×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - ج 3 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثمّ نزل في طول عشرين سنة. ثمّ قال: قال النبيّ (عليه السلام) أُنزل القرآن في ثلاث وعشرين من شهر رمضان"(١).

وروى الكُليني بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: "نزلت التوراة في ستّ مضت في شهر رمضان، ونزل الإنجيل في اثنتي عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، ونزل الزبور ثماني عشرة من شهر رمضان، ونزل القرآن في ليلة القدر"(٢).

مكان نزول القرآن:

ومن ثمّ كان للقرآن نزولان، وكان ما يتلقّاه النبيّ (صلى الله عليه وآله) في النزول الأوّل هو حقيقة القرآن التكوينية، وفي النزول الثاني هو معاني القرآن وألفاظه. فالنزول الأوّل: هو نزول جملة القرآن وحقيقته التي في نشأة الملكوت التي هي الكتاب المبين، وقد أطلق عليها الروح في القرآن الكريم، أي أنّه وجود حيّ شاعر عاقل أعظم خلقاً من الملائكة، كما أشارت إليه الآيات والروايات.

والنزول الثاني: هو نزول معاني وألفاظ القرآن، وهو نزول القرآن نجوماً على النبيّ (صلى الله عليه وآله)، والذي سُمّي القرآن فرقاناً بلحاظه.

وقد ذهب إلى تنوّع النزول أكثر المفسّرين والمحدّثين، ويشير إلى النمط الأوّل من النزول قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ}(٣)، وقوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ أَلرُّوحُ

١- الكافي ٢ / ٦٢٩ ح ٦.

٢- الكافي ٤ / ١٥٧ ح ٥.

٣- سورة الشورى ٤٢: ٥٢.

٦١
أَلاَْمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ أَلْمُنْذِرِينَ}(١)، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة}(٢)، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}(٣)، وقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضانُ الَّذي اُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ}(٤). ومن ثمّ اختلف توقيته، توقيت النزول الجملي للقرآن عن بدء البعثة في رجب التي هي مبدأ لأوّل ما نزل بنحو نجومي متفرّق فرقاني، أو الذي هو من النمط الثاني.

ويشير أيضاً إلى: النمط الأوّل من النزول جملة من الروايات:

منها: ما رواه العياشي عن إبراهيم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: "سألته عن قوله تبارك وتعالى: {شَهْرُ رَمَضانُ الَّذي اُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ}(٥)، كيف أُنزل فيه القرآن وإنّما أُنزل القرآن في عشرين سنة من أوّله إلى آخره، فقال (عليه السلام): نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثمّ أُنزل من البيت المعمور في طول عشرين سنة"(٦).

وفي اعتقادات الصدوق، قال في نزول القرآن: اعتقادنا في ذلك أنّ القرآن نزل في شهر رمضان في ليلة القدر جملة واحدة إلى البيت المعمور، ثمّ نزل من البيت المعمور في مدّة عشرين سنة، وأنّ الله تبارك وتعالى أعطى نبيّه العلم جملة واحدة، ثمّ قال له: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ}(٧) وقال عزّوجلّ: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}(٨).(٩)

وما ذكره مضمون جملة من الأخبار والروايات، وفي بعض الزيارات تضمّن

١- سورة الشعراء ٢٦: ١٩٣ ـ ١٩٤.

٢- سورة الدخان ٤٤: ٣.

٣- سورة القدر ٩٧: ١.

٤- سورة البقرة ٢: ١٨٥.

٥- سورة البقرة ٢: ١٨٥.

٦- تفسير العياشي ١ / ٨٠، والكافي ٢ / ٦٢٩.

٧- سورة طه ٢٠: ١١٤.

٨- سورة القيامة ٧٥: ١٦ ـ ١٩.

٩- الاعتقادات: ٨٣.

٦٢
الخطاب "أيها البيت المعمور".(١)

وفي تفسير القمّي: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} يعني القرآن، {فِي لَيْلَة مُبَارَكَة} وهي ليلة القدر أنزل الله القرآن فيها إلى البيت المعمور جملة واحدة، ثمّ نزل من البيت المعمور على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في طول عشرين سنة.. الحديث(٢). وبنفس هذه الرواية والألفاظ رواها عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير سورة القدر.

في دلائل الإمامة للطبري بسنده إلى الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث أنّه قال (عليه السلام): "ونحن البيت المعمور الذي من دخله كان آمناً"(٣).

وروى الصدوق في الأمالي صحيحة حفص، قال: قلت للصادق (عليه السلام): "أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: {شَهْرُ رَمَضانُ الَّذي اُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ} كيف أُنزل القرآن في شهر رمضان وإنّما أُنزل القرأن في مدّة عشرين سنة أوّله وآخره؟ فقال (عليه السلام): أُنزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثم أُنزل من البيت المعمور في مدّة عشرين سنة"، وروى مثله في كتاب فضائل الأشهر الثلاثة(٤).

وفي دلائل الإمامة للطبري بسنده عن الصادق (عليه السلام) في حديث، قلت: "والبيت المعمور أهو رسول الله؟ قال: نعم، المملي رسول الله والكاتب عليّ"(٥).

وغيرها من الآيات والروايات التي تشير إلى النمط الأوّل من النزول، الذي هو عبارة عن نزول حقيقة القرآن الملكوتية لا المعاني والألفاظ، والتي تقدم أنّها روح القدس، وهي خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل.

١- مقدمة تفسير البرهان مادة المعمور.

٢- تفسير القمي في ذيل سورة الدخان.

٣- البحار ٥٦ / ١٩٧، ودلائل الإمامة للطبري: ١٢٦.

٤- البحار ٩٤ / ١١، والأمالي: ٦٢.

٥- دلائل الإمامة: ٤٧٨.

٦٣

الروح النازل في ليلة القدر هو القرآن:

وفي جملة من الروايات المتضمّنة لنزول القرآن في ليلة القدر الظاهر منها أنّ القرآن النازل في ليلة القدر هو الروح الأعظم الذي ينزل في ليلة القدر ويُنزّل به الملائكة.

فقد روي في الكافي والفقيه بإسنادهما عن حمران أنّه سأل أباجعفر (عليه السلام) عن قول الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة}؟ قال: "هي ليلة القدر، وهي في كلّ سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر، ولم ينزّل القرآن إلاّ في ليلة القدر، قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم}(١).." الحديث(٢).

وبإسنادهما عن يعقوب قال: "سمعت رجلاً يسأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن ليلة القدر، فقال: أخبرني عن ليلة القدر كانت أو تكون في كلّ عام؟ فقال أبا عبد الله (عليه السلام): لو رُفعت ليلة القدر لرُفع القرآن"(٣).

وبهذا المضمون جملة مستفيضة من الروايات في ذيل سورة القدر وسورة الدخان، ومقتضاها: أنّ قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} عطف بيان أو بدل عن الضمير في قوله تعالى {أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، أو أنّ الفعل (تنزّل) الملائكة والروح بدل عن فعل (أنزلناه)، والنتيجة متّحدة مع الاحتمال السابق.

ثمّ إنّ تفسير البيت المعمور بقلب النبيّ (صلى الله عليه وآله) كما أشارت إليه الروايات السابقة ـ لا ينافي تفسير البيت المعمور في جملة أُخرى من الروايات بالبيت الظراح المبني في السماء الرابعة التي تطوف به الملائكة كلّ يوم، فإنّه من تعدّد معاني التأويل،

١- سورة الدخان ٤٤: ٣.

٢- الكافي ٤ / ١٥٧ ح ٦.

٣- الكافي ٤ / ١٥٨.

٦٤
كتاب الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - (ج ٣) لـ صادق الشيخ محمّد رضا الساعدي (ص ٦٥ - ص ٧٦)

٦٥
القرآن جملة واحدة، أي نزول جملي لحقيقة واحدة غير مفصّل، ثمّ فُصّل تنزيله بحسب موارد نزول السور والآيات المختلفة، ولذلك كان نزول القرآن بنحو مفصّل في بداية البعثة النبويّة الشريفة في آخر شهر رجب بقوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ..}، وكذا بقية السور الأوائل نزولاً، وليس المراد من نزوله في ليلة القدر من شهر رمضان هو ابتداء نزوله.

مما يشير إلى وجود نمطين من النزول للقرآن الكريم: نزول جملي لحقيقة واحدة، ونزول مفصّل، قال تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}(١)وظاهر مفاد الآية يقتضي أنّ مرحلة جمع مفصّل القرآن وتفصيله غير مرحلة الوحي والقرآن جملة، فهو (صلى الله عليه وآله) كان عالماً بالقرآن إلاّ أنّه نُهي عن الاستعجال به قبل تنزيل قرآنه ونزول الوحي به، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ}(٢)، حيث (يُقضى) إمّا بمعنى يتمّ أو بمعنى يصل، وعلى كلا التقديرين فظاهر الآية دالّ على علمه بالقرآن قبل إنزاله بالوحي بنحو التفصيل نجوماً، أمّا على كون (يُقضى) بمعنى (يصل) فملائمته ظاهرة للمفاد المزبور، وأمّا على كونها بمعنى يتمّ فقيل إنّه بمعنى قراءته للقرآن قبل أن ينتهي جبرئيل من الوحي بتحريك لسانه، ولكنّه خلاف الظاهر; حيث إنّه يستلزم الاستخدام في الضمير، ويكون المعنى على هذا التقدير لا تعجل ببعض القرآن من قبل أن يتمّ إليك وحي الباقي منه.

وحمل الكلام على الاستخدام يتوقّف على القرينة الخاصّة، بخلاف الحال ما

١- سورة القيامة ٧٥: ١٦ ـ ١٩.

٢- سورة طه ٢٠: ١١٤.

٦٦
لو جعلنا مرجع الضمير متّحد بلا استخدام، فإنّ تقدير المعنى يكون حينئذ: لا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه مرّة أُخرى، أي وحي الإنزال والتنزيل من النمط الثاني وهو نزول القرآن تفصيلاً ونجوماً، فيدلّ على علمه (صلى الله عليه وآله) به من قبل أن يتمّ الوحي من النمط الثاني.

وممّا يدلّ على تعدّد نزول القرآن أيضاً قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْنُون * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(١)، فإنّ المطهّرون وهم النبيّ وأهل بيته (عليهم السلام) عالمون بالكتاب المكنون بمسّ وصول يختلف عن تنزيل القرآن المفصّل، فالكتاب المكنون قد تقدّم أنّه الوجود المجموعي للقرآن بنحو الإحكام والوجود الجملي، وهو الحقيقة الواحدة وهي الروح الأمري الذي يتجدّد نزوله في كلّ ليلة قدر في كلّ عام، وتتنزّل الملائكة به وهو روح أعظم من جبرئيل وميكائيل.

وممّا يشير إلى اختلاف النزولين أيضاً قوله تعالى: {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}(٢)، وقد ثبت في تفسير الآية بحسب نزولها المكّي وبحسب وحدة سياق السورة مع الآيات السابقة عليها وبحسب توسّم قريش في بني هاشم جملة من الصفات والحالات غير المعتادة لدى قدرات البشر وبحسب نصوص الفريقين وبحسب النصوص الواردة في ذيلها، أنّ المراد بمن عنده علم الكتاب هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

والآية مع كونها مكّية ولمّا يستتم نزول القرآن التفصيلي المكّي فضلاً عن المدني ـ تدلّ على علم الوصيّ فضلاً عن علم النبيّ بالكتاب كلّه; إذ هذا التعبير

١- سورة الواقعة ٥٦: ٧٧ - ٨٠.

٢- سورة الرعد ١٣: ٤٣.

٦٧
يفترق عن قوله تعالى: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ}(١)، بأنّ التعبير الأوّل يدلّ على العلم المحيط بكلّ الكتاب، فالآية ظاهرة بوضوح في حصول العلم بجملة الكتاب لدى المطهّرين، وهم النبيّ ووصيه (عليهم السلام) منذ البداية، وذلك بتوسّط نزول حقيقة القرآن جملة في الوحي من النمط الأوّل.

وممّا يدلّ على ذلك قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم}(٢)، فتدلّ الآية على درايته (صلى الله عليه وآله) بالكتاب كلّه، مع أنّ سورة الشورى مكّية، وكذا قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ}(٣)، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}(٤)، وجملة من الآيات التي تضمّنت إنزال الكتاب عليه (صلى الله عليه وآله) بناءً على ظهور (ال) في الاستغراق أو الجنسية لجملة الحقيقة بجملة الآيات السابقة الدالّة على علمه (صلى الله عليه وآله) بجملة الكتاب المبين

١- سورة النمل ٢٧: ٤٠.

٢- سورة الشورى ٤٢: ٥٢.

٣- سورة النساء ٤: ١٠٥.

٤- سورة المائدة ٥: ٤٨.

٦٨
والمكنون وأُمّ الكتاب واللوح المحفوظ، وكذلك الأئمّة من أهل بيته تلقّوا ذلك عنه، إلاّ أنّه (صلى الله عليه وآله) كان مأموراً باتّباع ما ينزل عليه من الوحي التفصيلي والتنزيل النجومي فيتّبع قرآنه.

وأمّا اشتمال القرآن الكريم على قوله تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا}(١)، وقوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ}(٢)، وقوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا}(٣)، وغيره كثير ممّا يشير إلى تدريجية نزول القرآن حسب سلسلة أحداث زمانية ومكانية طوال البعثة والرسالة الشريفة، فلا يتنافى مع نزول الكتاب جملةً على الرسول (صلى الله عليه وآله) قبل ذلك.

١- سورة الأنفال ٨: ٦٦.

٢- سورة التوبة ٩: ٤٣.

٣- سورة المجادلة ٥٨: ١.

٦٩

اختلاف صفات القرآن في النزولين:

لأنّ الكتاب بعد تنزيله بالنمط التدريجي تطرأ عليه أوصاف أُخرى أشار إليها القرآن الكريم، كقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}(١)، وقوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيم خَبِير}(٢)، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ}(٣)، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}(٤)، وقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}(٥)، وغيرها من الآيات التي تشير إلى اتّصاف القرآن بأوصاف طرأت عليه عند نزوله، كالتفصيل والعربية وكونه تصديق الذي بين يديه وتشابه بعض آياته والناسخ والمنسوخ والظاهر والباطن والتنزيل والتأويل والجمع والتفريق، وغيرها من الأوصاف الطارئة، فإنّها أوصاف له بعد نزوله نجوماً.

وليست أوصافاً له بحسب موقعه في الكتاب المكنون واللوح المحفوظ والكتاب المبين، وكذلك الحال بالنسبة إلى صورة الألفاظ وما يتبع ذلك من أوصاف، وهي العربية والخطابية والإنشاء والإخبار والبلاغة والفصاحة وغيرها، فهذه ليست أوصافاً له بحسب موقعه المكنون باللوح المحفوظ، وأنّما هي حادثة له بعد النزول، أمّا جملة معارفه وحقائقه وأحكامه فلا يطرأ عليها مثل تلك الأوصاف.

١- سورة الزخرف ٤٣: ٣.

٢- سورة هود ١١: ١.

٣- سورة يونس ١٠: ٣٧.

٤- سورة آل عمران ٣: ٧.

٥- سورة البقرة ٢: ١٠٦.

٧٠
وبكلمة جامعة: إنّ القرآن بمجموع وجوداته اللفظية وتراكيب جمله والمعاني المدلول عليها في الظهور الأوّلي في ظاهر الكتاب هي من نزول القرآن من النمط الثاني; إذ النمط الأوّل كما تقدّم ـ هو من سنخ الحقائق التكوينية والوجودات العينية، وإن لم ينحصر النمط الأوّل بذلك بل يشمل ما يكون من سنخ معاني التأويل.

النمط الثالث للنزول:

وقد تُعدّ درجات بطون القرآن ومعانيه التأويلية من سنخ ونمط تنزّل ثالث سيأتي بسط الحديث عنه في مقالات لاحقة.

هذا مضافاً إلى متواتر الروايات المتضمّنة للإشارة إلى موارد النزول وتأليف آيات وسور القرآن بوجوده اللفظي. ثمّ إنّ المعاني المتنزّلة من حقيقة القرآن الكلّية وحقائقه الجملية ليست محيطة بها; فإنّ المعاني والمفاهيم مهما كانت في السعة والشمول ليست إلاّ لمعات يسيرة من أنواع تلك الحقائق، هذا فضلاً عن الألفاظ المشيرة إلى تلك المعاني التي هي تنزّل لفظي لها; فإنّ الألفاظ ليست إلاّ علامات ودوالّ إشارية على مجمل بحور المعاني، وليست بتلك التي تحيط بها، والنسبة بين الألفاظ والمعاني كالنسبة بين المعاني والحقائق.

فالألفاظ مفتاح وأبواب للمعاني، والمعاني لا تتناهى درجاتها وبطونها وهي بوابات لشعب الحقائق من دون أن تكتنه المعاني، فما يحمله (صلى الله عليه وآله) من حقائق وحقيقة القرآن لا يمكن أن تسعه المعاني، كما أنّ المعاني التي تنزّلت من تلك الحقائق لا يمكن أن تسعها الألفاظ.

٧١

حقيقة وراثة الأوصياء للنبيّ (صلى الله عليه وآله):

ومن ثمّ ورد أنّه (صلى الله عليه وآله) لم يكلّم أحداً بكنه عقله قطّ، وكذلك الحال فيما تحمّله الوصيّ (عليه السلام) وولده الأوصياء عن النبيّ (صلى الله عليه وآله)، عمدته ليس من الألفاظ والمعاني من قبيل الحديث والرواية، بل عمدة ما تحمله عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) هو حقيقة القرآن التي هي الروح الأعظم، وهو أعظم أنماء التحمّل; لأنّه اكتناه حضوري للحقائق لا يغيب عنه شيء منها، بخلاف تحمّل المعاني فضلاً عن تحمّل الألفاظ.

ففرق بين الوصاية والفقاهة والرواية، حيث دلّت سورة القدر ونحوها من السور على بقاء تنزّل ذلك الروح كلّ عام على من يشاء من عباده، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر * تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر * سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}(١)، وقال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}(٢)، وقال تعالى: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}(٣)، فكما أنّ تنزّل الروح الأعظم في ليلة القدر دائم دائب في كلّ سنة بالضرورة، فكذلك ليلة القدر تعني وراثة وليّ الله تعالى لمقام النبيّ (صلى الله عليه وآله) في تنزّل الروح عليه.

وقد تقدم في هذه المقالة أنّ ذلك الروح هو حقيقة القرآن، وأنّه عطف بيان

١- سورة القدر ٩٧: ١ - ٥.

٢- سورة النحل ١٧: ٢.

٣- سورة غافر ٤٠: ١٥.

٧٢
وبدل على الضمير في (أنزلناه) ولو من باب بدل الجملة من جملة، ومن ثمّ قال تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْنُون * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ}(١)، والمطهّرون بصيغة الجمع وهم أهل آية التطهير، حيث قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً}(٢).

وتقدّم أنّ الكتاب المكنون ليس لوحاً ونقش صور الألفاظ، بل هو الروح (الذي هو حقيقة القرآن التكوينية)، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}(٣)، فالروح الأمري هو الكتاب، والذي يمسّ الكتاب هو الذي يتلقّى تنزّل الروح الأمري كلّ عام في ليلة القدر، والمطهّرون الذين يمسّون الكتاب المكنون هم الأئمّة (عليهم السلام) الذين يتوارثون الكتاب وهو الروح الأمري، حيث قال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}(٤)، فالهداية الأمرية هي بالروح الأمري.

وكذلك في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}(٥)، والذين اصطفاهم وأصفاههم أهل آية التطهير، فهذه الآيات تتشاهد لبعضها البعض لتدلّ على أنّ الأئمّة المطهّرون المصفّون الذين يمسّون الكتاب ويرثوه يتلقّون حقيقة الكتاب، وهو الروح الأمري والذي يتنزّل في ليلة القدر في كلّ عام على من يشاء الله من عباده، وقد ذُكر عنوان ورثة الكتاب والذين يمسّونه بصيغة الجمع; للتدليل على أنّهم مجموعة ممتدّة طوال عمر هذا الدين وما بقي القرآن.

١- سورة الواقعة ٥٦: ٧٧ - ٨٠.

٢- سورة الأحزاب ٣٣: ٣٣.

٣- سورة الشورى ٤٢: ٥٢.

٤- سورة الأنبياء ٢١: ٧٣.

٥- سورة فاطر ٣٥: ٣٢.

٧٣

قراءة جديدة في حديث الثقلين وأنّ الأئمّة (عليهم السلام) هم الثقل الأكبر:

ولكي نبرهن على ذلك لابدّ من توضيح جملة من الأُمور:

الأوّل: إنّهم عين حقيقة القرآن، وهذا معنى عدم افتراق القرآن عن العترة، أي عدم افتراق حقيقة القرآن التكوينية وهو الكتاب المكنون وهو الروح الأعظم ـ عن ذوات العترة المطهّرة، بل هو أحد أرواحهم الذي يسدّدهم.

قراءة جديدة في آية {وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ}:

وهذا معنى تنزيل نفس عليّ (عليه السلام) منزلة نفس النبي (صلى الله عليه وآله) في قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ}(١)، كيف لا والروح الأمري الذي هو الروح الأعظم والذي هو حقيقة القرآن وهو الكتاب المبين الذي نُزّل على قلب النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأُوحي إليه ـ قد ورثه الوصيّ ويتنزّل عليه وعلى ذرّيته الأوصياء (عليهم السلام).

وفي صحيح أبي بصير قال: "سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ}(٢)؟ قال: خلق من خلق الله عزّ وجلّ أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخبره

١- سورة آل عمران ٣: ٦١.

٢- سورة الشورى ٤٢: ٥٢.

٧٤
ويسدّده، وهو مع الأئمّة من بعده"(١).

وفي صحيحه الآخر قال: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}(٢)؟ قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو مع الأئمّة، وهو من الملكوت"(٣).

وفي صحيح ثالث لأبي بصير بعد وصفه للروح بما تقدّم ـ: "لم يكن مع أحد ممّن مضى غير محمّد (صلى الله عليه وآله)، وهو مع الأئمّة يسدّدهم"(٤).

وفي موثّق علي بن اسباط عن أبيه أسباط بن سالم زيادة قوله (عليه السلام): "منذ أنزل الله عزّوجلّ ذلك الروح على محمّد (صلى الله عليه وآله) ما صعد إلى السماء، وإنّه لفينا"(٥).

وفي رواية أبي حمزة قال: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العلم، أهو علم يتعلّمه العالم من أفواه الرجال، أم في الكتاب عندكم تقرؤونه فتعلمون منه؟ قال: الأمر أعظم من ذلك وأوجب، أما سمعت قول الله عزّوجلّ: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ..}(٦).." الحديث(٧). وهذا المعنى الذي يشير إليه (عليه السلام) هو ما تقدّم ذكره من أنّ الأوصياء في تحمّلهم عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) ليس هو تحمّل رواية ألفاظ، ولا مجرّد فهم معاني، بل حقيقة تحمّلهم وعمدته هو تحمّل حقيقة القرآن التي هي روح القدس.

فعمدة ما يتلقّونه بقلوبهم وأرواحهم (عليهم السلام) هو عن قلب وروح النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وليس العمدة هو عن مجرّد لسانه الشريف وآذانهم الطاهرة، ولا عمدته من كتب يقرأونهاكالجامعة ونحوها، فهم بدورهم فيما يبلغونه من ألفاظ مؤدّية إلى طبقات المعاني الموصلة إلى بعض الحقائق التي تلقّوها.

١- الكافي ١ / ٢٧٣ ح ١.

٢- سورة الإسراء ١٧: ٨٥.

٣- الكافي ١ ٢٧٣ ح ٣.

٤- الكافي ١ / ٢٧٣ ح ٤.

٥- الكافي ١ / ٢٧٣ ح ٢.

٦- سورة الشورى ٤٢: ٥٢.

٧- الكافي ١ / ٢٧٣ ح ٥.

٧٥

قراءة جديدة في حفظ وبقاء الذكر والقرآن المنزّل:

فمن ثمّ يكون دورهم متمّم ومكمّل لدور النبيّ (صلى الله عليه وآله) في هداية البشرية، وإلى ذلك يشير قوله تعالى في آية الغدير: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}(١)، لبيان خطورة وشدّة دورهم (عليهم السلام) المتمّم لدور النبيّ (صلى الله عليه وآله) في تبليغ الرسالة، وأنّه الأمر الذي يجب أن يُبلّغ لامتداد الرسالة وبقاء القرآن، أي بقاء حقيقيته النازلة والمتنزّلة منها درجات في كلّ عام في ليلة القدر لابقاء المصحف المنقوش بالخط.

وإلاّ لو كان دورهم هو مجرّد النقل السماعي اللفظي عن الرسول كقناة لإيصال الألفاظ والصوت لما كان لسان الآية بهذا اللحن الشديد والخطب البليغ، كما ان تعليق وتبليغ الرسالة برمّتها على شخص يخلف النبيّ (عليهم السلام) وهو أمير المؤمنين (عليه السلام) لابدّ أن يكون في تحمّله عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) خصوصية لا يشترك معه فيها أحد وإلاّ لشاركه آخرون في القيام بذلك الدور ولَمّا انحصر تبليغ الرسالة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) به.

وليست هذه الخصوصية وليدة عن كثرة سماع الوصي لكمية كثيرة من الأحاديث أو لقوّة حافظة عليّ (عليه السلام) لما يسمعه من الحديث على النمط المألوف، ولا لمجرّد أكثرية ملازمته وإلاّ لشاركه الآخرون في ذلك ولو بدرجة نازلة. وان

١- سورة المائدة ٥: ٦٧.

٧٦
كتاب الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - (ج ٣) لـ صادق الشيخ محمّد رضا الساعدي (ص ٧٧ - ص ٩٠)

٧٧

الوجودات الأربعة للقرآن:

ولتوضيح أقسام وجود القرآن ينبغي الالتفات إلى التقسيم الذي ذُكر في علم المنطق من أنّ لكلّ شيء أربعة وجودات:

الأوّل: الوجود الكتبي للشيء، وهو نقش اسم الشيء على الورق أو نقش رسم صورته فيما لو كان جسمانياً ـ كلفظ زيد أو صورته، ويُسمّى الوجود الكتبي لزيد ونقش اسمه.

الثاني: الوجود الصوتي لاسم زيد أو صوته، ويُسمّى بالوجود اللفظي الصوتي لزيد.

وهذان الوجودان يقال عنهما الوجودان التنزيليان لزيد أو الوضعيان، أي أنّهما قرّرا وجودين لزيد أو للشيء بحكم الاعتبار الأدبي، فلولا تباني البشر وأهل اللسان عن التعبير عن معنى زيد أو عن وجوده بذلك اللفظ أو بذلك الرسم والنقش من الكتابة، لما كان لهما دلالة على معنى زيد أو وجوده، ولما كان له صلة بحقيقة زيد ولا بمعناه، ومن ثمّ يعبّر عنهما وجودان تنزيليان لزيد، فلفظ زيد الصوتي تنزيل لحقيقة زيد، وكذلك نقش كتابة لفظ زيد تنزيل لحقيقة زيد.

الثالث: معنى زيد في الذهن والصورة التي له في الذهن، أي التي تنتقش تكويناً في ذهن الإنسان وفكره، ويُقال عنه الوجود المعنوي لزيد، وهذا الوجود تكويني وليس من قبيل الأوّلَين، أي ليس وجوداً تنزيلاً اعتباراً، بل هو وجود تكويني لزيد، ولكن لا لحقيقة وجوده بل لحقيقة معناه.

وقد يُطلق عليه تنزيل تكويني لا اعتباري لحقيقة وجود زيد، فهو ليس عين

٧٨
حقيقة الوجود ولكنّه عين حقيقة المعنى، وبين ذات معنى زيد وذات وجوده فرق فارق، بل إنّ لمعنى زيد مراتب: منها صورة بدنه في الذهن، ومنها معنى روحه ونفسه وعقله، أو ماهيته وذاته العقلية.

الرابع: حقيقة وجود زيد وهو وجوده العيني الخارجي، وهو وجود تكويني لزيد، كما أنّه الأصل في أقسام وجودات زيد، فليس هو وجود تنزيلي اعتباري أدبي كالأوّلَين، ولا وجود تكويني كالقسم الثالث، بل هو حقيقة وعين وجود زيد وهذا القسم بدوره أيضاً يشتمل على مراتب: منها الوجود البدني لزيد، ووجود نفسه وروحه.

فتبيّن أنّ الوجود التكويني هو القسمان الأخيران، وكلّ منهما ذو مراتب، وهذا التقسيم يعمّ جميع الأشياء; فإنّ لكلّ شيء من الأشياء وجود لفظي صوتي وكتبي نقشي، ووجودان تكوينان، وهو وجود معانيها في الذهن ووجود عيني خارجي.

فإذا تبيّن ذلك يتبيّن أنّ للقرآن الكريم هذه الوجودات الأربعة، فالتنزيل الذي في المصحف هو وجود كتبي ونقش للوجود اللفظي للقرآن، كما أنّ صوت قراءة القرآن هو وجود لفظي صوتي للقرآن.

ولكلّ من هذين الوجودين أحكام، فإنّه يُحرم لمس خطّ كتابته من دون طهارة، كما أنّ وجود المصحف الشريف المقدّس حرز وأمان، كما أنّه يُستحبّ النظر إليه، والقراءة منه أفضل وأكثر فضيلة من القراءة عن ظهر قلب، كما أنّ قراءة القرآن وهو الوجود الصوتي ـ يدخل النور في البيت ويطرد الشياطين ويُكثر البركة والرزق، ويُستحب تحسين الصوت وتجويده، كما يُستحب قراءته بخشوع وحزن.

وأمّا معاني القرآن فهو الوجود الذهني للقرآن ومعانيه وهو مصدر الهداية والبصيرة.

٧٩
ومن أحكامه: لزوم التدبّر، كما قال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا}(١)، فالتدبّر سرح للنظر في المعاني والسير في مدارجها بالتفكّر، قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر}(٢). فلا يقتصر وجود القرآن على النقش الكتبي ولا على حركة ولقلقة اللسان وبديع التجويد وتحسين الصوت، بل كلّ ذلك إلى غاية أهمّ وهو وجود القرآن في أُفق المعنى، والاستضاءة بنور هدايته من خلال وجوده في أُفق المعنى ورحاب بصيرة تلك المعاني، ومنه تحصل معرفة الدين والشريعة والشرائع. وينقسم إلى معنى ظاهري ومعنى تأويلي، وإلى العلوم جمّة، علوم الحكمة والآداب والأخلاق، وأسرار الفقه والقانون، وحقائق التكوين والمعارف، وعلوم التربية الإنسانية، وبالجملة العلوم العقلية والظواهر الطبيعية، وغيرها من منظومات العلوم.

حقيقة القرآن ووجوده:

والوجود الرابع للقرآن العيني الخارجي هو الذي يشير إليه قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم}(٣) فربط تعالى بين إنزال الروح الأمري وإحيائها وإرسالها، ومعرفة النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالكتاب كلّه، وقد عبّر عن ذلك بالإيحاء وهو الإرسال الخفي، وتشير الآية إلى معرفة النبيّ (صلى الله عليه وآله)

١- سورة محمد ٤٧: ٢٤.

٢- سورة القمر ٥٤: ١٧.

٣- سورة الشورى ٤٢: ٥٢.

٨٠