×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 10 / الصفحات: ١ - ٢٠

ندوات مركز الأبحاث العقائدية (ج١٠) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ١ - ص ٣٠)

١

ندوات مركز الأبحاث العقائديّة

المجلّد العاشر

إعداد

مركز الأبحاث العقائديّة

٢

٣

بسم الله الرحمن الرحيم

٤

٥

(١٤٢) الإمامة في القرآن الكريم

الشيخ محمّد جواد الفاضل اللنكراني

٦

٧

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبينا أبي القاسم محمّد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

تمهيد:

قال الله في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ والرسول إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾(١).

إنّ مسألة الإمامة من أهم المسائل ومن أهم الحقائق الدينية، حينما نبحث عن الأسس الاعتقادية والأسس الدينية في القرآن الكريم والسنّة النبوية نرى بوضوح أنّ الإمامة من أهمها وأركانها، وبلا شك نعتقد بأنّ الإمامة ليست من فروع الدين، فهذا توهم غلط لا يدل عليه دليل، بل الدليل من القرآن ـ والآيات القرآنية تدل بوضوح ـ على أنّ الإمامة من أصول الدين, والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ

١- النساء: ٥٩.

٨
وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾(١).

لماذا يقول الله للرسول صلى الله عليه وآله: إن لم تبلّغ هذه الرسالة المهمّة ـ والرسول في أواخر عمره الشريف وبعد مجاهدات كثيرة ـ فما بلّغت رسالته؟ يعني ذلك أنّ جميع أعماله باطلة، وجهوده غير تامة، والمتمّم لجميع أفعاله: <إبلاغ الإمامة>، ولذا فمن الواضح جداً أنّ الإمامة من أصول الدين.

وأمّا موضوع بحثي في هذا المجلس الشريف فهو: <إثبات الإمامة من القرآن الكريم>، وسنقدم قبل الإثبات مقدمة نافعة لكثير من المسائل القرآنية لا لخصوص مسألة الإمامة فقط.

مقدمة:

هل من الضروري أن يبيّن القرآن كل مطلب يريده الله تبارك وتعالى بوضوح وبالدلالة المطابقية الواضحة، أم أنّ القرآن كتاب حقائقه مرهونة بالتدبّر فيه، وأنّ في القرآن حقائق كثيرة موجودة، ولا يصل الإنسان الى هذه الحقائق إلا عن طريق التدبّر في القرآن الكريم؟

يقول بعض من المنحرفين في الآونة الأخيرة في بعض المجالس: إنّ الإمامة لم يصرّح بها القرآن، ولم تدل آية بالدلالة المطابقية على مسألة الإمامة، فلا تقام حجة من القرآن على الإمامة، فهذا توهم ناشيء من عدم العلمية، وعدم الأنس بالقرآن الكريم، وعدم الارتباط به، فمن له حظ من القرآن يعلم ـ بلا شك ـ أنّ الكثير من الحقائق القرآنية متوقّفة على التدبّر في

١- المائدة: ٦٧.

٩
القرآن, وهو ليس كتاباً عادياً يبيّن كل شيء بكل وضوح وبكل لفظ ساذج، فإنّنا إذا قلنا بأنّ الحجة متوقّفة على ذلك فما معنى هذه الآيات الآمرة بالتدبّر في القرآن الكريم؟!

من يريد الوصول إلى حقيقة التوحيد لن يصل إليها إلا بعد التدبّر في القرآن الكريم، لا عن طريق الألفاظ و الدلالات المطابقية، كما أنّ من يريد أن يصل الى أسماء الله تبارك وتعالى، وكيفية ارتباط تلك الأسماء بالذات فلن يصل إليها إلا بعد التدبّر في جميع القرآن، لا حتى في آية واحدة، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾(١), ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾(٢), ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾(٣).

فهذه الآيات آمرة بالتدبّر في القرآن، وذلك بمعنى أنّ الحقائق خُفيت دبر هذه الألفاظ, وتصلون إليها بعد أن تصعدوا من ظاهر الألفاظ إلى دبرها، فتصلوا الى حقائق القرآن.

وأيضاً أليس القرآن هو من ينادي بأنّ: ﴿مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾(٤)، والمحكمات على ما بيّنه أهل التحقيق في مباحث أصول الفقه تشمل نصوص القرآن وظواهره، وإذا استفدنا من ظاهر

١- محمد: ٢٤.

٢- المؤمنون: ٦٨.

٣- ص: ٢٩.

٤- آل عمران: ٧.

١٠
الآيات الشريفة مسألة الإمامة فتكون من محكمات القرآن فهي حجة لنا، فهذا الذي تخيّله بعض المنحرفين في الآونة الأخيرة في بعض الإذاعات ـ كما سمعتُ من يقول بأنّ القرآن لم ينصّ على مسألة الإمامة ـ غير صحيح, وهو ناشىء عن عدم الوصول إلى القرآن, وعدم الأنس به, وعدم فهمه، فمن يقرأ هذه الآيات التي ذكرتها يعلم بأنّ حقائق القرآن موجودة في دبر الآيات وفي التدبّر في القرآن.

دلالات آية أولي الأمر:

بعد هذه المقدمة أقول:

نستفيد من بعض آيات القران الكريم مسألة الإمامة من دون ضمّ آية أو رواية إليها, ولدينا ـ طبعاً ـ آيات متعددة ولا يسع المجال للتكلم حتى في آية واحدة.

وفي هذا الموضوع نشير إجمالاً إلى بعض النكات في هذه الآية الشريفة في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ والرسول﴾(١).

فهناك بحث في القسم الأول من الآية: ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾، وهو أنّه:

تجب ـ بحسب الآية ـ طاعة الله تبارك وتعالى، وطبعاً الأمر بطاعة الله ليس أمراً مولوياً، بل ممّا يدركه العقل، فيكون أمراً إرشادياً، ولكن وجوب

١- النساء: ٥٩.

١١
طاعة الرسول وأولي الأمر يكون أمراً مولوياً، بمعنى أنّ الله تبارك وتعالى أوجب علينا طاعة الرسول وطاعة أولي الأمر، وممّا لا ريب فيه أنّنا نفهم من هذه الآية ونستفيد منها أنّ وجوب طاعة أولي الأمر معلول لأمر الله تبارك وتعالى، وليس معلولاً لأمر النبي صلى الله عليه وآله.

نكتتان في الآية:

النكتة الأولى: نستفيد من هذا القسم من الآية بطلان ما ذكره بعض أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله قرب رحيله ـ على ما هو موجود في صحاحهم ـ حيث قالوا: (حسبنا كتاب الله)(١), فإذا كانت الآية تدل على وجوب طاعة الرسول فما معنى طاعته صلى الله عليه وآله؟ الآية ظاهرة في إطاعة الرسول في ما أمر به ممّا ليس موجوداً في القرآن الكريم.

إذا كان الرسول صلى الله عليه وآله يأمر ـ بعنوان الإبلاغ والتبليغ ـ بما أمر الله تبارك وتعالى به فهذا ليس إطاعة للرسول، بل هي إطاعة لله تبارك وتعالى؟

ولكن ما معنى إطاعة الرسول؟ وبحسب التعبير العلمي والفني ما هو الموضوع والمتعلَّق لإطاعة الرسول؟ هل الموضوع ما أمر الله تعالى به ونهى عنه فبلّغه النبي؟ لا، هذا داخل في إطاعة الله، بل إطاعة الرسول بمعنى أنّ ما أمر به الرسول ولم يوجد في القرآن الكريم ولم يكن وحياً من الله تبارك وتعالى ـ بل أمر صادر من ذات الرسول صلى الله عليه وآله ـ تجب إطاعته، وهذا يبطل عقيدة (حسبنا كتاب الله).

١- صحيح البخاري٩: ٧.

١٢
طبعاً أنا أقول هذا الكلام ـ معتقداً به ـ قبل أن أصل إلى كلام هذا المفسر العامي (الآلوسي) في روح المعاني، فهو يصرح أيضاً بذلك فيقول بأنّ في قوله: ﴿أَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾: (اعتناء بشأنه عليه الصلاة والسلام وقطعاً لتوهّم أنه لا يجب امتثال ما ليس في القرآن)(١)، فالآلوسي يصرح بأنّ (حسبنا كتاب الله) مخالف لهذه الآية الشريفة، هذه هي النكتة الأولى.

النكتة الثانية: إنّ إطاعة الرسول وإطاعة أولي الأمر قد جُعلتا في جنب إطاعة الله تبارك وتعالى، وهذا يدلّ على عصمة الرسول وأولي الأمر عليهم السلام، فهل يمكن أن يوجب الله تبارك وتعالى إطاعة الرسول مع وجود الخطأ عند الرسول؟ لا يمكن ذلك، فكيف يمكن أن يأمر الرسول بأمر باطل ومع ذلك أوجب الله طاعته؟ كلا وحاشا، وهكذا الأمر بالنسبة إلى أولي الأمر أيضاً.

هذه مسألة واضحة جداً لمن يكون له أدنى إنصاف وأدنى حظ من العلم، فالآية تدلّ بوضوح على أنّ الرسول معصوم من الخطأ، وأنّ أولي الأمر معصومون من الخطأ أيضاً.

من هم أولو الأمر في الآية الكريمة؟

نحن الإمامية نعتقد بأنّ أولي الأمر هم الأئمة الطاهرون (صلوات الله عليهم أجمعين)، ولكنّ أهل السنة ماذا يقولون؟

هم على اختلاف في تفسير وتطبيق هذا العنوان، فبعضهم يقول: بأنّ المقصود من أولي الأمر المعنى اللغوي، أي: صاحب الأمر والحكومة،

١- روح المعاني ٦٥:٣.

١٣
وبعضهم يوسّع فيقول: بأنّهم أمراء الحكومة(١), أو أمراء السرايا(٢), أو أمراء البلاد, وبعض يوسّع أكثر من ذلك فيقول: بأنهم رؤساء الأحزاب.

وينصّ صاحب المنار على ذلك، فيقول بإنّ دائرة أولي الأمر موسّعة فتشمل حتى مدير الجرائد(٣), فمدير الجرائد ـ بحسب اعتقاده ـ طاعته بجنب إطاعة الرسول, وكذا مدراء الأحزاب, الأحزاب التي نرى كيف يتعاملون مع دين الناس ومع الناس في هذا اليوم في بلادهم, فلا قيمة للناس ولدين الناس عندهم, والقيمة الأساسية لهم أنفسهم ولحزبهم وأفكارهم فقط.

ومع ذلك كيف يمكن أن الله يأمر بطاعة هؤلاء الأشخاص؟ بلا شك هذه الكلمات من الأباطيل.

وقفة مع تفسير الفخر الرازي للآية الكريمة:

الفخر الرازي ـ وبعد تنبّهه إلى بطلان هذه الأباطيل ـ ذهب الى أنّ المراد من أولي الأمر هم أهل الحل والعقد، هذا مع أنّه يصرِّح في تفسيره

١- ذكر الجصاص في كتابه أحكام القرآن ٢: ٢٦٤ ذلك، فقال: ومن الناس من يقول: إنّ الأظهر من أولي الأمر ههنا أنّهم الأمراء ؛ لأنه قدم ذكر الأمر بالعدل، وهذا خطاب لمن يملك تنفيذ الأحكام وهم الأمراء والقضاة، ثم عطف عليه الأمر بطاعة أولي الأمر وهم ولاة الأمر الذين يحكمون عليهم ما داموا عدولاً مرضيين.

٢- راجع: تفسير الرازي ١٠: ٤٤.

٣- يقول في تفسير المنار ٥: ١٥٢ ما نصّه: هم أهل الحل والعقد الذين تثق بهم الأمّة من العلماء والرؤساء في الجيش والمصالح العامّة كالتجارة والصناعة والزراعة وكذا رؤساء العمال والأحزاب ومديروا الجرائد المحترمة ورؤساء تحريرها، وطاعتهم حينئذ هي طاعة أولي الأمر.

١٤
الكبير بأنّ مقتضى الآية أنّ أولي الأمر يجب أن يكونوا معصومين من الخطأ، يقول: (فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بدّ وأن يكون معصوماً)(١)، فهو يقبل هذه الكبرى، وهذا أمر مهم جداً.

فهذا العالم السني والمفسر الكبير عند أهل السنة يصرّح بأنّ من المُسلَّم المفروض في هذا الآية أنّ من يدخل تحت عنوان أولي الأمر يجب أن يكون معصوماً, ولكن لأجل المخالفة الشديدة للإمامية يسعى ويحاول كثيراً لإبطال قول الإمامية ويقول بأنّ المراد أهل الحل والعقد.

يقول في تفسيره: (أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوما عن الخطأ)(٢), فهو في كلامه هذا يستدل على وجوب أن يكونوا معصومين عن الخطأ، ثم قال بأنّ الإطاعة تتحقق فيما إذا كان المطاع معروفاً, ونحن عارفين بهم قادرين على الوصول إليهم والاستفادة منهم(٣), فهو يقول بأنّ طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم, فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليفاً بما لا يطاق، وكان هذا الأمر سبباً لعدم تسليمه بما يقوله الإمامية بالنسبة الى أولي الأمر وذهابه إلى أنّ أولي الأمر هم أهل الحل والعقد.

١- تفسير الرازي ١٤٤:١٠.

٢- تفسير الرازي ١٠: ١٤٤.

٣- تفسير الرازي ١٠: ١٤٤.

١٥
ونحن نقول له: ما الدليل على ذلك؟ هو يقول بأنّ الإطاعة لا معنى لها إلاّ إذا كان المطاع معروفاً عندنا، وأهل الحل والعقد معروفون عند الجميع في كل زمان، ويمكن للناس الوصول إليهم ومعرفتهم.

فنقول له: نحن ندعي أنّ الأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) معروفون، عرّفهم النبي بالروايات المتواترة والكثيرة، فلماذا تنكرون معروفيتهم عند الناس؟ قد ذكرهم النبي وصرّح بأسمائهم، وبأسماء آبائهم وأمّهاتهم، وهذا الأمر موجود في الكتب، فما ذكره لا يصح أن يُعتنى به أصلاً، والذهاب الى أنّ المراد بهم أهل الحل والعقد بدليل عدم معرفتهم غير صحيح، فنحن ندّعي أننا نعلم بهم ونعرفهم بالأدلّة الواضحة وبالروايات المعتبرة الموجودة عندهم وعندنا، هذا أولاً.

ثم قال: (إنّ كلمة <أولي الأمر> جمع, ويعتقد الشيعة أنّ في كل زمان إمام واحد, وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر)(١).

وهو هنا يتمسّك بأدلة سخيفة جداً بلا شك، يقول بأنّ الشيعة يعتقدون أنّ في كل زمان إمام واحد، والحال الآية تقول: ﴿أُوْلِي الأَمْرِ﴾، وكلمة (أولي الأمر) جمع, ولا يمكن أن يستعمل الجمع في المفرد.

والجواب: أنّنا لا ندّعي استعمال الجمع في المفرد، فهذا عنوان عام كعنوان <الذين أمنوا> في آية الولاية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمنوا﴾(٢), وكعنوان <ذوي القربى> في بعض الآيات, هذا عنوان عام وفي كل

١- تفسير الرازي ١٠: ١٤٥.

٢- المائدة: ٥٥.

١٦
زمان له مصداق معيّن, وليس هذا خلاف الفصاحة والبلاغة، فالعنوان العام في كل زمان له مصداق فريد معين, نعم إذا ادعينا أنّ الجمع قد استعمل في المفرد فهو أمر قبيح يخالف الفصاحة والبلاغة, ولكننا لا ندّعي ذلك,

ولا تدعي الشيعة ذلك.

ثم قال: (الدليل الثالث على بطلان كلام الروافض: إذا كان المراد من أولي الأمر هم الأئمة المعصومون، فلماذا قال الله تعالى بعد ذلك ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾(١)؟ فلماذا لم يقل: فردّوه الى الله والرسول وأولي الأمر؟

أقول ـ نقضاً عليه ـ: لماذا لم يقل: فردوه إلى أهل الحل والعقد؟ فأنت تعتقد بأنّ المراد من أهل الحل والعقد معصومون, فإذا كانوا معصومين فيجب في مورد الاختلاف الرجوع إليهم أيضاً, فلماذا لم يقل بذلك؟!

وأمّا الجواب الأساسي فهنا نقطة دقيقة جداً لا بدّ من التأمّل فيها في هذه الآية, فإنّ قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ليس له مفهوم أصلاً, فلو كان له مفهوم فهذا يعني أنه لا يجوز الرجوع إلى غيرهما.

أنا أعتقد أنّ القرآن الكريم في كل مورد يذكر اسم الرسول يلحق به أولي الأمر, إلا إذا دلّ دليل خاص على الاختصاص به كوجوب نافلة الليل مثلاً, ولكن مع قطع النظر عن الدليل الخاص نحن نرى في كثير من الموارد: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾(٢), أو ﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ

١- النساء:٥٩.

٢- المائدة:٥٥.

١٧
وَلِذِي الْقُرْبَى﴾(١), ففي كثير من الموارد في القرآن الكريم هناك عناوين كعنوان <ذوي القربى>, أو <أولي الأمر> ملحقة بالرسول, و لم يذكر ذلك في موارد من جهة أنّه لا يحتاج إلى البيان, كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾(٢).

فنسأل: هل لهذه الآية مفهوم؟ فالأنفال لله والرسول, ولكن لمن هي بعد الرسول؟ هل أنّ الآية تدلّ على أنّه ليس لغيرهما أبداً أم أنّنا لا نستفيد المفهوم من هذه الآية بل <أولو الأمر> ملحق بالرسول؟

طبعاً نحن نعتقد أنه ليس لهذه الآية مفهوم، وكذلك ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ليس معناه عدم جواز الرد إلى غيرهما.

وإذا أصرّ شخص بأنّ الآية لها مفهوم, ومفهومها عدم جواز الرد إلى غيرهما فهذا ـ طبعا ـ يعني التناقض في الآية صدراً وذيلاً.

توضيح ذلك: إنّ الآية قد أمرت بطاعة الله وطاعة الرسول وأولي الأمر, طبعاً قلت في النقطة السابقة بأنّ أولي الأمر ملحق بالرسول في جميع الموارد, لكنّ سر عدم تكرار كلمة <أطيعوا> في هذا المورد ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾ هو أنّهما بمنزلة نور واحد.

نقول هنا: النقطة الأخرى ـ وهي نقطة علمية دقيقة ـ: أنّ الله أمر بطاعة الرسول وكذلك طاعة أولي الأمر، فهل الأمر بإطاعة أولي الأمر مطلق أم لا؟ نعم مطلق، يعني لو أنّ أولي الأمر أمروا بكل شيء فتجب إطاعتهم, ولا يجوز

١- الانفال:٤١.

٢- الانفال: ١.

١٨
التخلّف عنهم، فما معنى ذلك ؟

معناه أنّ أولي الأمر إذا أمروا في مورد النزاع والتنازع بشيء تجب طاعتهم، فإذا قلنا بأنّ القسم الثاني من الآية له مفهوم، ومفهومه عدم جواز الرجوع إلى أولي الأمر فيحصل التناقض بين صدر الآية وذيلها, فصدر الآية يدلّ بوضوح على وجوب طاعة أولي الأمر على نحو الإطلاق في جميع الموارد حتى في مورد التنازع, أما ذيل الآية فينفي جواز الرجوع إليهم، فكيف يمكن الجمع بين الصدر والذيل؟

نصل من هذه النكتة الى أنّ القسم الثاني من الآية ليس له مفهوم أبداً, فليس معنى قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾ عدم جواز الرجوع إلى أولي الأمر، نعم وجه التصريح باسم الله والرسول من جهة أنّهما معدن ومخزن وأساس لجميع الأحكام, وأولو الأمر الأئمة الطاهرون عليهم السلام يقولون: كل ما نقوله في الفقه وغير الفقه يوجد في القرآن الكريم(١), ويمكن أن نستدل بالقرآن الكريم.

استدلال الأئمة عليهم السلام على الأحكام بالقرآن:

يمكنكم أن ترجعوا إلى الروايات وتروا في روايات متعددة أنّ الأئمة عليهم السلام يصرّحون بذلك، وسأل بعض الأصحاب في بعض الموارد الأئمة الطاهرين عن بعض الأحكام وبعد بيان الحكم سألوا عن الدليل من القرآن.

كناكح نفسه، ولو علمت بمن يفعله ما أكلت معه.

فقال السائل: فبيّن لي يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله من كتاب الله نهيه؟

١- راجع: بحار الانوار ٢٤٢:٢.

١٩
فقال: قول الله ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾(١)، هو ممّا وراء ذلك(٢).

فسرّ عدم ذكر أولي الأمر في هذا القسم من الآية أنّ جميع المعارف موجودة في الكتاب والسنّة، والأئمة الطاهرون عليهم السلام أرجعوا الناس إليها.

جواب العلاّمة الطباطبائي على ما قاله الفخر الرازي:

وهنا نسأل الفخر الرازي، فنقول: أنتم تقولون أنّ المراد من أولي الأمر هم أهل الحل والعقد، وهنا كلام لطيف دقيق للسيد العلامة الطباطبائي قدس سره في تفسير الميزان, فهو يقول: من المراد بأهل الحل والعقد؟ هل المراد الأشخاص كل واحد واحد من الأشخاص من أهل الحل والعقد يكون من المعصومين؟ فهذا يكذّبه الواقع والوجدان, ففي كل زمان حينما نتابع التاريخ في العصر الإسلامي وقبله فإنّ أهل الحل والعقد لا يوجد فيما بينهم من يكون معصوماً، فهذا باطل(٣).

١- المؤمنون: ٧.

٢- بحار الأنوار ١٠١: ٣٠، الحديث الأول، نقلاً عن فقه الرضا عليه السلام.

٣- ما أشار إليه سماحته نقل بالمعنى من تفسير الميزان ٤: ٣٩٢.

ونصّ إشكال السيد الطباطبائي ما يلي:

<فهل المتصف بهذه العصمة أفراد هذه الهيئة، فيكون كل واحد واحد منهم معصوماً، فالجميع معصوم؛ إذ ليس المجموع إلا الآحاد؟ لكن من البديهي أن لم يمر بهذه الأمة يوم يجتمع فيه جماعة من أهل الحل والعقد، كلهم معصومون على إنفاذ أمر من أمور الأمة، ومن المحال أن يأمر الله بشيء لا مصداق له في الخارج..

أو أن هذه العصمة وهي صفة حقيقية قائمة بتلك الهيئة قيام الصفة بموصوفها وإن كانت الاجزاء والافراد غير معصومين بل يجوز عليهم من الشرك والمعصية ما يجوز على سائر أفراد الناس، فالرأي الذي يراه الفرد يجوز فيه الخطأ وأن يكون داعيا إلى الضلال والمعصية، بخلاف ما إذا رأته الهيئة المذكورة لعصمتها ؟ وهذا أيضاً محال، وكيف يتصور اتصاف موضوع اعتباري بصفة حقيقية، أعني اتصاف الهيئة الاجتماعية بالعصمة>.

٢٠