×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أهل البيت (عليهم السلام) في الحياة الاِسلامية / الصفحات: ٤١ - ٦٠

شهد التاريخ الاِسلامي هذا القدر الكبير من الاِنحراف في مجال تطبيق العدل والحق، بحيث جعل الرسالة الاِسلامية كلها في موضع الشك والريب بسبب الظلم والاستبداد والطغيان الذي مارسه الحكام المسلمون في عدة قرون من الزمن، في العهود الاَموية والعباسية والعثمانية، ولولا الفترة القصيرة للقيادة المعصومة لرسول الله صلى الله عليه وآله وللاِمام علي عليه السلام التي تمكنت أن تبين الوجه الناصع الحقيقي لطبيعة الحكم الاِسلامي، لكان مواجهة هذه الشبهة واقعياً وعملياً أمراً عسيراً، ولاسيما وأن فترة الخلافة الاَولى بعد رسول الله التي كانت تتسم بالاِعتدال النسبي، شهدت الاِضطراب والتذبذب في صيغة الحكم الاِسلامي، وفي النتائج المروعة التي انتهت إليها في خلافة الخليفة الثالث، ومن هنا كانت وجود فكرة الاِمام المنتظر(عج) الذي يملاَ الاَرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، فكرة مطروحة منذ البداية في الرسالة الاِسلامية وهي مما يجمع عليها المسلمون، وذلك من أجل تحقيق هذا الهدف الكبير في الحكم والانتشار وفي الكيف والتطبيق الكامل للحكم الشرعي، وعندئذً تكون كل المساعي التي بذلها أئمة أهل البيت عليهم السلام وهم بعيدون عن قيادة الحكم الاِسلامي والتجربة الاِسلامية، وكذلك كل المساعي
٤١
الاَخرى التي بذلها ويبذلها العلماء المجاهدون والمؤمنون في طول التاريخ الاِسلامي، كل هذه المحاولات إنما هي تمهيد لظهور هذه الدولة المباركة الكريمة التي تملاَ الاَرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.

٤٢
٤٣
٤٥
أما جواب السؤال الثاني: وهو أنه إذا سلمنا بضرورة استمرار خط الاِمامة بعد الرسالة الخاتمة، فلماذا كان خط الاِمامة مستمراً في خصوص أهل البيت عليهم السلام، وهذه الاَسرة الشريفة الطيبة، هل أن القضية مجرد قضية تشريف وتكريم لرسول الله صلى الله عليه وآله، فجعلت الاِمامة في أهله وأسرته، أو أن هناك شيئاً أهم وأعظم وأوسع من ذلك بالنسبة لاستمرار الاِمامة في أهل البيت عليهم السلام ؟

كان يمكن أن يفترض نظرياً أن يكون الاَئمة المعصومون في أسرة ووسط آخر غير هذا البيت الشريف، كما عرفنا في التاريخ الاِنساني والرسالي وجود أسر وجماعات أخرى كان فيها أئمة معصومون، كما هو الحال في إسحاق وإسماعيل من ذرية إبراهيم عليه السلام، وكما في الاَنبياء من ذرية يعقوب الذي يسمى في القرآن الكريم بإسرائيل، فأن هؤلاء كانوا يتصفون بالعصمة ـ أيضاً ـ وكان بعضهم له دور الاِمامة في حركته الرسالية، ومن ثم فلماذا كان إختصاص الاِمامة في خصوص

٤٦
أهل البيت عليهم السلام، فهل أن القضية ـ كما أشرنا ـ هي قضية تكريم وتشريف لرسول الله صلى الله عليه وآله باعتباره الرسول الخاتم، فأراد الله تعالى أن يكرَّمه ويشرّفه بذلك، ويجعل ذلك نعمة منه سبحانه وتعالى على هذا العبد الصالح الذي أفنى كل وجوده في سبيل الاِسلام وفي سبيل الله وفي سبيل تكامل مسيرة الاِنسان، أو أن تكون القضية تعويض إلهي عن الجهود التي بذلها في سبيل الله والحق والعدل والاِنسانية، كما قد يفهم ذلك من قوله تعالى: (...قُل لاََّ أَسْــََلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى...)(١) فيكون أجراً له على ذلك، وإنما اختص هذا الاَجر به دون بقية الاَنبياء الذين أكد القرآن على أنهم لا يبغون أجراً على رسالتهم إلا الاِيمان بالله تعالى، لاَن النبي صلى الله عليه وآله قد بذل جهداً لم يبذل مثله أحد من الاَنبياء، وقد تحمل من الآلام والمحن ما لم يتحمله أحد قبله ولا بعده... أو أن هناك شيئاً آخر غير موضوع التكريم والتشريف؟

هنا يمكن أن نشير بهذا الصدد إلى عدة نقاط ـ أيضا ـ مع قطع النظر عن الروايات التي وردت في هذا الموضوع والاِستدلال على إمامة أهل البيت عليهم السلام من خلال النصوص الشريفة التي دلت على

(١) الشورى:٢٣.

٤٧
إمامتهم(١) .

التكريم والتشريف

النقطة الاَولى: هي قضية التكريم والتشريف التي أشرنا إليها في طرح السؤال، حيث نلاحظ من خلال القرآن الكريم ومسيرة التاريخ الرسالي لكل الرسالات الاِلهية أن الله تعالى شاء بلطفه وكرمه وفضله على أنبيائه بأن يجعل من ذرياتهم أئمة وهداة يقومون بهذا الواجب الاِلهي تكريماً لهم ونعمة منه تعالى عليهم، وكان هذا التكريم في الوقت نفسه رغبة وأمنية من أمنيات الاَنبياء أنفسهم، تعبر عن حالة فطرية في الاِنسان الكامل هي الاِتجاه والرغبة إلى البقاء والاِستمرار من خلال ذريته، وقد أكد هذه الحقيقة الفطرية القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة في عدة مواضع(٢)

(١) هذا البحث له محله الخاص، وهو بحث كلامي عقائدي له أساليبه وأدلته وبراهينه الخاصة به ـ أيضاً ـ نتناوله في محله، وإنما نريد في هذا البحث أن نفسر هذه الظاهرة، ظاهرة تعيين الاِمامة وتشخيصها في خصوص أهل البيت عليهم السلام تفسيراً ينسجم مع الاَطر العامة التي جاء بها الاِسلام، وأكدها القرآن الكريم، وترتبط ـ أيضاً ـ بمسيرة الاِنسان وتكامله.

(٢) هذا بحث قرآني واجتماعي مهم يرتبط بدراسة علاقة الاِنسان بذريته، وشعوره بالبقاء والخلود من خلالها.

٤٨
إذن، فهذه القضية هي قضية ترتبط بكلا الجانبين، الجانب الاِلهي الخالق المنعم الكريم الجواد المتفضل على أنبيائه، المجيب لدعائهم وندائهم، وبالجانب الاِنساني العبودي، المتمثل بهؤلاء الاَنبياء الذين أخلصوا لله تعالى في العبودية ـ أيضاً ـ فأنه من جملة إخلاصهم وإحساسهم بالعلاقة الاَكيدة مع الله تعالى، إنهم كانوا يتمنون على الله ويرجون منه ويدعونه في أن يجعل من ذرياتهم أئمة وهداة، يضمن لهم البقاء والاِستمرار في عبوديتهم لله تعالى ودورهم ومهمتهم في الحياة الاِنسانية.

فهذا إبراهيم عليه السلام وهو شيخ الاَنبياء، عندما خاطبه الله تعالى وابتلاه بكلمات من عنده، فجعله إماماً للناس (وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا...)، كان أول شيء يطرحه على الله تعالى ويرجوه منه، عندما يحملّه الله تعالى هذه المسؤولية، هو أن تكون هذه الاِمامة في ذريته ـ أيضاً ـ (...قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّـلِمِينَ )(١)

وكذلك الحال في إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهما يقيمان دعائم البيت (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَـعِيلُ رَبَّنَا

(١) البقرة:١٢٤.

٤٩
تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، هؤلاء في البداية يطلبون القبول من الله تعالى لهذا العمل العظيم، ثم يدعوانه تعالى أن يكونا مع ذريتهما من المسلمين المهتدين المنيبين إليه المقبولين لديه، (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) .

ثم لا يكتفون بأن تكون هذه الذرية ذرية مسلمة مهتدية مقبولة، بل تترقى هذه الدعوة بأن يطلبوا أن تكون هذه الذرية ذرية تتحمل مسؤولية النبوة والرسالة ـ أيضاً ـ (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَـتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَـبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )(١)

ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله يفتخر ويقول: (أنا دعوة أبي إبراهيم عليه السلام)(٢) يعني كان يرى نفسه في تحمله لهذه الرسالة إن ذلك كان إستجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام عندما كان يرفع القواعد في البيت.

(١) البقرة:١٢٧ ـ ١٢٩.

(٢) البحار١٢:٩٢، حديث ١.

٥٠
الصفحة: ٥١ فارغة
أهل البيت (عليهم السلام) في الحياة الاِسلامية للسيد محمد باقر الحكيم ص (٥١) - ص (٧٣) أحدهما: الاِنتقال بالاِشارة إلى نوح عليه السلام (وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ) ليربط هذا التاريخ بما قبل إبراهيم عليه السلام.

ثانيهما: تعميم النعمة على الآباء والذريات والاَخوان، مما يفهم منه القانون العام (وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّـتِهِمْ وَإِخْوَنِهِمْ) .

وهكذا ما ورد في سورة مريم، عندما تحدث القرآن الكريم عن مجموعة من الاَنبياء: إبراهيم وبعض ذريته وإدريس قبل إبراهيم ثم يختم الحديث بالقانون العام (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَهِيمَ وَإِسْرََئِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَـتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا)(١)

والشيء نفسه ـ أيضاً ـ يذكره القرآن الكريم في سورة الحديد، ولكن على نحو الاِشارة، وذلك عندما يتحدث عن نوح وإبراهيم عليهما السلام، حيث جعل في ذريتهما النبوة، قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَـبَ فَمِنْهُم مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَـسِقُونَ)(٢)

(١) الآية:٥٨.

(٢) الآية:٢٦.

٥٢
وموارد أخرى لا يسع المجال لتفصيلها.

إذاً فهذه من السنن التي كانت تحكم مسيرة الرسالات الاِلهية، فلا نرى غرابة في أن هذه السنّة تجري ـ أيضاً ـ في هذه الرسالة الخاتمة، بل هي امتداد لسنّة إلهية، شاء الله أن يجعلها حاكمة على مسيرة الاَنبياء والمرسلين منذ بداية الرسالات الاِلهية وإلى نهايتها.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الاِمامة بدأت من نوح عليه السلام ـ كما يذهب إلى ذلك العلامة الطباطبائي قدس سره وشهيدنا الصدر قدس سره ـ فقد نرى أن التأكيد في القرآن الكريم على نوح وإبراهيم عليهما السلام، وجعل النبوة في ذريتهما، إنما هو إشارة إلى قضية الاِمامة واستمرارها في ذرية هذين النبيّين، ولا سيما أن النبي صلى الله عليه وآله هو ـ أيضاً ـ من ذرية إبراهيم عليه السلام، حيث أنه ينتمي إلى إسماعيل عليه السلام، وإسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ونبينا هو دعوة إبراهيم عليه السلام، وبذلك تصبح القضية مرتبطة تماماً بهذه السلسلة المباركة للاَنبياء من ناحية، وهذه السنّة التي كتبها الله تعالى في الرسالات الاِلهية، وهي سنة التكريم والتشريف لهم، والنعمة الاِلهية عليهم.

النقطة الثالثة: التي يمكن أن يشار إليها بهذا الصدد وهي أن قضية التشخيص في أهل البيت عليهم السلام، ليست مجرد عملية تكريم

٥٣

حكمة الاِمامة في الذرية

وتشريف وفضل ونعمة أنعم بها الله تعالى على أنبياءه، بل أن وراء ذلك أموراً أخرى، يمكن أن نلاحظها عندما نريد أن ندرس هذه الظاهرة؟ وهي أمور ذات أبعاد: غيبية، وتاريخية، ورسالية، وإنسانية.

وهذه الاَبعاد التي يمكن أن نلاحظها من خلال دراستنا للقرآن الكريم ومراجعتنا ومطالعتنا للرسالة الاِسلامية قد تفسر النقطتين السابقتين، ببيان الحكمة في هذا التكريم الاِلهي وهذا الاِتجاه الفطري في الاِنسان الذي تحول إلى سنة في مسيرة الاَنبياء، والله سبحانه وتعالى أعلم.

البعد الغيبي

أما ما يتعلق بموضوع البعد الغيبي، فهنا نلاحظ أن الله تعالى خلق الاِنسان بصورة وحقيقة ميزه فيها على بقية المخلوقات، وجاء التعبير عن ذلك بالنفخ فيه من روح الله، قال تعالى: (ثُمَّ سَوَّهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاََْبْصَـرَ وَالاََْفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُون)(١) فالاِنسان ليس موجوداً مادياً متمحضاً في الجانب المادي فقط، وإنما فيه عنصر غيبي، وهذا العنصر الغيبي امتياز، شاء

(١) السجدة:٩.

٥٤
الله تعالى أن يتعامل معه ـ أيضاً ـ من خلال الغيب، بمعنى أن هناك الكثير من الاَسرار في حركة الاِنسان وحركة التاريخ الاِنساني ترتبط بالغيب، ولم يشأ الله تعالى أن يكشف هذه الاَسرار للاِنسان في هذا العالم، ولكن قد يكون لهذه الاَسرار أثر في تكامل حركة الاِنسان في حياته الدنيوية التي لها إرتباط ـ أيضاً ـ بالغيب في هذا العالم المشهود، وكذلك التكامل في حياته الاَخروية، لاَن الحياة المادية الدنيوية لهذا الاِنسان هي حياة محدودة، والحياة الحقيقية ـ كما يعبر القرآن الكريم ـ إنما هي الحياة الآخرة، (وَمَا هذه الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الاََْخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ)(١) وهي الحياة الممتدة الطويلة الاَبدية الخالدة، وهذه الحياة الحقيقية هي حياة غيبية.

فهناك الكثير من الاَسرار ذات العلاقة بالاِنسان، وحياة هذا الاِنسان لم تكشف لهذا الاِنسان، ولها تأثير في حياته في العالم الآخرة، بل ومن خلال حركة الاِنسان ـ أيضاً ـ في هذه الدنيا.

وهذا الاَمر لابد أن نؤكد عليه دائماً في تفسير الكثير من الظواهر الاِنسانية، فانه لا يمكن أن نفسر الظواهر الاِنسانية بالتفسيرات المادية

(١) العنكبوت:٦٤.

٥٥
فقط، لوجود الجانب الغيبي في الاِنسان، ومن ثم فلابد أن نفترض وجود جانب من التفسير يرتبط بهذا الغيب.

وهذا الاَمر ليس مجرد فرضية واحتمال عقلي، وإنما يمكن أن نجد له شواهد من القرآن الكريم ـ أيضاً ـ فقد أشار القران الكريم إلى هذا الجانب الغيبي في الاِنسان وحركته التكاملية ـ كما ذكرنا ـ ومن ثم فيمكن أن نفترض في أهل البيت عليهم السلام ـ كما ورد في النصوص والروايات عن النبي صلى الله عليه وآله وعن أهل البيت عليهم السلام ـ وجود أسرار غيبية ترتبط بجعل الاِمامة بأهل البيت عليهم السلام،لها تأثير في حركة الاِنسان وتكامل هذه الحركة.

أما الشواهد القرآنية التي تتحدث عن ارتباط الحركة التكاملية للاِنسان بالغيب، فهو ما نلاحظه في مجموعة من المؤشرات:

الاَول: ما ذكرناه من أن الله تعالى خصّ الاِنسان من دون جميع الكائنات بهذا الوصف الخاص وهو أنه نفخ فيه من روحه.

إذن، فهذا الاِنسان موجود ومخلوق يختلف عن بقية الكائنات التي لم توصف بمثل هذا الوصف، وترتبط بالله تعالى هذا الربط في جانب الخلقه.

الثاني: ما يشير إليه القرآن الكريم في مجال خلق الاِنسان من أن الله تعالى عندما خلق الاِنسان، أخذ عليه عهوداً ومواثيق في عالم

٥٦
الغيب، وليس في عالم الشهود والعالم المادي، كما يبدو ذلك من القرآن الكريم، قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِىَ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَـمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَـفِلِينَ)(١) يعني أن الله تعالى انتزع من ظهور هؤلاء الناس ذريات، ثم بعد ذلك أشهدهم على حقيقة من الحقائق الرئيسية في الكون والحياة وهي (الربوبية).

وهذه الشهادة، لا ندركها الآن كأفراد نعيش الحالة المادية، فلا ندرك ونتذكر هذا الجانب من الشهادة والعهد والميثاق الذي أخذه الله سبحانه وتعالى على بني آدم في ذرياتهم، وشهدوا واعترفوا بذلك، وأنه سوف يحاسبهم الله تعالى في يوم القيامة ـ أيضاً ـ على هذه الشهادة، لئلا يقول الاِنسان في يوم القيامة إني كنت غافلاً عن ذلك، فتكون الحجة لله.

نحن الآن لاندرك ذلك بصورة مشهودة، فهو أمر غيبي في خلق الاِنسان، نعم قد ندرك بفطرتنا وبوجداننا هذه الحقيقة المعبرة عن هذا الجانب الغيبي وهذا الاِعتراف بالحقيقة الاِلهية، عندما تكون

(١) الاَعراف:١٧٢.

٥٧
الفطرة سليمة، ولكن هذا المشهد الذي يشير إليه القرآن الكريم في هذه الآية الكريمة لا نحس به في حالتنا المادية ـ وإن كنا ندرك الحقيقة في وجداننا وفطرتنا، من خلال إيماننا بالله تعالى والاِعتراف بالربوبيه له تعالى ـ وإنما هو مشهد غيبي يتحدث عنه القرآن الكريم في أصل خلق الاِنسان، ومن ثم فهناك عنصر غيبي يتحكم في هذا الجانب.

الثالث: والذي يمكن أن نستنبطه من القرآن الكريم ـ أيضا ـ هو حديث القرآن الكريم الواسع والكثير، الذي يمتد في عدد كبير من الآيات والمناسبات والآفاق حول (الاِصطفاء) و (الاِجتباء) في حركة التاريخ.

القرآن الكريم في آيات كثيرة ومنها قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَىَ ءَادَمَ وَنُوحاً وَءَالَ إِبْرَهِيمَ وَءَالَ عِمْرَنَ عَلَى الْعَـلَمِينَ*ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(١) يتحدث عن ظاهرة الاِصطفاء كظاهرة غيبية، وقضية من القضايا الاِلهية الغيبية التي لا تخضع للتفسيرات المادية سارية ـ أيضاً ـ في

(١) آل عمران:٣٣ ـ ٣٤، وهناك آيات عديدة، يمكن أن يجدها الباحث في مادة الاِصطفاء والاِجتباء وغيرها، في المعجم المفهرس.

٥٨
حركة التاريخ، اصطفى الله تعالى آدم اصطفاءاً خاصاً، واصطفى نوحاً، ثم اصطفى إبراهيم وآل إبراهيم، ثم اصطفى عمران وآل عمران، وكذلك أكد القرآن الكريم أن هذا الاِصطفاء ليس أمراً واقفاً على هذه الاَسماء وهذه الجماعات، وإنما هي قضية ذات إمتداد في الذرية، ذرية بعضها من بعض، يعني حركة تاريخية تتحرك فى التاريخ الاِنساني، يمكن أن نسميها حركة الاِصطفاء، وكذلك قد تكون حركة في الاَسرة أو في الجماعة والاَمة.

إذن، فلماذا لا يمكن أن نفترض وجود هذه الحركة وهذا العامل الغيبي في إصطفاء الله تعالى لآل محمد صلى الله عليه وآله، وهو ـ أيضاً ـ ما يشير إليه القرآن الكريم في مثل قوله تعالى: (...إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(١) ويتم تأكيد ذلك ـ أيضاً ـ في آية المباهلة وغيرها.

إذن، فيمكن أن يكون هذا سرّاً من الاَسرار الاِلهية الغيبية التي لها دلالات معروفة ـ كما سوف نشير إلى بعضها ـ ولكن لها ـ أيضاً ـ دلالات وآثار في حركة التاريخ، وتكامل الاِنسان الدنيوي لا نعرفها في فهمناالمادي المحدود لحركة التاريخ، ويكون لها ـ أيضاً ـ أبعاد في

(١) الاَحزاب:٣٣.

٥٩
مستقبل حياة الاِنسان الاَخروية.

البعد التاريخي

البعد الثاني: البعد التاريخي، وقد أشار الشهيد الصدر قدس سره ـ في ما كتبه حول خلافة الاِنسان وشهادة الاَنبياء ـ إلى هذا البعد التاريخي، إذ يذكر إننا نلاحظ في تاريخ الاَنبياء والرسالات الاِلهية أن الله تعالى اختار الاَوصياء والقادة ـ كما يعبّر الشهيد الصدر قدس سره ـ من أؤلئك الاَقربين للاَنبياء من أقاربهم أو ذرياتهم، وهذا نص كلامه: (في تاريخ العمل الرباني على الاَرض نلاحظ أن الوصاية كانت تعطى غالباً لاَشخاص يرتبطون بالرسول القائد إرتباطاً نسبياً أو لذريته(١)

وهذه الظاهرة لم تتفق في أوصياء النبي محمد صلى الله عليه وآله فحسب، وإنما هي ظاهرة تاريخية اتفقت في أوصياء عدد كبير من الرسل ويشير الشهيد الصدر قدس سره كشاهد على هذه الحقيقة إلى الآيات القرآنية، كقوله تعالى:

(١) الاِسلام يقود الحياة| خلافة الاِنسان وشهادة الاَنبياء:١٦٦، كما في لوط عليه السلام الذي كان يرتبط بإبراهيم، أو في يوشع الذي كان يرتبط بموسى، أو يرتبطون به وبذريته، كما هو الحال في إسحاق وإسماعيل ويعقوب وذرية يعقوب التي أشرنا إليها.

٦٠