×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أهل البيت (عليهم السلام) في الحياة الاِسلامية / الصفحات: ٦١ - ٨٠

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَـبَ...)(١) وكذلك قوله تعالى: في الآيات السابقة ٣٨ ـ ٧٨ من سورة الاَنعام.

إذن، فهذه ظاهرة تاريخية، ومن ثم فقد طبقت ـ أيضاً ـ على رسالة النبي صلى الله عليه وآله، بأعتبار أن الرسالة الخاتمة وإن كانت هي رسالة كاملة وبكمالها تتميز على الرسالات السابقة، ولكن هذه الرسالة الخاتمة هي في الحقيقة إمتداد لتلك الرسالات الاِلهية، والنبي صلى الله عليه وآله جاء من أجل أن يصدِّق تلك الرسالات، ثم يهيمن عليها، وقد ورد في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله ما يؤكد ذلك، وأن ما تشهده هذه الرسالة الخاتمة يتطابق تماماً مع ما شهدته الرسالات السابقة حتى جاء التعبير في مقام التطبيق الكامل قوله صلى الله عليه وآله: (لتركبن سنّة من كانت قبلكم حذو النعل بالنعل...)(٢)

(١) الحديد:٢٦.

(٢) البحار٢٨:٨، حديث١١، عن تفسير القمي، وجاء هذا الحديث في كتب الفرقين إما بلفظه أو بمضمونه، مثل مجمع البيان٥:٤٩، وكمال الدين:٥٧٦، طبعة مكتبة الصدوق، وصحيح البخاري:باب ٥٠ من كتاب الاَنبياء، وصحيح مسلم الحديث ٦ من كتاب العلم، سنن بن ماجه باب ١٧، من كتاب الفتن...الخ.

٦١
إذن، فإذا كانت هذه الظاهرة هي ظاهرة تاريخية في الرسالات الاِلهية، وهو أن تكون الوصاية في أقرباء النبي القائد، فلماذا تختلف الرسالة الاِسلامية ـ بعد فرض ضرورة الاِمامة واستمرارها ـ عن هذه الظاهرة التاريخية التي هي موجودة في كل الرسالات الاِلهية؟!

ولكن هذه الظاهرة التاريخية تحتاج إلى تفسير تاريخي، ولعل ذلك ـ والله العالم ـ لاَحد أمرين:

الجذر التاريخي ودوره

الاَمر الاَول: أن الوصي والاِمام عندما يكون له هذا الجذر التاريخي والاِرتباط النسبي بالرسالة، يكون إحساسه بالاِنتماء إليها وشعوره بالمسؤولية تجاهها، متجذراً بدرجة عالية جداً، وذلك حينما يرى في نفسه فرعاً من شجرة طيبة أصيلة، تمتد في جذورها الرسالية عبر القرون في التاريخ الرسالي والاِنساني، وتمده بالعزم والاِرادة والصبر والصمود والقدرة على تحمل المحن والآلام والشدائد والاِنتصارات والتقدم والبركة الاِلهية التي شهدتها هذه الشجرة الطيبة في تاريخها.

ويؤكد هذا التفسير عدة مؤشرات، يمكن أن نلاحظها في القرآن

٦٢
الكريم:

الاَول: تأكيد القرآن الكريم على الجذر التاريخي للرسالة الاِسلامية، مع أن الرسالة الاِسلامية هي أفضل الرسالات الاِلهية، وهي الرسالة المهيمنة عليها ـ كما ذكرنا ـ وهي الرسالة الخاتمة، ورسولها أفضل الاَنبياء على الاِطلاق، ومع ذلك كله كان القرآن الكريم يؤكد على هذا الجذر التاريخي والاِنتماء للاَنبياء السابقين، ولاسيما إبراهيم عليه السلام الذي ينسب إليه القرآن الكريم الاِسلام في مواضع عديدة، منها قوله تعالى: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَـلَمِينَ*وَوَصَّى بِهَا إِبْرَهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَـبَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاِّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ*أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ ءَابآئِكَ إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَـعِيلَ وَإِسْحَـقَ إِلهاً وَحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)(١)

بل أن إبراهيم عليه السلام هو الذي سمى الاَمة الخاتمة بهذا الاَسم منذ البداية، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: (وَجَـهِدُوا فِى اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَـكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ

(١) البقرة: ١٣١ ـ ١٣٣.

٦٣
أَبِيكُمْ إِبْرَهِيمَ هُوَ سَمَّـكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوةَ وَاعْتَصِمُواْ بِاللهِ هُوَ مَوْلَـكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)(١)

الثاني: ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَـتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَـبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(٢) فقد ذكرنا سابقاً أن وجود رسول الله كان بدعوة من إبراهيم عليه السلام، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يفتخر بأنه كان دعوة أبيه إبراهيم عليه السلام.

الثالث: ذكْر القرآن الكريم لقصص الاَنبياء وتأكيده أن أحد الاَهداف لذلك هو تثبيت النبي، وطلب الصبر والثبات منه تأسياً بالاَنبياء السابقين (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ...)(٣)

(١) الحج:٧٨.

(٢) البقرة:١٢٩.

(٣) الاَحقاف:٣٥.

٦٤
الاَمر الثاني: أن سنة الله في التاريخ تكامل الرسالات الاِلهية تدريجياً، وهي تمر عبر الرسالات المتعددة التي يكمل بعضها بعضاً، كذلك الحال في تكامل الرسل والاَنبياء والمرسلين، فانها يمكن أن تكون ـ أيضاً والله العالم ـ سنة تمر عبر التكامل في الجذر التاريخي للحركة الوراثية للنبي والاستمرار في الذرية وأهل البيت.

وهذه السنة هي سنة قائمة في كثير من مظاهر الطبيعة مخلوقاته عزَّ وجلّ، فالشجرة الطيبة القوية المثمرة هي الشجرة ضاربة الجذور في الاَرض، بخلاف الشجرة الخبيثة.

وكذلك الكلمة الطيبة التي هي كالشجرة الطيبة التي ضربها الله مثلاً لها، فأنها هي التي تكون لها أصول وجذور.

قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمآءِ*تُؤْتِىَ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الاََْمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) ، وهذا بخلاف الكلمة الخبيثة، فهي كالشجرة الخبيثة، قال تعالى: (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الاََْرْضِ مَالَهَا مِن قَرَارٍ)(١)

(١) إبراهيم: ٢٤ ـ ٢٦.

٦٥

البعد الرسالي

البعد الثالث: البعد الرسالي، وما يترتب على ذلك من تحقيق مصالح الرسالة وإعداد الاَفراد لمهماتها ومسؤولياتها، وتحمل أعبائها الثقيلة.

فقد عرفنا في جواب السؤال الاَول أن عمر الرسول ـ عادة ـ يكون أقصر من عمر الرسالة وأعبائها ومهماتها، وهذا ما شاهدناه ـ أيضاً ـ في الرسالة الاِسلامية، فقد كان عمر رسول الله صلى الله عليه وآله محدوداً بالنسبة إلى أعبائها ومهماتها، حيث توفي رسول الله بعد مضي ثلاث وعشرين سنة من البعثة الشريفة، وبالرغم من الجهود المضنية التي بذلها، والاِنجازات العظيمة التي حققها في هذه المدة القصيرة، فقد بقيت أعباء الرسالة الاِسلامية العالمية قائمة وموجودة إلى حد كبير في مجال التفهيم والتوضيح وفي مجال التطبيق والتنفيذ، حيث لم تتجاوز المساحة التي انتشر فيها الاِسلام الجزيرة العربية، من حيث الحركة والقدرة والسيطرة، وأن كان قد خاطب رسول الله بها الاَقوام المجاورين للجزيرة، أو دخل في بعض المعارك العسكرية معهم.

بل كانت بعض الجيوب والمناطق في الجزيرة العربية نفسها لا

٦٦
زالت غير مستكملة في التفاعل مع الرسالة الاِسلامية، كما يشير القرآن الكريم إلى ذلك في الحديث عمن يطلق عليهم اسم الاَعراب، من اؤلئك الناس الذين كانوا يعيشون في البوادي ولم يتعلموا الاِسلام أو يتخلقوا بأخلاقه.

أو المؤلفة قلوبهم من ضعفاء الاِيمان والاِعتقاد من العرب الجاهليينالذين استسلموا للواقع السياسي والاجتماعي للهيمنة الاِسلامية والنصر الاِلهي، فأعلنوا دخولهم في الاِسلام، وإن لم يبلغ الاِيمان قلوبهم.

أو اؤلئك المنافقين الذين أظهروا الاِسلام، ولكن أضمروا الكفر والعصيان والتمرد، ويشير القرآن الكريم إلى هذه النماذج في كثير من الموارد، ومنها في سورة التوبة والحجرات والمنافقين.

وأفضل شاهد على هذه الحقيقة السياسية والاجتماعية هو ما شاهده المسلمون من حركة الاِرتداد بعد وفاة رسول الله مباشرة في بعض مناطق الجزيرة العربية، أو مواقف بعض الاَشخاص والجماعات السلبية من أهل بيته.

وإذا كان الوضع الثقافي والسياسي في الجزيرة العربية بهذه الصورة، فكيف الحال في خارجها، ومع هذا الوضع لا يمكن أن

٦٧
نفترض بأن مهمات الرسالة قد انتهت بنهاية عمر الرسول صلى الله عليه وآله، وإكمال عملية البلاغ العام.

نعم يمكن أن نقول بأن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أنهى مهمة التبيين وإقامة الحجة ومهمة التأسيس وإقامة القواعد الاجتماعية ومهمة إيجاد الجماعة الاِنسانية التي يمكنها أن تتحمل هذه الاَعباء بصورة عامة.

وعندئذٍ، فلابد من وجود الاِمامة، لتحمل هذه الاَعباء الثقيلة الاَخرى بعده ـ كما ذكرنا سابقاً ـ ولكن تحمل هذه الاَعباء الثقيلة يحتاج إلى إعداد كامل يتناسب مع طبيعة وحجم هذه الاَعباء الضخمة التي سوف يتحملها هؤلاء (الاَئمة) بعد النبي صلى الله عليه وآله.

وهنا يمكن أن نقول بأن عملية الاِعداد هذه التي يراد إنجازها من أجل تحمل هذه الاَعباء، إنما يمكن أن تتم في داخل البيت الرسالي بصورة أفضل وأكمل من إنجازها في خارج البيت الرسالي.

وهذا ما أشار إليه الشهيد الصدر قدس سره في قوله: (فاختيار الوصي كان يتم عادة من بين الاَفراد الذين انحدروا من صاحب الرسالة ولم يروا النور إلا في كنفه وفي إطار تربيته، وليس هذا من أجل القرابة بوصفها علاقة مادية تشكل أساساً للتوارث، بل من أجل القرابة بوصفها تشكل عادة الاِطار السليم لتربية الوصي وإعداده للقيام بدوره

٦٨
الرباني.

وأما إذا لم تحقق القرابة هذا الاِطار، فلا أثر لها في حساب السماء قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّـلِمِينَ)(١)

فالذرية عادة تكون قابلة ومهيئة للاِعداد الرسالي بصورة أفضل في حركة التاريخ الاِنساني(٢)

(١) البقرة:١٢٤، الاِسلام يقود الحياة| خلافة الاِنسان وشهادة الاَنبياء:١٦٧.

(٢) صحيح أنه قد نشاهد ـ أحياناً ـ في داخل البيت الرسالي أشخاصاً يشذّون عن المسيرة وعن الاِرتباط بالرسالة، كما يذكر القرآن الكريم بعض النمادج.

ومن هذه النماذج ابن نوح عليه السلام، عندما يذكره القرآن الكريم كنموذج لخروج ولد لرسولٍ عن أهداف الرسالة ومسيرتها.

ونموذج آخر يذكره القرآن الكريم، له بعد آخر من الخروج وهو أب إبراهيم ـ كما يعبّر عنه القرآن الكريم ـ الذي قد يكون هدف القرآن الكريم من التأكيد عليه هو تفسير موقف (أبي لهب) من النبي صلى الله عليه وآله وسلم باعتباره قريباً لرسول الله وعمه، ومع ذلك خرج على هذه الرسالة، وهو الشخص الوحيد الذي ذكره القرآن الكريم بالاسم من المشركين، أو أراد به بعض أقرباء الرسول الذين كانوا بمستوى الاَعمام في الحالة النسبية والاِرتباط برسول الله صلى الله عليه وآله.

ونموذج ثالث يذكره القرآن الكريم هو زوج نوح ولوط، كمثل لما يمكن أن تقفه الزوجة من صاحب الرسالة، فانها وإن لم تكن من ذريته وبيته، ولكنها عادة ما تكون تحت تأثير عمله.

٦٩

الاِعداد والواقع التاريخي

وهذه الفكرة إذا أردنا أن ننظر إليها من خلال الواقع التاريخي الذي عاشته الرسالة الاِسلامية، نراها ـ أيضاً ـ فكرة متطابقة تماماً مع هذا الواقع التاريخي، حيث نرى أن الوصي الذي كان هو الاِمام علي عليه السلام قد احتضنه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو طفل صغير، حيث تذكر بعض النصوص أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قد تكفله بالتربية قبل البعثة، من خلال التخفيف من مسؤوليات الاِنفاق ـ أو المسؤوليات الاقتصادية إذا صح التعبير ـ عن أبي طالب.

وبدأ الرسول صلى الله عليه وآله في هذه المرحلة بتربية علي عليه السلام، وبذلك ـ أيضاً ـ يجمع المسلمون ـ تقريباً ـ أن علياً عليه السلام كان أول من أسلم، وأنه لم يعرف في حياته عبادة الاَصنام أو عبادة غير الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر يجمع عليه المسلمون، ولذلك عندما يذكر اسمه جمهور المسلمين، يخصونه بدعاء (كرّم الله وجهه)، وهم بذلك يشيرون إلى هذه الخصوصية لعلي عليه السلام، وهذه الخصوصية إنما كانت ـ أيضاً ـ

٧٠
بحسب النظر إلى الظروف التاريخية ومن هذه الزاوية، بسبب إعداد رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام.

طبعاً، العنصر الغيبي، في الاِصطفاء والاِعداد ـ كما ذكرنا ـ قائم في نفسه مع العناصر الاَخرى، ولكن من هذه الزاوية وهذا الجانب نرى ـ أيضاً ـ هذه الحقيقة قائمة.

مضافاً إلى ذلك، ما تشير إليه النصوص التاريخية وتؤكده روايات بعض الاَشخاص ـ حتى ممن لم يكن يميل إلى علي عليه السلام من الناحية الروحية والنفسية ـ من إعداد رسول الله صلى الله عليه وآله لعليّ عليه السلام علمياً ومعنوياً، فيما كان يسارّه في ليله ونهاره، لاَن عليّاً عليه السلام كان قريباً من رسول الله صلى الله عليه وآله، بحيث كان يأخذ منه العلم والاَخلاق في كل مناسبة، بل في كل وقت.

والكلمة معروفة عن النبي صلى الله عليه وآله، وعن عليّ عليه السلام بهذا الشأن، أما عن النبي، فهي عندما قال: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)(١) وأما

(١) البحار٢٨:١٩٩، حديث ٦،وجاء في مستدرك الصحيحين٣:١٢٦، عن ابن عباس ما لفظه، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاِسناد، وكذلك جاء في كنز العمال١١:٦٠٠، حديث ٣٢٨٩٠، و٦١٤، حديث ٣٢٩٧٨، و٣٢٩٧٩، و١٣:١٤٧، حديث ٣٦٤٦٣.

٧١
عن عليّ عليه السلام، فهي عندما قال: (علمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف باب من العلم يفتح لي من كل باب ألف باب)(١)

هذه الحقيقة إذا أردنا أن ننظر إليها من الناحية التاريخية والمادية، نراها كانت قائمة من خلال هذا الاِقتراب في دائرة عليّ عليه السلام من النبي صلى الله عليه وآله، حيث تربى في حضن رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ابن عمه، تزوج من ابنته، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يدخل إلى بيت عليّ كما يدخل إلى بيته، وعليّ يدخل على رسول الله كما يدخل إلى بيته.

هذه العلاقة كانت موجودة بدرجة عالية، الاَمر الذي أثار ـ أحياناً ـ غيرة بعض نساء النبي صلى الله عليه وآله أو حساسية، أو أي تعبير آخر يمكن أن نقوله أو نعبر عنه في هذا المقام بصورة مناسبة(٢)

(١) البحار٢٦:٢٩ ـ ٣٠، حديث ٣٦ و ٣٧، و٣٣ عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، في تفسير الفخر الرازي الكبير، في ذيل تفسير قوله تعالى: (ان الله اصطفى آدم ونوحاً...) ، (آل عمران:٣٣)، قال: علي (عليه السلام): علمني رسول الله(صلى الله عليه وآله) ألف باب من العلم واستنبطت من كل باب ألف باب، قال: فاذا كان حال المولى هكذا فكيف حال النبي(صلى الله عليه وآله)، وكذلك جاء الحديث في كنز العمال١٣:١١٤، حديث ٣٦٣٧٢.

(٢) لهذه البيوت الطاهرة خصوصيات، قد يعجز الاِنسان عن اختيار الاَلفاظ المناسبة المؤدبة تجاهها، عندما يريد أن يتحدث عن بعض علاقاتها، ولكن على أي حال التاريخ يشهد في كثير من النصوص، بأن هذا الاِقتراب من عليّ عليه السلام، وعناية رسول الله صلى الله عليه وآله لعليّ عليه السلام في هذا الجانب ـ جانب الاِعداد والتعليم والتأهيل لتحمل هذه المسؤولية ـ كان يثير في كثير من الاَحيان الحسد أو الغيرة أو غير ذلك من الاِنفعالات حتى في دائرة الاَشخاص القريبة لرسول الله صلى الله عليه وآله.

٧٢
إذن، فمن الناحية الواقعية والخارجية ـ أيضاً ـ نشاهد بأن التاريخ يؤكد على هذه العملية وهذه الفكرة والنظرية، وكان لها واقع خارجي في الرسالة الاِسلامية من خلال إعداد عليّ عليه السلام، وقد تحدث عليّ عليه السلام شخصياً فيما روي عنه ذلك، كما تحدث أئمة أهل البيت ـ أيضاً ـ عن ذلك، وهو ما سوف نشير إليه ـ إن شاء الله ـ في بعض الاَبحاث الآتية.

٧٣
الصفحة: ٧٤ فارغة
أهل البيت (عليهم السلام) في الحياة الاِسلامية للسيد محمد باقر الحكيم ص (٧٤) - ص (١٠٠) فأننا عندما ننظر إلى تاريخ ما بعد الغيبة الصغرى، بل حتى في تاريخ زمن أئمة أهل البيت عليهم السلام نلاحظ أن هناك ظاهرة كانت موجودة وقائمة في جماعة أهل البيت، وهي ظاهرة وجود الاَسر العلمية، مثلاً أسرة زرارة بن أعين، هذه الاَسرة كانت تعّرف كأسرة بحيث كان جميع رجالها ثقات، أو أسرة بني فضّال هذه الاَسرة كانت ـ أيضاً ـ تعّرف كأسرة، أو أسرة الاَشعريين الذين أقاموا اُسس العلم في مدينة قم المقدسة، أمثال سعد الاَشعري وأسرته، وهكذا نلاحظ أسرة بني بابويه الذين كان لهم دور عظيم جداً كأسرة، حيث عندما نرجع إلى التاريخ نجد أن هؤلاء يمثلون عدداً كبيراً جداً من العلماء والفضلاء الذين كانوا يتحملون هذه المسؤوليات، وهكذا يتسلسل هذا الاَمر، ولا أريد الآن أن أطيل الحديث في ذكر الشواهد، ولكن عندما يرجع الاِنسان إلى التاريخ، يجد أن هذا الاَمر كان من الاَمور الواضحة جداً في جماعة أهل البيت عليهم السلام وفي علماء أهل البيت، بحيث كانت هناك أسر علمية تتوارث هذا العلم جيلاً بعد جيل حتى أوصلت هذا العلم إلى هذا العصر، وهذا التوارث إنما كان باعتبار هذه الخصوصية، وهي إن عملية الاِعداد والتربية التأهيل في إطار البيت الواحد تكون أسهل
٧٥
مما تكون هذه القضية في خارج البيت الواحد(١)

البعد الاجتماعي

البعد الرابع: البعد الاجتماعي، وهو ما يترتب على الاِختصاص بأهل البيت من مصالح اجتماعية في التأثير على حركة الاَمة وهدايتها وارتباطها بالرسالة الاِسلامية وصاحبها، حيث أن هذه الاِمامة التي تريد أن تقوم بهذه المسؤوليات الكبيرة أو الضخمة في المجتمع الاِنساني تحتاج إلى مؤهلات اجتماعية، كما تحتاج إلى المؤهلات الروحية والفكرية.

كما أن الناس في حركتهم الاجتماعية والروحية والنفسية يتأثرون بمثل هذا العامل الاِنساني، وينظرون إلى الشرف والاِصالة في

(١) في العصور المتأخرة كانت هناك أسر علمية أخرى من قبيل أسرة آل بحر العلوم، وإسرة آل كاشف الغطاء، أسرة آل شيخ راضي، وآل الجواهري، وآل الصدر، وآل شبر، وهكذا أسرة الشيخ الاَنصاري ـ من بناته ـ وقبلهم الشيخ المجلسي، والوحيد البهبهاني، وغيرهم الكثير.

ولا ينبغي أن يذهب الظن إلى أن هذا الاعداد لايمكن أن يتم إلاَّ من خلال ذلك، بل قد نجد في التاريخ أشخاص متميزين في التقوى والعلم والشجاعة لم يعرفوا بأنهم من أبناء هذه الاَسر، ولكن المقصود أن الاَسرة تمثل عاملاً طبيعياً للاعداد.

٧٦
الاِنتماء وتكامل الاَسرة والعائلة والعشيرة والقبيلة نظرة معنوية وإنسانية واجتماعية خاصة.

أما بالنسبة إلى حاجة الاِمامة إلى المؤهلات الاجتماعية، فهو من الاَمور التي يشار إليها في أبحاث علم الكلام.

من قبيل أن لا يكون في النبي أو الاِمام نقص في الاَعضاء مخلاً بوضعه الاجتماعي، أو أن لا يكون النبي أو الاِمام وضيعاً في المجتمع الاِنساني أو من عائلة وضيعة وغير شريفة، أو ممتهنا لحرفة ومهنة وضيعة، إلى غير ذلك من القضايا التي يشار إليها في علم الكلام عند الحديث عن مواصفات الاَنبياء والاَئمة الذين يتحملون هذه المسؤولية.

وأما بالنسبة إلى تفاعل الناس وتأثرهم بهذا العامل الاجتماعي، فهو أمر مشهود في تاريخ الاَمم والمجتمعات الاِنسانية السابقة واللاحقة يتفاضلون فيه، ويفتخرون ويتأثرون به، لاَنه عامل إنساني واقعي في الحركة التاريخية وله تأثير إيجابي في حركة الاَمم وبناء المجتمع، وإن لم يكن من العوامل المؤثرة في تكامل الاِنسان كفرد عند الله تعالى، أو مما يدخل في حسابه يوم القيامة، كما تشير إلى ذلك النصوص الدينية، ومنها قوله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ

٧٧
فَلاََ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ)(١) ولكنه على أي حال من العوامل المؤثرة في حركة التاريخ الاِنساني والعلاقات الاِنسانية(٢) .

خلفيات البعد الاجتماعي

ولعل مرجع هذا العامل إلى عدة قضايا، نفسية، واجتماعية، وفطرية.

اما القضية النفسية، فهي تأثر الاِنسان روحياً بمعالم العز والشرف والكرامة والمنجزات العلمية والاجتماعية.

وأما القضية الاجتماعية، فهي ـ ما أشرنا إليه في البعد الثالث ـ من أن التأهيل والاِعداد في بيوت الشرف والكرامة والعز والطهارة، يكون بصورة طبيعية لتحمل المسؤوليات، وإنها تنبت الشرف والكرامة والعز والطهارة بموجب السنة والقاعدة القرآنية (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ

(١) المؤمنون:١٠١.

(٢) تذكر بعض النصوص استثناءاً في التأثير لنسب رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم القيامة، وهو أمر يحتاج إلى بحث علمي واجتماعي لهذه النصوص، لا مجال له في حديثنا في الوقت الحاضر.

٧٨
يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِى خَبُثَ لاَيَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا...)(١) وهو أمر يدركه الناس من خلال رؤيتهم للتاريخ وحركة النظام العام للمجتمع الاِنساني، وإن كان قد يشذ بعضهم عن هذه القاعدة.

ولذا ورد التأكيد في الاِسلام، في عدة موارد على هذا الاِتجاه في الزواج وفي المشورة، وفي المصاحبة والصداقة والمعاشرة.

وأما الجانب الفطري، فهو يرتبط بنظرة الاِنسان الفطرية التي أكدتها الشريعة الاِسلامية، وهي أن تكامل المجتمع الاِنساني بصورة عامة يقوم على تكامل الاَسرة والعائلة والقبيلة.

وهذا بحث اجتماعي مهم له مجال آخر، ولكن بنظرة إجمالية يمكن أن نقول: أن الاِسلام يرى أهمية تكامل الاَسرة وارتباطها وامتدادها التاريخي في القبيلة والعشيرة، وإن ذلك هو الطريق الاَفضل لتكامل المجتمع الاِنساني بصورة عامة، إذا أردنا تنظيم هذا المجتمع بصورة صحيحة ومحكمة وقوية.

وإن هذا التنظيم القوي، يعتمد على عنصرين رئيسيين:

العنصر الاَول: هو إحكام علاقات الاَسرة التي يفترض أن يتم إحكامها، كما حث الاِسلام على ذلك من خلال الزواج والعلاقات

(١) الاَعراف:٥٨.

٧٩
الزوجية القائمة على أساس الحقوق المتبادلة، وتهيئة ظروف الاِستقرار والسكن والمودة والرحمة، وكذلك من خلال الاِرتباط بين العشائر والقبائل والاَسر المختلفة، ولذلك كان من الاِتجاهات في تكوين الاَسرة أن يتزوج الاِنسان من خارج دائرة الاَقربين، لاِيجاد حالة التكامل الاجتماعي العام بين المفردات الرئيسية في المجتمع، وهي القبائل والاَسر، وقد يكون في ذلك ـ أيضاً ـ تكامل جسمي (فسيولوجي)، كما يذكره الاَطباء، ولكن فيه ـ أيضاً ـ تكامل اجتماعي من الناحية الاجتماعية، لاَن إيجاد الروابط بين القبائل والاَسر يكسر الحواجز النفسية والاجتماعية الموجودة بين هذه القبائل والعشائر والاَسر التي قد تكون معيقة لتكامل المجتمع وحركته عندما تصبح كبيرة وعالية، وتمنع من وحدة المجتمع وتخلق العصبية العشائرية أو الاجتماعية، وبذلك تصبح الاَسرة والعشيرة أحد الاَعمدة الاَساسية والرئيسية في البناء القوي للمجتمع في نظرية الاِسلام.

العنصر الثاني: هو قضية بناء العشيرة والقبيلة نفسها، حيث يمكن أن يقال بأن هناك إتجاه في الاِسلام إلى تثبيت دعائم العلاقات الاَسرية والقبلية والعشائرية، لا إلى تفكيكها وإضعافها، وذلك من خلال ما ورد في التأكيد على صلة الاَرحام، بدرجة تصل ـ أحياناً ـ إلى

٨٠