×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أهل البيت (عليهم السلام) في الحياة الاِسلامية / الصفحات: ٢١ - ٤٠

٢١
السؤال الاَول: لماذا كان من الضروري أن تستمر الرسالة الاِسلامية من خلال (الاِمامة)، مع أن هذه الرسالة هي رسالة خاتمة، ثم لماذا لم يكن هذا الاِستمرار بهذه الصورة في الرسالات السابقة، بل كان من خلال النبوات التابعة؟

أما عدم الاِستمرار من خلال النبوات التابعة، فلاَن الاستمرار للنبوة في الرسالات السابقة كان أمراً طبيعياً، وذلك للوصول بالرسالة والاِنسانية معاً إلى مرحلة التكامل الرسالي والاِنساني، فكان من الضروري أن يأتي أنبياء تابعون للرسالة الاِلهية التي يرسل الله تعالى بها نبياً من الاَنبياء أولي العزم، لاَن الرسالات الاِلهية كانت تتعرض إلى التحريف فيها لدرجة تفقدها دورها الرسالي المطلوب من ناحية، كما أن الرسالات لم تبلغ التكامل الرسالي المفروض الذي بلغته في الرسالة الخاتمة من ناحية أخرى، والاِنسانية لم تبلغ مرحلة التكامل الرسالي في ثبات الاَصول والمبادىء الاَساسية للرسالات الاِلهية في

٢٢
مسيرتها من ناحية ثالثة، فنحتاج إلى هذه النبوات التابعة التي قد يندمج فيها دور النبوة والاِمامة في بعض الاَحيان، وقد ينفصل حسب طبيعة المرحلة والزمان، فنشاهد أنبياء دون إمامة لاِبلاغ الرسالة وبيان أو كشف ما تعرضت له من تحريف أو أوصياء دون نبوة، ليكون دورهم هو مواصلة دور النبوة السابقة المحدود.

أما في الرسالة الخاتمة وبعد فرض تكاملها الرسالي والاِنساني معاً، سواء على مستوى النظرية أو ثبات الاَصول والمبادىء الاَساسية للرسالة، فنحن لسنا بحاجة إلى أنبياء تابعين، ولذا أنقطعت النبوة(١) .

وأما لماذا كان هذا الاِستمرار من خلال خط الاِمامة في الرسالة الخاتمة؟

فقد أشرنا في حديثنا إلى أنه قد يبدو لاَول وهلة أن الحاجة في الرسالة الخاتمة إلى الاِستمرار والبقاء ـ بسبب أهميتها وجلالتها وسموها وامتيازاتها على الرسالات السابقة ـ أكثر من الحاجة بالنسبة

(١) عالجنا هذا الموضوع في بحثنا حول خصائص الرسالة الاِسلامية (العالمية، الخاتمية، الخلود)، ولمزيد من التوضيح يمكن مراجعة البحث المذكور.

٢٣
إلى الرسالات السابقة، لاَنها الرسالة الاَهم والاَعظم، فكيف لا تحتاج إلى من يتابعها، مع أن الرسالات الاَقل إحتاجت إلى مثل هذه المتابعة؟

والسبب في ذلك هو أن هذه الرسالة، وإن أصبحت من حيث مضمونها ومحتواها الرسالي رسالة خاتمة وكاملة، ولا تحتاج عندئذ إلى متابعة على مستوى (الاَنبياء) لبيان أصل الرسالة وثبت الاَصول، لاَن النبي صلى الله عليه وآله أكملها في بلاغها وعرضها على الناس، وقد صرح القرآن الكريم بذلك: (...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ اْلاِِسْلـَمَ دِينًا...)(١) إذن، فالرسالة الخاتمة من هذه الناحية لا تحتاج إلى إكمال على مستوى البلاغ والتبشير والاِنذار الذي يتحمله الاَنبياء عادة، لمعالجة الاِنحرافات وتثبيت الاَصول والاَسس، نعم قد تحتاج إلى إكمال بيان بعض التفاصيل، ولكن ذلك وحده لا يحتاج إلى الاِمامة ودورها الكبير في النظرية الاِسلامية.

كما شاء الله سبحانه وتعالى أن تختص الرسالة الاِسلامية من بين الرسالات الاَخرى بضمانات ووسائل الحفظ من الضياع والتحريف

(١) المائدة:٣.

٢٤
الصفحة: ٢٥ فارغة
أهل البيت (عليهم السلام) في الحياة الاِسلامية للسيد محمد باقر الحكيم ص (٢٥) - ص (٥٠)

الاِمامة والاِختلاف في العبادة

النقطة الاَولى: أن الاَنبياء عندما يرسلهم الله سبحانه وتعالى إلى عباده كانوا يقومون بمهمات ذات بعدين رئيسيين:

أحدهما: البلاغ والاِنذار لهؤلاء الناس فيبيّنوا الرسالة بتفاصيلها المطلوبة، وهذا ما قام به رسول الله صلى الله عليه وآله في الرسالة الخاتمة، وقام به الاَنبياء السابقون ـ أيضاً ـ في الرسالات الاَخرى.

ثانيهما: مواجهة ظاهرة الاِختلاف في المجتمع الاِنساني والعمل على حله، لاَن الله تعالى يقول: (...فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَما اخْتَلَفُواْ فِيهِ...)(١)

وتدخل مهمة التزكية والتطهير ومهمة التعليم، كنتيجة لهاتين المهمتين الرئيسيتين.

إذن، قضية الاِختلاف هي قضية مهمة جداً يواجهها الاَنبياء في عملهم وحركتهم، والاِختلاف هنا هو أختلاف في المثل العليا التي يتخذها هؤلاء الناس للعبادة وفهمهم للحياة والكون وحركتهم

(١) البقرة:٢١٣.

٢٦
الاجتماعية، حيث يتخذ هؤلاء الناس لهم الآلهة المصطنعة ـ والمثل المحدودة، أو التكرارية(١) والاَسماء المزيفة المستلهمة من القوى الموجودة في هذا الكون، أو الشهوات والاَهواء والميول، أو الطغاة والمستكبرين والمترفين، أو من تقليد الاَباء والاَجداد ـ يعبدونها من دون الله.

ولما كان عمر الرسول محدوداً ـ عادة ـ لايستوعب الزمان الكافي لحل هذا النوع من الاَختلاف خارجياً، بحيث يمكّنه من إزاحة جميع العوائق والموانع التي تقوم أمام الرسالة في حركتها الاجتماعية والاِنسانية، تصبح الرسالة بحاجة إلى قيادة معصومة للحركة الاجتماعية وإدامة العمل لحل هذا النوع من الاِختلاف، وهذه الحاجة ثابتة في كل الرسالات الاِلهية، فكيف إذا كانت الرسالة رسالة خاتمة طويلة، يراد لها أن تعم الاَرض كلها، وتزيل جميع الآلهة المصطنعة، والاَمثلة التي يبتدعها الاِنسان وتنتصب في وسط الطريق.

لذا كانت الحاجة قائمة لوجود القائد وهو الاِنسان الكامل الذي نعبر عنه بالاِمام، ليقود معركة تحرير الاِنسان من كل هذه الآلهة

(١) إصطلاح إستخدمه الشهيد الصدر قدس سره في بحثه حول التفسير الموضوعي، عندما طرح فكرة المثل الاَعلى في العبادة:١٨٤.

٢٧
والقيود، وتحقيق العبادة المطلقة لله تعالى، دون غيره من الآلهة، وهو المثل الاَعلى للحق، لاَن معركة التحرير هذه تحتاج إلى شخص يتصف بالاستيعاب الكامل والرؤية الواضحة للرسالة من ناحية، والشعور العالي بالمسؤولية أمام الله تعالى في إدامة المعركة والاِدارة القوية في إدارة المعركة التي تعتمد على جهاد النفس من ناحية أخرى.

وهذا السبب هو ما أشار إليه الشهيد الصدر قدس سره في حديثه حول ضرورة الاِمامة بعد الرسول، وقد أعطى الاِمامة مضموناً شاملاً، يتحد مع النبوة أحياناً، عندما تكون الحاجة إلى النبي والقائد معاً، ويفترق عنها أحياناً أخرى، عندما تكون الحاجة إلى القائد وحده، ولكنه على أي يرتبط بهذه المهمة الخاصة وهي قيادة المعركة، وهو ما عبر عنه الشهيد الصدر قدس سره بقيادة المعركة التي يواجهها الاَنبياء في المجتمعات الاِنسانية، لاِزالة كل الاَمثلة المزيفة والآلهة المصطنعة الذي يخترعها الاِنسان ويبتدعها، سواء كانت هذه الاَمثلة المصطنعة والآلهة المزيفة عبارة عن طواغيت يحكمون بين الناس أو كانت شهوات وهوى يتحكم في مسيرة هؤلاء الناس، أو كانت أفكار منحرفة يختلقها الاِنسان ويبتكرها، فيجعلها مثالاً له يقتدي ويهتدي به، فيتحول إلى

٢٨
إله يعبده من دون الله، كما قال تعالى: (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَآ أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَـنٍ...)(١) فهي معركة إزاحة هذه الآلهة المصطنعة عن طريق الهدى والصلاح والخير الذي يقوده الاَنبياء(٢)

وهذه المعركة عمرها أطول من عمر النبي، فإن عمر الرسول مهما طال زمانه، لا يستوعب زمان الاِختلاف، لاَن الله تعالى جعل قضية الاِختلاف بين الناس سنّة من السنن الطبيعية التي تحكم حركة التاريخ في كل الاَدوار، فقضية الاَختلاف، قضية قائمة لا يختلف فيها زمان عن زمان، ولا تنتهي هذه القضية إلا بنهاية حركة البشرية، والقرآن الكريم يشير إلى ذلك ـ أيضاً ـ في قوله تعالى: (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةً وَلاَيَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ*إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ...)(٣)

إذن، فالمعركة ضد الاِختلاف تحتاج إلى من يقودها، وزمنها أطول من زمن النبي، ولو كانت هذه المعركة تنتهي بزمن النبي كان يمكن

(١) النجم:٢٣.

(٢) التفسير الموضوعي:١٩٥ـ ١٩٦.

(٣) هود: ١١٨ ـ ١١٩.

٢٩
للنبي أن ينهي المعركة ولا نحتاج إلى من يقودها من بعده، ولكنه لما كانت هذه القضية هي سنّة تحكم حركة التاريخ، فنحتاج إلى من يقود هذه المعركة، معركة إزاحة الآلهة المزيفة والمصطنعة أمام الحركة التكاملية للاِنسان.

وقيادة هذه المعركة تارة تكون من قبل نبي يقوم بدور الاِمام ـ أيضاً ـ كما في كثير من الاَنبياء السابقين التابعين، وأخرى تكون من قبل الاِمام الذي لا يتصف بعنوان النبوة لعدم الحاجة إليها، ولما كانت الرسالة الاِسلامية هي الرسالة الخاتمة، الكاملة، المحفوظة، ونبوة محّمد صلى الله عليه وآله لا نبوة بعدها، اقتضى أن يكون الدور للاِمامة التي لا تتصف بالنبوة.

والشواهد على هذه الحقيقة عديدة وليست مجرد الآيات القرآنية التي أشرت إليها، وإن كانت تكفي هذه الآيات أن تكون شاهداً ودليلاً عليها، ولكن الواقع التاريخي شاهد ـ أيضاً ـ على هذه الحقيقة، فإن ظاهرة الاَختلاف ظاهرة قائمة وثابتة في التاريخ الاِنساني ـ كما ذكرنا ـ كما أنها ظاهرة ثابتة في التاريخ الاِسلامي في زمن النبي وبعده، ولا يمكن لاَحد من الناس أن ينكرها أو يخفيها، وهذه القضية ليست مجرد قضية نظرية، وإنما هي قضية ذات واقع قائم في المجتمع

٣٠
الاِنساني والاِسلامي كله، وهذا هو ما نواجهه ـ أيضاً ـ في هذا العصر والزمان.

الاِمامة والاِختلاف في التأويل

النقطة الثانية: إن الرسالات الاِلهية تواجه ـ عادة مع غض النظر عن الاِختلاف الاَول الذي ذكرناه في النقطة الاَولى ـ بعد ثبوتها ورسوخ أقدامها نوعاً آخر من الاِختلاف وهو الاِختلاف في تفسير هذه الرسالة، وفهم مداليها وتأويلها وتجسيد المصاديق الخارجية فيها، وهذا نوع آخر من الاِختلاف، أشار إليه القرآن الكريم في كثير من الآيات الكريمة التي تحدث فيها عن أهل الكتاب وما اختلفوا فيه من تأويل الكتاب، منها قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَـبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلََئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَـمَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ*أُوْلََئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلـَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ*ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَـبَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَـبِ لَفِى شِقَاقِ بَعِيدٍ)(١)

(١) البقرة:١٧٤ ـ ١٧٦.

٣١
وقوله تعالى: (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىَ إِسْرََءِيلَ الْكِتَـبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَـهُم مِنَ الطَّيِّبَـتِ وَفَضَّلْنَـهُمْ عَلَى الْعَـلَمِينَ*وَءَاتَيْنَـهُم بَيِّنَـتٍ مِنَ الاََْمْرِ فَمَا اخْتَلَفُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَـمَةِ فِيَما كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(١) كما أن بعض الآيات القرآنية أشارت ـ أيضاً ـ إلى كلا النوعين من الاِختلاف، كما في قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَما اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنـتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(٢)

وهذا النوع من الاِختلاف هو معركة أخرى تخوضها الرسالات الاِلهية ـ عادة ـ وهو غير الاِختلاف الناشىء من تحريف أصل الرسالة بمعنى ضياع بعض معالمها المهمة، والذى حفظ في الرسالة الاِسلامية، فهو تحريف في التطبيق والفهم، ويحتاج ـ أيضاً ـ إلى قيادة

(١) الجاثية:١٦ـ ١٧.

(٢) البقرة:٢١٣.

٣٢
معصومة في فهمها الكامل للرسالة وفهم مضمونها وآفاقها، وفي معرفتها لتفاصيلها التي لايمكن ـ عادة ـ للنبي أن يبينها لجميع الناس ـ كما تدل على ذلك شواهد كثيرة(١) ـ وكذلك معصومة في حرصها على الرسالة وقيمها ومُثلها ومبادئها وصبرها واستقامتها في هذا الطريق، وتحمّلها لمسؤوليتها وأعبائها.

وقد كان يتم ذلك ـ أيضاً ـ عن طريق النبوات التابعة من الرسالات الاِلهية الاَخرى، أو الاَوصياء الذين كانوا يتحملون هذا الدور من الاِمامة ـ أيضاً ـ وأما في الرسالة الخاتمة فقد تمحّض هذا الاَمر في دور الاَمامة.

وهذا النوع من الاِختلاف هو الذي يفسر لنا ما ورد في أحاديث عديدة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، عندما كان يتحدث مع علي عليه السلام، وغيره عن مستقبل الايام في التاريخ الاِسلامي وتطورات الاَحداث فيه، حيث كان هناك معركتان إحداهما على التنزيل كان يقودها رسول الله صلى الله عليه وآله في مواجهة المشركين وأهل الكتاب، ومعركة أخرى هي معركة على

(١) ذكرنا هذه الحقيقة مع بعض شواهدها في بحثنا عن التفسير في زمن النبي (علوم القرآن) وفي بحثنا عن التفسير عند أهل البيت، وسوف نتناول هذا الموضوع مرة أخرى بصورة تفصيلية في البحث عن المرجعية الفكرية لاَهل البيت عليهم السلام.

٣٣
التأويل الذي كان يخبر الرسول عن دور الاِمام علي عليه السلام في قيادتها، فقد روى سعيد بن المسيب، عن سعيد بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله قال: «يا عليّ أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي، تقضي ديني وتنجز عدتي وتقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل، يا عليّ حبّك إيمان وبغضك نفاق ولقد نبّأني اللّطيف الخبير أنه يخرج من صلب الحسين تسعة من الاَئمة، معصومون مطهّرون، ومنهم مهديّ هذه الاَمة، الّذي يقوم بالّدين في آخر الزمان كما قمت به في أوله»(١)

إذن، فهذه المعركة هي قضية حقيقية قائمة في التاريخ الرسالي والتاريخ الاِسلامي وقد ذكرها القرآن الكريم على مستوى تاريخ الاَنبياء ـ أيضاً ـ وأكدتها الاَحداث التي جرت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كحقيقة من الحقائق التاريخية، أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وآله في مستقبل الاَيام.

(١) البحار٣٦:٣٣١، حديث ١٩٠، وقد ورد مضمون القتال على التأويل والقتال على التنزيل في عدد من النصوص التي رواها الفريقان.

٣٤

الاِمامة والولاية

النقطة الثالثة: إن الرسالة الخاتمة إمتازت بإمتيازات عديدة لم تشبهها الرسالات الاِلهية السابقة وكان من جملة الاِمتيازات في الرسالة الخاتمة ـ كما ذكرنا سابقاً ـ هو أن الله تعالى شاء أن يحفظ هذه الرسالة بمضمونها الرسالي بصورة كاملة من خلال القرآن الكريم، ولذا لم تحتاج إلى النبوات التابعة، أما الرسالات السماوية الاَخرى فقد تعرضت للتحريف والضياع، لاَسباب يطول الحديث فيها(١)

وكان أحد الاِمتيازات المهمة ـ أيضاً ـ هو أنها تمكنت من أن تقيم الدولة الاِسلامية (الكيان السياسي الاِسلامي) في المجتمع الاِنساني في عصر صاحب الرسالة وبعده.

فقد دعت الرسالات السابقة إلى إقامة الحق والعدل بين الناس وإلى تحكيم ما أنزل الله تعالى بين الناس، فقد قال القرآن الكريم في سياق الحديث عن نزول التوراة: (...وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللهُ فَأُوْلـَئِكَ هُمُ الْكَـفِرُونَ) ، وقال في سياق الحديث عن نزول

(١) لا أريد أن أتعرض هنا إلى جميع إمتيازات الرسالة الخاتمة على الرسالات السابقة، وقد أشرت إلى بعض هذه الاِمتيازات في بحث (العالمية والخاتمية والخلود) في رسالة الاِسلام، ولكن أريد أن أشير هنا إلى الاِمتيازات التي هي محل الشاهد في بحثنا هذا.

٣٥
الاِنجيل: (...وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللهُ فَأُوْلـَئِكَ هُمُ الظَّـلِمُونَ) ، كما قال في سياق الحديث عن نزول القرآن الكريم: (...وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللهُ فَأُوْلـَئِكَ هُمُ الْفَـسِقُونَ)(١)

إذن، فقضية الدعوة إلى إقامة الحكم بين الناس ليست خاصة بخصوص الرسالة الاِسلامية، بل أن قضية إقامة الحكم بما أنزل الله بين الناس هي قضية ترتبط بكل الرسالات الاِلهية، ولكن شاء الله تعالى في حركة وتاريخ هذه الرسالات الاِلهية أن يقوم الحكم بين الناس كحالة سياسية اجتماعية خارجية، نعبّر عنها بقيام الدولة الاِسلامية، شاء الله تعالى أن يقوم ذلك في خصوص تاريخ الرسالة الخاتمة، دون بقية الرسالات الاَخرى.

فنوح عليه السلام لم يتمكن من تحقيق قيام دولة إسلامية، ولو بمستوى الاِسلام الذي جاء به نوح عليه السلام.

كما أن إبراهيم عليه السلام وهو شيخ الاَنبياء لم يتمكن أن يقيم هذا الكيان السياسي الاِسلامي، وموسى عليه السلام شاء الله تعالى أن يقبضه إليه قبل أن يتمكن من إقامة هذا الكيان السياسي الاِسلامي، بعد أن كان قد مهد

(١) المائدة:٤٤و٤٥و٤٧.

٣٦
له بإخراج بني إسرائيل من سلطة فرعون، وجاء بألواح التوراة، ليحقق ذلك، ولكنهم رفضوا الاِستمرار في المسيرة ودخول الاَرض المقدسة، لتحقيق هذه المهمة الاِلهية الصعبة، فكتب الله عليهم أن يتيهوا في الاَرض أربعين سنة(١)

وكذلك الحال في النبي عيسى عليه السلام، حيث رفعه الله قبل أن يحقق هذا الهدف الاِسلامي العظيم.

ولم يتمكن الحواريون من أن يقوموا بذلك ـ أيضاً ـ فولدت الرهبانية والاِنعزال، وانحرفت المسيحية على يد بولس، عندما تحولت إلى الحكم والسلطان والقيصرية.

وشاء الله تعالى أن يكون ذلك من امتيازات نبوة محمد صلى الله عليه وآله.

إذن، فهذا من الامتيازات الخاصة التي امتازت بها الرسالة الاِسلامية(٢) .

(١) وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم في سورة المائدة الآيات ٢١ ـ ٢٦.

(٢) هذا بحث عميق وفيه الكثير من التفاصيل، وقلت انني أشير هنا إلى العناوين الكلية، ومن هذه التفاصيل تفسير ظاهرة قيام الدول التي أقامها بعض الاَنبياء، كداود وسليمان عليهما السلام، وغيرهما من الاَنبياء الذين أقاموا دولاً، وأشار القرآن الكريم إلى ذلك، عندما يتحدث عن تفضيل ونعم الله على بني إسرائيل بقوله تعالى: (...إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا...) ، المائدة:٢٠، فأن بعض هؤلاء الاَنبياء أقاموا دولة، ولكن هذه الدولة التي أقاموها تختلف بحسب مضمونها وهويتها وخصوصياتها عن هذه الدولة الاِسلامية التي أقامها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس بحسب سعتها ودائرة وجودها وتفاصيلها، بل بحسب الهوية والمضمون ـ أيضا ـ وهذا بحث أشرت له بصورة موجزة ـ أيضاً ـ في بحث (العالمية والخاتمة والخلود) كصفات للرسالة الاِسلامية.

٣٧
إذن، فعندما تكون من خصائص هذه الرسالة وجود هذه الدولة، فهذه الدولة تحتاج إلى قيادة تقودها، وهذه القيادة لابد أن تكون في منذ البداية معصومة، لتتخذ الدولة صيغتها الاِسلامية الكاملة في
٣٨
التطبيق المتميزة عن الصيغ الاَخرى، وهذا إنما يتحقق من خلال الاِمامة.

لاَن مثل هذه الدولة، ومثل هذه التجربة لا يمكن أن تقاد وبصورة كاملة وصحيحة، بحيث تحقق كل الاَهداف التي جاءت بها الرسالة، إلاّ بمثل هذه القيادة التي نعبّر عنها بالاِمامة.

وهنا ينفتح أمامنا باب بحث الخلافة الاِلهية، فأن بحث الخلافة الذي هو من الاَبحاث الكلامية المهمة التي يتناولها علماؤنا، ويستدلون فيها على تشخيص من يتولى الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ويقوم بإدارة هذه الدولة، هذا البحث فيه بعدان:

بُعد يرتبط بالجانب العقائدي وهو إستمرار الرسالة في الاِمامة وعصمة هذه الاِمامة كعصمة الرسالة وهو ما نريد أن نشير إليه في هذه الحديث، وبُعد آخر يرتبط بالجانب التاريخي والسياسي والنصوص التي وردت في ذلك، والتحولات الاجتماعية والظروف السياسية التي اقترنت بهذا الموضوع، وهذا البعد له حديث آخر غير هذا الحديث(١) .

(١) سوف نتناوله بشي من التفصيل، عندما نتحدث عن دور أئمة أهل البيت في قيادة الحكم الاِسلامي.

٣٩
إذن، فنحن عندما نتحدث عن موضوع الخلافة، وأن هذه الخلافة لابد أن يقوم بها الاِمام المعصوم، وتكون تجسيداً واستمراراً للحكم الاِلهي النبوي، عندما نتحدث عن هذا الموضوع، لا نتحدث عن أمر تاريخي ذهب مع الزمن وانتهى وقته، وإنما نتحدث عن أمر عقائدي، يرتبط بفهمنا للاِسلام وللرسالة الاِسلامية، ولتكامل هذه الرسالة، وهذا قضية مهمة جداً.

إذن، فالنقطة الثالثة في ضرورة الاِمامة، هي ضرورة وجود قيادة معصومة للحكم الاِسلامي والكيان السياسي.

لاَن هذا الكيان السياسيي من أجل أن يكون قادراً على تطبيق الحق والعدل على البشرية بصورة كاملة ودقيقة، تتناسب مع الهدف الكبير لهذه الرسالة الاِسلامية، لابد له من وجود قائد معصوم لهذا الكيان السياسي الاِسلامي حتى يمكن تحقيق هذا الهدف الكبير، ولذلك نعتقد بظرورة الاِمامة المعصومة من أجل تحقيق هذا الهدف.

العصمة والاِمام المهدي

نحن نعتقد أنه بسبب عدم تولي الاِمامة المعصومة لقيادة الحكم الاِسلامي لتحقيق هذا الهدف العظيم في إقامة الحق والعدل الكامل،
٤٠