×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الانتصار (ج5) (مناظرات الشيعة في شبكات الانترنت) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

هذا مكابرة! ودعوى كون هذا الظاهر أشد. وصاحب هذا السؤال إن شك في نفسه، فليسأل كل من توجه إلى المدينة: ما قصد بذلك؟

وقال في ص ٢٤٦: قد يتوهم من استدلال الخصم بهذا الحديث: أن نزاعه قاصر على السفر للزيارة، دون أصل الزيارة، وليس كذلك بل نزاعه في الزيارة أيضا، لما سنذكره في الشبهتين الثانية والثالثة، وهما: كون الزيارة على هذا الوجه المخصوص بدعة. وكونها من تعظيم غير الله المفضي إلى الشرك، وما كان كذلك كان ممنوعا. وعلى هاتين الشبهتين بنى كلامه، وأصل الخيال الذي سرى إليه منهما لا غير، وهو عام في الزيارة والسفر إليها.

وقال في ٢٥١: ولنتكلم على الشبهة الثانية والثالثة، اللتين بنى ابن تيمية رحمه الله كلامه عليهما. أما الشبهة الثانية: وهي كون هذا ليس مشروعا، وأنه من البدع التي لم يستحبها أحد من العلماء، لا من الصحابة، ولا من التابعين ومن بعدهم. فقد قدمنا سفر بلال من الشام إلى المدينة لقصد الزيارة، وأن عمر بن عبد العزيز كان يجهز البريد من الشام إلى المدينة للسلام على النبي عليه الصلاة والسلام. وأن ابن عمر كان يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم عليه وعلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهم. وكل ذلك يكذب دعوى:

أن الزيارة والسفر إليها بدعة.

ولو طولب ابن تيمية رحمه الله بإثبات هذا النفي العام، وإقامة الدليل على صحته لم يجد إليه سبيلا!!!

فكيف يحل لذي علم أن يقدم على هذا الأمر العظيم بمثل هذه الظنون، التي مستنده فيها أنه لم يبلغه، وينكر به ما أطبق عليه جميع المسلمين شرقا وغربا في سائر الأعصار، مما هو محسوس خلفا عن سلف، ويجعله من البدع؟!!!!

٢١
وقال في ٢٥٧: وأما الشبهة الثالثة: وهي أن من الشرك بالله تعالى اتخاذ القبور مساجد، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى: قالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا.

قالوا: كان هؤلاء قوما صالحين في عهد نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا على صورهم تماثيل، ثم طال عليهم الأمد فعبدوها.

وتخيل ابن تيمية أن منع الزيارة والسفر إليها من باب المحافظة على التوحيد، وأن فعلها مما يؤدي إلى الشرك.

وهذا تخيل باطل، لأن اتخاذ القبور مساجد والعكوف عليها وتصوير الصور فيها هو المؤدي إلى الشرك وهو الممنوع منه، كما ورد في لأحاديث الصحيحة، كقوله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).

وقال في ص ٢٦٢: الفصل الثاني: في تتبع كلماته وقد سبق تتبع ما نقلته من خطه في فتيا لم يسأل فيها عن الزيارة قصدا، بل جاء ذكرها تبعا للكلام في المشاهد. والذي اتصل عنه بالدولة نسخة فتيا نقلت من خطه، وعلى رأسها بخط قاضي القضاة جمال الدين ما صورته: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب دونه، في هذه الورقة، على خط تقي الدين ابن تيمية، فصح، سوى ما علم عليه بالأحمر، فإن مواضعه من الورقة التي بخطه وجدتها واهية، وليس ذلك بمحز، إنما المحز جعله زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور سائر الأنبياء عليه السلام معصية بالإجماع مقطوعا بها. وكتب محمد بن عبد الرحمان القزويني الشافعي. وقد علم عليها الآن بالأسود في هذه النسخة.

٢٢
وقال في ٢٧٦: ومسألتنا هذه من الفروع، فلو فرضنا أنه لم يقل أحد باستحباب السفر، وفعله شخص على جهة الاستحباب، معتقدا ذلك لشبهة عرضت له، لم يحرم ولم يأثم. فكيف وكل الناس قائلون باستحبابه؟!!!!

وقوله: ومعلوم أن أحدا لا يسافر إليها إلا لذلك. هذا يقتضي أن كلامه ليس في أمر مفروض، بل في الواقع الذي عليه الناس، وأن الناس كلهم إنما يسافرون لاعتقادهم أنها طاعة، والأمر كذلك. ويقتضي على زعمه أن سفر جميعهم محرم بإجماع المسلمين! فإنا لله وإنا إليه راجعون!! أيكون جميع المسلمين في سائر الأعصار، من سائر أقطار الأرض، مرتكبين لأمر محرم، مجمعين عليه؟!!!!

فهذا الكلام من ابن تيمية يقتضي تضليل الناس كلهم، القاصدين لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم ومعصيتهم. وهذه عثرة لا تقال، ومصيبة عظيمة!

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!!

* *

٢٣

بدعة ابن تيمية تحريم التوسل والاستشفاع والاستغاثة بالنبي -

قال السبكي في ص ٢٩١: إعلم: أنه يجوز ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى. وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكل ذي دين، المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين، وسير السلف الصالحين، والعلماء والعوام من المسلمين. ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان، ولا سمع به في زمن من الأزمان، حتى جاء ابن تيمية، فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار، وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار!!! انتهى ما اقتطفناه من كتاب الإمام السبكي.

وقد فتحنا له هذا الموضوع حسب طلب الأخ جميل والمراقب، وجعلنا العنوان هينا لينا مع أن عمل ابن تيمية بدعة عظيمة، وهو كما رأيت في كلام السبكي لا يختص بالسفر بقصد الزيارة، بل يشمل نفس الزيارة أيضا!!

ولكن أتباعه يستعملون التقية مع المسلمين، ويحاولون حصر البحث في السفر للزيارة!!!

وكتب (الصارم) بتاريخ ١٠ - ٨ - ١٩٩٩، الواحدة والنصف ظهرا:

إلى العاملي: أولا: أشكرك على اختيار العنوان، وإن كان لدي شئ من التحفظ حوله. أما نقلك كلام السبكي فلا يغني من الحق شيئا، ولعله يتيسر لي إشارة ولو خاطفة للحديث عنه. لكن لنبحث المسألة من أصلها، ثم ننتقل إلى فروعها. وسؤالي: لماذا تدعون إلى شد الرحال وزيارة القبور، والتبرك بها؟

٢٤
فكتب (العاملي) بتاريخ ١٠ - ٨ - ١٩٩٩، الثانية ظهرا:

وأشكرك أيها الأخ على العقلانية. تسألني بصفتي شيعيا مقتنعا بوجوب اتباع أهل بيت النبي صلى الله عليه وعليهم، ووجوب أخذ معالم ديني منهم فقط..

فجوابي: أن عقيدتي أن احترام قبور الأنبياء وأوصيائهم جزء من الدين الإلهي من زمن آدم إلى نبينا صلى الله عليه وآله. وأن كل أحاديث النهي عن الصلاة عند قبر النبي صلى الله عليه وآله، وزيارته، وتعميره، وإعماره، لم تثبت عند سادتي وموالي عليهم السلام، بل ردوها من زمن صدورها من بعض الصحابة!!

ولعلك تفضل أن لا نخوض في هذا الحديث الصعب، لأنه يرتبط بالسقيفة والإجبار على البيعة، وتهديد أهل البيت بالقتل إن لم يبايعوا، والهجوم على دارهم وإشعال النار في بابه الخارجي.. وقد تبع ذلك إعلان الأحكام العرفية ومنع التجمع على القبر، لأنهم خافوا أن يأتي أهل البيت ويستجيروا يقبر النبي صلى الله عليه وآله!!!

ومن أعراف العرب الراسخة أن لا يرد مستجير بقبر عزيز!! في تلك الظروف ظهرت أحاديث النهي عن الصلاة عند القبر والعكوف عليه.. الخ.

أما إن أردت الجواب على حسب قواعد مذاهب المسلمين غير الشيعة فأقول لك إن حديث شد الرحال بعد تسليم سنده، لا يدل على ما ذهب إليه ابن تيمية!

وأبسط دليل على ذلك أن المسلمين الأقرب من ابن تيمية إلى زمن صدور النص لم يفهموا منه تحريم شد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله،

٢٥
واستمروا على هذا العمل ثمانية قرون!! فهل نحن مجانين لكي نرجح فهم ابن تيمية على فهم الصحابة والتابعين وأجيال ثمانية قرون من الأمة؟!!

أما كيف لم يفهموا ذلك؟ فله وجوه متعددة:

منها: أن زيارته صلى الله عليه وآله خارجة تخصصا عن موضوع الحديث.

ومنها: أن شد الرحال إلى مسجده صلى الله عليه وآله مأخوذ في مفهومه العرفي زيارة قبره الشريف.. الخ.

وأرجو أن تنظر إلى المسار العام لجمهور الصحابة والتابعين، وجمهرة علماء الأمة، وأئمة المذاهب والفرق، وسيرة السواد الأعظم من الأمة.. فقد كانوا يقصون الزيارة ويزورون، ويصلون عند القبر الشريف، ويتوسلون ويخاطبون صاحب القبر.. فهؤلاء فهموا وعملوا.

ثم جاء ابن تيمية وفهم خلاف فهمهم جميعا، وبحث ليجد من يوافقه منهم فلم يجد إلا كلمة لابن بطة، ونصف كلمة لابن فلان..! فهل يصلح ذلك لتخطئة سيرة كل الأمة؟ والزعم أن ابن تيمية اكتشف بعد ثمانية قرون ما لم تنتبه له الأمة جميعا؟! فأي الفهمين أحرى بالقبول والاتباع؟!!!

وكتب (الصارم) بتاريخ ١٠ - ٨ - ١٩٩٩، الرابعة عصرا:

المكرم العاملي: أرجو أن تكتب لي ما تعتقده أنت حول زيارة القبور، حتى أتمكن من نقاشك. ولك تحياتي. وفقت للصواب.

فأجاب (العاملي) بتاريخ ١٠ - ٨ - ١٩٩٩، الثامنة مساء:

أردت مني أيها الأخ ما أعتقده شخصيا في زيارة القبور، وقد ذكرته لك وخلاصته: أن زيارة قبور الأنبياء وأوصيائهم صلوات الله عليهم تشريع ثابت

٢٦
كتاب الإنتصار (ج٥) للعاملي (ص ٢٧ - ص ٤٨)
٢٧
تعليلا عن عائشة لعدم بنائهم القبر أنهم لو بنوه وجاء أحد واستجار به. فماذا يفعلون؟!

فأنا الآن مقتنع بأن هذه الأحاديث عمل وقائي من السلطة، حتى لا يستجير علي وفاطمة والحسن والحسين بقبر النبي صلى الله عليه وآله، ويعلنوا مطالبتهم بحقهم الذي نص عليه النبي!!!

وتقول لي: هذا مستحيل!! وهل يمكن أن يقوم الصحابة بذلك؟

فأقول: الذين قاموا بأعظم منه فمنعوا نبيهم من كتابة وصيته التي تضمن عدم ضلال الأمة إلى يوم القيامة، والتي تضمن عزتها إلى يوم القيامة.. يمكن أن يقوموا بهذا العمل المتعلق بقبره، وغيره.. فكل شئ ممكن على الذين قاموا بمواجهة الرسول والرد عليه في حياته وفي وجهه، ومنعوه من ممارسة حقه الطبيعي الذي لا يملك أحد أن يمنع منه حتى المحكوم عليه بالإعدام..

وكل شئ يصبح صغيرا، ويصبح من تفاصيل ذلك الانقلاب الضخم الضخم، الذي غير مسيرة الأمة الإسلامية مئة وثمانين درجة، إلى أن يظهر المهدي الموعود ويصحح المسار من جديد!!! ولكن قلت لكم يا أخي إن البحث على هذا المستوى صعب ثقيل، فدعه عنك، وأخبرني: لقد كانت أحاديث النهي عن شد الرحال موجودة عند المسلمين، وفهموا كلهم صحابة وتابعين وتابعي التابعين إلى القرن الثامن، أنها لا تنافي قصد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله، وكانوا يقومون بذلك.. حتى جاء ابن تيمية فخطأ فهمهم جميعا!!

فأي الفهمين أحق بالاتباع؟!!

٢٨
وكتب (الصارم) بتاريخ ١١ - ٨ - ١٩٩٩، الثانية عشرة والثلث صباحا:

المكرم العاملي: لقد أغلقت باب الحوار بكلامك هذا: (وكل الأحاديث التي تخالف ذلك، لا أعتقد بها مهما كانت درجة صحتها، لأن أهل بيت نبيي صلى الله عليه وآله قد ردوها!).

وأظن ألا تلاقي، فلديك قناعات راسخة، ولا تلام على ذلك، وقد جئت بكلام عام لا يصلح مجالا للاستشهاد، ومثل هذه التعميمات لا تصلح إذا أردت النقاش الجاد.

فبالله عليك، هل يصلح الاستشهاد بما فعله العرب في جاهليتهم حتى تأتي بهذا المثال: (وقد تتبعت ذلك في تاريخ العرب فوجدت نموذجه في قبر غالب جد الفرزدق). هداك الباري.

وهاك أنموذجا آخر من تعميماتك التي لا تستند إلى دليل: (لم يوجد فيها مخالف من أهل الأديان والشعوب!! والإسلام لم ينسخ هذا الحكم بل زاده احتراما وتأكيدا!!) (وقد كنت مدة أبحث عن سبب هذه الأحاديث التي لا يوجد مثلها عند أمة من الأمم، ولا في صحابة نبي من الأنبياء، ولا حول قبر نبي من الأنبياء!!).

ثم رجعت إلى فعل العرب في جاهليتهم، والتي حاربها الإسلام وجعلت ذلك دليلا على دعواك فقلت: (عادات العرب كغيرهم من الشعوب أن يحترموا القبور احتراما خاصا، وأن من عاداتهم أن صاحب المشكلة والظلامة والحاجة يستجير بقبر رئيس القبيلة، أو الشخص العزيز عليهم).

٢٩
وهل عادات العرب في شربهم للخمرة، ووأد البنات، وحروبهم الطاحنة...

هل تصلح دليلا؟ إذا لماذا جاء الإسلام؟!!

وانتهيت أخيرا - هديت للحق - إلى هذا التعميم الجائر الذي لا يستند إلى دليل: (لقد كانت أحاديث النهي عن شد الرحال موجودة عند المسلمين، وفهموا كلهم صحابة وتابعين وتابعي التابعين إلى القرن الثامن، أنها لا تنافي قصد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله، وكانوا يقومون بذلك.. حتى جاء ابن تيمية فخطأ فهمهم جميعا!!).

وكيف لي بالرد على قولك، وقد آمنت بأحاديث الأئمة المعصومين، وسددت باب الحوار من أول مقالك؟

كما قلت فكر بعقلك لا بعاطفتك، وستهتدي بإذن الله. وأعيد سؤالي الذي لم أجد له إجابة شافية إلى الآن:

لماذا تشد الرحال إلى القبور؟ أرجو أن أجد جوابا مختصرا كافيا شافيا.

ولكم تحياتي.

فأجابه (العاملي) بتاريخ ١١ - ٨ - ١٩٩٩، الواحدة صباحا:

حديث شد الرحال لم يصح عند أهل البيت عليهم السلام. وقد صح عند بقية المذاهب، وفهموا منه عدم شموله لشد الرحال إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله، بدليل أنهم كانوا يمارسون ذلك.

وفهم هؤلاء حجة على من يعتقد بالحديث وبفهم الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب، لأنهم عنده الأصل والأقرب إلى عصر النص ومعناه.

وقد ألف عدد من العلماء قبل ابن تيمية، رسائل في تفسير الحديث، ورد عليه عدد آخر واتفقوا على أن فهمه للحديث مخالف لإجماع علماء المسلمين، وسيرتهم لمدة ثمانية قرون، بل إلى يومنا هذا!!

٣٠
أما إشكالاتك على اعتقادي بأهل البيت عليهم السلام وتصحيح ما صححوه ورد ما ردوه، فلا ألزمك بنتيجته، ولكنك سألتني عن عقيدتي في مسألة زيارة القبور فأجبتك. وأكتفي هنا بالإشارة إلى أمرين:

الأول: أنه لو ثبت عن نبي الله موسى أو سليمان على نبينا وعليهما السلام أنه قال: (إني تارك فيكم الثقلين التوراة وعترتي وسوف توافوني يوم القيامة وأسألكم عنهما). فإنا نحتج على من تبع القضاة بعد موسى، أو تبع غير ذرية سليمان بعده، بأنكم انحرفتم عن وصية نبيكم وخطه الذي أمركم به، فذمتكم غير بريئة عند ربكم إلا باتباع من عينهم لكم!!

والثاني: أن منهج الحديث في البحث لا يلغي غيره من وسائل الإثبات، فجوهر هذا المنهج هو الوثاقة الشرعية بالصدور عن النبي أو من نثق به.

وكل دليل تاريخي أو عقلي تحصل منه الوثاقة بوجود موضوع، فهو محترم شرعا ودليل إثبات في المحكمة الشرعية، وفي البحث العلمي.

فحتى المتشددين في المنهج الحديثي ترى أحدهم قد يرجع إلى لغوي ثقة أو طبيب ثقة، فيأخذ بكلامه.

فالمهم هو: حصول الثقة بينك وبين الله تعالى بالموضوع، وأن تتم الحجة عندك أمام الله تعالى.

وهو ما يسمى في علم الأصول (المعذرية من العقاب والمنجزية للتكليف)!

إن تبني المنهج الحديثي لا يعني رفض المنهج العقلي، لأنه نفسه من نتائج التفكير العقلي، بل يعني رفض النتائج الظنية والاحتمالية للعقل، والتمسك بالنتائج القطعية والاطمئنانية.. فكل يقين عقلي قطعي أو اطمئناني هو حجة في البحث والشرع، بشروطه المذكورة في علم الأصول. وهو يحصل بعد

٣١
القرآن، إما من حديث تثبت صحته، وإما من تجميع مقدمات من مصادر مختلفة، تكون نتيجتها قطعية أو مطمأن إليها، وغير مخالفة للقرآن وما ثبت من السنة. وشكرا.

وكتب (عمار) بتاريخ ١١ - ٨ - ١٩٩٩، الثانية صباحا:

السلام عليكم.

لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاث مساجد. لا وإلا أدوات حصر.

١ - إذا أردت أشد الرحال لطلب العلم، فهل ذلك حرام؟

٢ - شد الرحال لغرض التجارة، حرام؟

فإما يكون شد الرحال لكل مسجد محرم (كذا) وغير حلال إلا هذه المساجد وإما مطلق شد الرحال حرام... وهذا لا يمكن لأنه النقط ١ و ٢ تجوز.

إذا بقيت لدينا شد الرحال إلى المساجد، فلماذا ذلك حرام؟؟؟؟؟

إذا ذهب الشخص للمسجد فماذا يفعل هناك؟ يرقص ويسكر ويغني مثلا؟

أم نذهب للمساجد للصلاة ولذكر الله وقراءة القرآن، وعلى أقل تقدير التبرك بالمسجد لأن الجلوس فيه عبادة، فلماذا هذا حرام، وهل يلتقي هذا مع الخطوط العامة؟

في رأيي أن الرواية كلها مخترعة، ومبتكرها هو عبد الملك بن مروان!

لماذا؟ في أيامه كان الفرد يذهب إلى مكة، وهناك كان عبد الله بن الزبير يحكم على الحجاز وإذا يأتي الواحد من المسلمين هناك يستلمه ابن الزبير ويغسل دماغه، ويبقى الفرد عنده ولا يرجع إلى الشام، ويكون من أتباع ابن الزبير ويصبح ضد الأمويين!! فأرادوا قطع هذا من أصله فابتكروا هذه الرواية

٣٢
حتى العالم تتجه إلى بيت المقدس فقط. إقرأ ابن كثير ومحمد سعيد في سر انحلال الأمة العربية.

وإذا كان الحديث فإنه يعني أن الذهاب إلى هذه المساجد أفضل من غيرها.. وإلا لا يحرم الذهاب إلى مسجد آخر أو مشهد أو عتبة مقدسة، لأنه الذهاب إلى القبر وزيارته يذكر بالآخرة. (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب). والسلام عليكم.

وكتب (الصارم) بتاريخ ١١ - ٨ - ١٩٩٩، التاسعة صباحا:

عجيب أمركم جد عجيب، سؤالي واضح لا لبس فيه ولا غموض، فلم الحيدة؟ والخروج عن مسار الموضوع؟

سؤالي واضح كوضوح الشمس في رابعة النهار.

وأقول للمكرم عمار: وهل يصلح أن تقول: وفي رأي؟!! هل وصلنا إلى مرحلة الاجتهاد حتى يكون لنا رأي؟!! والسؤال مرة ثالثة ورابعة وعاشرة:

لماذا تشدون الرحال إلى القبور؟!!

إن لم يكن هناك جواب فلن يكتمل الحوار، وشكرا.

فكتب (العاملي) بتاريخ ١١ - ٨ - ١٩٩٩، التاسعة والنصف صباحا:

لقد أجبتك، فنحن نشد الرحال إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله، وقبور الأئمة المعصومين عليهم السلام، لأن زيارة قبورهم مستحبة عندنا، ومن أفضل القربات إلى الله تعالى. ولم يثبت عندنا أن النبي صلى الله عليه وآله نهي عن ذلك، بل ثبت أنه دعا إليه، وحث عليه، وكان يزور القبور المباركة لتكون سنة من بعده.

٣٣
وكذلك كانت سيرة علي وفاطمة والأئمة عليهم السلام. ولزيارة القبور عندنا أحكام وشروط وآداب شرعية، وليس فيها شئ ينافي التوحيد أبدا، بل فيها ما يؤكد التوحيد وأن النبي وآله لا يملكون من عندهم شيئا، بل هم عباد مكرمون، نزورهم ونستشفع بهم إلى الله تعالى، كما أمرنا.

وكتب (الصارم) بتاريخ ١١ - ٨ - ١٩٩٩، العاشرة صباحا:

أحسنت يا عاملي، وهذا ما أريده منك بالضبط، فقد شفيت غليلي بهذه الإجابة الشافية الكافية. ولعل صدرك يتسع لأسئلتي. وسؤالي الآن:

لماذا تستشفع بهم؟ لم لا تتجه في طلبك إلى الله مباشرة؟

لماذا تجعلهم واسطة بينك وبين الله؟ ألم تعلم أن الجاهليين كانوا يعبدون الأصنام يستشفعون بها؟ ويجعلونها واسطة بينهم وبين الله؟!

وقد ناقضت نفسك حينما قلت: (وأن النبي وآله لا يملكون من عندهم شيئا، بل هم عباد مكرمون، نزورهم ونستشفع بهم إلى الله تعالى، كما أمرنا).

كيف تستشفع بهم وهم (لا يملكون من عندهم شيئا، بل هم عباد مكرمون) لقد خالفت المنهج الرباني وسنة المصطفى من وجهين:

الوجه الأول: من مخالفة السنة، لأن الأموات لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فما بالك بامتلاك النفع لغيرهم؟!

الوجه الثاني: مشابهة الكفار، وقد نهينا عن مشابهتهم!

فهل بعد هذا تستشفع بهم؟! أرجو للجميع الهداية.

وأجاب (العاملي) بتاريخ ١١ - ٨ - ١٩٩٩، الواحدة ظهرا:

٣٤
غفر الله لك يا صارم.. موضوعنا زيارة النبي صلى الله عليه وآله، والسفر بنيتها وأنت تريد التوسل والتوجه والاستشفاع والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وآله، وهو موضوع آخر، والنسبة بينهما كما يقول المناطقة عموم من وجه.

نعم يترافق التوسل والاستشفاع عادة مع الزيارة.

لا بأس.. سؤالك في أصله وجيه، فلو كان الأمر لنا لقلنا: لنطلب كل شئ من الله تعالى مباشرة، ولا نجعل بيننا وبينه واسطة من المخلوقين؟! ولكن الأمر له عز وجل وليس لنا، وقد قال لنا (اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة).

وقال (أولئك يبتغون إليه الوسيلة أيهم أقرب). وقال (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول)، ولا حاجة إلى مجيئهم واستغفارهم عند الرسول واستغفار الرسول لهم.. وهذا يعني أنه تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وآله: كن موحدا بلا شروط، ومهما قلت لك فأطعني، وحتى لو قلت لك عندي ولد فاعبده فافعل!! وقل لهم (قل إن كان لله ولد فأنا أول العابدين) ولكنه سبحانه أخبرنا أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا!!

فالمسألة إذن، ثبوت مبدأ التوسل في الإسلام في حدوده التي أمر بها الله تعالى أو سمح بها، وهو يختلف عن زعم التوسل عند المشركين سواء في طبيعته أم في نيته... فهل تقبل أصل مبدأ التوسل والاستشفاع الذي قبله إمامك ابن تيمية؟

أم أنك أشد في هذا الأمر من إمامك؟!

وكتب (الصارم) بتاريخ ١١ - ٨ - ١٩٩٩، الخامسة مساء:

إلى العاملي هدانا الله وإياه إلى الصواب:

قلت عن التوسل: (ثبوت مبدأ التوسل في الإسلام في حدوده التي أمر بها الله تعالى أو سمح بها). هل لي أن أعرف هذه الحدود التي أمر أو سمح بها؟

٣٥
أرجو أن تجيبني باختصار، وفي حدود السؤال. هديت للصواب.

فكتب (العاملي) بتاريخ ١١ - ٨ - ١٩٩٩، التاسعة مساء:

يعجبني أنك تحب الكلام ضمن الموضوع وباختصار، فهو أسلوب مفيد في التركيز وبلورة الأفكار، لكن ليس كل الموضوعات يمكن اختصارها..

وكنت كتبت هذا الموضوع حول التوسل، أرجو أن يكون جوابا لسؤالك..

وبما أنه طويل فسوف أضع خلاصته في آخره، لتكون محور أسئلتك إن شئت.

٣٦

شبهة على أصل التوسل

أثار بعضهم إشكالا على مبدأ التوسل في الإسلام، شبيها بالإشكال على الشفاعة.. والسبب في ذلك أنهم يرون الشفاعات والوساطات والمحسوبيات السيئة عند الرؤساء والمسؤولين في دار الدنيا، وما فيها من محاباة وإعطاء بغير حق ولا جهد من المشفوع لهم أو المتوسط لهم.

وبما أن الله تعالى يستحيل عليه أن يحابى كما يحابي حكام الدنيا، وإنما يعطي جنته وثوابه بالإيمان والعمل الصالح.. فلذلك صعب عليهم قبول الشفاعة والوساطة والوسيلة إلى الله تعالى!

ولكنه فات هؤلاء أنه في الأصل لا استحقاق لمخلوق على الله تعالى، وأن عطاءه كله تفضل.. وأن المنشأ الحقوقي الوحيد لحق المخلوق على ربه هو وعده سبحانه إياه بالعطاء، فهو حق مكتسب بالوعد لأن الله تعالى رحيم صادق، وليس حقا أصليا للعبد.

وفاتهم أيضا أن الاستشفاع والتوسل إليه تعالى عمل صالح، لأنه تعالى أمرنا أن نبتغي إليه الوسيلة، والوسيلة هي العمل الصالح والارتباط بأنبيائه وأوصيائه عليهم السلام.

فاتهم أن الحكمة من جعله تعالى الأنبياء والأوصياء الوسيلة إليه تعالى:

أولا: أن يعالج مشكلة التكبر في البشر، لأن البشر لا يمكنهم الانتصار على تكبرهم والخضوع لعبودية الله تعالى، إلا إذا انتصروا على ذاتيتهم في مقابل الأنبياء والأوصياء، واعترفوا لهم بالفضل والمكانة المميزة والاختيار الإلهي، وأنهم المبلغون عن الله تعالى. فهذا الاعتراف مطلوب، لأنه مقدمة

٣٧
علمية وعملية للإيمان بالله تعالى وممارسة العبودية له. فبدون الخضوع للأنبياء والأوصياء لا يتحقق خضوع حقيقي لله تعالى، ولا إيمان حقيقي به!! وهذا هو المقصود بقوله تعالى (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم به مشركون)!!

كان من المكن أن يقول الله تعالى للناس: آمنوا بي ولا شغل لكم برسلي وأوليائي، فإنما هم مبلغون لما أرسلتهم به، وإنما (الرسول طارش) كما قال بعضهم. ولكن ذلك لا يعالج مشكلة الإنسان في التكبر على عباد الله!!

وإذا لم تنحل مشكلته هذه فلا تنحل مشكلة تكبره على ربه وادعاءاته الفارغة بقربه منه وتكريمه له، كما نشاهد في المجتمعات الغربية واليهودية!

إن الخضوع العملي للمخلوقين الربانيين الممتازين هو الطريق الطبيعي الوحيد للخضوع للخالق سبحانه!

وهما نوعان مختلفان من الخضوع، لأن حق الخضوع لله ذاتي، ولأوليائه تبعي جعلي. كما أنهما في الحقيقة النهائية نوع واحد، لأن الخضوع للأولياء بأمر الله تعالى إنما هو خضوع لله تعالى.

وثانيا: أن جعل الأنبياء والأوصياء وسيلة إلى تعالى ضرورة ذهنية للبشر..

ذلك أن الفاصلة بين ذهن الإنسان المحدود الميال إلى المادية والمحدودية، وبين التوحيد المطلق المطلوب والضروري، فاصلة كبيرة، فهي تحتاج إلى نموذج ذهني حاضر من نوع الإنسان، يمارس التوحيد أمامه ويكون قدوة له.

وبدون هذا النموذج القدوة، يبقى الإنسان في معرض الجنوح في تصوره للتوحيد وممارسته، والجنوح في هذا الموضوع الخطير أخطر أنواع جنوح الضلال!!

٣٨
وهذا هو السبب في اعتقادي في أن الله تعالى جعل أنبياءه وأوصياءهم حججا على العباد، وهو السبب في أنه جعلهم من نوع أنفسهم وليس من نوع آخر كالملائكة مثلا.

والنتيجة:

أن وجود الوسيلة بين العباد والله تعالى لو كان أمره يرجع إلينا لصح لنا أن نقول يا ربنا نريد أن تجعل كل أنواع ارتباطنا بك مباشرا، فلا تجعل بيننا وبينك واسطة في شئ! كما ما يميل إليه أهل الإشكال على الشفاعة والتوسل ولكن الأمر ليس بيدنا، فالأفضل أن يكون منطقنا أرقى من ذلك فنقول: اللهم لا نقترح عليك، فأنت أعلم بما يصلحنا، وإن أردت أن تجعل أنبياءك وأوصياءك واسطة بيننا وبينك، وحججا علينا عندك، فنحن مطيعون لك ولهم ولا اعتراض عندنا..

وهذا هو التوحيد العالي، والتسليم المطلق لإرادته تعالى، في إطاعة حججه، وقد عبر عنه سبحانه بقوله لرسوله صلى الله عليه وآله: في سورة الزخرف - ٨١ (قل إن كان لله ولد فأنا أول العابدين). ومعناه: أيها الرسول وحد لله تعالى توحيدا بلا شرط، وأقبل معه كل شرط حتى لو اتخذ ولدا وأمرك بعبادته!

ثم بين تعالى أن الواقع أنه لم يتخذ ولدا فقال (سبحان الله رب السماوات والأرض، رب العرش عما يصفون)...

* *

٣٩

مسألة التوسل دقيقة وحساسة

فهي مسألة ذات حدين، لا بد فيها التوازن والحذر من الافراط والتفريط!

فلا هؤلاء الوسائط يملكون شيئا مع الله تعالى..

لأنهم مخلوقون فقراء إليه تعالى. كما أنه لا غنى للناس عن وساطتهم إلى الله.. لأنهم عباد مكرمون عنده تعالى.

والتعادل المطلوب فيها تعادل فكري وعملي.. لأن أقل حركة غير منطقية ذهنية أو عملية فيها توجب الضلال!!

فالذين ينقصون من دور أنبياء الله وأوصيائه ومقامهم عند الله تعالى، بحجة توحيده وإبعاد الشركاء عن ساحته المقدسة، يقعون في الضلال والبعد عن الطريق الذي عينه الله لتوحيده والذي هو محصور بطاعتهم، واحترامهم، والارتباط بهم، والتوسل إلى الله بهم!

والذين يزيدون على دورهم المحدد من الله تعالى، ويجعلون لهم معه شراكة في ملكه أو حكمه أو عبادته، ولو ذرة واحدة، بحجة أنه جعلهم وسيلة إليه..

يقعون في الضلال والبعد عن الطريق الذي عينه الله تعالى وهو توحيده المطلق!

وبسبب هذه دقة العقيدة الإسلامية في الأنبياء والأوصياء نجد أن الآيات والأحاديث الشريفة تؤكد على الجانبين معا!

على أن طاعته تعالى إنما تكون بطاعتهم وابتغاء الوسيلة إليه عن طريقهم من ناحية. ومن ناحية أخرى تؤكد على بشريتهم، وأن الذين جعلوهم آلهة أو شركاء لله قد ضلوا وكفروا.

٤٠