×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - ج 3 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الموت، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

أقول: إنّ المكتوب في ليلة القدر ويقدّر يُفترض أنّ كتابته وتقديره إنّما يُكتب ويقدّر لتسليمه إلى من يوكّل إليه تدبير الأُمور بإذن الله، كالملائكة الموكّلين، فالتنزّل بكلّ هذه التقديرات والكتابة إلى الأرض إلى من يسلّم؟ ومن هو الذي يطّلع على ذلك من أهل الأرض؟ وما هو التناسب بين نزول ما فيه إعزاز الدين والأُمّة، والحديث النبويّ: "إنّ الإسلام لا يزال عزيزاً إلى اثني عشر خليفة.... كلّهم من قريش"(١).

أقوال علماء سنّة الجماعة في عوضية الليلة له عن غصب الخلافة:

قال في تفسير (ألف شهر): وقد سمعت إلى ما يدلّ أنّ الألف إشارة إلى مُلك بني أُميّة، وكان على ما قال القاسم بن الفضل: ألف شهر، لا يزيد يوماً ولا ينقص يوماً، على ما قيل ثمانين سنة، وهي ألف شهر تقريباً; لأنّها ثلاثة وثمانون سنة وأربعة أشهر، ولا يعكّر على ذلك ملكهم في جزيرة الأندلس بعد; لأنّه ملك يسير في بعض أطراف الأرض وآخر عمارة العرب، ولذا لا يعدّ من مَلَكَ منهم هناك من خلفائهم، وقالوا بانقراضهم بهلاك مروان الحمار.

وطعن القاضي عبد الجبّار في كون الآية إشارة لما ذكر بأنّ أيام بني أُمية كانت مذمومة أي باعتبار الغالب، فيبعد أن يقال في شأن تلك الليلة إنّها خير من ألف شهر مذمومة:


ألم ترَ أنّ السيف ينقص قدرهإذا قيل إنّ السيف خيرٌ من العصا

١- المعجم الكبير للطبراني ٢ / ٢٣٢. ولاحظ إحقاق الحق ١٣ / ١ ـ ٤٩.

٢١
وأُجيب: إنّ تلك الأيام كانت عظيمة بحسب السعادات الدنيوية، فلا يبعد أن يقول الله تعالى: أعطيتك ليلة في السعادات الدينية أفضل من تلك في السعادات الدنيوية، فلا تبقى فائدة.

ليلة القدر مع الأنبياء في ما مضى فهي مع من في ما بقي:

الروح النازل في ليلة القدر قناة غيبية كانت مع الأنبياء، فهي مع من بعد النبيّ الخاتم؟

قال: وما أشير إليه من خصائص هذه الأُمّة هو الذي يقتضيه أكثر الأخبار الواردة في سبب النزول، وصرّح به الهيثمي وغيره. وقال القسطلاني: إنّه معترض بحديث أبي ذر عند النسائي، حيث قال فيه: "يا رسول الله، أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رُفعت. قال: بل هي باقية". ثمّ ذكر أنّ عمدة القائلين بذلك الخبر الذي قدّمناه في سبب النزول من رؤيته (صلى الله عليه وآله) تقاصر أعمار أُمّته عن أعمار الأُمم، وتعقّبه بقوله هذا محتمل للتأويل، فلا يدفع الصريح في حديث أبي ذر كما قاله الحافظان ابن كثير في تفسيره، وابن حجر في فتح الباري.

وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافاً كثيراً، وتحصّل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولاً، كما وقع لنا نظير ذلك في ساعة الجمعة، وقد اشتركنا في إخفاء كلّ منهما ليقع الحدّ في طلبهما:

القول الأوّل: إنّها رُفعت أصلاً ورأساً، حكاه المتولّي في التتمّة عن الروافض، والفاكهاني في شرح العمدة عن الحنفية، وكأنّه خطأ منه، والذي حكاه السروجي أنّه قول الشيعة.

أقول: بل الشيعة الإمامية هم المذهب الوحيد على وجه الأرض القائلون ببقاء

٢٢
الاتّصال بين الأرض والسماء، وأنّ هناك سبب متّصل هو الإمام من عترة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وإن لم يكن هذا الاتّصال وحياً نبويّاً، وهو الذي يتنزّل عليه الروح الأعظم والملائكة كلّ عام بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بينما المذاهب الإسلامية كلّها حتّى الزيدية، وإن قالوا باستمرار الإمامة السياسية وعدم حصرها بالأئمّة المنصوص عليهم وأنّ الإمامة هي لكلّ من قام بالثورة على الظلم ولا يشترط فيها العصمة، إلاّ أنّهم قائلون بانقطاع الاتّصال أيضاً بين الغيب والشهادة، وانقطاع الاتّصال ذهبت إليه اليهود بعد النبيّ موسى (عليه السلام)، كما ذهبت إليه النصارى بعد النبيّ عيسى (عليه السلام).

وقال: وقد روى عبد الرزّاق من طريق داود بن أبي عاصم، عن عبد الله بن يخنس: قلت لأبي هريرة: زعموا أنّ ليلة القدر رُفعت، قال: كذّب من قال ذلك.

ومن طريق عبد الله بن شُريك قال: ذكر الحجاج ليلة القدر فكأنّه أنكرها، فأراد زر بن حُبيش أن يحصبه فمنعه قوم.

الثاني: إنّها خاصّة بسنة واحدة وقعت في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حكاه الفاكهاني أيضاً.

الثالث: إنّها خاصّة بهذه الأُمّة، ولم تكن في الأُمم قبلهم، جزم به ابن حبيب وغيره من المالكية ونقله الجمهور، وحكاه صاحب العدّة من الشافعية ورجّحه، وهو معترض بحديث أبي ذر عند النسائي، حيث قال فيه: قلت: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) تقاصر أعمار أمّته عن أعمار الأُمم الماضية، فأعطاه الله ليلة القدر، وهذا يحتمل التأويل، فلا يدفع التصريح في حديث أبي ذر.(١)

١- فتح الباري: ٢٦٢ - ٢٦٣ كتاب فضل ليلة القدر.

٢٣

ليلة القدر يفصل فيها المقدّرات لأحداث كلّ السنة:

وقال الآلوسي في روح المعاني في تفسير قوله تعالى {مِنْ كُلِّ أَمْر}(١): أي من أجل كلّ أمر تعلّق به التقدير في تلك السنة إلى قابل وأظهره سبحانه وتعالى لهم، قاله غير واحد. فـ (من) بمعنى اللام التعليلية متعلّقة بتنزّل، وقال أبوحاتم: (من) بمعنى الباء، أي تنزّل بكلّ أمر، فقيل: أي من الخير والبركة، وقيل: من الخير والشرّ وجعلت الباء عليه للسببية.

والظاهر على ما قالوا إنّ المراد بالملائكة المدبّرات; إذ غيرهم لا تعلّق له بالأُمور التي تعلّق بها التقدير ليتنزّلوا لأجلها على المعنى السابق، وهو خلاف ما تدلّ عليه الآثار من عدم اختصاصهم بالمدبّرات.(٢)

ليلة القدر يتحقّقها وتتنزّل على من شاء الله تعالى من عباده:

جاء في شرح صحيح مسلم للنووي قوله: (إعلم أنّ ليلة القدر موجودة، وأنّها تُرى ويتحققّها من شاء الله تعالى من بني آدم كلّ سنة في رمضان، كما تظاهرت عليه الأحاديث وأخبار الصالحين بها، ورؤيتهم لها أكثر من أن تُحصى. وأمّا قول القاضي عياض عن المهلّب بن أبي صُفرة: لا يمكن رؤيتها حقيقةً، فغلط فاحش نبهتُ عليه لئلاّ يُغترّ به)(٣).

١- سورة القدر ٩٧: ٦.

٢- روح المعاني ٣٠ / ١٩٦.

٣- شرح مسلم ٨ / ٦٦.

٢٤
وقال في ذيل سورة الدخان في قوله تعالى {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة}(١): أي الكتاب المبين الذي هو القرآن على القول المعوّل عليه في {لَيْلَة مُبَارَكَة} هي ليلة القدر، على ما روي عن ابن عبّاس وقتادة.

وفي تحفة المحتاج لابن حجر الهيثمي: "ليس لرائيها كتمها، ولا ينال فضلها أي كمالها إلاّ من أطلعه الله عليها"، انتهى. والظاهر أنّه عنى برؤيتها رؤية ما يحصل به العلم له بها ممّا خُصّت به من الأنوار وتنزّل الملائكة (عليهم السلام)، أي نحو من الكشف ممّا لا يعرف حقيقته إلاّ أهله، وهو كالنصّ في أنّها يراها من شاء الله تعالى من عباده. ثمّ حكى عن ابن شاهين: إنّه لا يراها أحد من الأوّلين والآخرين إلاّ نبيّنا (صلى الله عليه وآله).

ثمّ قال: وفي بعض الأخبار ما يدلّ على أنّ رؤيتها مناماً وقعت لغيره (صلى الله عليه وآله)، ففي صحيح مسلم وغيره عن ابن عمر: "إنّ رجالاً من أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال (صلى الله عليه وآله): أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرّياً فليتحرَّها في السبع الأواخر"(٢).

وحكي نحو قول ابن شاهين عن غيره أيضاً وغلط، ففي شرح صحيح مسلم وابن جُبير ومجاهد وابن زيد والحسن، وعليه أكثر المفسّرين والظواهر معهم.. والمراد بإنزاله في تلك الليلة إنزاله فيها جملةً إلى السماء الدنيا من اللوح، فالإنزال المنجّم في ثلاث وعشرين سنة أو أقل كان من السماء الدنيا، وروي هذا عن ابن جرير وغيره، وذكر أنّ المحلّ الذي أُنزل فيه من تلك السماء البيت المعمور، وهو مسامت للكعبة، بحيث لو نزل لنزل عليها.

وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي أنّه قال: أُنزل القرآن جملةً على جبرئيل (عليه السلام) وكان جبرئيل (عليه السلام) يجيء به بعدُ إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله).

١- سورة الدخان ٤٤: ٣.

٢- صحيح مسلم ٣ / ١٧٠.

٢٥

ليلة القدر في سورة الشورى والنزول الأول للقرآن:

وقال في ذيل قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ..}(١): وهو ما أُوحي إليه عليه الصلاة والسلام، أو القرآن الذي هو للقلوب بمنزلة الروح للأبدان حيث يحييها حياة أبدية. وقيل: أي ومثل الإيحاء المشهود لغيرك، أوحينا أبو القاسم إليك. وقيل: أي مثل ذلك الإيحاء المفصّل، أوحينا إليك، إذ كان عليه الصلاة والسلام اجتمعت له الطرق الثلاث، سواء فُسّر الوحي بالإلقاء، أم فُسّر بالكلام الشفاهي.

وقد ذُكر أنّه عليه الصلاة والسلام قد أُلقي إليه في المنام كما أُلقي إلى إبراهيم (عليه السلام)، وأُلقي إليه عليه الصلاة والسلام في اليقظة على نحو إلقاء الزبور إلى داود (عليه السلام). ففي "الكبريت الأحمر" للشعراني نقلاً عن الباب الثاني من "الفتوحات المكّية": أنّه (صلى الله عليه وآله) أُعطي القرآن مجملاً قبل جبرئيل (عليه السلام)، من غير تفصيل الآيات والسور. وعن ابن عبّاس تفسير الروح بالنبوّة. وقال الربيع: هو جبرئيل (عليه السلام).

وعليه، فأوحينا مضمّن معنى أرسلنا، والمعنى: أرسلناه بالوحي إليك; لأنّه لا يقال: أوحى الملك بل أرسله.

ونقل الطبرسي عن أبي جعفر وأبي عبدالله رضي الله تعالى عنهما: أنّ المراد بهذا الروح ملك أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يصعد

١- سورة الشورى ٤٢: ٥٢.

٢٦
كتاب الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - (ج ٣) لـ صادق الشيخ محمّد رضا الساعدي (ص ٢٧ - ص ٣٧)

٢٧

ليلة القدر
في روايات أهل سنّة الخلافة


دوام ليلة القدر في كلّ عام إلى يوم القيامة:

١ ـ فقد روى عبد الرزّاق الصنعاني في (المصنّف)، بسنده عن مولى معاوية، قال: (قلت لأبي هريرة: زعموا أنّ ليلة القدر قد رُفعت، قال: كذّب من قال كذلك، قلت: فهي كلّ شهر رمضان استقبله؟ قال: نعم.. الحديث)(١)، ورواه عنه بطريق آخر(٢)، ورواه كنز العمّال أيضاً(٣).

٢ ـ وروى عبد الرزّاق الصنعاني في المصنّف بسنده عن ابن عبّاس، قال: "ليلة في كلّ رمضان يأتي، قال: وحدّثني يزيد بن عبدالله بن الهاد: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) سُئِل عن ليلة القدر، فقيل له: كانت مع النبيّين ثم رُفعت حين قُبضوا، أو هي في كلّ سنة؟ قال: بل

١- المصنّف ٣ / ٢١٦ ح ٥٥٨٦.

٢- المصنّف ٤ / ٢٥٥ ح ٧٧٠٧.

٣- كنز العمّال ٨ / ٦٣٤ ح ٢٤٤٩٠.

٢٨
هي في كلّ سنة، بل هي في كلّ سنة"(١).

٣ ـ وروي عن ابن جرير، قال: "حُدّثت: أنّ شيخاً من أهل المدينة سأل أباذر بمنى، فقال: رُفعت ليلة القدر أم هي في كلّ رمضان؟ فقال أبوذر: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: يا رسول الله رُفعت ليلة القدر؟ قال: بل هي كلّ رمضان"(٢).

٤ ـ وروى ابن أبي شيبة الكوفي في المصنّف في باب ليلة القدر، بسنده إلى ابن أبي مرثد عن أبيه، قال: "كنت مع أبي ذر عند الجمرة الوسطى، فسألته عن ليلة القدر، فقال: كان أسأل الناس عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليلة القدر كانت تكون على عهد الأنبياء فإذا ذهبوا رُفعت؟ قال: لا ولكن تكون إلى يوم القيامة"(٣).

٥ ـ أخرج السيوطي في الدرّ المنثور: "عن محمّد بن نصر، عن سعيد بن المسيب أنّه سُئل عن ليلة القدر، أهي شيء كان فذهب، أم هي في كلّ عام؟ فقال: بل هي لأُمّة محمّد ما بقي منهم اثنان"(٤).

أقول وفي هذه الرواية وإن كانت مقطوعة دلالة على أن لو بقي في الأرض رجلٌ واحد لكان الثاني هو الحجّة وخليفة الله في الأرض، الذي تنزّل عليه ليلة القدر بمقادير الأُمور، وأنّ ليلة القدر هي من حقائق وخصائص روح الحجّة في الأرض.

٦ ـ وروى الطبري بسنده عن ربيعة بن كلثوم، قال: "قال رجل للحسن وأنا أسمع: أرأيت ليلة القدر في كلّ رمضان هي؟ قال: نعم، والله الذي لا إله إلاّ هو أنّها لفي كلّ رمضان، وأنّها ليلة القدر فيها يُفرق كلّ أمر حكيم، فيها يقضي الله كلّ أجل وعمل ورزق

١- المصنّف ٤ / ٢٥٥ ح ٧٧٠٨.

٢- المصنّف ٤ / ٢٥٥ ح ٧٧٠٩، وأخرجه هق ٤ / ٣٠٧، والطحاوي ٢ / ٥٠.

٣- المصنّف لابن أبي شيبة ٢ / ٣٩٤ ح ٥ باب ٣٤١.

٤- الدرّ المنثور ٦ / ٣٧١ في ذيل سورة القدر.

٢٩
إلى مثلها"(١).

النزول في ليلة القدر وحي للأنبياء، واستمراره بعد الأنبياء:

قال ابن خزيمة في صحيحه(٢): باب ذكر أبواب ليلة القدر والتأليف بين الأخبار المأثورة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فيها ما يحسب كثيراً من حملة العلم ممّن لا يفهم صناعة العلم أنّها متهاترة متنافية وليس كذلك، هي عندنا بحمد الله ونعمته، بل هي مختلفة الألفاظ متّفقة المعنى على ما سأبيّنه إن شاء الله.

قال أيضاً: باب ذكر دوام ليلة القدر في كلّ رمضان إلى قيام الساعة، ونفي انقطاعها بنفي الأنبياء.

٧ ـ وروى بسنده إلى أبي مرثد، قال: "قال: لقينا أباذر وهو عند الجمرة الوسطى فسألته عن ليلة القدر، فقال: ما كان أحد بأسأل لها منّي، قلت: يارسول الله ليلة القدر أُنزلت على الأنبياء بوحي إليهم فيها ثمّ ترجع؟ فقال: بل هي إلى يوم القيامة.. الحديث"(٣)، ورواه بطريق آخر أيضا في باب أنّ ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان(٤).

٨ ـ وروى النسائي، والقسطلاني، والهيثمي، وابن حجر في فتح الباري، وابن كثير في تفسيره حديث أبي ذر في ليلة القدر قال: "يا رسول الله أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رُفعت؟ قال: بل هي باقية".

١- جامع البيان ٢٥ / ١٣٩ ح ٢٤٠٠٠.

٢- صحيح ابن خزيمة ٣ / ٣٢٠.

٣- صحيح ابن خزيمة ٣ / ٣٢٠.

٤- صحيح ابن خزيمة ٣ / ٣٢١.

٣٠
٩ ـ وروى أحمد بن محمّد بن سلمة في شرح معاني الآثار، في باب الرجل يقول لامرأته أنت طالق ليلة القدر، متى يقع الطلاق؟ بسنده إلى مالك ابن مرثد عن أبيه، قال: "سألت أباذر فقلت: أسألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ليلة القدر؟ قال: نعم، كنت أسأل الناس عنها، قال عكرمة: يعني أشبع سؤلاً، قلت: يا رسول الله، ليلة القدر أفي رمضان هي أم في غيره؟ قال (صلى الله عليه وآله): في رمضان. قلت: وتكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا رُفعوا رُفعت؟ قال: بل هي إلى يوم القيامة"(١).

١٠ ـ وفي صحيح ابن حبان، قال في باب ذكر البيان بأنّ ليلة القدر تكون في العشر الأواخر كلّ سنة إلى أن تقوم الساعة، ثمّ روى بسند متّصل رواية أبي ذر المتقّدمة واللفظ فيها.. "تكون في زمان الأنبياء ينزل عليهم الوحي، فإذا قُبضوا رُفعت؟ فقال (صلى الله عليه وآله): بل هي إلى يوم القيامة"(٢).

وروى البيهقي في فضائل الأوقات رواية أبي ذر المتقدّمة بإسناده(٣)، وقال قبل تلك الرواية: وليلة القدر التي ورد القرآن بفضيلتها إلى يوم القيامة وهي في كلّ رمضان... ثمّ نقل الخبر المزبور. وروى الهيثمي في موارد الظمآن رواية أبي ذر بسنده(٤).

١١ ـ وروى أحمد بن محمّد بن سلمة في معاني الآثار، في باب الرجل يقول لامرأته أنت طالق ليلة القدر، متى يقع الطلاق؟ بسنده إلى سعيد بن جبير عن ابن عمر، قال: "سُئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا أسمع عن ليلة القدر؟ فقال: في كلّ رمضان". ففي هذا الحديث أنّها في كلّ رمضان، فقال قوم هذا دليل على أنّها تكون في أوّله وفي وسطه، كما قد تكون في آخره. وقد يحتمل قوله (صلى الله عليه وآله) في كلّ رمضان هذا المعنى،

١- شرح معاني الآثار ٣ / ٨٥.

٢- صحيح ابن حيان ٨ / ٤٣٨.

٣- البيهقي: ٢١٩.

٤- موارد الظمآن: ٢٣١.

٣١
ويحتمل أنّها في كلّ رمضان إلى يوم القيامة(١)، ورواه بطرق اُخرى غير مرفوعة.

أقول: هذه الروايات عند العامّة مطابقة لما يأتي من الروايات عند أهل البيت (عليهم السلام)، من عدّة وجوه، أهمّها:

أوّلاً: ليلة القدر كانت من لَدُن آدم (عليه السلام)، واستمرّت إلى النبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله)، وهي مستمرّة إلى يوم القيامة نزولاً على خلفاء النبيّ الاثني عشر.

وثانياً: إنّ هذا الروح النازل في ليلة القدر هو قناة ارتباط الأنبياء والأوصياء مع الغيب.

وثالثاً: ممّا يدلّل على عموم الخلافة الإلهية: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَْرْضِ خَلِيفَةً}(٢) من لدن آدم وفي أوصياء كلّ نبيّ حتّى أوصياء النبيّ الخاتم، وأنّ هذه السفارة الإلهية لم تزل متّصلة ما استمرّ بنو آدم في العيش على الأرض.

استمرار نزول باطن القرآن في ليلة القدر إلى يوم القيامة:

١٢ ـ وروى الطبراني في المعجم الكبير بسنده: (حدّثنا أحمد بن رشدين، ثنا أبوصالح الحراني سنة ثلاثة وعشرين ومئتين، حدّثنا حيان بن عبيدالله بن زهير المصري أبو زهير منذ ستّين سنة، قال: سألت الضحاك بن مزاحم عن قوله: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الاَْرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}(٣)، وعن قوله: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(٤)، وعن قوله: {إِنَا

١- شرح معاني الحديث ٣ / ٨٤.

٢- سورة البقرة ٢: ٣٠.

٣- سورة الحديد ٥٧: ٢٢.

٤- سورة الجاثية ٤٥: ٢٩.

٣٢
كُلَّ شَيْء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر}(١)، فقال: قال ابن عبّاس: إنّ الله عزّوجلّ خلق العرش فاستوى عليه، ثم خلق القلم فأمره ليجري بإذنه، وعُظمَ القلم ما بين السماء والأرض، فقال القلم: بم يا ربّ أجري، قال: بما أنا خالق وكائن في خلقي من مطر أو نبات أو نفس أو أثر، يعني به العمل أو الرزق أو الأجل، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة فأثبته الله في الكتاب المكنون عنده تحت العرش. وأمّا قوله {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فإنّ الله وكّل ملائكته يستنسخون من ذلك الكتاب كلّ عام في رمضان ليلة القدر ما يكون في الأرض من حدث إلى مثلها من السنة المقبلة، فيعارضون به حفظة الله على العباد كلّ عشية خميس، فيجدون ما رفع الحفظة موافق لما في كتابهم ذلك، ليس فيه زيادة ولا نقصان)(٢).

أقول: في تفسير ابن عبّاس لهذه الآيات عدّة أُمور:

الأوّل: كلّ ما كان وما يكون وما هو كائن فهو مستطرّ مكتوب في الكتاب المكنون، الذي هو الوجود الغيبي للقرآن الكريم.

والثاني: إنّه يتنزّل منه ليلة القدر ما يتعلّق بكلّ سنة، وهذا يقتضي احتواء القرآن الكريم، وكذا ما ينزل منه ليلة القدر لكلّ تقدير في الخلق، وقدر كلّ كائن وتكوين.

والثالث: إنّ ما يتنزّل ليلة في كلّ عام هو ما وراء لفظ التنزيل، فلا تقتصر حقيقة القرآن وباطنه وتأويله على ظاهر لفظ المصحف.

والرابع: إنّ عشية كلّ خميس أي ليلة الجمعة هناك معارضة الكتبة الحفظة على العباد من أعمال، وبين ما نزل من الكتاب المكنون من القرآن في ليلة القدر.

١- سورة القمر ٥٤: ٤٩.

٢- المعجم الكبير للطبراني ١٠ / ٢٤٧ ح ١٠٥٩٥.

٣٣
وهذه الأُمور الأربعة أُشير إليها بنحو مستفيض في روايات أهل البيت (عليهم السلام) كما سيأتي، ولا غرو في ذلك; لأنّ ابن عبّاس قد نهل من أمير المؤمنين والحسنين (عليهم السلام) فعرف منهم هذا المقدار، وإن خفي عليه ما هو أعظم.

فيتحصّل من كلامه:

الخامس: اشتمال القرآن لكلّ علم وجميع العلوم.

السادس: إنّ ما ينزل في ليلة القدر من كلّ عام إلى يوم القيامة هو من باطن القرآن.

السابع: فباطن القرآن لا زال يتنزّل في كلّ عام إلى يوم القيامة، وقد ذُكر كلّ ذلك في روايات أهل البيت (عليهم السلام).

الثامن: إنّه يتمّ معارضة أي مطابقة ما ينزل منه ليلة القدر في كلّ أُسبوع، كما قد حصل للنبيّ (صلى الله عليه وآله) معارضة ظاهرة التنزيل كلّ عام مع جبرئيل (عليه السلام).

١٣ ـ وروى البيهقي في فضائل الأوقات بسند متّصل إلى أبي نظير، قال: يفرّق أمر السنة كلّها في ليلة القدر، بلائها ورخائها ومعاشها إلى مثلها من السنة(١).

تباين حقيقة النازل من القرآن في المرتين
تكرّر نزول جملة القرآن مرّتين بل أكثر إلى يوم القيامة:

١٤ ـ روى الطبراني في المعجم الكبير، بسند متّصل إلى ابن عبّاس في قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، قال: أُنزل القرآن جملة واحدة حتّى وضع في

١- فضائل الأوقات للبيهقي: ٢١٩.

٣٤
بيت العزّة في السماء الدنيا، ونزّله جبرئيل على محمّد (صلى الله عليه وآله) بجواب كلام العباد وأعمالهم(١).

١٥ ـ وروى ابن أبي شيبة الكوفي في المصنّف في باب القرآن متى نزل، بسند متّصل عن ابن عبّاس في قوله {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، قال: رفع إلى جبرئيل في ليلة القدر جملة، فرفع إلى بيت العزّة، جعل ينزل تنزيلاً(٢).

١٦ ـ وروى النسائي في السنن الكبرى بسند متّصل عن ابن عبّاس، قال: نزل القرآن في رمضان في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، فكان إذا أراد الله أن يحدث شيئاً نزل، فكان بين أوّله إلى آخره عشرين.

وروى مثله بخمسة طرق أُخرى كلّها عن ابن عبّاس، وزاد في بعضها، قال: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَل إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}(٣)، وقرأ: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْث وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً}(٤).

وفي طريق آخر منها زاد، وذلك {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}(٥).(٦)

١٧ ـ وروى الطبراني في المعجم الأوسط، قال: روي نزول القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى السماء الدنيا جملة ثمّ أُنزل نجوماً، ورواه بطرق أُخرى متعدّدة(٧).

١- المعجم الكبير ١٢ / ٢٦.

٢- المصنّف لأبي شيبة الكوفي ٧٥ / ١٩١ ح ٤ الباب ٤٦.

٣- سورة الفرقان ٢٥: ٣٣.

٤- سورة الإسراء ١٧: ١٠٦.

٥- سورة الواقعة ٥٦: ٧٥.

٦- السنن الكبرى للنسائي ٥/٦ ح ٧٩٨٩ وح ٧٩٩٠ وح ٧٩٩١ وح ١١٣٧٢ وح ١١٥٦٥ وح ١١٦٨٩.

٧- المعجم الأوسط للطبراني ٢/٢٣١ وفي المعجم الكبير ١١/٢٤٧ و ٣١، و ١٢/٢٦.

٣٥
ومقتضى هذه الروايات، أنّ الذي نزل به جبرئيل على النبيّ من القرآن أنّما هو النزول الثاني، أي النزول نجوماً من السماء الدنيا من بيت العزّة إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله)، دون النزول الأوّل الذي هو جملة واحدة، ودون النزول المستمرّ في كلّ عام في ليلة القدر، ويقتضيه ظاهر آية سورة الشورى وسورة القدر، كما سيأتي بيانه مفصّلاً، وأنّ النازل بجملة القرآن وفي ليلة القدر من كلّ عام إلى يوم القيامة هو روح القدس، والذي أُطلق عليه في القرآن {رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا}، وجُعل في سورة القدر مقابل للملائكة {يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ}(١).

ومن ذلك يُعلم الاختلاف النوعي في حقيقة التنزيلين، وأنّ النوعية الأُولى من النزول وهي نزول القرآن جملة ـ هو المستمرّ في ليلة القدر إلى يوم القيامة، وهو يرتبط بتأويل الكتاب، وتقدير كلّ شيء يقع من المقادير في الخلق.

نزول القرآن ليلة القدر على آل محمّد عوض غصب الخلافة:

١٨ ـ وروى البيهقي في كتاب فضائل الأوقات بسند متّصل إلى يوسف بن مازن، قال: "قام رجل إلى الحسن بن عليّ (رضي الله عنه) فقال: يا مسوّد وجه المؤمنين. قال الحسن بن عليّ (رضي الله عنه): لا تؤنّبني رحمك الله; فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد رأى بني أُميّة يخطبون على منبره رجلاً فرجلاً فساءه ذلك، فنزلت {إنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ}(٢) نهر في الجنّة، ونزلت {إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر}(٣) تملكه

١- سورة النحل ١٦: ٢.

٢- سورة الكوثر ١٠٨: ١.

٣- سورة القدر ٩٧: ١ - ٣.

٣٦
بنو أُمية، فحسبنا ذلك.... فإذا هو لا يزيد ولا ينقص"(١).

١٩ ـ وروى ابن أبي الحديد، قال: "وقد جاء في الأخبار الشائعة المستفيضة في كتب المحدّثين، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أُخبر أنّ بني أُمية تملك الخلافة بعده مع ذمّ منه (صلى الله عليه وآله) لهم. نحو ما روي عنه في تفسير قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ}(٢)، فإنّ المفسّرين قالوا: إنّه رأى بني أُمية ينزون على منبره نزو القردة، هذا لفظ رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي فسّر لهم الآية به، فساءه ذلك، ثمّ قال: الشجرة الملعونة بني أُمية وبني المغيرة. ونحوه قوله (صلى الله عليه وآله): إذا بلغ بنو العاص ثلاثون رجلاً اتّخذوا مال الله دولاً وعباده خولاً. ونحوه قوله (صلى الله عليه وآله) في تفسير قوله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر}(٣) قال: ألف شهر يملك بها بنو أُمية". وورد عنه (صلى الله عليه وآله) في ذمّهم الكثير المشهور نحوه.. وروى المدائني عن دخول سفيان بن أبي ليلى النهدي، رواية عن الحسن بن عليّ (عليه السلام) في تفسير الآية، وهي التي قد تقدّم ذكرها(٤).

٢٠ ـ وروى الطبري في سورة القدر بسنده المتّصل عن عيسى بن مازن، قال: "قلت للحسن بن عليّ (رضي الله عنه): يا مسوّد وجوه المؤمنين، عمدت إلى هذا الرجل فبايعت له يعني معاوية بن أبي سفيان فقال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أُري في منامه بني أُمية يعلون منبره خليفة خليفة فشقّ ذلك عليه، فأنزل الله: {إنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ}، و {إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر}، يعني ملك بني أُمية". قال القاسم: حسبنا ملك بني أُمية فإذا هو ألف شهر".

٢١ ـ وروى الترمذي في سننه، والحاكم بسند متّصل إلى الحسن بن عليّ (عليه السلام):

١- كتاب فضائل الأوقات: ٢١١.

٢- سورة الاسراء ١٧: ٦٠.

٣- سورة القدر ٩٧: ٣.

٤- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ٩ / ٢١٩.

٣٧
كتاب الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - (ج ٣) لـ صادق الشيخ محمّد رضا الساعدي (ص ٣٨ - ص ٥٣)

٣٨
ارتباطاً وثيقاً بحقيقة إمامتهم التكوينية الإلهية.

وسيأتي لاحقاً في هذا الفصل والذي يُعدّ أيضاً ارتباط حقيقة ليلة القدر بحكومتهم السياسية الخفية في النظام الاجتماعي السياسي، ولكن بنمو تكويني منظومي.

وهذا النازل في ليلة القدر ليس وحي شريعة، وإنّما هو علم في الإدارة والتدبير والقيادة والإمامة الإلهية، ومحلّ تقدير وتدبير لكلّ شيء في القضاء والقدر الإلهي إلى السنة المقبلة.

حقيقة القرآن هي الروح النازل ليلة القدر:

٢٢ ـ وروى السيوطي في ذيل سورة النحل قوله تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ}(١)، قال: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس في قوله تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ}، قال: بالوحي.

٢٣ ـ وكذلك روى السيوطي في الموضع السابق عن جملة من المصادر، عن قتادة في قوله: {يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ}، قال: بالوحي والرحمة. وأخرج عن جملة، عن الضحّاك في قوله تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ}، قال: القرآن(٢). وروى الطبري بسنده عن قتادة مثله.

٢٤ ـ وروى السيوطي في الدرّ المنثور في سورة الشورى في ذيل قوله تعالى:

١- سورة النحل ١٦: ٢.

٢- الدرّ المنثور في ذيل آية (ينزّل الملائكة بالروح) من سورة النحل.

٣٩
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ}(١)، قال: أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس (رضي الله عنهما) في قوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا}، قال: القرآن(٢).

حقيقة الوحي هو نزول الروح كما في ليلة القدر

ومستمرّ إلى يوم القيامة:

أقول: ويُستفاد من مجموع هذه الطائفة من الروايات: أنّ حقيقة القرآن هي الروح الذي يتنزّل في كلّ ليلة قدر، وأنّ نزوله في كلّ ليلة قدر نزول للوحي الإلهي، بل إنّ الوحي ليس إلاّ نزول الروح والملائكة على من يشاء من العباد المصطفون، من الأنبياء والأوصياء، ومن ثمّ عبّر في سورة الشورى في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ} عن إرسال الروح الأمري بأنّه وحيٌ، فالوحي هو إنزال الروح وإنزال الروح هو وحي، فتصريح القرآن الكريم في سورة القدر بتنزيل الروح كلّ عام، هو تصريح باستمرار الوحي بعد سيد الأنبياء، غاية الأمر الذي يتنزّل هو من غيب القرآن الذي قد ورّثه النبيّ (صلى الله عليه وآله) لأوصيائه.

١- سورة الشورى ٤٢: ٥٢.

٢- الدرّ المنثور في ذيل الآية المتقدّمة.

٤٠