×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 6) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

في موضوع القضية ومع ذلك لم يكن مشمولاً للحكم، فتكون القضية العقلية قد تخصّصت به، أي: خرجت عن عمومها، وهذا هو الذي يبطلها.

ج١١: قد أوضحنا سابقاً، بأنّ النظام الكلّي إنّما ينشأ من الأنظمة الجزئية، وهذه الأنظمة الجزئية التي أسميتموها بـ(طبع المواد) ناجمة عن أمرين: الأوّل: التركيب الخاص لأصناف تلك المواد. والثاني: النسب والإضافات القائمة بين مجموعها، وبين بعضها والبعض الآخر، فسقوط الحجر ناجم عن كونه كتلة من المادّة ذات قوام خاص، ومن قانون الجاذبية الناجم عن حركات باطن الأرض وحرارتها.

وكلا هذين الأمرين يُعدّان نظاماً جزئياً مندرجاً في النظام الكلّي، وهذه الخصائص التي تجري عليها الأنظمة الجزئية مسبّبة عن منظّم حكيم وقدير؛ لأنّ المادّة الصمّاء عاجزة عن أن تأتي بفعل محكم يحاكي هذه الدقّة والإحكام في النظام، فلا بدّ إذاً من وجود صانع له جميع صفات الكمال، وهو الذي أوجد تلك الخصائص التي برز عنها النظام.

وفي الختام نرجو منك أن تكون أسئلتك في إطار العقيدة أكثر ممّا هي في إطار الفلسفة؛ فإنّ الفلسفات المعاصرة مظنّة الشكوك والشبهات، وهي وإن أمكن الإجابة عنها لكنّها ليست بذات فائدة كثيرة، فإذا رغبت في التوسّع في أمثال هذه المباحث، يمكنك الرجوع إلى المصادر الموثوقة، ككتاب (الإلهيات) للشيخ جعفر السبحاني، وكتاب (عقائدنا) للدكتور محمّد الصادقي، وكتاب (عقائد الإمامية) للشيخ محمّد رضا المظفر، وكتاب (شرح الباب الحادي عشر) للفاضل المقداد السيوري.. وغيرها كثير. هذا في علم الكلام، وفي الفلسفة فلك الرجوع إلى كتاب (نهاية الحكمة) للعلاّمة الطباطبائي وشروحه.

٦١
موسوعة الأسئلة العقائدية ج٦ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٦١ - ص ٩٠)

(الفهم الحقيقي لدليل النظم مقابل الصدفة)

« علي حسين ــ أمريكا ــ إمامي »

السؤال:

كيف نردّ على هذه الشبهة التي وجدتها في مقالة لأحد الكفرة:

((كعادتي عندما لا أجد عنواناً مناسباً لمقالي، أعود إلى محاكاة كتب التراث الديني وعناوينها الهزلية.. فجاء عنوان هذا المقال بهذا الشكل.

هناك فرضية سائدة بين المتدنيين، عفواً، المتديّنين والمتحمّسين للإعجاز العلمي في الإسلام تقول: إنّ التعقيد الشديد الذي نراه في الكون والكائنات الحيّة لا يمكن أن يكون قد حدث بالصدفة، أو بالتطوّر الطبيعي، وهو الدليل على وجود خالق له.

كان أُستاذ التربية الإسلامية عبد المعطي يعطينا دائماً المثال التالي، كإثبات لعملية خلق الكون، فيقول: يا بني، لو وضعت حروف الأبجدية في صندوق وخلطتها ثمّ رميتها على الأرض فهل يمكن أن تسقط مرتبة كجملة مفيدة.. هممم صحيح! ولكن قد تشكّل هذه الحروف آية قرآنية مبهمة، مثل: الم...أو: كهعيص!!

ما علينا.. فلنعود للموضوع:

إنّ كثيراً من المتحمّسين المؤمنين يجدون الراحة والمواساة في هذه الجدلية؛ لأنّها تقدّم إجابة سهلة ومبسطة مقابل التعقيد الكوني الذي يرونه حولهم. ويغفل الكثير منهم عن إدراك أنّ هذا الرأي... يثير جدلية أصعب: إنّ بساطة الخلق هي دليل وجود خالق.. وليس تعقيده!

٦٢
دعونا نأخذ مثالاً على ذلك:

تخيّل أنّك في رحلة في منطقة جبلية، فوجدت كومة من الحصى كلّ واحدة لديها شكل غير اعتيادي وغير منتظم، تشكّل بسبب عوامل وظروف مختلفة.. وبينما أنت تتأمّل تلك الحصى، فجأة وجدت بينها حصاة مربعة الشكل.. وكانت هذه الحصاة المربعة متساوية الأرقام.. في الارتفاع والطول والعرض... بينما كلّ واحدة من بقية الحصى الأُخرى، غير متساوية، ومعقدة الشكل، ولا تستطيع أن تجد في الكومة اثنتان متشابهتان.

وهنا قرّرت أن تقوم بتدوين وتسجيل هذه الحصى في الكومة في جهاز كومبيوتر، ستجد إنّه من السهولة تسجيل الحصاة الوحيدة المتساوية، الثلاثية الأرقام.. بينما سيكون من الصعب عليك تسجيل بقية الحصى الغير متساوية الغير اعتيادية الشكل.. وبالتأكيد ستحتاج إلى برنامج كومبيوتر شديد التعقيد لتتمكّن من تسجيل كلّ هذه الأشكال المختلفة..

إنّ تكوّن حصاة متساوية الشكل مثل تلك مستحيل الحدوث تحت عوامل النحت الطبيعية، لذا فالاحتمال الغالب أنّك ستفترض أنّ لها صانعاً أو خالقاً، والعكس صحيح بالنسبة لبقية الحصى الغير اعتيادية الشكل.

إنّ التعقيد الشديد في تشكيل هذه الحصى، أو التعقيد الشديد في الكون والكائنات الحية يشير إلى عشوائية معقّدة غير منتظمة، وكلّما زادت العشوائية كلّما زاد التعقيد، وهذا هو النظام الطبيعي والبيولوجي، لذا فإنّ النظم البسيطة الغير عشوائية هي التي فقط يكون وراءها صانع أو خالق... وليست تلك المعقّدة العشوائية.

فالصانع والخالق يكون لديه هدف معيّن عند خلقه، فالصانع يصنع الكرسي

٦٣
للجلوس عليه، لذا فللكرسي شكل يهدف إلى الإجلاس، وهي غاية الصانع. ومثل الله تعالى، الذي خلقنا لنعبده فقط، وخلق الأنعام لتكون لنا زاداً وركباً ومنافع أُخرى، لذا كان يجب على تصميمه وخلقه أن يكون مبسّطاً حسب الغاية التي كان يهدف من ورائها..

أمّا هذا التصميم المعقد العشوائي في الكون والكائنات.. وفي أنفسكم، فخلفه تطوّر طبيعي استغرق ملايين السنين من العشوائية المعقّدة.. لعلّكم تعقلون.

أرجو أن يكون بعضنا قد أدرك الآن أنّ التعقيد الذي في الكون وفي كائناته الحيّة، هو الإثبات والدليل الحقيقي... بأنّ ليس وراءه خالق)).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ صاحب هذا المقال لم يفهم الدليل! فإنّ ما يستدلّ به المؤمنون على وجود الله سبحانه الذي يقصده هذا المتحذلق هو جزء من دليل يسمّى (دليل النظم)، فهم يقولون: إنّ هذا النظام ــ لاحظ.. النظام! ــ المعقّد الواسع المتناسق المتجانس بدون تخالف وتضاد وتضارب، دليل على أنّ خالقه عالم قدير حيّ مدرك.

لا كما فهمه هذا المتحذلق من أنّ التعقيد الشديد من دون نظام (أي العشوائية) هو أحد مقدّمات استدلالهم، بل إنّ المقدّمة التي يستدلّون بها هي: النظام شديد التعقيد.

ولا نعتقد أنّ أحداً يستطيع أن ينكر النظام والتساوق في هذا الكون، خاصّة في هذا الوقت مع تطوّر العلوم واتّساع النظريات، إلّا مكابر.

ثمّ إنّ من الواضح أنّ هذا النظام الشديد التعقيد مناقض ولا يتّفق مع الصدفة؛

٦٤
فإنّ حدوث مثل هذا النظام من خلال الصدفة حسب قانون الاحتمال مستحيل.

ولنوضّح ما نقول بمثال:

افرض أنّ هناك ثلاث مستودعات كبيرة فيها مواد البناء وأدواته، فجاء إلى أحدها مهندس بارع في عمله واستخدم ما يحويه في بناء صرح عمراني مبتكر، وجاء إلى الثاني عامل بناء بسيط واستخدم ما يحويه في بناء بيت بسيط، وجاء سيل إلى الثالث فجرفه وجعله كومة أنقاض, فما يقول العقل هنا؟

من الواضح أنّه يستخدم القاعدة العقلية: (الأثر يدلّ على المؤثّر) ليستنتج: أنّ الصرح العمراني المذهل الكبير شديد التعقيد هو من صنع شخص عالم ذي ذكاء فذّ, وأنّ البيت البسيط هو من صنع شخص محدود الذكاء, وأنّ كومة الأنقاض هي من صنع علّة جاهلة يحتمل أنّها صنعته بالصدفة.

ولا يقول أحد من المؤمنين (المتديّنين كما يسمّيهم) بأنّهم يأخذون من كومة الأنقاض العشوائية غير المنتظمة على أنّها دليل على الخالق، كما أراد أن يوهم سامعيه؛ فإنّ هذا كذب صراح.

وأمّا ما جاء به من مثل كومة الحصى، فمن قال: إنّ كلّ حصاة حصاة ليس فيها نظام؟! ولك أن تسأل علماء الجيلوجيا.

ثمّ من قال: إنّ وجود كومة الحصى الحاصلة من أُمور طبيعية لا تدخل في نظام يكوّن سطح الأرض وتضاريسها؟!

نعم، الكومة في نفسها وبحد ذاتها قد تكون ظاهراً غير مرتبّة, ولكن ذلك لا يعني أنّها لم تخضع لقانون الجاذبية؛ فلاحظ!

ثمّ من الواضح أنّ تفاوت العقول (هذا مثال للتقريب ولا ننسب ذلك إلى

٦٥
الله) بين الشدّة والضعف، واضح في أنّه كلّما ضعف العقل اتّجه إلى الخطوط البسيطة المستقيمة، وكلّما اشتدّ اتّخذ اتّجاهاً أشدّ تعقيداً، ولك أن تقارن بين رسوم الطفل الصغير بخطوطه المستقيمة، وبين ضربات فرشاة أمهر الرسّامين!

فكيف يقيس الحصاة المربّعة بأنّها تدلّ على الصانع، والحصاة التي لا شكل محدّد لها أنّها تدلّ على الصدفة؟! نعم إنّ العقل نتيجة للخبرة مع الطبيعة يعرف أنّ المربعة هي من صنع إنسان، وأنّ غيرها لا يمكن للإنسان أن يصنعها، وإنّما من صنع صانع أعلى وأشرف.

فاستنتاج العقل في مثاله ونتيجة للعادة هو أنّ الحصاة المربّعة من صنع إنسان، وغير المربّعة ليست من صنع إنسان، لا أنّ المربّعة من صنع صانع، وغير المربّعة ليست من صنع صانع، فهذه مغالطة منه؛ فلاحظ!

وأمّا ما أشار إليه من بعض آيات القرآن المكوّنة من حروف مقطعة، فإنّ أحداً لم يقل أنّها ليست من صنع أحد، فإنّ أشدّ المنكرين كانوا ينسبونها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا إلى الصدفة، ولكن حتماً هؤلاء عندما جوبهوا بنظم الآيات القرآنية الأُخرى مع أنّ المصدر للكلّ واحد، أذعنوا أنّ في هذه الآيات معان لا ندركها.

(برهان النظم ونفي نشوء الكون عن الصدفة)

« الميرزا ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

قرأت حول برهان النظم ما يلي:

٦٦
(إذ أنّ الخصوصيات الكامنة في وجود المعلول والأثر تعرب عن الخصوصيات السائدة على المؤثّر والعلّة، فالسُنن والنُّظُم تكشف عن المحاسبة والدقّة، وهي تلازم العلم والشعور في العلّة).

أفهم من هذا أنّ المعلول يشير إلى أنّ العلّة لا بدّ وأن يكون عالماً قادراً، ولكنّهم لا يقولون: إنّ هذا النظام أو هذا الوجود وصل إلى ما وصل إليه من قوانين ونظم فجأة، فهناك شريط طويل جدّاً من الزمن، أفلا يكون هذا الزمن الطويل جدّاً كفيل بتحقيق قوانين ونظم عن طريق العديد من التفاعلات المادّية، فهناك احتمال ولو كان واحداً في المليون، هذا أوّلاً.

وثانياً: الاحتمالات لا تكون مرتّبة، فالاحتمال المطلوب قد يكون هو الأوّل، وقد يكون هو الثاني، وقد يكون هو الآخر.

وثالثاً: كلّ الاحتمالات تكون متحقّقة.

وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يمكن أن يكون النظام الذي يسود الكون مسبّباً عن الصدفة؛ لأنّنا لسنا بصدد نظام جزئي محدود، وإن كان النظام المحدود كذلك لا يمكن أن يكون معلولاً للصدفة؛ إذ أنّ احتمال نشوء النظام المحدود عن الصدفة ضئيل جدّاً بحيث لا يكاد أن يُتصوّر، حتّى وإن افترضنا أنّ الزمان المصاحب لهذا النظام طويل جدّاً، بحيث يمكن من الناحية النظرية أن نتصوّر انبثاق النظام لحظة ما من لحظات هذا الزمان الطويل الممتد، والسرّ في دفع هذا التصوّر هو: أنّنا لسنا فقط

٦٧
بصدد هيئة عامّة ناجمة عن وجود علاقات خاصّة بين أجزاء النظام الواحد، بل إنّنا علاوة على ذلك بصدد وجود نفس تلك الأجزاء وتنوّعاتها وتأليفها في ضمن هيئة واحدة نطلق عليها: النظام، فلسنا في الواقع إزاء نفس الهيئة، بل المفردات التي تبتني عليها الأجزاء المكوّنة للجميع وارتباطاتها الخاصّة.

ولذلك فإنّ الاحتمال المتصوّر لبروز أو تكوّن هذا النظام المحدود يكون غاية في الضآلة، بحيث لو تصوّرنا أنّ الزمان المرافق له هو مليار سنة، فإنّ نسبته لن تصل إلى أقلّ من واحد من ألف ألف ألف ألف مليار، أي أنّ احتمال انبثاق نظام محدود في مدّة مليار سنة سوف يصل إلى هذه القيمة الضئيلة جدّاً التي تقترب من الصفر أو تكاد.

ولذلك فإنّنا نقول: إنّه في نظامٍ لا متناهٍ، كنظام الوجود، ليس هناك أيّ احتمال على الإطلاق لأن يكون متولّداً من الصدفة، أو عبر ما ذكرته من تفاعلات كيميائية... الخ، ولا بدّ، شئنا أم أبينا، أن نثبت وجود علّة غاية في الحكمة ولا حدود لعلمها وقدرتها، قد أنشأت هذا الكون بجميع أنظمته وجزئياته وعجائبه.

ونرفض أن يوجد أيّ احتمال مهما كان ضئيلاً على انبثاق نظام الكون عن عوامل مادّية أو تفاعلات كيميائية فاقدة لأي شعور وعلم وحكمة، بل إنّ افتراض شيء من هذا القبيل لا يختلف عن فرض نشوء الكون عن الصدفة؛ إذ لا معنى للتفاعلات الكيميائية وغيرها من العوامل اللاشعورية في رسم هذه الهيئة المحكمة البديعة بجميع قوانينها ونواميسها الكلّية والجزئية وعلاقاتها الخاصّة وتناغمها البديع، فالتفاعلات العمياء عاجزة عن ضبط ما يترتّب عليها هي من نتائج، فكيف يتسنّى لها أن تكون دخيلة في هذا التصميم العظيم والمذهل الذي هو الكون؟!

٦٨
ولذلك فنحن لا نرى أي فرق بين ما ذكرتموه وبين ما قيل من تولد النظام من الصدفة. بل هو هو من دون أدنى فرق.

(معنى الصدفة)

« إبراهيم ــ السعودية »

السؤال:

السلام عليكم..

نودّ منكم أن تعطونا رأيكم في الصدفة ومكانتها في الدين، وهل هي موجودة أم لا؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا واقع للصدفة عقلاً ونقلاً, وينبغي أن لا تعتبر اعتباراً شرعياً, وأمّا ما يجري على ألسنة الناس فهو من باب التسامح في التعبير والغفلة عن العلل.

ويدلّ على ما ذكرنا: أنّ القانون العام في كلّ حدث وحادث أن يصدر عن علّة, وهذه قاعدة كلّية عقلية اتّفقت عليها جميع أرباب الملل والنحل, فلا يشذّ منه أيّ مورد حتّى نعتبره من باب الصدفة.

نعم, قد تخفى علينا العلّة أو العلل في واقعة، فنتصوّرها حدثت بغير حساب وكتاب, وهذا لا يعني عدم وجود علّة لها؛ إذ عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود, فربّما توجد هناك علّة بعيدة أو قريبة أثّرت في الموضوع لا علم لنا

٦٩
بوجودها؛ إذ لا نحيط بجميع العلل في الكون.

(برهان النظم يقتضي وحدة الناظم وعلمه)

« علي ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

شبهة: الدليل في برهان النظم التكويني أعمّ من المدّعى؛ لأنّ الناظم هنا‎ قد يكون طبعي وليس علمي... مثل ما نرى في مثال: ندف الثلج، أو الهوابط من الكهوف،‎ وبعض الأحجار الكريمة التي تنتظم بقوى طبيعية بحتة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

النظم يقتضي علّة مُنَظّمة، أي: عالمة بحقيقة النظم، والطبيعة من جهة ذاتها لا علم لها؛ فلا يصحّ أن تكون هي العلّة.

أمّا ما ذكرته من أمثلة: ندف الثلج، وهوابط الكهوف، والأحجار الكريمة، فلا ينتسب إلى الطبيعة، وإن تراءى ذلك في بادئ الرأي، بل هي تحصل طبقاً لنواميس كونية وضعها بارئ النظم جلّ وعلا، ونسبتها إلى الطبيعة من قصور النظر وقلّة التدبّر في الآيات الآفاقية لخالق الكون العظيم.

وعليه فلا يكون برهان النظم أعمّ من المدّعى؛ لأنّنا ننفي أن يكون ثمّة ناظم آخر، لا سيّما بعد أن دلّت الدلائل على ترابط وتشارك نواميس الكون، تحقيقاً لوحدة النظام الدالّة على وحدة الخالق؛ فتأمّل!

٧٠

(النظام لا يتسلسل)

« الميرزا ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

باسمه تعالى

إنّ الله يتّبع نظاماً؛ فمثلاً: هو لا يفعل القبيح ويفعل الحسن، فهذا نظام.

وكذلك المادّة تتبع نظاماً؛ فمثلاً: الصخرة عند تركها من على مكان مرتفع تسقط إلى الأسفل وليس إلى الأعلى، وهذا نظام.

فكلاهما يتّبعان نظاماً ما من الأنظمة.

فلماذا تكون المادّة مصنوعة لأنّها تتّبع نظاماً ما والله ليس كذلك؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الله تعالى لا يجري عليه ما هو أجراه، فإنّه قد كيّف الكيف، وأيّن الأين، وخلق الزمان وفصّل الأكوان، وجعل النظم والنواميس وقنّن القوانين، وذلك كلّه يناسب عالم الإمكان ولا يناسب الواجب بذاته عزّ وجلّ.

فإن كنت تعني بالنظام الذي يتّبعه الله تعالى: إحكام الصنعة والقدرة على وضع الأشياء في مواضعها والعلم على النحو الأتم، فلا اعتراض لدينا على ذلك، مع لفت الانتباه إلى قضية وهي: إنّ الله تعالى متبوع غير تابع، فما عبّرت به من أنّه: يتبع نظاماً... الخ ليس صحيحاً.

٧١
وأمّا إذا كان هذا مجرّد اصطلاح منك، فلا مشاحة في الاصطلاح.

أمّا إذا كان مرادك من كونه يتّبع نظاماً: أنّ هنالك نظاماً يخضع له الله عزّ وجلّ في جميع أفعاله وصفاته ولا يجوز أن يخرج عن طوقه، فلا نسلّم؛ لأنّ الله تعالى أجلّ من أن يكون خاضعاً لشيء، نظاماً كان أم غيره، بل يخضع له كلّ شيء من الدرّة إلى الذرّة.

نعم، الله تبارك وتعالى لا يفعل ما هو خلاف الحقّ والعدل والإنصاف والحكمة؛ لأنّه تامّ فوق التمام، ومستجمع لجميع الكمالات.

وبكلمة موجزة: إنّ نظام الأشياء في الكون تابع للنظام الكلّي، والنظام الكلّي مبتدع من قبل الله، فهو منشئ النظام ومسبّب الأسباب، وكما أنّه لا سبب له بل هو سبب كلّ شيء، فكذلك هو لا نظام له؛ لأنّه موجد كلّ نظام، وإلّا لو كان له نظام تبعاً لوجود نظام في كلّ شيء، لكان ينبغي أن نسأل: ومن أوجد النظام الذي يتّبعه الله أو يخضع له؟ فإن أوجده الله، فهو مخلوق لله، والله لا يتبع لمخلوقاته، وإن أوجده سبب آخر غير الله، فمعنى ذلك أنّ هنالك إلهاً آخر أعلى وأكمل من الله تعالى سبحانه عن ذلك، ولو جاز لنا أن نسأل عن نظام الله، فكذا يجوز أن نسأل عن نظام ذلك الإله المفترض، ولا بدّ أن نفرض أنّ نظامه عن سبب أعلى، وهلمّ جراً، فيتسلسل النظام إلى لا نهاية، وهو باطل، كما ثبت في محلّه.

فالفرق واضح بين من يتّبع النظام، وبين من أنشأ النظام.

٧٢

(الفهم الصحيح لبرهان النظم)

« الميرزا ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

يقولون: إنّ هذا برهان مضادّ لبرهان النظم: هل الله له نظام معيّن، أم أنّه لا نظام له؟

إذا قلت: إنّه لا نظام له، فهذا يعني: أنّه فوضى؛ لأنّ اللانظام هو: الفوضى، وإذا كان فوضى فكيف يخلق النظام؟ إذاً يثبت عندنا أنّه له نظام من نوع ما.

وهكذا وبنفس منهجك نقول: العالم له نظام, الله له نظام, العالم مصنوع, لذا الله مصنوع.

ما هو ردّكم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا بدّ من فهم برهان النظم أوّلاً، وهو: إنّ عالم الطبيعة خاضع لنظام محدّد، وإنّ كلّ ما في الكون لا ينفكّ عن النظم والسُنن أو القوانين، وكلّ هذه القوانين أو السُنن لا بدّ لها من علّة تحقّقها وتكوّنها. وإنّنا من وراء هذا النظام لا نستدلّ على وجود المؤثّر فقط، بل نكتشف خصوصيات هذا المؤثّر، من عقله، وعلمه، وشعوره، أو تجرّده من تلك الكمالات.

وأمّا قولك: ((إنّ الله هل له نظام؟)).

فإن كنت تقصد: أنّ الله يصدر منه النظام للخلق، فهذا صحيح.

٧٣
وأمّا إذا كنت تقصد: أنّ ذات الله بها نظام بمعنى أنّها مرتّبة من أجزاء متناسقة في أدائها، فهذا ما لا يصحّ قوله عنه جلّ وعلا... لأنّ الله ليس بمركّب في أجزاء، وإنّما يصحّ ذلك في المركّبات. فنحن نرفض هذه المقدّمة، وهي: كون أنّ الله له نظام، لا بمعنى: أنّه لا بدّ أن يكون فوضى، بل لأنّ هذا لا يصحّ إطلاقه عليه.

ولذا صار هناك اختلاف في الحدّ الأوسط في القياس، وذلك لأنّ المقدّمة الأُولى تقول: إنّ الله يصدر منه النظام, والمقدّمة الثانية تقول: كلّ ما له نظام لا بدّ أن يكون مصنوعاً، فالحدّ الأوسط مختلف، فهناك المحمول: يصدر منه النظام، وهناك الموضوع: ما له نظام، ومع اختلاف الحدّ الأوسط فإنّ القياس يكون غير منتج.

وببيان آخر:

لا موضوع أصلاً لما يقولون؛ فالنظام لا يتعلّق إلّا بالمركّبات، والله تبارك وتعالى فرد أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وليس معنى ذلك أنّه فوضى؛ لأنّ النظام والفوضى متقابلان تقابل العدم والملكة، كما يقول علماء المنطق، فلا يصحّ فرض الفوضى إلّا في محلّ يصحّ فيه فرض النظام؛ لأنّ الفوضى ليست إلّا عدم النظام في ما من شأنه أن يكون منظماً، وهما كالعمى والبصر؛ فإنّ العمى ليس إلّا عدم البصر في من شأنه أن يكون بصيراً، أمّا من لم يكن شأنه كذلك، كالحجر مثلاً، فلا يقال له: أعمى؛ لأنّه ليس له القابلية على ملكة البصر، والأعمى من له قابلية البصر لكنّه فاقد له.

وهكذا الباري عزّ وجلّ ــ مع الفارق العظيم ــ عزّ شأنه وتعالى مجده، فهو صرف الوجود وحقيقته، وهو بسيط الذات لا يتصوّر فيه التركيب بوجه إطلاقاً، وما لا يتصوّر فيه التركيب فكيف يصحّ أن يوصف بالنظام والفوضى؟!

٧٤
بالإضافة إلى أنّ النظام والفوضى من خصائص الممكنات، والله تعالى عريّ عن الإمكان، وهو واجب الوجود بذاته، وهو من أجرى النظام في الكون بحكمته وعلمه وقدرته، فكيف يصحّ أن يجري عليه ما هو أجراه؟! تبارك وتعالى عمّا يقول الجاهلون علوّاً كبيراً.

والآن دعنا نحلّل القياس الذي زعموا أنّه دليل على كون الله عزّ وجلّ مصنوعاً.

١ــ يتألف من ثلاث مقدّمات، تلزم عنها نتيجة.

٢ــ يعني ذلك أنّه مؤلّف من قياسين أُضمرت إحدى نتيجتيه.

٣ــ النتيجة المضمرة إنّما أضمرت لأجل إخفاء بطلانها.

فقولهم: العالم له نظام.. الله له نظام.. ينتج عنه: أنّ (العالم هو الله).

وهي نتيجة باطلة، وذلك لأنّ المقدّمتين لم تتوفّر فيهما شروط الإنتاج الصحيح، فالقياس المذكور هو من الشكل الثاني؛ إذ أنّ الحدّ الأوسط وقع محمولاً في المقدّمتين، وهذا الشكل له شرطان: الأوّل: اختلاف المقدّمتين في الكيف، والثاني: كلّية الكبرى، وأنت ترى بأنّ كلا المقدّمتين موجبتان، وهما أيضاً مهملتان، والقضية المهملة في قوّة الجزئية. فضلاً عن أنّ المقدّمة الثانية خاطئة كما بيّنا آنفاً.

ولذلك لم يصرّحوا بالنتيجة الباطلة التي هي: (العالم هو الله) بل أضمروها. وهذه النتيجة المضمرة ضمّوا إليها مقدّمة أُخرى وهي: العالم مصنوع، هكذا.

العالم هو الله.. العالم مصنوع.. إذن الله (سبحانه) مصنوع.

وهو على هيئة قياس من الشكل الثالث، حيث وقع الحد الأوسط موضوعاً في المقدّمتين، وهذا الشكل في سبيل أن يكون منتجاً لا بدّ أن يتوفّر فيه شرطان: الأوّل: إيجاب الصغرى، والثاني: كلّية إحدى المقدّمتين. وحيث إنّ المقدّمتين

٧٥
مهملتان، فلا تكون النتيجة صحيحة.

وفي الواقع، فإنّ الدليل المذكور هو تمثيل صيغ على هيئة قياس؛ إذ ينطلق من تشخيص حالة شبه مفترضة بين العالم وبين الله تعالى، وهي: أنّ كلّ منهما ذو نظام، ثمّ يرتب الأثر عليها، وهو: المصنوعية. وأنت خبير بأنّ التمثيل لا يصلح أن يكون دليلاً لإثبات المعارف الحقيقية اليقينية؛ لأنّه دليل ظنّي محتمل الخطأ؛ فتأمّل!

(الملازمة بين النظام ووجود الله والإيمان)

« حسن ــ السويد ــ إمامي »

السؤال:

ما الحاجة إلى الإيمان بوجود الله ما دام كلّ شيء بقوانين ونظام؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وجود النظام يدلّنا على لا بدّية وجود المُنظّم لهذا النظام، وإلّا فالنظام لا يأتي بالصدفة، فأنت إذا رأيت ساعة الكترونية منظّمة يدلّك نظامها على لا بدّية وجود الصانعاً لها والمُنظّم لها بهذا الشكل، ولا تحتمل أنت أنّها وجدت صدفة بتساقط مكوناتها واحدة فوق الأُخرى إلى أن صارت بهذا الشكل.

فلمّا ثبت أنّ هناك صانع، وثبت أنّه منعم على هذا الخلق بالوجود، وبنعَِم كثيرة لا بدّ من شكرها، فكانت طريقة شكره هي: الإيمان به، والامتثال لأوامره والانتهاء عن نواهيه.

٧٦

(التلازم بين ثبوت وجود الله ووجوب التديّن)

« أبو محمّد الخزرجي ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أقول: لقد تناقشنا قبل فترة مع بعض (اللادينيين), فقالوا لنا: ما هو دليل صحّة التدين؟

فقلنا لهم: الدليل وجود الله.

فقالوا لنا: سلّمنا لكم بوجود الله, ولكن هل هناك ملازمة بين وجود الله والتديّن؟ فقد يكون الله موجوداً ولكن بدون دين, فلماذا تربطون الدين بالله؟!

فالأسئلة هنا:

١ــ ما هي الملازمة بين وجود الله والدين؟

٢ــ ما هي الأدلّة على صحّة التديّن وبطلان اللادينية؟

ولكم جزيل الشكر.

اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ العقل يحكم، بعد ثبوت وجود الله وأنّه المنعم علينا بنِعم كثيرة، أوّلها: الخَلق، أنّه لا بدّ من شكره، وبلزوم دفع الضرر المحتمل الناتج من مخالفته، كما يحكم بأنّنا لم نُخلق عبثاً.

٧٧
ومن خلال هذين الحكمين العقليين من: لزوم دفع الضرر، ووجوب شكر المنعم، يلزم وجوب النظر والمعرفة، ووجوب التصديق والتديّن؛ إذ من دون التصديق والتديّن لا يحصل الإيمان، ومع عدم حصوله يبقى احتمال الضرر واحتمال تضييع حقّ المولى موجوداً.

ومن خلال حكم العقل بأنّنا لم نُخلق عبثاً، وأنّ التكليف واجب من جهة اللطف، وجب البحث عن الطريق الأسلم الذي يجب اتّباعه، ولمّا لم يمكن لنا معرفة الأُسلوب الأمثل لشكره وعبادته، لزم إرسال الرسل وبعث الأنبياء.

(لا علّة لله سبحانه)

« السيّد أحمد ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إذا قلنا: إنّ لكلّ معلول علّة, فما هي علّة الله تبارك وتعالى؟

موفّقين لكلّ خير.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يُسأل عن علّة الله تعالى؛ لأنّه هو علّة العلل، ومسبّب الأسباب، فإليه تنتهي سلسلة الأسباب؛ لأنّنا إذا تصوّرنا وجود علّة له فلا يكون هو الإله بل علّته. وننقل

٧٨
الكلام إلى هذه العلّة؛ فإن كان لها علّة فليست هي الإله، وهكذا؛ فلا بدّ أن نقف عند علّة أُولى لا علّة لها، وهي: الله سبحانه وتعالى.

ثمّ إنّا وإن سلّمنا بأنّ قاعدة: ((لكلّ شيء علّة)) قاعدة عقلية يحكم بها العقل, إلّا أنّ العقل نفسه، بقاعدة أُخرى، هي قاعدة: ((بطلان تسلسل العلل إلى غير نهاية))، يحكم ببطلان أن يكون لكلّ شيء علّة على الإطلاق؛ فعلّة العلل لا علّة لها، حسبما ثبت ذلك بالبرهان العقلي؛ فتأمّل!

(لا يمكن فرض إله آخر وراء الواجب بذاته)

« سعيد إبراهيم ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

كيف يمكن أن نثبت أّن الله واجب الوجود بعد أن نفترض أنّه ممكن الوجود، ولكن الموجد له تنصّل عن مهامّه وأسندها إلى الله، وأعطاه القدرة على الخلق مع كافّة إمكانيات ومستلزمات الإلوهية، وأعطاه الخلود الأبدي.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ولو أنّ فرض المحال ليس بمحال، إلّا أنّ الفرض في نفسه لا يصحّ؛ لأنّنا إن افترضنا أنّ الله تعالى ممكن وليس بواجب الوجود, فمعنى ذلك أنّنا افترضنا أنّ الله عزّ وجلّ ليس إلهاً وإنّما يمارس دور الإله, وبالتالي فإنّ ما ظنناه الله ليس في الحقيقة سوى عبداً لله.

٧٩
فيكون ذلك الإله، الذي أعطى القدرة لهذا المفترض أنّه الله، هو الإله الحقيقي، ولا يمكن أن يكون البرهان على وجود الله وصفاته إلّا برهاناً على وجود ذلك الإله الأعلى، فلا يكون ثمّة دور مناطه الإلوهية لمن فرضنا كونه هو الإله.. لأنّ المعطي للقدرة ومقتضيات الإلوهية هو الإله الحقّ، أمّا المُعطى فلا يكون إلهاً إلّا من جهة الجهل بحقيقته، والجهل بالإله الحقيقي لا يُصيِّر المظنون بالإلوهية إلهاً.

(وهم من الشيطان: السؤال بـ: من خلق الله؟)

« ثامر ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

من خلال قانون السببية في إثبات وجود الله، يأتي سؤال من الشيطان في نفس الإنسان... من خلق الله؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

السؤال في حدّ ذاته غير صحيح؛ لأنّ سلسلة العلل لا بدّ أن تنتهي إلى علّة أُولى هي علّة العلل، وإلّا ذهبت إلى غير نهاية، وهذا باطل، لأنّ تسلسل العلل إلى لا نهاية ينافي تحقّق المعلول بالفعل، فلو فرض أنّ لكلّ معلول علّة ولعلّته علّة، وهكذا إلى غير نهاية، فمعنى ذلك: عدم حصول المعلول؛ لأنّك مهما فرضت علّة، فلها علّة، فمتى يتسنّى للمعلول أن يوجد والعلل مترامية ومتسلسلة

٨٠