×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة أسئلة الإمامية في العقائد والمسائل الخلافية / الصفحات: ١ - ٢٠

مَوسُوعَةُ أَسئِلَةِ الإِمامِيَّةِ فِي العَقَائِدِ وَالمَسائِلِ الخِلافِيَّةِ » الشَيخِ عَلِيٍّ الحَسُّون » (ص ١ - ص ٣٠)



١
مَوسُوعَةُ

أَسئِلَةِ الإِمامِيَّةِ

فِي العَقَائِدِ وَالمَسائِلِ الخِلافِيَّةِ

إِشكالاتٌ عَلَى المُخَالِفِين لِمَذهَبِ أهلِ البَيتِ عليهم السلام

المُجَلَّدُ الأَوَّلُ

ابنُ تَيمِيَّةَ وآراؤُهُ فِي العَقَائِدِ والتأرِيخِ

تَألِيف

الشَيخِ عَلِيٍّ الحَسُّون

مَركَزُ الأَبحاثِ العَقائِدِيّةِ

٢

مركز الأبحاث العقائديّة

* إيران ــ قم المقدّسة ــ صفائية ــ ممتاز ــ رقم ٣٤

ص . ب: ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف: ٣٧٧٤٢٠٨٨(٢٥) (٩٨ +)

فاكس: ٣٧٧٤٢٠٥٦(٢٥) (٩٨ +)

البريد الإلكتروني: [email protected]

الموقع على الإنترنت: www.aqaed.com

* العراق ــ النجف الأشرف ــ شارع الرسول صلي الله عليه وآله وسلم

شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن عليه السلام

الهاتف: ٣٣٢٦٧٩ (٣٣) (٩٦٤+)

ص ــ ب ٧٢٩

شابِك (ردمك):

موسوعة أسئلة الإماميّة في العقائد والمسائل الخلافيّة

تأليف: الشيخ علي الحسّون (تبريزيان)

الناشر: مركز الأبحاث العقائديّة

المجلّد الأوّل

الطبعة الأُولى ـ ٢٠٠٠ نسخة

سنة الطبع: ١٤٣٧ﻫ

المطبعة:

* جميع الحقوق محفوظة للمؤلف *

٣

بسم الله الرحمن الرحيم

٤

٥

مقدّمة المركز:

الجدال والحوار في الشريعة الإسلامية

بقلم: سماحة الشيخ محمّد الحسّون

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على حبيب قلوبنا وأنيس نفوسنا، النبيّ المصطفى محمّد صلي الله عليه وآله، وعلى أهل بيته الأطهار (سلام الله عليهم أجمعين).

(الجدال) و(الحوار) و(الاحتجاج) و(المناظرة)، كلمات متقاربة في معناها، ومؤدّاها ــ تقريباً ــ واحد؛ وهو: بيان رأي الإنسان وإقامة الحجّة عليه، وردّ ما يخالفه من آراء.

ومن حقّ أيّ شخص أن ينشر ما يعتقده ويراه ويُقيم عليه الحجّة الصحيحة، ويدافع عنه، ويردّ الشبهات الواردة عليه، ويذكر إشكالاته على الفكر المقابل ويدحضه ويبيّن بطلانه.

وهذا الأمر لا يختصّ بمسألة دون أخرى، ولا بمطلب دون آخر، بل

٦

هو شامل لكلّ المسائل الخلافيّة؛ من علوم إسلاميّة وغيرها.

وفي مقدّمتنا لهذه الموسوعة، نحاول التعرّض لمصطلحين ــ لهما علاقة بها ــ هما: الجدال، والحوار.. ثمّ نعرّج على ذكرٍ مختصرٍ لابن تيميّة؛ لأنّ الجزء الأوّل منها مختصّ به، ثمّ نشير إلى هذه الموسوعة المباركة.

الجـدال

معنى الجدال:

قال إسماعيل بن حمّاد الجوهري (٣٩٣ هـ) في كتابه (الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية): (وجادَلَهُ.. أي: خاصَمَه، مُجادَلَةً وجِدالاً، والاسم الجَدَل؛ وهو: شدّة الخصومة.. وجَدَلتُ الحبلَ أجدُلُهُ جَدلاً.. أي: فَتَلتُه فَتلاً مُحكماً)(١).

وقال أبو القاسم الحسين بن محمّد، المعروف بالراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ) في كتابه (المفردات في غريب القرآن): (الجِدالُ: المفاوضَةُ على سبيل المُنازعَة والمغُالَبة، وأصلهُ من جَدَلْتُ الحبلَ؛ أي: أحكمتُ فتلَهُ، ومنه: الجِدالُ، فكأنَّ المتجادِلين يَفتلُ كلُّ واحدٍ الآخَرَ عن رأيِهِ..

١- الصحاح ٤: ١٦٥٣ (جدَل).

٧
وقيل: الأصلُ في الجِدالِ: الصُّراعُ وإسقاطُ الإنسانِ صاحبَهُ على الجَدالةِ؛ وهي: الأرض الصُّلبة)(١).

الجدال حقيقة قرآنية:

لم يقرّ الدين الإسلامي الجدال فقط، بل اتّخذه طريقاً للدعوة أيضاً، بل كافّة الأديان السماويّة اعترفت به كوسيلة صحيحة للتفاهم مع الآخر، وإيصال العقيدة والحجّة له، وورود عدّة آيات في القرآن الكريم تذكر الجدال، يدلّ على أنّه حقيقة قرآنية؛ منها:

١ـ ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾(٢).

٢ـ ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾(٣).

٣ـ ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾(٤).

٤ـ ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾(٥).

١- المفردات في غريب القرآن : ٩٧ (جدل).

٢- سورة النحل (١٦): ١٢٥.

٣- سورة غافر (٤٠): ٣٥.

٤- سورة الحجّ (٢٢): ٦٨.

٥- سورة هود(١١): ٣٢.

٨
٥ـ ﴿وَكَانَ الإنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾(١).

٦ـ ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُو شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾(٢).

٧ـ ﴿فَلَـمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِـيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُــشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَــوْمِ لُوطٍ﴾(٣).

٨ـ ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾(٤).

٩ـ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾(٥).

١٠ـ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾(٦).

١١ـ ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾(٧).

١٢ـ ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾(٨).

مرتبة الجدال:

إنّ الله سبحانه وتعالى بعد أن أرسل نبيّه الحبيب المصطفى ليبشّر بالدين الحنيف، ويدعو قومه للإيمان بالله تعالى، وينذرهم من عصيانه بقوله:

١- سورة الكهف (١٨): ٥٤.

٢- سورة الرعد (١٣): ١٣.

٣- سورة هود (١١): ٧٤.

٤- سورة غافر (٤٠): ٥.

٥- سورة الحجّ (٢٢): ٣.

٦- سورة الحجّ (٢٢): ٨.

٧- سورة غافر (٤٠) : ٤.

٨- سورة العنكبوت (٢٩): ٤٦.

٩

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾(١)..

فقد رسم له معالم دعوته وكيفيّتها ومراحلها، فأمَره أوّلاً أن يعرض عليهم الرسالة ويبلّغهم الدعوة الإلهيّة بالحكمة والدليل والحجّة القاطعة، وأن يعظهم وينصحهم نصيحة مشفق عليهم، فإن لم يؤمنوا به ووقفوا أمامه؛ فعندئذٍ يجب عليه أن يجادلهم بالتي هي أحسن؛ أي: بالرفق والأخلاق العالية، لا بالسبّ والشتم والاعتداء عليهم، فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾(٢).

ومن هذا يتضح أنّ مرتبة الجدال متأخّرة عن مرتبة الإبلاغ بعرض الرسالة السماوية على كافّة البشر، وعن مرتبة الوعظ والنصيحة أيضاً. فالناس عموماً يختلفون في استجابتهم وإيمانهم بالرسالة السماوية، فمنهم من يؤمن بمجرّد سماعه للدعوة المحمّديّة المباركة، ومنهم من يستجيب لها بعد النصح والوعظ والإرشاد، ومنهم من لا يؤمن إلاّ بعد الجدال وإقامة الحُجج والبراهين، ومنهم من لا يُعلن إسلامه إلاّ إذا علا السيف رأسه، ومنهم من لم يسلم أبداً ومات أو قتل كافراً.

الجدال بالباطل:

ليس بالضرورة أن يكون الجدال بالحقّ دائماً، فربّما يكون باطلاً أيضاً؛

١- سورة الأحزاب (٣٣): ٤٥ و٤٦.

٢- سورة النحل (١٦): ١٢٥.

١٠
لأنّ صاحب كلّ رأي يعتقد صحّة ما يعتقده، وإلاّ لَما اعتقده ودافع عنه وحاول إقامة الأدلّة والحجج على صحّته؛ وإليه أشار الباري عزّ وجلّ بقوله:

﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾(١).

وعبّر القرآن الكريم في موضع آخر عن (الجدال بالباطل) بـ : (الجدال بغير سلطان) بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلاّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾(٢).

والسلطان هو: الحجّة، سُمّيت به لسيطرتها وتسلّطها على القلوب(٣).

ومنه يُفهم أنّ المراد من (الجدال بالحقّ)؛ هو: (الجدال بالحجّة)، لكن الحجّة إنّما يحصل لها السلطان على القلوب إذا كانت ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾(٤)، فلذا أمر الله تعالى بذلك.

وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ المراد منها ـ أي: بالتي هي أحسن ـ الطريقة التي هي أصلح وأقرب للنتيجة والنفع(٥)، وهو تفسير يناسب المواضع المختلفة؛ التي استعملت فيها الكلمة في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾(٦)، أي: بالطريقة التي

١- سورة الكهف (١٨): ٥٦.

٢- سورة غافر (٤٠) : ٥٦.

٣- المفردات في غريب القرآن : ٢٤٤ (سلط).

٤- سورة النحل (١٦): ١٢٥.

٥- انظر: تفسير الكشّاف ٢: ٤٣٥، تفسير البحر المحيط ٥: ٥٤٩، تفسير الطبري ١٠: ١٤١.

٦- سورة الأنعام (٦): ١٥٢.

١١
هي أعوَد وأنفع له.

وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾(١).

أي: بأن يتكلّموا مع المشركين بالطريقة التي لا تعود بالفائدة على الشيطان في تحصيل مقاصده؛ من الوقيعة بين المؤمنين وبين المشركين، فالله سبحانه يريد من المؤمنين أن يكون جدالهم مقروناً بما يعينهم في إقامة الحجّة وإفحام الخصوم، وظهور الحقّ على الباطل.

صور من الجدال في القرآن الكريم:

لم يكتفِ القرآن الكريم أن أقرَّ الجدالَ وجعله وسيلةً للدعوة الحقّة، كما بيّناه قبل قليل بذكر مجموعة من الآيات القرآنية، بل علّم نبيّه وكافّة المسلمين أسلوب الجدال الصحيح؛ إذ ذكر له صوَراً من الجدال مع الكافرين؛ استطاع بها إسكات خصومه وإقامة الأدلّة والحجج القويّة عليهم؛ نذكر بعضها:

(١) إذا قال الكافر:﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾؟

نُجيبه: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾(٢)؛ إذ مِن الواضح أنّ إيجاد الشيء من العدم أصعب من إعادته بعد اندراسه.

(٢) إذا ادّعى اليهود والنصارى بأنّه لا يدخل الجنّة غيرهم، ﴿وَقَالُوا لَنْ

١- سورة الإسراء (١٧): ٥٣.

٢- سورة يس (٣٦) : ٧٨ و٧٩.

١٢
يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلاّ مَنْ كَانَ هُودًا أو نَصَارَى﴾.

فطالِبهم بالدليل على مدّعاهم وأمنياتهم، ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾(١).

(٣) وإذا قالوا: إنّ الآخرة لهم، فهم في النعيم فقط..

فطالِبهم أن يتمنّوا الموت حتّى يذهبوا للنعيم المزعوم، ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾(٢)، لكنّهم لا يتمنّوه؛ لأنّهم في شكّ من أمرهم.

(٤) وعندما ادّعى اليهود والنصارى بأنّهم أبناء الله وأحبّاؤه، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.

أوحى الله إلى نبيّه بأن يقول لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾(٣).

فهل يصح أن يعذّب الأب أبناءه وأحبّاءه؟!

(٥) اتخذ المشركون عدّة آلهة يعبدونهم في الأرض، ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾، فأوحى الله تعالى إلى نبيّه أن يبطل عقيدتهم هذه بقوله: ﴿لَو كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾(٤).

١- سورة البقرة (٢) : ١١١.

٢- سورة البقرة (٢) : ٩٤.

٣- سورة المائدة (٥) : ١٨.

٤- سورة الأنبياء (٢١) : ٢١ - ٢٢.

١٣
(٦) حينما قال إبراهيم عليه السلام لنمرود: إنّ الله بيده الخلق وهو يُحيي ويُميت؛ ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.

فأجابه نمرود: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾.

فأوحى الله تعالى لإبراهيم عليه السلام أن يجيبه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾.

فعند ذلك سكت نمرود، وأُفحم، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾(١).

(٧) وعندما حطّم النبيّ إبراهيم عليه السلام الأصنام، وعلّق الفأس برقبة كبيرهم، قال المشركون له: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾.

فأجابهم عليه السلام: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾.

وبهذا أقام إبراهيم عليه السلام الحجّة عليهم ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾(٢).

(٨) ما جرى بين نبيّ الله نوح عليه السلام وبين قومه من جدال، ذكره القرآن الكريم بقوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ

١- سورة البقرة (٢) : ٢٥٨.

٢- سورة الأنبياء (٢١) : ٦٢ - ٦٧.

١٤
عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ... قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا...﴾(١).

الأُسس والقواعد الصحيحة للجدال:

للجدل والمناظرة قواعد وأُسس وآداب خاصّة، ذكرها العلماء في كتبهم، ويجب على المتجادلين رعايتها إن كانوا يطلبون الحقّ ويسعون للوصول إلى الحقيقة.

وفي أيّامنا هذه، ومع الأسف الشديد، نرى في وسائل إعلاميّة معادية للإسلام الأصيل - تلفاز ومواقع الكترونية، وغرف المحادثة على الإنترنت، وبرامج التواصل الاجتماعي، وغيرها - مجموعة من الشباب، وكذلك ممّن تسمّوا باسم الدين والدين منهم براء، قد حشروا أنفسهم في مناظرات وحوارات عقديّة، لم يراعوا فيها أبسط قواعد هذه الفنون، ولذلك لم تصل هذه الحوارات إلى نتائج إيجابيّة، بل أدّت إلى التنافر والتباغض والعداء بين المسلمين عموماً.

ومن القواعد التي أقرّها العلماء في علم الجدل وفنّ الحوار والمناظرة:

أوّلاً: أن يكون الهدف معرفة الحقّ والوصول إلى الحقيقة، مع تجنّب العناد واللجاج، والإصرار على الخطأ.

ثانياً: الاستدلال بدليل يعترِف به الطرف الآخر، حسب قاعدة: (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم).

١- سورة هود (١١) : ٢٨ - ٣٢.

١٥
ثالثاً: أن يُدلي المحاوِر برأيه وأدلّته المعتبرة بكلّ رفق، وسكينة، ووقار.

رابعاً: أن يختار لمطلبه الألفاظ الواضحة، والعبارات الجميلة.

خامساً: أن يحترم الطرف الآخر، ويتجنّب السبّ والشتم.

سادساً: أن يجتنب الأساليب الملتوية، والخروج عن البحث؛ بما يشوّش على الخصم فكره.

سابعاً: أن يكون أميناً في نقله للمطالب العلميّة، ولا يتصرّف في كلام الخصم بزيادة أو نقصان، ولا ينسب إليه شيئاً لم يقُله أو حجّة لا يعتبرها.

ثامناً: أن لا يقاطع كلام المحاوِر ولا يرفع صوته عليه.

***

الحوار

معنى الحوار:

قال إسماعيل بن حمّاد الجوهري (٣٩٣ هـ) في كتابه (الصحاح تاج اللغة وصحاح العربيّة): (المُحاوَرَةُ: المُجَاوَبَةُ، والتَحَاوُرُ: التجاوب. ويقال: كلَّمتُه فما أحَارَ إليَّ جَواباً، وما رجَع إليَّ حَوِيراً ولا حِويرةً ولا مَحُورةً ولا حِوَاراً؛ أي: ما ردَّ جواباً)(١).

١- الصحاح ٢: ٦٤٠ (حور).

١٦
وقال أبو القاسم حسين بن محمّد، المعروف بالراغب الأصفهاني (٥٠٢ هـ) في كتابه (المفردات في غريب القرآن): (والمُحَاوَرَةُ والحِوَار: المُرَاودَةُ في الكلام، ومنه التَّحاوُرُ؛ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾(١).. وكلّمتُهُ فما رجعَ إليَّ حَوَارٍ أو حَوِيرٍ أو مَحْوَرَةٍ)(٢).

الحوار القرآني:

إنّ المتمعّن في آيات القرآن المجيد، يقف على حوارات قرآنيّة متعدّدة، مختلفة المعاني، يصعب احتواؤها بتعريف يجمع كلّ معانيها وأشكالها؛ لأنّها ليست على نمط واحد، لكنّها من حيث المغزى والمرمى تؤدّي أهدافاً مشتركة من أجل طرح خبر السماء وتثبيت العقيدة الحقّة، وردّ إشكالات المشركين.

ونجد صوراً متعدّدة للحِوار في القرآن الكريم بين جماعات مختلفة: بين الأنبياء وأممهم، وبين أهل الجنّة أنفسهم، وبين أهل النار، وبين أهل الجنّة وأهل النار، وبين أصحاب الأعراف، وغيرها.

أنواع الحوار القرآني:

نستطيع أن نقسّم الحوار القرآني إلى عدّة أقسام:

١- سورة المجادلة (٥٨): ١.

٢- المفردات في غريب القرآن : ١٤٢ (حور ).

١٧

الأوّل: الحوار البرهاني.

وهو عبارة عن مجموعة من الأسئلة وأجوبتها، تؤلّف بمجموعها برهاناً منطقيّاً يلزم المخاطب أو المخاطبين الإقرار بالأمر الذي صِيغَ الحوار من أجل إقناعهم به وهدايتهم إليه، انظر مثلاً: سورة يونس (١٠): ٣١ - ٣٢.

الثاني: الحوار الوصفي.

وهو حوار بين طرفين أو أكثر، يصف الحالة النفسيّة لبعض المتحاورين، أو يُشعِر السامع والقارىء بها بقصد هدايته إلى الاقتداء بالصالحين، والابتعاد عن سلوك الشرّيرين الذي أودى بهم وأوصلهم إلى هذا الندم والعذاب النفسي والجسدي.

انظر مثلاً: الحوار الذي جرى بين أهل النار أنفسهم، وبين أهل الجنّة أيضاً، في سورة الصافات (٣٧) الآية ١٥ وما بعدها.

وانظر الحوار الذي جرى بين أهل الجنّة وأهل النار وأصحاب الأعراف في سورة الأعراف (٧) الآية ٤٠ وما بعدها.

الثالث: الحوار القصصي.

وهو حوار يجري على شكل سؤال وجواب بين شخصيات القصّة الذين يقومون بأهم أحداثها، أو تتمثل فيهم تلك الأحداث والمفاجآت، أو تجري عليهم المآسي والآلام؛ التي تتميّز بها القصة.

وهذا النوع من الحوار - القصصي - يزيد في جماليّة القصّة، وإقبال

١٨
القارئ عليها، وتأثّره بأبطالها، خصوصاً إذا كانوا صادقين في وصف مشاعرهم، ممّا يزيد في رغبة القارئ في تَتَبُّعِ القصّة؛ ليتابع الأحداث التي تدور فيها؛ ليرى أيَّ الطرفَين سينتصر وتكون له الغلبة والعاقبة في نهاية الأمر.

انظر مثلاً: الحوار، بل الحوارات في القصّة الطويلة في سورة يوسف عليه السلام؛ التي تحتوي على عدّة مشاهد قصصيّة رائعة.

وانظر مثلاً: الحوار بين أهل مَدْين ورسولهم نبيّ الله شعيب عليه السلام، في سورة هود (١١) الآية ٨٤ - ٩٥.

الرابع: الحوار الخطابي.

وهو كلّ خطاب، أو نداء، أو سؤال يوجّهه القرآن إلى عباد الله، أو إلى رسول الله صلي الله عليه وآله، أو غيرهم من الناس؛ ليحضّهم على تلبيته، أو الإجابة عليه، أو ليلفت أنظارهم ويوجّه عقولهم وأفئدتهم إلى أمر يهمّهم، أو لينبّههم إلى سلوك شائن يقوم به المنحرفون ليجتنبه المؤمنون، أو ليذكّرهم بفضل الله ونعمه عليهم فيشكروه، أو ليوقظ عواطفهم ووجدانهم.

انظر لصورٍ من هذا الحوار مثلاً في سورة التحريم (٦٦): ٦، وسورة النساء (٤): ٩٤، وسورة الحجرات (٤٩): ١١، وسورة البقرة (٢):٢٦٤.

الخامس: الحوار التعليمي.

وهو الحوار الذي يطرح فيه المربّي على المتعلمين سؤالاً، وهو يعلَم أنّ إجابتهم ستأتي وِفق خبراتهم الناقصة في موضوع الجواب؛ الذي يريد شرحه لهم، ثمّ يعرض عليهم الجواب الصحيح.

١٩
ويمكن أن نطلق على هذا النوع من الحوار: الحوار التنبيهي أيضاً.

انظر: سورة النبأ من أولها، فإنّها تمثّل صورة واضحة لهذا الحوار التنبيهي.

وقد استعمل الرسول الكريم صلي الله عليه وآله هذا النوع من الحوار؛ لتعليم أصحابه الأحكام الشرعيّة، فسألهم ذات يوم: (أتدرون ما المفلَّس)؟

قالوا: المفلَّس فينا من لا درهم له ولا متاع.

فقال صلي الله عليه وآله: (إنّ المفلَّس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا.. فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته.. فإن فُنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه؛ اُخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثمّ يُطرح في النار)(١).

وعندما سألهم صلي الله عليه وآله: (أتدرون ما الغِيبة)؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

فقال لهم رسول الله صلي الله عليه وآله: (ذكرك أخاك بما يكره).

فقام أحد الصحابة وقال للنبيّ صلي الله عليه وآله: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟

فأجابه النبيّ صلي الله عليه وآله قائلاً: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتَبتَهُ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهتّه)(٢).

١- انظر: رياض الصالحين للنوري: ٩٦؛ إذ ذكر مصادره بشكل مفصّل.

٢- انظر: رياض الصالحين للنوري: ٦١٢؛ إذ ذكر مصادره بشكل مفصّل.

٢٠