٢١

القرآن فيما علمت أنّ قوله عزّ وجلّ: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾(١)، نزلت في الوليد بن عقبة، وذلك أنّه بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني المصطلق مصدّقاً، فأخبر عنهم أنّهم ارتدوا وأبوا أداء الصدقة، وذلك أنّهم خرجوا إليه فهابهم، ولم يعرف ما عندهم، فانصرف عنهم وأخبر بما ذكرنا...

وقال: ومن حديث الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب، والوليد بن عقبة، في قصّة ذكرها: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ﴾.

ثمّ ولاّه عثمان الكوفة وعزل عنها سعد بن أبي وقاص، فلمّا قدم الوليد على سعد، قال له سعد: والله ما أدري أكست بعدنا ــ أي صرت كيّساً ــ أم حمقنا بعدك؟ فقال: لا تجزعنّ أبا إسحاق، فإنّما هو الملك يتغداه قوم ويتعشاه آخرون، فقال سعد: أراكم والله ستجعلونها ملكاً.

وروى أيضاً: لمّا قدم أميراً على الكوفة، أتاه ابن مسعود، فقال له: ما جاء بك؟ قال: جئت أميراً، فقال ابن مسعود: ما أدري أصلحت بعدنا أم فسد الناس...

ثمّ قال ابن عبد البرّ: وله أخبار فيها نكارة وشناعة تقطع على سوء حاله وقبح أفعاله، غفر الله لنا وله (؟) فقد كان من رجال قريش ظرفاً وحلماً وشجاعة وأدباً، وكان من الشعراء المطبوعين، وكان الأصمعي وأبو عبيدة وابن الكلبي وغيرهم يقولون: كان الوليد بن عقبة فاسقاً شرّيب خمر، وكان شاعراً كريماً [تجاوز الله عنّا وعنه].

١- سورة الحجرات/٦.

٥٢٢

قال أبو عمر: أخباره في شرب الخمر ومنادمته أبا زبيد الطائي مشهورة كثيرة، يسمج بنا ذكرها هنا)). ثمّ ذكر بعضها(١).

أقول: العجب من ابن عبد البرّ أبي عمر أن يدعو بالمغفرة له والتجاوز عنه مع اعترافه بفسقه وشرب الخمر، ويقول: وأخباره في شرب الخمر ومنادمته أبا زبيد الطائي مشهورة كثيرة يسمج به ذكرها، ثمّ ذكر بعضها؟!! أفلا يسمج منه الدعاء بالمغفرة له والتجاوز عنه؟ وهو الذي ساق خبر صلاته بأهل الكوفة سكراناً صلاة الصبح أربع ركعات، ثمّ التفت إليهم فقال: أزيدكم؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما زلنا معك في زيادة، ثمّ ذكر شعر الحطيئة، ومنه قوله:

تكلّم في الصلاة وزاد فيهاعلانية وجاهر بالنفاق
ومجّ الخمر في سنن المصلىونادى والجميع إلى افتراق
أزيدكم على أن تحمدونيفما لكم ومالي من خلاق

وقال: ابن عبد البرّ: ((وخبر صلاته وهو سكران، وقوله: ــ أزيدكم ــ بعد أن صلّى الصبح أربعاً مشهور، من رواية الثقات من نقل أهل الحديث، وأهل الأخبار)).

وذكر شكايته عند عثمان، وشهادة الشهود عليه، وذكر إقامة الحدّ عليه، وأنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أصرّ على إقامتها عليه، وأمر عبد الله بن جعفر فجلده.. إلى آخر ما ذكره(٢).

١- الاستيعاب: ١٥٥٣ ــ ١٥٥٤.

٢- الاستيعاب: ١٥٥٥.

٥٢٣

ونبقى نسأل من هذا الحافظ الخائض في حديث الوليد باستيعاب: فبعد هذا ما باله أحجم عن ذكر ما قاله ابن عبّاس في سبب نزول قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ نزلت في عليّ بن أبي طالب، والوليد بن عقبة، فقال في قصّة ذكرها؟ ماذا هي تلك القصّة؟ ولماذا كتمها الحافظ؟ وما يغنيه إعراضه عن ذكرها بعد أن أشار إليها؟

إنّها أزمة إحن الموروث الأموي الكامن في الصدور، فتعشو منه أبصار ذوي البصائر، كما تعمى قلوب ذوي الأبصار، وتضيع معه الأخبار والآثار، ولكن الحقّ أبلج واضح لمن أراد الهدى.

وإلى القارئ مصادر من ذكر تلك القصّة برواية ابن عبّاس، وهم:

١ــ الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد)، في ترجمة نوح بن خلف(١).

٢ــ عن الخطيب، ابن عساكر في (تاريخ دمشق) في ترجمة الوليد(٢).

٣ــ أحمد بن حنبل في (فضائل الصحابة)(٣).

٤ــ ابن عدي في (الكامل)، في ترجمة محمّد بن السائب الكلبي(٤).

٥ــ الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل)، في تفسير الآية بعدّة طرق عن ابن عبّاس(٥).

١- تاريخ بغداد ١٣/٣٢٢ ــ ٣٢٣.

٢- تاريخ دمشق ٦٣/٢٣٥.

٣- فضائل الصحابة: ٢٠/٦١٠ برقم ١٠٤٣.

٤- الكامل ٦ظم ١١٨.

٥- راجع شواهد التنزيل ١/٥٧٥ ــ ٥٨٠.

٥٢٤

٦ــ الحبري في تفسيره(١).

٧ــ الخوارزمي الحنفي في (المناقب)(٢).

٨ــ ابن أبي الحديد الحنفي (شرح نهج البلاغة)، في شرح كتابه عليه السلام برقم (٦٢) في ذيل أخبار الوليد بن بن عقبة(٣).

٩ــ البلاذري في (أنساب الأشراف)، في ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام(٤).

١٠ــ ابن المغازلي الشافعي ــ المالكي ــ في (المناقب)(٥).

١١ــ النحاس في (إعراب القرآن)، وقال: ((عن ابن عبّاس وغيره(٦): قال نزلت: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً﴾، في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ﴿كَمَن كَانَ فَاسِقاً﴾، في الوليد بن عقبة بن أبي معيط))(٧).

١٢ــ السيوطي في (الدرّ المنثور)(٨).

١- تفسير الحبري: ٢٩٢ ــ ٢٩٦.

٢- المناقب: ٢٧٩.

٣- شرح نهج البلاغة ١٧/٢٣٨.

٤- أنساب الأشراف ٢/٣٨٠.

٥- المناقب: ٣٢٤.

٦- ذكر في كتاب (موسوعة الإمامة في نصوص أهل السُنّة): ٤٩ أسماء من روى شأن نزول الآية غير ابن عبّاس، وهم: جابر بن عبد الله، حسان بن ثابت، السدّي، عبد الرحمن بن أبي ليلى، عطاء بن يسار، محمّد بن السائب الكلبي، محمّد بن سيرين، سوى المراسيل والأقوال؛ ولاحظ ما ذكره المؤرخون وأهل الحديث ذيل الآية/٦ من سورة الحجرات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا).

٧- إعراب القرآن ٤/٢٩٦.

٨- الدرّ المنثور ٥/٣٤١، ط أفست إسلامية، وج ٦/٤٨٧، ط دار إحياء التراث العربي بيروت.

٥٢٥

فقال: ((أخرج أبو الفرج الأصفهاني في كتاب (الأغاني)، والواحدي، وابن عدي، وابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر من طرق عدّة، عن ابن عبّاس(رضي الله عنهما)، قال: قال الوليد بن عقبة لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: أنا أحدّ منك سناناً، وأبسط منك لساناً، وأملأ للكتيبة منك، فقال له عليّ رضي الله عنه: أسكت فإنّما أنت فاسق، فنزلت: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ﴾، يعني بالمؤمن: عليّاً، وبالفاسق: الوليد بن عقبة بن أبي معيط)).

ثمّ إنّ السيوطي أخرج الحديث عن آخرين غير ابن عبّاس، ثمّ عاد فقال: ((وأخرج ابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر، عن ابن عبّاس(رضي الله عنهما) في قوله: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً﴾، قال: أمّا المؤمن: فعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وأمّا الفاسق: فعقبة بن أبي معيط، وذلك لسباب كان بينهما فأنزل الله ذلك)).

فهؤلاء الذين رووا قول ابن عبّاس في شأن نزول الآية بالإسناد عنه بالصريح لا بالتلويح، كما صنع ابن عبد البرّ، فقال: (في قصّة ذكرها)، أمّا الذين ذكروا تلك القصّة ــ كما سمّاها ابن عبد البرّ ــ عن ابن عبّاس رضي الله عنه وأرسلوها إرسال المسلّمات، فهم:

الزّجاج في (معاني القرآن وإعرابه)(١).

والثعلبي في (الكشف والبيان)(٢).

١- معاني القرآن وإعرابه ٤/٢٠٨.

٢- الكشف والبيان ٧/٣٣٣.

٥٢٦

والزمخشري في (الكشاف)(١)،وغيرهم.

وابن عبد البرّ أجرأ من ابن حجر الذي حاول في (الإصابة) تعمية خبر النبأ، فقال في رواية الطبراني له: وفي السند من لا يعرف، وساق معارضاً له بما أخرجه أبو داود في السنن من طريق ثابت بن الحجّاج، عن أبي موسى عبد الله، عن الوليد بن عقبة، قال: لمّا افتتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكّة جعل أهل مكّة يأتونه بصبيانهم فيمسح على رؤوسهم، فأُتي بي إليه وأنا مخلّق فلم يمسني من أجل الخلوق، قال ابن عبد البرّ: أبو موسى مجهول، ومن يكون صبيّاً يوم الفتح لا يبعثه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مصدّقاً بعد الفتح بقليل.

أقول: لقد نبّه على من لم يفرّق بين الهرّ والبرّ!

٤ـ عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

ذكره المصنّف في باب (العين)، فقال: ((عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي، أخ عثمان من الرضاع، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ﴾(٢))).

هذا ما ذكره المصنّف في كتابه الذي زعم أنّه من أقوال ابن عبّاس رضي الله عنه، وهذا من كذبه الفظيع!

فإنّ الذهبي ذكر قول ابن عبّاس في ابن أبي سرح، فقال: ((الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: كان ابن أبي

١- الكشاف ٣/٢٤٥ ــ ٢٤٦.

٢- سورة الأنعام/٩٣.

٥٢٧

سرح يكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأزلّه الشيطان، فلحق بالكفّار، فأمر به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يقتل، فاستجار له عثمان))(١).

قال السيوطي: ((وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن عكرمة، في قوله: ﴿سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ﴾، قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يكتب للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فكان فيما يملي: (عزيز حكيم)، فيكتب: (غفور رحيم)، فيغّيره ثمّ يقرأ عليه كذا وكذا لما حوّل، فيقول: نعم سواء، فرجع عن الإسلام ولحق بقريش))(٢).

قال ابن عبد البرّ في (الاستيعاب) في ترجمته: ((ثمّ ارتدّ مشركاً، وصار إلى قريش بمكّة، فقال لهم: إنّي كنت أصرف محمّداً حيث أريد، كان يُملي علَيَّ: (عزيز حكيم)، فأقول: أو عليم حكيم؟ فيقول نعم: كلّ صواب، فلمّا كان يوم الفتح أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتله، وقتل عبد الله بن خطل، ومقيس ابن حُبابة، ولو وجدوا تحت أستار الكعبة، ففرّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى عثمان ــ وكان أخاه من الرضاعة، أرضعت أُمّه عثمان ــ فغيبّه عثمان، حتّى أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدما اطمأن أهل مكّة، فاستأمن له، فصمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طويلاً، ثمّ قال: نعم: فلمّا انصرف عثمان، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمن حوله: ما صمتّ إلاّ ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، وقال: رجل من الأنصار: فهلاّ أومأت إلَيَّ يا رسول الله، فقال: إنّ النبيّ لا ينبغي أن يكون له خائنة الأعين.

١- سير أعلام النبلاء ٤/٢٢٦، ط دار الفكر بيروت.

٢- الدرّ المنثور ٣/٢٨٧.

٥٢٨

...ثمّ ولاه عثمان بعد ذلك مصر في سنة ٢٥... وعزل عمرو بن العاص، فجعل عمرو بن العاص يطعن على عثمان ويؤلب عليه، ويسعى في إفساد أمره، فلمّا بلغه قتل عثمان وكان معتزلاً بفلسطين، قال: إنّي إذا نكأت قرحة أدميتها))(١).

وذكر الذهبي في ترجمته في (أعلام النبلاء)، فقال: ((وروى ابن أبي لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: أقام عبد الله بن سعد بعسقلان بعد قتل عثمان، وكره أن يكون مع معاوية، وقال: لم أكن لأجامع رجلاً قد عرفته إن كان ليهوى قتل عثمان.

ثمّ ذكر عنه في احتضاره وهو بالرملة، قال: اللّهمّ اجعل خاتمة عملي الصبح، فتوضأ ثمّ صلّى، فقرأ في الأُولى بأُمّ القرآن والعاديات، وفي الأُخرى بأُمّ القرآن وسورة، وسلّم عن يمينه وذهب يسلّم عن يساره فقبض))(٢).

وهكذا يختم سماسرة المؤرخين خاتمة المرتدين، ليمّوهوا على المسلمين، في غفلة عن يوم الدين، وحساب ربّ العالمين.

٥ـ خالد بن الوليد.

ذكره المصنّف في باب (الخاء)، وقال: ((يكنّى أبا سليمان (مات سنة إحدى وعشرين ودفن بالقرية على ميل من حمص)، وهو صاحب الجيش

١- الاستيعاب: ٩١٨.

٢- سير أعلام النبلاء ٤/٢٢٧.

٥٢٩

لأبي بكر الصدّيق، وهو أحد شجعان العرب، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تسبّوا خالداً فإنّه سيف من سيوف الله تعالى)، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾(١))).

وهذا الذي ذكره في خالد لا يصحّ فيه ما نسبه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من تسميته له بسيف الله، ولا إلى ابن عبّاس في شأن نزول الآية في خالد.

أمّا الحديث الذي زعمه من قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : (لا تسبّوا خالداً فإنّه سيف من سيوف الله تعالى)، لم يذكر له سنداً، وفي المصادر التاريخية والحديثية وحتّى الكلامية لغط كثير حول خالد، وما له وعليه، وهذا الذي ذكر من الحديث فلم يصحّ له سند مقبول خالٍ عن الخدشة!

وحسبك أيّها القارئ المستنير بما رواه ابن عبد البرّ في (الاستيعاب)، فقد قال في ترجمته، وهو غير متّهم عليه: ((...وقتل على يده أكثر أهل الردّة، منهم مسيلمة، ومالك بن نويرة.

وقد اختلف في حال مالك بن نويرة، فقيل: أنّه قتله مسلماً لظنّ ظنّه فيه، وكلام سمعه منه. وأنكر عليه أبو قتادة قتله، وخالفه في ذلك، وأقسم أن لا يقاتل تحت رايته أبداً.

وخبره في ذلك يطول ذكره، وقد ذكره كلّ من ألّف في الردّة.

ثمّ افتتح دمشق، وكان يقال له: سيف الله، حدّثنا عبد الوارث بن سفيان، حدّثنا قاسم بن أصيبغ، حدّثنا أحمد بن زهير، قال: حدّثنا إسماعيل

١- سورة النساء/٥٩.

٥٣٠

ابن عبد الله بن خالد السكوني، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثني وحشي بن حرب، عن أبيه، عن جدّه، أنّه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ــ وذكر خالد بن الوليد ــ فقال: (نعم عبد الله، وأخو العشيرة، وسيف من سيوف الله، سلّه الله على الكفّار والمنافقين).

حدّثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدّثنا قاسم بن أصبغ، حدّثنا أحمد ابن زهير، حدّثنا أبو إسماعيل المؤدب، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: اشتكى عبد الرحمن بن عوف خالد بن الوليد للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فقال: يا خالد! لم تؤذي رجلاً من أهل بدر، والله لو انفقت مثل أحد ذهباً لم تدرك عمله، فقال: يا رسول الله! إنّهم يقعون فيّ فأردّ عليهم. فقال: لا تؤذوا خالداً، فإنّه سيف من سيوف الله، صبّه الله على الكفّار)))(١).

فهذان الحديثان اللذان ذكرهما ابن عبد البرّ في ترجمة خالد لتبرير قوله: ((وكان يقال له سيف الله)) (؟) يكفينا في ردّهما، قوله هو في ترجمة وحشي في كتابه (الاستيعاب): ((قال أبو عمر: رويت عنه أحاديث مسندة، مخرجها عن ولده وحشي بن حرب بن وحشي بن حرب، عن أبيه حرب ابن وحشي، عن أبيه وحشي، وهو إسناد ليس بالقوي، يأتي بمناكير، وقد ظنّ بعض أهل الحديث أنّ هذا الإسناد: وحشي بن حرب بن وحشي بن حرب، عن أبيه، عن جدّه، ليس هو وحشي، هذا فغلط، والله أعلم.

وزعم محمّد بن الحسين الأزدي الموصلي: أنّ وحشي بن حرب الذي يروي عنه ولده وحشي بن حرب بن وحشي بن حرب غير أبي دسمة قاتل

١- الاستيعاب: ٤٢٩.

٥٣١

حمزة، وإن كان ذلك يسكن دمشق، وهذا الذي روى عنه ولده سكن حمص. وليس كما قال، والذي سكن حمص هو الذي قتل حمزة، ولا يصحّ وحشي بن حرب غيره.

قال ابن عبد البرّ: والدليل على ذلك: ما حدّثنا به عبد الوراث بن سفيان ــ وساق الخبر إلى جعفر بن عمرو بن أُميّة الضمري ــ قال: خرجت أنا وعبيد الله بن عدي بن الخيار، فمررنا بحمص وبها وحشي، فقلنا: لو أتيناه فسألناه عن قتله حمزة كيف كان قتله؟ فأقبلنا نحوه، فلقينا رجلاً ونحن نسأل عنه؟ فقال: إنّه رجل قد غلبت عليه الخمر... وساق الخبر.

ــ وكيف لقياه وهو مخمور!! ــ

ثمّ قال: وهذا ما يدلّ على أنّ وحشياً قاتل حمزة سكن حمص، وهو الذي يحدّثنا عنه ولده، وهو إسناد ضعيف لا يحتجّ به، وقد جاء بذلك الإسناد أحاديث منكرة لم ترو بغير ذلك الإسناد، والله أعلم))(١).

أقول: هذا بالنسبة لما نسبه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من تسمية خالد بسيف الله برواية وحشي الذي مات في الخمر.

أما الرواية التي رواها الشعبي، وهو على نُصبه رواها عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: قال اشتكى عبد الرحمن بن عوف خالد بن الوليد... فقد خان الراوي فكذب فجعل من المثلبة منقبة! وستأتي الرواية عن ابن الأثير، ذكرها في (أسد الغابة) في ترجمة خالد، وهي في قتل خالد لبني جذيمة بغير حقّ.

١- الاستيعاب: ١٥٦٥.

٥٣٢

أقول: ولم يغب أبو هريرة عن رواية سيف الله، فروى ــ كاذباً ــ قال: نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزلاً، فجعل الناس يمرّون فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من هذا يا أبا هريرة؟) فأقول: فلان، فيقول: (نعم عبد الله)، حتّى مرّ خالد بن الوليد، فقال: (من هذا؟)، قلت: خالد بن الوليد، فقال: (نعم عبد الله خالد بن الوليد سيف من سيوف الله).

ويبدو أنّ ابن الأثير الذي رواها في ترجمة خالد بإسناده المطنّطن والمعنون لم يرتضها، فقال: ((ولعلّ هذا القول كان بعد غزوة مؤتة، فإنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إنّما سمّى خالداً سيفاً من سيوف الله فيها، فإنّه خطب الناس وأعلمهم بقتل زيد وجعفر وابن رواحة، وقال: (ثمّ أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد، ففتح الله عليه)))(١).

وهذا من الغريب الخطير أن يقوله ابن الأثير!! فأيّ فتح حصل؟! أليست هي الهزيمة التي حدّث عنها ابن عمر؟

قال ابن هشام في (السيرة): ((ثمّ أخذ الراية ــ بعد مقتل ابن رواحة ــ ثابت بن أقرم أخو بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين! اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلمّا أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم ــ يعني انحاز ــ ثمّ احتازوا عنه حتّى انصرف الناس))(٢).

وقال: ((قال: وقد قال فيما كان من أمر الناس وأمر خالد ومحاشاته

١- أسد الغابة ٢/٩٤، ط أفست الإسلامية.

٢- سيرة ابن هشام ٢/٣٧٩.

٥٣٣

بالناس وانصرافه بهم، قيس بن المسحّر اليعمري، يعتذر ممّا صنع يومئذ وصنع الناس:

فو الله لا تنفك نفسي تلومنيعلى موقفي والخيل قابعةٌ قبلُ
وقفت بها لا مستجيراً ففاقداًولا مانعاً من كان حمّ له القتلُ
على أنّني آسيت نفسي بخالدألا خالد في القوم ليس له مثلُ
وجاشت إليَّ النفس من نحو جعفربمؤتة إذ لا ينفع النابلَ النبلُ
وضمّ إلينا حجزتيهم كليهمامهاجرة لا مشركون ولا عُزلُ

فبيّن قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره، أنّ القوم حاجزوا وكرهوا الموت، وحقّق انحياز خالد بمن معه.

قال ابن إسحاق: فحدّثني محمّد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: لمّا دنوا من حول المدينة، تلقّاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون، قال: ولقيهم الصبيان يشتدّون، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقبل مع القوم على دابة، فقال: (خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر)، فأتي بعبد الله فحمله بين يديه.

قال: وجعل الناس يحثون على الجيش التراب، ويقولون: يا فُرّار، فررتم في سبيل الله! قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليسوا بالفُرّار ولكنّهم الكُرّار إن شاء الله).

قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن بعض آل الحارث بن هشام، وهم أخواله، عن أُمّ سلمة زوج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، قال: قالت أُمّ سلمة لامرأة سلمة بن هشام بن العاص بن المغيرة:

٥٣٤

ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومع المسلمين؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج، كلّما خرج صاح به الناس: يا فُرّار، فررتم في سبيل الله! حتّى قعد في بيته))(١).

وجاء في السيرة الحلبية: ((وعن بعض الصحابة: لمّا قتل عبد الله بن رواحة رضي الله عنه انهزم المسلمون أسوأ هزيمة، ثمّ تراجعوا، ولقد لقوا من أهل المدينة لمّا رجعوا شرّاً، حتّى أنّ الرجل يجيء إلى أهل بيته فيأبون يفتحون له ويقولون هلاّ تقدّمت مع أصحابك فقتلت، حتّى أنّ نفراً من الصحابة(رض) جلسوا في بيوتهم استحياء، كلّما خرج واحد منهم صاحوا، وصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرسل إليهم رجلاً رجلاً، ثمّ يقول: (أنتم الكرّارون في سبيل الله)))(٢).

وأمّا بالنسبة لما نسبه إلى ابن عبّاس، كما في أوّل كتابه في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾(٣)، وأنّ الآية نزلت في خالد بن الوليد، فهو كذب وافتراء على ابن عبّاس!

فقد ذكر السيوطي في (الدرّ المنثور) تفسير الآية، وقال: ((وأخرج البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في (الدلائل) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن

١- سيرة ابن هشام ٢/٣٨٣.

٢- السيرة الحلبية ٣/٦٩ ــ ٧٠، ط البهية بمصر سنة ١٣٢٠هـ.

٣- سورة النساء/٥٩.

٥٣٥
الصفحات: ٥٣٦ - ٥٤٠ فارغة