×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإنتصار (بحوث في التوراة والإنجيل) / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحة: ١ فارغة
كتاب الانتصار لـحبيب آل ابراهيم (ص ١ - ص ٢١)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية


نحمدك اللهم يا مَن أوضحتَ لنا سبيل الحق حتى جرينا عليه وكشفت لنا عن نمير العلم حتى انتهينا إليه، ودللنا على غوامض العرفان ودقائقه، وأسراره وحقائقه، بكتاب (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد)(١) ثم شرحت لنا ما أجمل منه وبيّنت ما خفي على لسان رسولك الصادق الأمين، فصدع بأمرك، وبلغ إلى عبادك، صابراً محتسباً حتى قبضته إليك نقيَّ الجيب، خلي العيب، ثمّ اتبعته بأهل بيته الأطهار حملة علمك، وتراجمة وحيك، الذين عصمتهم من الزلل وطهّرته من الرجس تطهيراً، فاستنقذوا عبادك، وأحيوا بلادك، حتى أصبح المسلمون في بحبوحة علم، وضياء هدى مبين، لم يحفلوا بالعواصف، ولم يأبهوا للرواجف، ولم تُلفت أنظارهم زخاريفُ التضليل، ولا علقت بأسماعهم طنطنةُ أهل الخلط والتدجيل، فهم من العلم بالحقائق على مثل

١- فصلت: ٤٢.

٢
الشمس الطالعة، ومن الإيمان على مثل الجبل الراسخ، (يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ويضلّ الله الظالمين)(١) وصلّى الله على نبيّك محمّد الأطيب الأطهر وعلى آله وصحبه الكرام والتابعين لهم بإحسان وسلّم تسليماً كثيراً.

وبعد فيقول كاتب هذه الأسطر المهاجرُ العاملي حبيب آل إبراهيم كانت نتيجة ما كتبه كتبة البروتستانت من المسيحيين في حملاتهم على الإسلام، ومهاجمتهم على أسوار قدسه المنيعة ومعاقل عزّه الرفيعة، تزلزل معاقل عزّهم، وتهدُّمَ أسوار منعتهم.


كناطح صخرة يوماً ليوهنهافلم يهنها وأوهى قرنه الوعل

نعم كانت نتيجة حملات أولئك المبشّرين، وثمرات جهادهم في حمل المسلمين على الاعتقاد بصحّة الكتابين، التوراة والإنجيل، وعدم تغيير العهدين العتيق والجديد، داعياً لاعتقاد عدم صحتهما، وباعثاً على التصديق بتغيرهما، ذلك لأنّ الحقيقة أبت لنفسها إلاّ الظهور، ذلك لأنّ العلم قائد لكلّ خير، ذلك لأنّ الأنفس الحيّة من أبناء المسلمين والنصارى، وذوي الضمائر الحرّة من أبناء الأمم كافة، لم يرضوا لأنفسهم بالمقام على الجهل، والتسليم لكلّ قائل بغير دليل، والدعة لكل قالة من دون برهان.

فلفتت تلك الحملات النظر، واستحثّت الأفكار على البحث والتحقيق فسرح ذوو الأنظار طرفهم، وأمعنوا في صفحات التوراة والإنجيل نظرهم،

١- ابراهيم: ٢٧.

٣
فرأوا فيهما أمراً هائلاً، واقرأتهم التوارة في أسفارها والإنجيل في إصحاحاته شيئاً عجيباً، فبينما يقرؤهم البرهان بقياسه الصحيح، ويرتل عليهم من آيات شكله الأوّل، إنّ الله تعالى شيء لا كالأشياء، "كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه، سميع إذ لا مسموع لديه من بريته" إذ بالتوراة والإنجيل يحدثانهم بخلاف ذلك، حدثتهم التوراة بالكلمة الثانية من الإصحاح الأوّل من سفر التكوين. انّه قبل خلق السموات والأرض كان روح الله يرف(١) على وجه الماء، وبالكلمة السابعة والعشرين منه انّ الله قال: (نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا) وبالكلمة الثامنة والعشرين منه (انّ الله خلق الإنسان على صورته على صورة الله خلقه) فذعروا لذلك واندهشوا وانشدوا:


وكفاهم ان مثلوا معبودهمسبحانه بعباده تمثيلا

رأوا انّ البرهان العقلي قائم على انّ الله قديم ولازم ذلك ان لا يكون جسماً لأنّ كلّ جسم لآية حركته وسكونه حادث والقديم لا يكون حادثاً والتوراة بقولها (وروح الله يرف على وجه الماء) أثبتت له الجسمانية والحدوث معاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً:

ورأوا انّ البرهان العقلي قائم على انّ الله ليس بمركب لأنّ التركيب من

١- قال في المنجد (رف الطائر بسط جناحيه، وفي مجمع البحرين (كلّ من الطيور ما رفّ أي حرّك جناحيه).

٤
عوارض الأجسام الحادثة، والأجرام الممكنة، والتوراة بقولها خلق الله الإنسان على صورته على صورة الله خلقه، أثبتت له التركيب، لاستلزم الصورة وجود المادة فيكون مركباً والقديم لا يجوز أن يكون مركبا.

فلم يكن لأولئك النبلاء مندوحة عن الرجوع إلى ما يقرّره القرآن كتاب الله المنزّل على محمّد صلى الله عليه وآله بقوله في الآية الحادية عشر من سورة الشورى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربّي عليه توكّلت وإليه أنيب * فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)(١)وانشدوا:


الله أكبر ان دين محمّدوكتابه أقوى وأقوم قيلا
طلعت به شمس الهداية للورىوأبى لها وصف الكمال أفولا
والحق أبلج في شريعته التيجمعت فروعاً للهدى وأصولا

ثمّ ازدادوا تبينا واستحثوا النظر على زيادة الاطّلاع تثبتا فقرأوا في الكلمة السادسة عشرة في الإصحاح الثاني من سفر التكوين (وأوصى الربّ الإله آدم قائلاً: من جميع شجر الجنّة تأكل أكلا وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها. لأنّك يوم تأكل منها موتاً تموت، (وفي الكلمة الرابعة من الإصحاح الثالث من سفر التكوين (فقالت الحية للمرأة لن تموتا بل الله عالم انّه يوم تأكلان منه تتفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير

١-
٥
والشر، فرأت المرأة انّ الشجرة جيدة للأكل، وانّها بهجة للعيون، وان الشجرة شهية للنظر فأخذت من ثمرها وأكلت واعطت رجلها أيضاً معها فأكل فانفتحت أعينهما وعلما انهما عريانان فخاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مأزر) فازدادوا حينما قرأوا ذلك حيرة واندهاشا، واضطراباً وانذعارا، قائلين سبحان الله أيكذب الله وتصدق الحيّة؟ يقول الله لآدم يوم تأكل منها موتا تموت، وتقول الحيّة لن تموتا، بل الله عالم انّه يوم تأكلاه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر، فيكون الأمر كما تقول الحية(١) ولا يكون كما يقول الله ما هذا الإله؟ أليس الكذب قبيحاً؟ أيجوز على الله أن يرتكب القبيح؟ وهل هناك حاجة تدعو إلى ارتكابه؟ أو يجوز على الله أن يكون محتاجاً؟ وإذ كان الحق انّه لا يجوز على الله أن يكون محتاجاً ولا يجوز عليه صدور الكذب فما هذا القول السخيف، وما هذا التقوّل على الله، وما هذه الخرافات التي لا تنطبق على عقل ولا نقل، سبحانك اللّهم وبحمدك تباركت وتعاليت عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

ثم ازدادوا تبينا فقرأوا في الكلمة الثامنة من الإصحاح الثالث من سفر التكوين (وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنّة عند هبوب ريح النهار

١- فلا يموت آدم، بل من المعلوم انّه بقي بعد هبوطه إلى الأرض خمسماية سنة يبكي على فراق الجنة، ويصبح عارفا الخير والشر كما في الكلمة الثانية عشرة من الإصحاح الثالث من سفر التكوين (وقال الربّ الإله هو ذا الإنسان صار كواحد منّا عارفاً الخير والشر).

٦
فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الإله آدم وقال له: أين أنت؟ فقال سمعت صوتك في الجنّة فخشيت، لأنّي عريان. فاختبأت فقال: من اعلمك انّك عريان؟ هل أكلتَ من الشجرة؟) أناشدكم الله كيف يمشي الله في الجنّة؟ فهل لله أعضاء أيدي وأرجل؟ وهل تحويه الأماكن؟ وكيف اختبأ آدم وامرأته منه؟ وهب انّهما جاهلان أفيجهل الله مكانهما؟ فكيف إذاً نادى آدم مستفهماً (أين أنت؟) (ومَن أعلمكَ انّكَ عريان؟) وهل للاستفهام التقريري أو الانكاري هنا وجه؟

لا مندوحة العاقل متى اطلع عليه عن الجزم بتحريف التوراة وتغييرها عند سماعها، ولا مذهب له عن التصديق بإدخال خرافات فيها لا يمكن التصديق بها، والأجدر بالكيس الرجوع في مثل هذا المقام إلى ما قصّ القرآن كتاب الله المنزّل على محمّد صلى الله عليه وآله من أمر آدم وحوّاء حيث يقول في آية ١٨ إلى آية ٢٣ من سورة الأعراف (ويا آدم اسكن أنتَ وزوجك الجنّة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة إلاّ ان تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما انّي لكما لمَن الناصحين، فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنّة وناداهما ربّهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما انّ الشيطان لكما عدو مبين، قالا ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من

٧
الخاسرين) فانّكَ لا ترى في هذه الحكاية من الفرقان المبين إلاّ ما هو موافق للعقل مطابق للمنطق خليق بالتصديق جدير بالإذعان والقبول، حقيق بأن لا نقول فيه إلاّ الحق انّه (تنزيل من ربّ العالمين)(١).

ثمّ نظروا في الإنجيل فرأوا فيه ما رأوا في التوراة ممّا لا يمكن قبوله والتصديق به. قرأوا في الإصحاح الأوّل من انجيل متّى: ان يوسف النجار رجل مريم هو ابن يعقوب بن مناق بن اليعازر إلى ان أنهى نسبه إلى سليمان بن داود فكان بين يوسف وداود ٢٥ أباً على التفصيل وقرأوا في آخر الإصحاح الثالث من إنجيل لوقا: أن يوسف رجل مريم هو ابن هالي بن منثاث بن لاوي إلى ان نهى نسبه إلى ناثان بن داود فكان بين يوسف وداود (٤٠) أباً على التفصيل، فبأي هذين الانجيلين يصدقون وبأيهما يكذبون أبانجيل متى الذي يقول: انّ يوسف النجار هو ابن يعقوب، أم بانجيل لوقا الذي يقول: هو ابن هالي، وبالذي يقول: انّه من ذريّة سليمان بن داود، أم بالذي يقول: انّه من ذريّة ناثان بن داود، والذي يقول: انّ بين يوسف وداود ٢٥ أباً، أم بالذي يقول: انّ بينهما ٤٠ أباً؟

ثمّ ازدادوا تبيّناً فقرأوا في الإصحاح الحادي عشر من مرقس: ان مباحثة اليهود للمسيح كانت في اليوم الثالث من وصوله إلى اورشليم، وفي الإصحاح الحادي والعشرين من متّى انّها كانت في اليوم الثاني، فبأي هذين يصدقون وبأيهما يكذبون.

١- الواقعة: ٨٠.

٨
وقرأوا في إنجيل متّى انّ أهل أورشليم وهيرودس ما كانوا عالمين بولادة المسيح قبل اخبار المجوس وكانوا معادين له، وقرأوا من لوقا انّهم كانوا عالمين ولم يكونوا معادين له، فبأيّ هذين الإنجيلين يصدقون وبأيهما يكذبون.

وقرأوا في الباب الأوّل من إنجيل يوحنا انّه (أرسل اليهود الكهنة واللاويين إلى يحيى ليسألوه مَن أنت؟ فسألوه وقالوا: أنت ايليا؟ فقال: لستُ أنا ايليا).

وقرأوا في الكلمة الرابعة عشرة من الإصحاح الحادي عشر من انجيل متّى قول عيسى في يحيى (وإن أردتم أن تقبلوا فهذا ايليا) ألا مع ان يأتي فبأي النبيين يصدقون وبأيهما يكذبون، وقرأوا في الإصحاح العشرين من انجيل متّى انّ عيسى لما خرج من اريحا وجد أعميين جالسين في الطريق وشفاهما من العمى، وقرأوا في الإصحاح العاشر من مرقس انّه وجد أعمى واحداً اسمه (باريتماوس) فبأي الانجيلين يصدقون وبأيهما يكذبون.

وقرأوا في الإصحاح الثامن من انجيل متّى انّ عيسى لمّا جاء إلى العبر إلى كورة الجدريين استقبله مجنونان خارجان من القبور فشفاهما. وقرأوا في الإصحاح الخامس من انجيل مرقس وفي الإصحاح الثالث من انجيل (لوقا) انّه استقبله مجنون واحد خارجاً من القبور فشفاه، فبأيّ الإنجيلين يصدّقون وبأيّهما يكذبون.

وقرأوا في الإصحاح الحادي والعشرين من انجيل متّى: انّ عيسى

٩
أرسل تلميذين إلى القرية ليأتيا بالأتان والجحش وركب عليهما وقرأوا في الأناجيل الثلاثة (ليأتيا بالجحش فأتيا به وركب عليه) فبأيّ الأناجيل يصدقون وبأيهما يكذبون.

طريفة

قال لوقا في الإصحاح التاسع عشر من إنجيله ما لفظه: "عند الجبل الذي يدعى جبل الزيتون أرسل (يعني المسيح) اثنين من تلاميذه قائلا: اذهبا إلى القرية التي أمامكما وحين تدخلان بها تجدان جحشاً مربوطاً لم يجلس عليه أحد من الناس قطّ فحلاّه وأتيا به وإن سألكما أحد لماذا تحلاّنه؟ فقولا له هكذا: ان الربّ محتاج إليه فمضى المرسلان ووجدا كما قال لهما، وفيما هما يحلاّن الجحش قال لهما أصحابه: لماذا تحلاّن الجحش؟ فقالا: الرب محتاج إليه. وأتيا به إلى يسوع وطرحا ثيابهما على الجحش واركبا يسوع" انتهى.

أقول: إنّ صحّ حديث لوقا في هذه الحكاية فعيسى الذي غصب الجحش ليس بإله ولا بنبي لأنّ الإله لا يحتاج والنبي لا يغصب جحاش الناس، ونحن نعلم بأن المسيح منزّه عن مثل هذا العمل لأنّه رسول من عند الله معصوم لا يظلم ولا يغصب فما يقوله لوقا ويحدّث به ليس بصحيح.

ثم نعود إلى ما كنّا فيه من تصفّح الأناجيل لتحقيق الحقّ في اختلافها الدال على تحريفها فنقول: وقرأوا من الإصحاح الأوّل من إنجيل مرقس ان يحيى(عليه السلام) كان يأكل جراداً وعسلا بريّاً، وقرأوا في الإصحاح الحادي

١٠
عشر من إنجيل متّى: انّه كان لا يأكل ولا يشرب، فبأيّ الإنجيلين يصدقون وبأيهما يكذبون.

وقرأوا في الكلمة الثامنة والأربعين من الإصحاح السادس والعشرين من إنجيل متّى، وفي كلمة (٤٤) من الإصحاح الرابع عشر من مرقس: إنّ يهوذا الذي أسلم عيسى للقتل دلّهم عليه حيث يقول (قد أعطاهم علامة قائلا: الذي اقبّله هو هو امسكوه فللوقت تقدّم إلى يسوع وقال: السلام يا سيدي وقبَّله فقال له يسوع يا صاحب (لماذا جئت) حينئذ تقدّموا والقوا الأيادي عليه)، وقرأوا الكلمة الرابعة من الإصحاح الثامن عشر من إنجيل يوحنا: إنّ عيسى هو الذي دلّهم على نفسه حيث يقول: فخرج يسوع وهو عالم بكلّ ما يأتي عليه، وقال لهم: مَن تطلبون؟ أجابوه: يسوع الناصري قال لهم: يسوع أنا هو، فبأي الإنجيلين يصدقون وبأيهما يكذبون؟

فمن هذه وأمثالها من المناقضات والاختلافات اتضح جليّاً تغير الكتابين وتحريفهما حتّى أصبح ذلك من الأمور المسلّمة التي لا تدفع ولا يستطيع أحد إنكارها، ومن هنا نرى النبلاء والعارفين يسألون كثيراً عن وقت تغيرهما تارة وعن الأسباب الموجبة لذلك أخرى حتى انّ أمر التغير أصبح شيئاً مفروغاً منه. وفي ليلة الخميس التاسعة من شهر شعبان سنة ١٣٥١ أقبل عليَّ شاب لا نبات بعارضيه بورقة دفعها إليَّ قائلا، أريد أن تجيبنى عن هذه المسائل، فرحّبت به ثم قرأتها فإذا فيها:

١١
بسم الله الرحمن الرحيم

بعد تقبيل أياديكم أريد ان اسألكم مسائل:

(١) متى غُيّرت التوراة؟

(٢) ولماذا غُيّرت؟

(٣) ومَن غيّرها؟

(٤) هل يوجد أخبار في التوراة قبل تغيّرها تصرّح بأنّ عيسى نبيّاً لا إلهاً؟

(٥) ولماذا جحد اليهود نبوّة عيسى بعد تواتر الأخبار عن نبيّهم موسى بأنّه سيجيء بعده هذا النبي؟

(٦) متى غُيّر الإنجيل؟

(٧) ولماذا غُيّر؟

(٨) ومَن غَيّره؟

(٩) كيف عرف الراهب بحيرا وغيره من الرهبان أنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلّم هو الذي بشّر به عيسى عليه السلام بعد أن كان الإنجيل مُغيَّراً من ذلك الوقت؟

(١٠) هل اعترف أحد من اليهود بنبوّة عيسى عند ظهوره تابعين قول نبيّهم؟

(١١) هل كلّ مَن كان نصرانياً قبل الإسلام كان مشركاً بالله؟

(١٢) ماذا تقول بخروج المسيح بعد موته بثلاثة أيام من بين الأموات؟

١٢
(١٣) ماذا تقول بصعوده إلى السماء بعد أربعين يوماً من خروجه من القبر بمرأىً من تلاميذه؟

فرأيت أن لابدّ من الجواب عن ذلك، وكيف يمكن الاعتذار والسكوت عن كشف هذه المبهمات وحلّ تلك المعضلات؟ ولذلك تعلّمنا العلم وله خُلقنا وبه أمرنا.

(انّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)(١) فشمّرت عن ساعد الجد وقلت للقلم استيقظ فقد جاء وقت العمل، والتركاض في حلبات البيان، ولكلّ وجهة هو موليها، وغاية هو قاصدها، ومرمى هو مسارع إليه، وعاكف عليه (إنَّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)(٢)، ورتّبته على سبعة فصول:

١- البقرة: ١٥٩.

٢- النحل: ١٢٨.

١٣

الفصل الأوّل
ـ وفيه مباحث ـ

"الأوّل" أعلم رعاك الله انّ المقصود بالتوراة التي أقمنا الحجّة على تغييرها والتي قصدها السائل بقوله: متى غُيّرت ولماذا غُيّرت ومَن غيَّرها؟ هي عبارة عن الأسفار الخمسة المنسوبة لموسى(عليه السلام) وهي: (١) سفر التكوين (٢) سفر الخروج (٣) سفر اللاويين (٤) سفر العدد (٥) سفر التثنية، والمجموع هو عبارة عن جزء من العهد القديم المؤلّف من تسع وثلاثين سفراً، هذه الخمسة المسمّاة بالتوراة، وأربعة وثلاثون منسوبة إلى الوحي لمَن جاء بعد موسى من الأنبياء إلى ما قبل زمن المسيح بثلاثمائة وسبعة وتسعين سنة، وربّما قيل للجميع التوراة، وكما انّ البراهين قائمة على تغيير تلك قائمة أيضاً على تغيير هذه الأسفار التي بعدها، ولكن لم نتعرّض لها لعدم المسؤولية عنها، ولأنّ الغرض حاصل بالكلام على هذه وحدها، لذلك اقتصرنا عليها ومن الله نستمدّ التوفيق ونسأله المعونة.

( المبحث الثاني)

ليعلم انّ النسخ المشهورة للعهد القديم عند أهل الكتاب ثلاث: الأولى

١٤
النسخة العبرانية، الثانية النسخة اليونانية، الثالثة النسخة السامرية، والأولى هي الأصلية، والثانية هي المترجمة إلى اللغة اليونانية بعناية سبعين أو اثنين وسبعين من علماء اليهود وتسمّى السبعينية، والثالثة هي الأولى إلاّ انّها لا تشتمل إلاّ على سبعة أسفار من العهد القديم فقط الخمسة الأولى المنسوبة لموسى، وسفر يوشع وسفر القضاة وهي المعتبرة عند السامريين(١).

( المبحث الثالث)

يستدل من التوراة ان نزولها على موسى كان نجوماً في نوب متفرّقة، ابتداؤها في جبل حوريب، إذ كان موسى يرعى غنم يثرون حميه كاهن مدين، حيث تقول في الإصحاح الثالث من سفر الخروج (وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عليقة) وانتهاؤها في جبل بنو من أرض موآب حيث تقول في الإصحاح الرابع والثلاثين من سفر التثنية، بعد ذكر صعود موسى على جبل بنو، وقال له الرب: هذه هي الأرض التي اقسمت لإبراهيم واسحق ويعقوب، قائلاً لنسلك اعطيها، قد أريتكَ إيّاها بعينك، ولكنّك إلى هناك لا تعبر، فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب.

( المبحث الرابع)

يظهر للمتتبّع المطّلِع على أسفار التوراة والعهد القديم أمران:

"الأوّل" انّ موسى كتب التوراة ودفعها إلى اللاويين وأمرهم أن

١- السامريون هم المتولّدون من بني إسرائيل من الوثنيين الذين اختلطوا بهم بعد سبي بابل.

١٥
يضعوها بجانب عهد تابوت الرب، يدلّك على ذلك ما في الإصحاح الواحد والثلاثين من سفر التثنية حيث يقول في الكلمة الرابعة والعشرين إلى السابعة والعشرين منه ما لفظه: (فعندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها، أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلاً: خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون هناك شاهداً عليكم لأنّي أنا عارف تمرّدكم ورقابكم الصلبة).

"الثاني" انّه بسبب تمرّد بني إسرائيل، وخروجهم عن طاعة الله، وتخريب ملوكهم بيت الله، وعبادتهم الأصنام من دونه سنيناً طوالا ذهبت التوراة من أيديهم، ولم يبق لها فيهم اسم ولا رسم، وهذه الهدى إلى دين المصطفى تحدّثنا عن العهد العتيق بما يثبت ما قلناه من خروجهم عن طاعة الله وتخريب ملوكهم بيت الله.

قالت في ص٢٠ من الجزء الأوّل (ولم تمض مدّة كثيرة من موت يوشع حتّى فعل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب، وتركوه وساروا وراء آلهة أخرى، وسجدوا لها وعبدوا البعل وعشتاروت(١) ولم يزل بنو إسرائيل في زمن القضاة يعاودون إلى عمل الشرّ في عيني الرب(٢) وبعد موت جدعون

١- تجد ذلك في سفر القضاة في الإصحاح الثاني في الكلمة الحادية عشر إلى الرابعة عشر، وفي الإصحاح الثالث في الكلمة السابعة منه.

٢- تجد ذلك في الإصحاح الثالث من سفر القضاة، وفي الكلمة الأولى من الإصحاح الرابع منه، وفي الكلمة الأولى من الإصحاح السادس منه، وفي الكلمة الأولى من الإصحاح الثالث عشر منه.

١٦
رجعوا وزنوا وراء البعليم، وجعلوا لهم بعل بريث إلهاً(١)، وبعد موت باتير القاضي عادوا يعملون الشر في عيني الرب، وعبدوا البعليم، والعشتاروت، وآلهة آرام، وآلهة صيدون، وآلهة موآب، وآلهة عمون، وآلهة الفلسطينيين وتركوا الرب ولم يعبدوه(٢).

وحاصل شأنهم انّهم اختلطوا بالأمم المشركين وتعلموا أعمالهم وعبدوا أصنامهم، وذبحوا بنيهم وبناتهم للأوثان، واهرقوا دماً زكياً، دم بنيهم وبناتهم الذين ذبحوهم لأصنام كنعان، وقد تدنّست الأرض بالدماء(٣).

ولمّا مات سليمان انقسمت مملكة بني إسرائيل إلى قسمين فتبع رحبعام ابنه سبطا يهوذا وبنيامين، وملكوه عليهم، وانعزل عنه باقي الأسباط فملكوا بربعام، فعمل لرعيته عجلي ذهب وقال هذه آلهتك يا إسرائيل، ووضع واحداً في بيت ايل والآخر في دان، وكان الشعب يصعدون إلى أحدهما حتى إلى دان(٤)، واستمر بنو إسرائيل هؤلاء وملوكهم على خطيئتهم، وطريقة بربعام(٥) أي العكوف على عجول الذهب التي في بيت ايل ودان(٦)، حتى إذا ملك اخاب شاعت في أيّامه عبادة البعل حتى انّه كان

١- تجد ذلك في الكلمة ٣٣ من الإصحاح ٨ من سفر القضاة.

٢- تجد ذلك في الكلمة ٦ من الإصحاح ١٠ من سفر القضاة.

٣- تجد ذلك في كلمة الـ ٣٥ إلى الـ ٣٩ من إصحاح الـ ١٠٦ من المزامير.

٤- تجد ذلك في إصحاح الـ ١٢ من تاريخ الملوك الأوّل من العهد العتيق.

٥- تجد ذلك في إصحاح الـ ١٥ والـ ٢٦ من سفر تاريخ الملوك الأوّل.

٦- تجد ذلك في إصحاح الـ ١٠ من سفر تاريخ الملوك الثاني.

١٧
للبعل اربعمائة وخمسين نبياً وللسواري اربعمائة نبي(١)، وقطعت ايزابل الصيدونية انبياء الرب إلاّ من أخفاه عوبديا(٢)، حتى لم يبق للرب نبي غير ايليا(٣)، وحتى لم يبق من مئات الألوف العديدة من بني اسرائيل من لم يعبد البعل إلاّ سبعة آلاف أو أقل، ولعلّهم كانوا من الأطفال الذين لا يميزون هذه الأمور(٤)، واستمر بنو اسرائيل على خطيئتهم، وطريقة بربعام إلى ان ملك عليهم هوشع بن ايله(٥)، وفي أيامه سباهم ملك اشور واسكن في ديارهم غيرهم، وقد كانوا أخطأوا إلى الرب إلـههم واتقوا آلهة أخرى وسلكوا حسب فرائض المشركين، وعبدوا الأصنام، ورفضوا فرائض الله وعهده وساروا وراء الباطل، وصاروا باطلاً، وتركوا جميع وصايا الله، وعملوا لأنفسهم عجلين، وسجدوا لجميع جند السماء، وعبدوا البعل(٦).

وأمّا سبطا يهوذا وبنيامين فلمّا تثبتت مملكة رحبعام بن سليمان ترك

١- تجد ذلك في الكلمة الـ ١٩ من الإصحاح الـ ١٨ من سفر تاريخ الملوك الأوّل.

٢- تجد ذلك في الكلمة الـ ١٤ من الإصحاح الـ ١٨ من سفر تاريخ الملوك الأوّل.

٣- تجد ذلك في الكلمة الـ ٢٢ من الإصحاح الـ ١٨ وفي الكلمة الـ ١٠ والـ ١٤ من الإصحاح التاسع عشر من سفر تاريخ الملوك الأوّل وفيه ان ايليا خرج هارباً وهم يطلبون نفسه ليأخذوها.

٤- تجد ذلك في الكلمة الـ ١٨ من الإصحاح الـ ١٩ من سفر تاريخ الملوك الأوّل.

٥- تجد ذلك في الكلمة الـ ٢ من الإصحاح الـ ٢٢ والـ ١٧ من سفر تاريخ الملوك الأوّل.

٦- تجده في الإصحاح الـ ١٧ من تاريخ الملوك الثاني.

١٨
شريعة الرب هو وكل اسرائيل معه(١) وعمل يهوذا الشر أكثر من جميع ما عمل آباؤهم، وبنوا لأنفسهم مرتفعات وانصابا وسواري من آثار الشرك على كلّ تلّ مرتفع وتحت كلّ شجرة خضراء، وكان أيضاً مأبونون في الأرض ففعل يهوذا حسب أرجاس المشركين(٢)، وفي السنة الخامسة لملك رحبعام نهب شوشق ملك مصر خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك وأخذ كل شيء(٣).

قالت الهدى "ولإسرائيل أيّام كثيرة بلا إله حق وبلا كاهن معلم وبلا شريعة وفي النسخة العبرانية بلا توراة(٤) انتهى ما نقلناه عن الهدى عن العهد العتيق وفيه كفاية لإثبات ما قلناه، وإذا فهمت ذلك كلّه من أعمال بني إسرائيل، وعرفت من الإصحاح التاسع عشر من الملوك الأوّل التصريح بأنّهم تركوا عهد الله ونقضوا مذابحه وقتلوا أنبياءه ولم يبق إلاّ ايليا هارباً وهم يطلبون نفسه ليأخذوها تعلم أيضاً صحّة ما قدّمناه من أنّه لم يبق للتوراة فيهم اسم ولا رسم، وكيف تبقى فيهم وليست هي بأعظم منعة من أنبياء الله ولا أعظم حرمة منهم، وقد قتلوهم تقتيلا، ونُهب بيت الرب وأخذ ما فيه ولم يتركوا فيه شيئاً، فهل يتركون التوراة وهي من أكبر أعدائهم

١- تجده في الكلمة الـ ١ من الإصحاح الـ ١٢ من سفر تاريخ الأيّام الثاني.

٢- تجده في الكلمة الـ ٢٢ إلى ٢٤ من تاريخ الملوك الأوّل.

٣- تجده في الكلمة الـ ٢٥ والـ ٢٦ من الإصحاح الـ ١٤ من تاريخ الملوك الأوّل.

٤- تجده في الكلمة الـ ٣ من الإصحاح الـ ١٥ من تاريخ الأيام الثاني.

١٩
وأعظم مضاديهم، وهذه النسخة العبرانية من تاريخ الأيام الثاني من العهد القديم تصرّح بأنّه مضى لإسرائيل أيام كثيرة بلا توراة، فهل تريد شاهداً أعدل وحجّة أقوى على أهل التوراة من أسفار التوراة؟ إن في ذلك لبلاغ لقوم يعقلون.

( المبحث الخامس)

قد أثبتنا لك في البحث الرابع ذهاب التوراة من بني إسرائيل وهنا نتكلّم في هذه المسألة من جهتين "الأولى" في دعوى حلفيا الكاهن انّه وجدها في بيت الرب، "الثانية": فيما تدلّ عليه أسفار العهد القديم من ذهابها ثانيا وإليك البيان.

"الجهة الأولى" "يحدثنا الإصحاح الـ ٢٢ من (الملوك الثاني) من أسفار العهد القديم انّه لمّا ملك يوشيا بن آمون وعمل المستقيم في عيني الرب، وسار في جميع طرق داود أبيه اشتغل بعد اثنتي عشرة سنة من ملكه بترميم بيت الرب، وانّه أرسل كاتبه شافان إلى حلفيا الكاهن ليحسب الفضة المدخلة إلى بيت الرب لترميم ثلم البيت وانّه قال حلفيا الكاهن لشافان الكاتب: قد وجدت سفر الشريعة في بيت الرب، وانه سلّم حلفيا السفر لشافان فقرأه، وانّ شافان قرأه أمام الملك، وانّ الملك لما سمع كلام سفر الشريعة مزّق ثيابه وانّه تقدّم إلى حلفيا وإلى جماعة من الكهنة أن يسألوا الرب لأجله ولأجل الشعب من جهة تخلّفهم عن العمل بمقتضى سفر الشريعة" هذا ما أملاه علينا هذا الإصحاح، وأنت جدّاً خبير بما لهذه

٢٠