×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - ج 3 / الصفحات: ١ - ٢٠

كتاب الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - (ج ٣) لـ صادق الشيخ محمّد رضا الساعدي (ص ١ - ص ١٤)

١

الفصل السابع



[image] - مركز الأبحاث العقائدية  ليلة القدر حقيقة الإمامة
(أُس المعرفة)




٢
٣

ليلة القدر
في أقوال أهل سنة الجماعة


قال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}: (أجمع المفسّرون على أنّ المراد إنّا أنزلنا القرآن في ليلة القدر، ولكنّه تعالى ترك التصريح بالذكر; لأنّ هذا التركيب يدلّ على عظم القرآن.

للقرآن نزولان:

إن قيل: ما معنى إنّه أُنزل في ليلة القدر مع العلم بأنّه أُنزل نجوماً؟ قلنا فيه وجوهاً:

أحدهما: قال الشعبي: إبتدأ بإنزاله ليلة القدر; لأنّ البعث كان في رمضان.

والثاني: قال ابن عبّاس: أُنزل إلى سماء الدنيا جملةً ليلة القدر، ثمّ إلى الأرض نجوماً.

٤

معنى القدر:

اختلفوا في أنّه لِم سُمِّيت هذه الليلة ليلة القدر على وجوه:

أحدها: إنّها ليلة تقدير الأُمور والأحكام. قال عطاء عن ابن عبّاس: إنّ الله قدّر ما يكون في تلك السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى مثل هذه الليلة من السنة الآتية، ونظيره قوله تعالى: {فيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حْكيم}، واعلم أنّ تقدير الله لا يحدث في تلك الليلة; فإنّه تعالى قدّر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض في الأزل(١)، بل المراد إظهار تلك المقادير للملائكة في تلك الليلة، بأن يكتبها في اللوح المحفوظ(٢).

بقاء ليلة القدر في كلّ عام:

وهذا القول اختيار عامّة العلماء.. هذه الليلة هل هي باقية؟

قال الخليل: من قال إنّ فضلها لنزول القرآن فيها يقول انقطعت وكانت مرّة، والجمهور على أنّها باقية.

وعلى هذا، هل هي مختصّة برمضان أم لا؟ روي عن ابن مسعود أنّه قال: من يقم الحول يصيبها، وفسّرها عِكرمة بليلة البراءة في قوله: {إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَة

١- لا يخفى أنّ الرازي قد خلط بين علم الباري الأزلي بالأشياء ومقاديرها، وبين نفس فعل التقدير في اللوح والقلم والقضاء وإبرامه، فإنّ هذه أفعال حادثة في عالم المخلوقات كما هو صريح روايات الفريقين في شأن ليلة القدر.

٢- هذا التصريح منه متدافع مع نفيه حدوث التقدير السابق.

٥
مُبارَكَة}(١)، والجمهور على أنّها مختصّة برمضان، واحتجّوا عليه بقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضانُ الَّذي اُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ}، وقال: {إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، فوجب أن تكون ليلة القدر في رمضان، لئلاّ يلزم التناقض.

ليلة القدر عوض للنبيّ من غصب بني أُميّة الخلافة:

وقال في تفسير الآية(٢) بوجوه:

منها: روى القاسم بن فضل عن عيسى بن مازن، قال:

"قلت للحسن بن عليّ (عليه السلام): يا مسوّد وجوه المؤمنين، عمدت إلى هذا الرجل فبايعت له، يعني معاوية، فقال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رأى في منامه بني أُمية يطؤون منبره واحداً بعد واحد، وفي رواية ينزون على منبره نزو القردة، فشقّ ذلك عليه، فأنزل الله تعالى: {إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ} إلى قوله: {خَيْرٌ مِنْ ألْفِ شَهْر}، يعني ملك بني أُمية. قال القاسم فحسبنا ملك بني أمية فإذا هو ألف شهر".

طعن القاضي في هذه الوجوه، فقال: ما ذُكر من {ألْفِ شَهْر} في أيّام بني أُمية بعيد; لأنّه تعالى لا يذكر فضلها بذكر ألف شهر مذمومة، وأيّام بني أُمية كانت مذمومة.

واعلم أنّ هذا الطعن ضعيف; وذلك لأنّ أيّام بني أُمية كانت أيّاماً عظيمة بحسب السعادات الدنيوية، فلا يمتنع أن يقول الله: إنّي أعطيتك ليلة هي في

١- سورة الدخان ٤٤: ٣.

٢- وهي قوله تعالى: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ ألْفِ شَهْر).

٦
السعادات الدينية أفضل من تلك السعادات الدنيوية.

تنزّل الملائكة على أرواح البشر:

قال في تفسير قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكْةُ وَالرُّوحُ فيها}: إعلم أنّ نظر الملائكة على الأرواح، ونظر البشر على الأشباح.. فكذا الملائكة لمّا رأوا في روحك الصورة الحسنة وهي معرفة الله وطاعته أحبّوك، فنزلوا إليك معتذرين عمّا قالوه أوّلاً، فهذا هو المراد من قوله {تَنَزَّلُ الْمَلائِكْةُ}، فإذا نزلوا إليك رأوا روحك في ظلمة ليل البدن وظلمة القوى الجسمانية..

إنّ قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكْةُ} يقتضي ظاهره نزول كلّ الملائكة، ثمّ إنّ الملائكة لهم كثرة عظيمة.. والمروي أنّهم ينزلون فوجاً فوجاً، فمن نازل وصاعد كأهل الحجّ، فإنّهم على كثرتهم يدخلون الكعبة بالكلّية، لكنّ الناس بين داخل وخارج، ولهذا السبب مدّه إلى غاية طلوع الفجر، فلذلك ذكر بلفظ {تَنَزَّلُ} الذي يفيد المرّة بعد المرّة.

والقول الثاني: وهو اختيار الأكثرين، أنّهم ينزلون إلى الأرض، وهو الأوجه; لأنّ الغرض هو الترغيب في إحياء هذه الليلة; ولأنّه دلّت الأحاديث على أنّ الملائكة ينزلون في سائر الأيام إلى مجالس الذكر والدين، فلأن يحصل ذلك في هذه الليلة مع علوّ شأنها أولى; ولأنّه روي عن عليّ (عليه السلام): "أنّهم ينزلون ليسلّموا علينا وليشفعوا لنا، فمن أصابته التسليمة غُفِرَ له ذنبه".

من الروح النازل ليلة القدر؟

٧
وقال: ذكروا في الروح أقوالاً:

أحدها: أنّه ملك عظيم لو التقمَ السماوات والأرضين كان له ذلك لقمة واحدة.

وثانيها: طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلاّ في ليلة القدر...

وثالثها: خَلْق من خلق الله يأكلون ويلبسون، ليسوا من الملائكة ولا من الإنس، ولعلّهم خدم أهل الجنّة.

ورابعها: يُحتمل أنّه عيسى (عليه السلام) ; لأنّه اسمه، ثم إنّه ينزل في مواقفه الملائكة ليطّلع على أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله).

وخامسها: إنّه القرآن {وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا}(١).

وسادسها: الرحمة، قُرئ: {لا تَيْأَسُوا مِنْ رُوحِ اللَّهِ} بالرفع، كأنّه تعالى يقول: الملائكة ينزلون رحمتي تنزل في أثرهم، فيجدون سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.

وسابعها: الروح أشرف الملائكة.

وثامنها: عن أبي نجيح: الروح هم الحفظة والكرام الكاتبون، فصاحب اليمين يكتب إتيانه بالواجب، وصاحب الشمال يكتب تركه للقبيح.

والأصحّ أنّ الروح هاهنا جبرئيل، وتخصيصه بالذكر لزيادة شرفه، كأنّه تعالى يقول: الملائكة في كفّة والروح في كفّة.

أقول: إذا كان النازل هو جبرئيل (عليه السلام) كلّ عام، فعلى من يتنزّل جبرئيل (عليه السلام) بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة؟!!

١- سورة الشورى ٤٢: ٥٢.

٨

ما هي الأُمور التي تتنزّل بها الروح والملائكة؟

وقال: وأمّا قوله تعالى: {مِنْ كُلِّ أَمْر} فمعناه تنزّل الملائكة والروح فيها من أجل كلّ أمر، والمعنى: إنّ كلّ واحد منهم إنّما نزل لمهمّ آخر ما. ثمّ ذكروا فيه وجوهاً:

أحدها: إنّهم كانوا في أشغال كثيرة، فبعضهم للركوع وبعضهم للسجود وبعضهم بالدعاء، وكذا القول في التفكير والتعليم وإبلاغ الوحي، وبعضهم لإدراك فضيلة الليلة، أو ليسلّموا على المؤمنين.

وثانيها: وهو قول الأكثرين ـ من أجل كلّ أمر قُدّر في تلك السنة من خير أو شرّ، وفيه إشارة إلى أنّ نزولهم إنّما كان عبادة، فكأنّهم قالوا: ما نزلنا إلى الأرض لهوى أنفسنا، لكن لأجل أمر فيه مصلحة المكلّفين، وعمّ لفظ الأمر ليعمّ خير الدنيا والآخرة; بياناً منه أنّهم ينزلون بما هو صلاح المكلّف في دينه ودنياه، كأنّ السائل يقول: من أين جئت؟ فيقول: ما لك وهذا الفضول؟ ولكن قُل: لأي أمر جئت; لأنّه حظّك.

وثالثها: قرأ بعضهم {مِنْ كُلِّ أَمْر}، أي من أجل كلّ إنسان، وروى أنّهم لا يلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلاّ سلّموا عليه، قيل أليس أنّه قد رُوي أنّه تقسّم الآجال والأرزاق ليلة النصف من شعبان، والآن تقولون أنّ ذلك يكون ليلة القدر؟ قلنا: عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "إنّ الله يقدّر المقادير في ليلة البراءة، فإذا كان ليلة القدر يسلّمها إلى أربابها"، وقيل: يقدّر ليلة البراءة الآجال والأرزاق، وليلة القدر يقدّر الأُمور التي فيها الخير والبركة والسلامة، وقيل: يقدّر في ليلة القدر ما يتعلّق به إعزاز الدين وما فيه النفع العظيم للمسلمين، وأمّا ليلة البراءة فيكتب فيها أسماء من يموت ويسلّم إلى ملك الموت).

٩
وقال في سورة الشورى في ذيل قوله تعالى {وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا}(١): والمراد به القرآن، وسمّاه روحاً لأنّه يفيد الحياة من موت الجهل أو الكفر.

وقال في سورة الدخان في ذيل قوله تعالى {إنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَة مُبارَكَة}(٢)، اختلفوا في هذه الليلة المباركة، فقال الأكثرون: إنّها ليلة القدر، وقال عكرمة وطائفة آخرون: إنّها ليلة البراءة.

وإنّه تعالى قال في صفة ليلة القدر: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر سَلامٌ هِيَ}، وقال أيضاً هاهنا: {فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حْكيم}، وهذا مناسب لقوله: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكْةُ وَالرُّوحُ فِيها}، وهاهنا: {أَمْراً مِنْ عِنْدِنا}، وقال في تلك الآية {بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر}، وقال هاهنا: {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ}، وقال في تلك الآية: {سَلامٌ هِيَ}.

اشتمال مراتب القرآن على المقدّرات الحادثة في كلّ عام:

وقال (المسألة الثامنة) في تفسير مفردات هذه الألفاظ: أمّا قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَة مُبارَكَة}(٣) فقد قيل فيه: إنّه تعالى أنزل كلّية القرآن، يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة، ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتُدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ونسخة الحروب إلى جبرائيل، وكذلك الزلازل والصواعق

١- سورة الشورى ٤٢: ٥٢.

٢- سورة الدخان ٤٤: ٣.

٣- سورة الدخان ٤٤: ٣.

١٠
والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت، انتهى كلامه.

وقال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: (في تفسير قوله تعالى: {إنّا أَنْزَلْناهُ} يعني القرآن، وإن لم يجرِ له ذكر في هذه السورة; لأنّ المعنى معلوم، والقرآن كلّه كالسورة الواحدة، وقد قال: {شَهْرُ رَمَضانُ الَّذي اُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ}، وقال: {حم وَالْكِتابِ الْمُبينِ إنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَة مُبارَكَة}(١) يريد: في ليلة القدر.

وقال الشعبي: المعنى إنّا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر. وقيل: بل نزل به جبريل (عليه السلام) جملة واحدة في ليلة القدر، من اللوح المحفوظ، إلى سماء الدنيا، إلى بيت العزّة، وأملاه جبريل على السفرة، ثمّ كان جبريل ينزّله على النبيّ (صلى الله عليه وآله) نجوماً نجوماً، وكان بين أوّله وآخره ثلاث وعشرون سنة، قاله ابن عبّاس، وقد تقدّم في سورة البقرة. وحكى الماوردي عن ابن عبّاس قال: نزل القرآن في شهر رمضان وفي ليلة القدر، في ليلة مباركة جملة واحدة من عند الله، من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجّمته السفرة الكرام الكاتبون على جبريل عشرين سنة، ونجّمه جبريل على النبيّ (صلى الله عليه وآله) عشرين سنة.

قال ابن العربي: وهذا باطل; ليس بين جبريل وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ومحمّد (عليهما السلام) واسطة.

قوله تعالى: {في لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، قال مجاهد: في ليلة الحكم. {وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ}، قال ليلة الحكم، والمعنى ليلة التقدير، سمّيت بذلك لأنّ الله تعالى يقدّر فيها ما يشاء من أمره، إلى مثلها من السنة القابلة، من أمر الموت والأجل والزرق وغيره، ويسلّمه إلى مدبّرات الأُمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل (عليهم السلام).

١- سورة الدخان ٤٤: ١ - ٣.

١١

أُمّ الكتاب في القرآن متضمّنة لتقدير كلّ شيء:

وقال: وعن ابن عبّاس قال: يكتب من أمّ الكتاب ما يكون في السنة من رزق ومطر وحياة وموت، حتّى الحاجّ. قال عكرمة: يكتب حجّاج بيت الله تعالى في ليلة القدر بأسمائهم وأسماء آبائهم، ما يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم.

وقاله سعيد بن جُبير، وقد مضى في أوّل سورة الدخان هذا المعنى. وعن ابن عبّاس أيضاً: إنّ الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلّمها إلى أربابها في ليلة القدر. وقيل: إنّما سمّيت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها، من قولهم: لفلان قدر، أي شرف ومنزلة)(١).

ليلة القدر عوض للنبي (صلى الله عليه وآله) وآله (عليهم السلام) عن غصب الخلافة:

وقال: (وفي الترمذي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أرى بني أُمية على منبره فساءه ذلك، فنزلت {إنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ}، يعني نهراً في الجنّة، ونزلت {إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر}، يملكها بعدك بنو أُمية. قال القاسم بن الفضل الحدّاني: فعددناها فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً. قال: حديث غريب.

١- تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن ٢٠ / ١٢٩ - ١٣٠ طبعة القاهرة.

١٢
قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكْةُ} أي تهبط من كلّ سماء، ومن سدرة المنتهى، ومسكن جبريل على وسطها، فينزلون إلى الأرض ويؤمّنون على دعاء الناس إلى وقت طلوع الفجر، فذاك قوله تعالى {تَنَزَّلُ الْمَلائِكْةُ}.

حقيقة الروح النازل ليلة القدر:

وقال: {وَالرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ}(١) أي جبرئيل (عليه السلام)، وحكى القُشيري: أنّ الروح صنف من الملائكة جُعلوا حفظة على سائرهم، وأنّ الملائكة لا يرونهم كما لا نرى نحن الملائكة. وقال مقاتل: هم أشرف الملائكة وأقربهم من الله تعالى. وقيل: إنّهم جند من جند الله عزّوجلّ من غير الملائكة، رواه مجاهد عن ابن عبّاس مرفوعاً، ذكره الماوردي، وحكى القُشيري: قيل هم صنف من خلق الله يأكلون الطعام ولهم أيد وأرجل وليسوا ملائكة.

وقيل: (الروح) خلق عظيم يقوم صفّاً، والملائكة كلّهم صفّاً. وقيل: (الروح) الرحمة ينزل بها جبريل (عليه السلام) مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها، دليله {يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}(٢)، أي بالرحمة، {فِيها} أي في ليلة القدر، {بِإذْنِ رَبِّهِمْ} أي بأمره، {مِن كُلِّ أَمْر}(٣) أمر بكلّ أمر قدّره الله وقضاه في تلك السنة إلى قابل.

وقيل عنه: إنّها رُفعت يعني ليلة القدر ـ وإنّها إنّما كانت مرّة واحدة.

١- سورة القدر ٩٧: ٤.

٢- سورة النحل ١٦: ٢.

٣- سورة القدر ٩٧: ٥.

١٣

بقاء ليلة القدر في كلّ عام:

وقال: (والصحيح أنّها باقية.. والجمهور على أنّها من كلّ عام من رمضان.. وقال الفرّاء: لا يقدّر الله في ليلة القدر إلاّ السعادة والنعم ويقدّر في غيرها البلايا والنقم)(١).

وقال الطبري في تفسيره في ذيل سورة البروج: {فِي لَوْح مَحْفُوظ} بسنده إلى مجاهد في لوح قال: (في أُمّ الكتاب)(٢).

وقال ابن كثير في تفسيره، بعد ما نقل جملة ممّا ذكره عنه الرازي والقرطبي، والذي مرّ نقله، قال: (اختلف العلماء هل كانت ليلة القدر في الأُمم السالفة، أم هي من خصائص هذه الأُمّة؟ فقال الزهري.. وهذا الذي قاله مالك يقتضي تخصيص هذه الأُمّة بليلة القدر. وقيل: إنّها كانت في الأُمم الماضين كما هي في أُمّتنا، ثمّ هي باقية إلى يوم القيامة وفي رمضان خاصّة)(٣).

وقال الزمخشري في الكشّاف بعد ما ذكره جملة ممّا ذكره عنه الرازي والقرطبي، في ذيل قوله تعالى {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}(٤) قال: (وسبب ارتقاء فضلها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من المصالح الدينية التي ذكرها من تنزّل الملائكة والروح، وفصل كلّ أمر حكيم.

وقال في ذيل قوله تعالى {مِنْ كُلِّ أَمْر}(٥)، أي تتنزّل من أجل كلّ أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل.. وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "من قرأ سورة القدر أُعطي من

١- تفسير القرطبي ٢٠ / ١٣٣ - ١٣٧ في تفسير الجامع لأحكام القرآن طبعة القاهرة.

٢- جامع البيان ٣٠ / ١٧٦.

٣- تفسير ابن كثير ٤ / ٥٦٨.

٤- سورة القدر ٩٧: ٢.

٥- سورة القدر ٩٧: ٥.

١٤
كتاب الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - (ج ٣) لـ صادق الشيخ محمّد رضا الساعدي (ص ١٥ - ص ٢٦)

١٥
يا رسول الله مالي أراك كئيباً حزيناً؟ قال: يا جبرئيل إنّي رأيت بني أُمية في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي يضلّون الناس عن الصراط القهقري. فقال: والذي بعثك بالحقّ نبيّاً إنّي ما اطّلعت عليه. فعرّج إلى السماء فلم يلبث أن نزل بآي من القرآن يُؤنسه بها، قال: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}(١)، وأُنزل عليه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر}، جعل الله ليلة القدر لنبيه (صلى الله عليه وآله) خيراً من ألف شهر ملك بني أُمية)(٢).

وروى الكليني عن علي بن عيسى القمّاط عن عمّه، قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: هبط جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورسول الله كئيب حزين، فقال: رأيت بني أُمية يصعدون المنابر وينزلون منها. قال: والذي بعثك بالحقّ نبيّاً، ما علمت بشيء من هذا. وصعد جبرئيل إلى السماء، ثمّ أهبطه الله جلّ ذكره بآي من القرآن يعزّيه بها قوله: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}(٣).

وأنزل الله جلّ ذكره: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر} للقوم، فجعل الله ليلة القدر (لرسوله) خير، من ألف شهر)(٤).

وفي سند الصحيفة السجادية، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: "إنّ أبي حدّثني عن أبيه عن جدّه عن عليّ (عليه السلام): إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذته نعسة وهو على منبره، فرأى في منامه رجالاً ينزون على منبره نزو القردة، يردّون الناس على أعقابهم القهقري، فاستوى

١- سورة الشعراء ٢٦: ٢٠٥-٢٠٧.

٢- الكافي ٤ / ١٥٩.

٣- سورة الشعراء ٢٦: ٢٠٥ - ٢٠٦.

٤- الكافي ٨ / ٢٢٣.

١٦
رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالساً والحزن يعرف في وجهه، فأتاه جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا}، يعني بني أُمية. قال: يا جبرئيل على عهدي يكونون وفي زمني؟

قال: لا، ولكن تدور رحى الإسلام من مُهاجرك فتلبث بذلك عشراً، ثمّ تدور رحى الإسلام على رأس خمسة وثلاثين من مهاجِرَك فتلبث بذلك خمساً، ثمّ لابدّ من رحى ضلاله هي قائمة على قطبها ثمّ ملك الفراعنة. قال: وأنزل الله تعالى في ذلك: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر} يملكها بنو أُمية. فيها ليلة القدر.

قال: فأطلع الله عزّ وجلّ نبيّه (صلى الله عليه وآله) أنّ بني أُمية تملك سلطان هذه الأُمّة وملكها طول هذه المدّة، فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها حتّى يأذن الله تعالى بزوال ملكهم، وهم في ذلك يستشعرون عداوتنا أهل البيت وبغضنا. أخبر الله نبيّه بما يلقي أهل بيت محمّد وأهل مودّتهم وشيعتهم منهم في أيامهم وملكهم"(١).

وفي تأويل الآيات: "روي عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قوله عزّ وجلّ: {خَيْرٌ مِنْ ألْفِ شَهْر} هو سلطان بني أُمية.

وقال: ليلة من إمام عادل خير من ألف شهر ملك بني أُمية.

وقال: {تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر} أيّ من عند ربّهم على محمّد وآل محمّد بكلّ أمر سلام"(٢).

وفي تفسير القمّي: بسنده في معنى سورة {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} فهو القرآن..

١- الصحيفة السجادية الكاملة: ١٥ - ١٦.

٢- تأويل الآيات ٢ / ٨١٧ ح٢.

١٧
قوله: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر}.

أقول: تكثير الروايات في غصب الخلافة من بني أُمية، وتأذّي النبيّ (صلى الله عليه وآله) وتعويضه بليلة القدر، وسيأتي معنى تعويضه بليلة القدر، وتسالم كثير من علماء الجمهور بهذه الروايات، هذا الأمر أحد الأدلّة على أنّ الخلافة في الشريعة الإلهية هي منصب أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله) فتدبّر تبصر.

حقيقة النازل الذي نزل في ليلة القدر:

وقال في ذيل قوله تعالى {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}: الضمير عند الجمهور للقرآن، وادّعى الإمام فيه إجماع المفسّرين، وكأنّه لم يعتقد بقول من قال منهم برجوعه لجبرئيل (عليه السلام) أو غيره; لضعفه. قالوا: وفي التعبير عنه بضمير الغائب مع عدم تقدّم ذكره تعظيم له، أي تعظيم لما أنّه يشعر بأنّه لعلوّ شأنه كأنّه حاضر عند كلّ أحد.

جهل الخلق بحقيقة ليلة القدر:

وقال في ذيل قوله تعالى {وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ}(١): لما فيه من الدلالة على أنّ علوّها خارج عن دائرة دراية الخلق، لا يُعلم ذلك، ولا يعلم به إلاّ علاّم الغيوب.

١- سورة القدر ٩٧: ٢.

١٨

حقيقة نزول القرآن جملة واحدة:

ثمّ ذكر جملة في تعدّد نزول القرآن جملةً واحدةً ونجوماً، وذكر في ضمنها هذه الرواية عن ابن عبّاس: "أُنزل القرآن جملةً واحدة حتّى وضع في بيت العزّة في السماء الدنيا، ونزل به جبريل (عليه السلام) على محمّد (صلى الله عليه وآله) بجواب كلام العباد وأعمالهم".. ثمّ نقل الاختلاف بين المفسّرين عندهم في قوله تعالى: {أَنْزَلْنَاهُ} من جهة نزول القرآن جملةً واحدة، فهل تضمّن القرآن النازل جملةً واحدة هذه العبارة أم لا؟ فلابدّ من ارتكاب المجاز في الإسناد; لأنّه إخبار عمّا وقع فيما مضى، فكيف يكون هذا اللفظ في ضمنه؟

فذكر قولاً للرازي في حلّ الإشكال، وللقرطبي وابن كثير، وضعّف قولهم، ونقل عن ابن حجر في شرح البخاري أنّه أُنزل جملةً واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة في السماء الدنيا، بل حكى بعضهم الإجماع عليه، ثمّ نقل جواباً لحلّ الإشكال عن السيد عيسى الصفوي، ثمّ الاختلاف بين الدواني وغيره، وأنّه ألّف رسالة في ذلك في الجواب عن مسألة الحذر الأصمّ.

ثمّ نقل عن الاتقان قول أبي شامة: فإن قلت {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} إن لم يكن من جملة القرآن الذي نزل جملة فما نزل جملة، وإن كان من الجملة فما وجه هذه العبارة؟

قلت: لها وجهان:

أحدهما: أن يكون المعنى إنّا حكمنا بإنزاله في ليلة القدر، وقضينا به وقدّرناه في الأزل.

والثاني: أنّ لفظ {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} ماض ومعناه على الاستقبال، أي تنزّله جملة في

١٩
ليلة القدر.

ثمّ ذكر عدم ارتضائه لهذا القول وعدم حسنه.

ثمّ نقل أقوالاً أُخر، ثمّ قال: والمراد بالإنزال إظهار القرآن من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، أو إثباته لدى السفرة هناك، أو نحو ذلك ممّا لا يشكل نسبته إلى القرآن.

تقدير الأُمور في ليلة القدر على من تُنزّل؟

وقال في معنى ليلة القدر: إنّها ليلة التقدير، وسبب تسميتها بذلك; لتقدير ما يكون في تلك السنة من أُمور. قال: المراد إظهار تقديره ذلك للملائكة (عليهم السلام) المأمورين بالحوادث الكونية. ثمّ نقل عن بعض تفسير ذلك: هاهنا ثلاثة أشياء:

الأوّل: نفس تقدير الأُمور، أي تعيين مقاديرها وأوقاتها، وذلك في الأزل.

الثاني: إظهار تلك المقادير للملائكة (عليهم السلام) بأن تكتب في اللوح المحفوظ، وذاك في ليلة النصف من شعبان.

الثالث: إثبات تلك المقادير في نسخ وتسليمها إلى أربابها من المدبّرات، فتدفع نسخة الأرزاق والنباتات والأمطار إلى ميكائيل (عليه السلام)، ونسخة الحروب والرياح والجنود والزلازل والصواعق والخسف إلى جبرئيل (عليه السلام)، ونسخة الأعمال إلى إسرافيل (عليه السلام)، ونسخة المصائب إلى ملك الموت، وذلك في ليلة القدر.

وقيل: يقدّر في ليلة النصف الآجال والأرزاق، وفي ليلة القدر الأُمور التي فيها الخير والبركة والسلامة. وقيل: يقدّر في هذه ما يتعلّق به إعزاز الدين وما فيه النفع العظيم للمسلمين، وفي ليلة النصف يكتب أسماء من يموت ويسلّم إلى ملك

٢٠