×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة عبد الله بن عبّاس ـ ج 18 / الصفحات: ١ - ٢٠

موسوعة عبدالله بن عباس حبر الأمة و ترجمان القرآن ج ١٨ » السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان » (ص ١ - ص ٣٠)



١

موسوعة عبدالله بن عباس

٢

٣

المعدلة

سلسلة رد الشبهات

٥

موسوعة

عبدالله بن عباس

حبر الأمة و ترجمان القرآن

الحلقة الرابعة: ابن عبّاس في الميزان

الجزء الثامن عشر

في حديث بيت مال البصرة

٤

الخرسان، محمّد مهدي ١٩٢٨م.

موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمة وترجمان القرآن/ تأليف السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان.

قم : مركز الأبحاث العقائدية، ١٤٣٣ق = ١٣٩٠

الفهرسة طبق نظام فيپا.

ابن عبّاس ، عبد الله بن عبّاس، ٣ ـ ٦٨ق.

مركز الأبحاث العقائدية.

١٣٩٠ ٤خ / ١٧الف ٨/ ٩٢ Bp ١٩٢٤/ ٢٩٧

الرقم في المكتبة الوطنيّة ٢٥٥٦١٠١

مركز الأبحاث العقائدية

● إيران ـ قم المقدّسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم٣٤

ص. ب: ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف: ٣٧٧٤٢٠٨٨ (٢٥)(٠٠٩٨)

الفاكس: ٣٧٧٤٢٠٥٦ (٢٥)(٠٠٩٨)

● العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول صلي الله عليه وآله

شار السور جنب مكتبة الإمام الحسن عليه السلام

ص. ب: ٧٢٩

الهاتف: ٣٣٢٦٧٩ (٣٣)(٠٠٩٦٤)

● الموقع على الانترنيت: www.aqaed.com

● البريد الإلكتروني: [email protected]

شابك (ردمك): ٧ ـ ٥٠٠ ـ ٣١٩ ـ ٩٦٤ ـ ٩٧٨/ دورة ٢١ جزءاً

شابك (ردمك) ج١٨ / ٤ ـ ٣٩ ـ ٧١٠٠ ـ ٦٠٠ ـ ٩٧٨

موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن

تأليف

السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان

الجزء الثامن عشر

الطبعة الأُولى: ٢٠٠٠ نسخة

سنة الطبع: ١٤٣٧هـ

الفلم والألواح الحسّاسة: تيزهوش

المطبعة: الوفاء

السعر ١٥٠٠٠٠ ريال

*جميع الحقوق محفوظة للمركز *

٥

بسم الله الرحمن الرحيم

٦

٧

عن عليّ عليه السلام كان يقول:

(اللّهمّ ثبتنا على كلمة العدل في الرضا والصواب، وقوام الكتاب، هادين مهديين، راضين مرضيين، غير ضالين ولا مضلّين) (مسند ابن الجعد/٢٦ ط العلمية بيروت).

قال سيّدنا أبو طالب رضي الله عنه في لاميته العصماء:


جزى الله عنّا عبد شمس ونوفلاعقوبة شرّ عاجلاً غير آجل

بميزان قسط لا يخيس شعيرةله شاهد من نفسه غير عائل

(...لو قيل: إنّ هذا الرجل ــ ابن عبّاس ــ أفضل رجال الإسلام بعد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم والأئمّة الاثني عشر عليهم السلام، وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما، كان في محلّه) (المحقّق التستري في قاموس الرجال ج٦/٦٣ جاب مصطفوي ١٣٨٤هـ).

٨

٩

تمهيد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وبه نستعين

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، ورضي الله عن جميع الصحابة المهتدين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد، لقد قرأنا في الجزء الثاني ــ السابق ــ من هذه الحلقة، أدلّة المثبتين، ونصوص المؤرّخين المؤكّدين على وقوع الجناية، ومن بعدهم تهافت الكتّاب المتجدّدون على مقالة طه حسين ومن بعده، في إثبات الإدانة، وأوجدت كتاباتهم لدى بعض القرّاء بلبلة، لم تتمخّض بغير الشكّ على أكثر تقدير، ولكن من يقرأ منهم أدلّة النافين، وقد مرّ ذكر ما قالوه، رأى حقائق مغيبة، تنفي مزاعم الأوّلين، فصار الفريقان على حدّ قول أبي الأسود:


يقولون أقوالاً ولا يعلمونهافإن قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا

وتوارث الخلف عن السلف موروثاً معثوثاً، وكلّما مرّ الزمان، تأكّد

١٠

في الأذهان تصوير اتّساع الفجوة بين ابن عبّاس وبين الإمام عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام، ودسّت عناصر التضبيب أنوفها، ونفخوا بأبواقها.

فبنو أُميّة وقد فقدوا سلطانهم بمجيء بني العبّاس، وهؤلاء من ذرّية ابن عبّاس.

وبنو الحسن عليه السلام وقد اختطف بنو العبّاس ثمرة أتعابهم ومؤتمرهم في الأبواء، وكانت المهاترات بين المنصور العبّاسي والنفس الزكية الحسني ما أصاب الآباء من قوارص الكلم.

وللخوارج دور لا ينسى في التعتيم، حتّى زعموا بأنّه فارق عليّاً عليه السلام وصار منهم ومدافعاً عنهم، كما مرّت الإشارة إلى هذا.

وهكذا كلّما اشتدّ التنازع السياسي، كان ابن عبّاس مستهدفاً لكلّ فرقة، وما أولانا بقول سيّدنا أبي طالب رضي الله عنه في قصيدته العصماء، حيث يقول:


جزى الله عنّا عبد شمس ونوفلاعقوبة شرّ عاجلاً غير آجل

بميزان قسط لا يخيس شعيرةله شاهد من نفسه غير عائل(١)

إنّ موضوع تهمة ابن عبّاس بخيانة بيت مال البصرة، لا يمكن معالجته ببضع كلمات نفي، لا تفي بقناعة أصحاب الرأي الآخر، وقد لا تلاقي قبولاً تامّاً عند من يرى كثرة الصخب والجلب حوله، فلا يرى في المنقول إلاّ

١- سيرة ابن هشام ١/٢٧٧ بتحقيق: مصطفى السقا الأُستاذ بكلّية الآداب بجامعة القاهرة وإبراهيم الأباري مدير دار إحياء التراث القديم، وعبد الحفيظ شلبي مدير المكتبات الفرعية بدار الكتب المصرية الطبعة الثانية بالقاهرة سنة ١٣٧٥هـ.

١١

التأكيد لما هو الموروث المعثوث في النفوس، وأضحى كحقيقة ثابتة، ليس من السهل تخطّيها بمجرّد ثناء عاطر من محقّق ناصر، كما هو صنيع العلاّمة الحلّي قدس سره، ومن تبعه في مقولته: ((حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر من أن يخفى، وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمّن قدحاً فيه، وهو أجلّ من ذلك، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير وأجبنا عنها، رضي الله عنه تعالى))(١).

وربّما أحسّ البعضُ بضيقٍ ممّا هو على خلاف قناعاته الموروثة، ولكن الحقيقة هي بنت البحث، وهي بغية الباحثين، فعليه أن يقرأ بإمعان، ويرفض ببرهان، ولا يكن إمّعة الرجال، مقلّداً لأصحاب الأقوال، فعندها يتّضح له الحال، وليس بكثير على من يطلب الحقّ أن يبذل الجهد المضني في سبيل تحصيله.

نسأله تعالى أن يرينا الحقّ حقّاً فنتبعه، والباطل باطلاً فنتجنبه، ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ﴾(٢).

ظاهرة غير طبيعية:

ومهما تضخّمت الصورة مع ازدياد البحث في قضية بيت مال البصرة، تتهاوى التهمة في حمل ابن عبّاس له بالصورة التي أرادها المثبتون، وتتبدّا من خلال النصوص صورة أخرى هي أجلى حجّة، وأنور محجّة، ولكنّها لم

١- الخلاصة: ٥، ط حجرية سنة ١٣١٠هـ.

٢- سورة آل عمران/٨.

١٢

تخرجها عن إطارها الاجتماعي في شيوع الظاهرة غير الطبيعية، حين كانت خيانة العمّال كظاهرة في الولاة، لها شواهد من قبلُ ومن بعدُ، فهي على شذوذها ليست بغريبة في ذلك المجتمع الذي يضمّ بقايا الصحابة ووفرة التابعين، ولا يزال فيهم من أدرك محاسبة عمر لعمّاله الذين سرت فيهم ومنهم وإليهم عدوى الخيانة بعضهم من بعض، وجرت فيهم أحكام المشاطرة والعزل، وحتّى الضرب، فقد ضرب عمر أبا هريرة فأدمى ظهره، وقال له: ((يا عدوّ الله وعدوّ الإسلام! خنت مال الله.. قال ذلك ثلاث مرّات))، ويردّ عليه أبو هريرة، ((قال أبو هريرة: فغرمني اثني عشر ألفاً))، وأبى أن يعمل ثانية، وقال: ((أخاف أن أقول بغير حلم، وأقضي بغير علم، وأن يُضرب ظهري، ويُشتم عرضي، ويُؤخذ مالي))(١).

وقد ساءت الحال في أيام عثمان، حتّى كان أحد أسباب النقمة عليه سوء تصرف عمّاله في أعماله مع علمه وسكوته بإهماله.

وممّا يستطرف ذكره في المقام: أنّ رجلاً أثنى على عامل لعثمان، فحثا المقداد التراب في وجهه، فقال له عثمان: ما شأنك؟ قال: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب)(٢).

أمّا الغرابة كلّ الغرابة! أن لا تحدث تلك الظاهرة غير الطاهرة في أيام خلافة الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، الذي كان شديداً في مراقبة عمّاله، ويقظاً حذار أن يسيء عامل في تصرفه، فكم من شواهد على

١- فتوح مصر والمغرب، لابن عبد الحكم: ١٧٥، ط مكتبة الثقافة الدينية سنة ١٤١٥هـ .

٢- مسند ابن الجعد: ٤٢، ط العلمية بيروت.

١٣

أخبار شائنة لبعض عمّاله بلغته، فكتب إليه موبّخاً على ما اجترح من السيئات، وفي (نهج البلاغة) نماذج من كتبه في هذا السبيل.

ففي كتابه إلى الأشعث بن قيس، وكان على أذربيجان منذ عهد عمر، وعنده الجمع والمال ــ كما قال حجر بن الأدبر ــ فكتب إليه: (... وإنّ عملك ليس لك بطعمة، ولكنّه في عنقك أمانة... وفي يديك من مال الله عزّ وجلّ، وأنت من خزّانه حتّى تسلّمه إلَيَّ، لعلّي ألاّ أكون شرّ ولاتك إليك، والسلام)(١)، وهذا الكتاب أغاظ الأشعث وتحمّل بقضّه وقضيضه، يريد معاوية، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام وأهمّه، وذهب حجر بن الأدبر إليه فعارضه في شهرزور فردّه عن مقصده وجاء به إلى الكوفة ــ وليته لم يأتها فقد أفسد أهلها كما سبق وإن هدد هو بهذا ــ.

وليس دون هذا زياد بن أبيه، خليفة عامله عبد الله بن عبّاس بالبصرة الذي ولاّه، فكتب إليه: (وإنّي أقسم بالله قسماً صادقاً، لئن بلغني أنّك خنت من فيء المسلمين شيئاً صغيراً أو كبيراً، لأشدنّ عليك شدّة، تدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر، ضئيل الأمر، والسلام)(٢).

وكتابه إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني عامله على أردشير خرة: (...بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك، وأغضبت إمامك، إنّك تقسّم فيء المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم... فيمن إعتامك من أعراب قومك... ألا وإنّ حقّ من قبلك وقبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفيء

١- شرح نهج البلاغة، للبحراني ٤/ ٣٥٠.

٢- شرح نهج البلاغة، للبحراني ٤/ ٣٩٩.

١٤

سواء...)(١).

وفي كتابه إلى المنذر بن الجاورد العبدي، وقد خان في بعض ما ولاّه من أعماله: (...أمّا بعد، فإنّ صلاح أبيك غرّني منك... فأقبل إليَّ حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله...)(٢).

ولمّا بلغه عن يزيد بن حجية وقد كسر الخراج بالري ودستبي، وفرّ إلى معاوية، فقال: (اللّهمّ، إنّ يزيد بن حجية هرب بمال المسلمين ولحق بالقوم الفاسقين، فاكفنا مكره وكيده، وأجزه جزاء الظالمين)، فرفع القوم أيديهم يؤمنون على دعائه(٣).

إلى غير هذا من وصاياه لعمّاله، وغضبه على من خان منهم، وإعلانه على المنبر خبرهم للتشهير بهم.

إذاً فمسألة خيانة العمّال ومحاسبتهم عليها، لم تكن كظاهرة غريبة في ذلك المجتمع المتهاوي الأخلاق إلاّ من عصم الله، ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾(٤)، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾(٥).

أمّا أن تكون تهمة خيانة ابن عبّاس من أنماط من ذكرنا، فليس الحال

١- شرح نهج البلاغة، للبحراني ٥/ ٩٤.

٢- شرح نهج البلاغة، للبحراني ٥/ ٢٢٧.

٣- شرح النهج، للمعتزلي ٤/٨٥، ط محقّقة.

٤- سورة سبأ/١٣.

٥- سورة يوسف/١٠٣.

١٥

كذلك، مهما تعدّدت فيها الأقاويل، من صحيح وأباطيل، في إدانة أو معاذير، لأنّ ابن عبّاس يختلف عن أولئك جميعاً بدءاً وختاماً، حرباً وسلاماً، مكانة ومقاماً، لذلك ستبقى التهمة على غرابتها، وفي ضوء التقدّم الهائل في كشوف كنوز التراث، تزداد المسألة تعقيداً وترديداً، تأييداً وتفنيداً.

إذاً لا بدّ من تغيير المنار نحو الزوايا الحادّة في تاريخه، والتي يحددّها علماء النفس وعلماء الاجتماع، فماذا عندهم؟

يقول علماء النفس في نظريتهم المقبولة: إنّ الإنسان ــ غالباً ــ محدود بمزاجه وطبيعته، ومحفوف بشاكلته في مجتمعه، سواء الأُسري أو التربوي أو البيئوي، فمن أبويه إلى عشيرته إلى أساتذته ومن يحوطونه برعايته، وفي جميع هؤلاء لم نقف على نشاز في طبيعته مؤثّر على ابن عبّاس في سلوكه ومزاجه ــ وإن وجد شاذّ ــ وأنّى ــ فهو لا يقاس عليه ــ .

والسؤال الذي يطرح نفسه: أو ما كان ابن عبّاس ــ المتّهم بالخيانة ــ محكوماً لغرائزه الموروثة والمكتسبة؟! سؤال ينبغي الإجابة عليه بوضوح وصراحة؟

ومن خلال مراجعة تاريخه الأُسري والتربوي، نجده في سلامة من الشذوذ الذي يساعد على انحدار نحو نزغات طائشة، أو رغبات مكبوته ممقوتة.

ولنترك علماء النفس الذين حكموا على الإنسان في عاداته من خلال مزاجه في مجتمعه العام والخاص، يعني البيئة والأسرة، ولننظر ماذا عند

١٦

علماء الاجتماع من جديد؛ إنّهم قالوا في الفرد: هو لبنة من لبنات مجتمعه في تركيبه العام، والمجتمع هو الجدير بالعناية والتربية، إذ لا تظهر محاسن الأخلاق في مساوئها في الفرد إلاّ من خلال مخائل الأُسرة أوّلاً، لأنّها الحاضنة الأوّلة لتفرّخ الأخلاق، حسنة أو سيئة، ومن بعدُ يُنظر في بُعدها الأوسع أفقاً، وهو الأفق التربوي التعليمي، حيث كرائم المبادئ، وحسنات العادات.

ولا منافاة بين النظريتين في تاريخ ابن عبّاس، وقد مرّ في الحلقات الثلاث كثير شواهد على هذا ممّا يظنّه القارئ فيه أنّه مفطور عليها، ومتأثّر بها.

ولا شكّ في أنّه كان موهوباً في ذكائه، حتّى قيل عنه وفيه ما يميّزه عن لداته وأبناء مجتمعه، وحتّى تفضّل على المشايخ في مجلس عمر، فهو إذاً يمتاز عن غيره من أترابه مضافاً إلى التصاقه نسباً وأدباً بمعدن الرسالة، فوعى فيما وعاه، حتّى حفظ المحكم وهو ابن عشر سنين، ومن سور المحكم سورة الشمس التي فيها قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا _ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا _ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا _ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾(١)، فقد روى هو عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أنّه كان إذا تلاها، قال: (اللّهمّ آت نفسي تقواها، أنت وليّها ومولاها وخير من زكّاها)(٢).

١- سورة الشمس/٧ ــ ١٠.

٢- الدرّ المنثور ٨/٤٨٤.

١٧

وابن عبّاس هو القائل في تفسير الآيات: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾: قد أفلح من زكى الله نفسه، ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾: قد خاب من دسّ الله نفسه فأضلّه، ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾: لا يخاف من أحد تابعه(١).

فمن كان يقرأ هذه الآيات، ويفسّرها للناس، ويروي عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم دعاءه بعد تلاوتها، هل يعقل ويقبل ممّن يقول هذه رواية وإن كانت دراية أيضاً، أن يتخلّف عنها سلوكاً، أو يفتقدها غاية ورعاية؟!

إنّ الإجابة الصحيحة الصريحة على هذا السؤال بمقدار وضوحها، إلاّ أنّها بالغة الدقّة إلاّ إذا استحضرنا إجمالاً ما مرّ منّا في الحلقة الأولى (سيرة وتاريخ) في خصوصيات مال البصرة، مصادره ومصارفه(٢).

بيت مال البصرة مصدراً ومصرفاً:

لقد مرّت بعض النصوص عن مصادر الأموال التي تجبى إلى بيت مال البصرة، وكشفاً بأسماء البلاد التي يتبع ولاتها إلى ولاية البصرة ويحملون الخراج إليها، وفي الرجوع إليها إعادة وإفادة، فإنّ من قرأ تاريخ البصرة إدارياً منذ عهد عمر حيث اختطّها عتبة بن غزوان وأسّس مسجدها، ثمّ استخلف عليها المغيرة بن شعبة، وسار إلى عمر فمات في الطريق، وأقرّ عمر المغيرة على البصرة، ثمّ شهد عليه أربعة بالزنا، خالف أحدهم وهو

١- الدرّ المنثور ٨/٤٨٦.

٢- موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الرابع/حبر الأمّة وولايته على البصرة (طبيعة بيت مال البصرة وموارده).

١٨

زياد بن عبيد، فأمر عمر فجلدوا، وعزل المغيرة عن البصرة، واستخلف عليها أبا موسى الأشعري...(١).

إنّ أبا موسى الأشعري ولاّه عمر بن الخطّاب وبقي إلى عهد عثمان، لكنّه عزله وولّى عبد الله بن عامر بن كريز، وهو ابن خاله، وهذا بقي إلى أن أتاه خبر مقتل عثمان، فحمل ما في بيت المال وخرج من البصرة بعد أن ولّى عليها عبد الله بن عامر الحضرمي، فأرسل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عثمان بن حنيف والياً عليها، حتّى أتاها طلحة والزبير مع عائشة، وجرت بينهما خطوب، ووقعت حروب آخرها وقعة الجمل، وبعدها ولّى الإمام عليه السلام عليها عبد الله بن عبّاس، وبقي والياً عليها أيام الإمام عليه السلام، وحتّى أيام الإمام الحسن عليه السلام، فخرج عنها واستخلف أبا الأسود الدؤلي، فعين معاوية بسر بن أرطاة، ثمّ عزله وولّى عليها عبد الله بن عامر بن كريز ــ وهذه المرّة الثانية التي يلي فيها ابن عامر ولاية البصرة والتي دامت ثلاث سنين ــ ثمّ وليها زياد ابن أبيه، وبقيت في حوزة الأمويين إلى أن أتاها العبّاسيون في سنة ١٣٢هـ .

وقد ذكر ابن أعثم الكوفي في كتاب (الفتوح) خبراً عن جباية المال من البصرة وكورها أيام ولاية زياد من قبل معاوية، فقال: ((وكان ــ زياد ــ يجبي منها ومن كورتها ستّون ألف ألف درهم، ويعطي الذرّية ستّة عشر ألف ألف، وينفق في البنيان وما يحتاج إليه من العمارة ونحو ذلك ألفي ألف، ويدّخر في بيت المال ألفي ألف درهم، ويوجّه باقي ذلك إلى معاوية))(٢). اهـ .

١- البدأ والتاريخ ٥/١٧٥، ط بور سعيد المكتبة الثقافية.

٢- الفتوح ٤/١٨١ ذكر خطبة زياد بالبصرة.

١٩

فظهر من هذا التهالك على انتهاب بيت مال البصرة، وحرص معاوية على غزوها في أيام الإمام عليه السلام، فإنّ ثلثي أموال الجباية يصل إلى معاوية أيام ولايته. وبهذا نكتفي من التذكير بولاة البصرة.

ولا ريب في أنّ بني أُميّة أحكموا سيطرتهم على البصرة أيّ إحكام، لأنّها باب الشرق بأقطاره وأمصاره، وكثرة إدراره، وفي غلبة العثمانية على أهلها منذ حرب الجمل ما ساعد على نفوذهم، وكان الذين بها من الشيعة ينالهم الأذى من أولئك الولاة الطغاة، وفي مقدّمتهم من لمع اسمه وسطع نجمه كأبي الأسود الدؤلي، وديوان شعره مليء بمعاناته من الولاة والرعية، وله أبيات شعر تنبئ عن حالة معيّنة من تلك المعاناة يعنينا ذكرها في المقام، فقد قال:


ذكرتُ ابن عبّاس بباب ابن عامروما مرّ من عيني ذكرتُ وما فضل

أميرين كانا صاحبيَّ كلاهمافكلّ جزاه الله عنّي بما عمل(١)

فإن كان خيراً كان خيراً جزاؤهوإن كان شرّاً كان شرّاً كما فعل

وقد ذكر أبو الفرج في (الأغاني)، قال: ((كان ابن عبّاس يكرم أبا الأسود الدؤلي لمّا كان عاملاً لعليّ بن أبي طالب عليه السلام على البصرة، ويقضي حوائجه، فلمّا ولي ابن عامر جفاه وأبعده ومنعه حوائجه، لِما كان يعلمه من هواه في عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال فيه...))(٢). وذكر الأبيات.

١- (فعل).

٢- الأغاني ١٢/٣١٧، ط دار الكتب المصرية.

٢٠