×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أهل البيت (عليهم السلام) في الحياة الاِسلامية / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

مرحلة الاِلزام في الوجوب والحرمة، حسب اختلاف هذه الصلة ودرجتها، فان قطيعة الرحم حرام، ووجود أصل الصلة واجب من الواجبات الشرعية.

وكذلك ـ من خلال ما يشير إليه القرآن الكريم ـ في قضية التوارث، حيث أن التوارث في المال وضع في إطار علاقات الاَرحام، لقوله تعالى: (...وأُولُواْ الاََْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَـبِ اللهِ...)(١) وحتى وصل بها الاِسلام إلى العلاقات البعيدة نسبياً، من قبيل علاقة الولاء، وهي عندما يدخل الاِنسان في ولاء أسرة من الاَسر وتتقطع سلسلة الاَقرباء من المواريث، فيتحول الميراث إلى الاَولياء، أي إلى اؤلئك الذين يكونوا قد دخلوا في العشيرة عن طريق علاقة الولاء، إذن، هذا يعّبر عن إتجاه لتحكيم هذه الاَواصر وربط بعضها ببعض.

وكذلك نلاحظ أن من التشريعات الموجودة في النظرية الاِسلامية التي تؤكد هذا الاِتجاه، قضية وقف الذرية، فأن الوقف على أقسام ـ كما يعرف الاَخوة الاَعزاء والاَفاضل الدارسين للفقه ـ وأحد أقسام الوقف هو الوقف الذي يوضع لخصوص الذرية، أي يتسلسل في

(١) الاَنفال:٧٥.

٨١
الورثة، ويتحول في طبقات الورثة، حسب شرط الواقف، أو يشركهم فيه، بكل طبقاتهم ومراتبهم، فان هذا الحكم يؤشر على أن الاِسلام يتجه إلى تحكيم أواصر العشيرة والاَسرة الواحدة.

الاِسلام والعلاقات العشائرية

وكذلك المفاهيم الواسعة التي طرحها القرآن الكريم في تفسير المفردات الاجتماعية وطبيعة علاقاتها، من تقسيم الاِنسان إلى شعوب وقبائل قال تعالى: (يَـَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَـكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَـكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(١) فأن الناس وإن كانوا قد خلقوا من ذكر وأنثى، ولكنهم قد قسموا إلى شعوب وقبائل، لتقوم علاقات التعارف والتعاون بينهم، فهو تقسيم معترف به إسلامياً.

وهكذا عندما يتحدث القرآن الكريم عن موضوع (الولاء)، حيث يشير ـ أيضاً ـ إلى أن قضية الولاء في داخل العشيرة أمر طبيعي مثل ولاء الاَباء والاَبناء والاِخوان، فهو ولاء مقبول، ولكنه يجب أن يكون في إطار ولاء الله تعالى، ولا يصح أن يخرج عن حالة الولاء لله تعالى،

(١) الحجرات:١٣.

٨٢
أو أن يكون في مقابل الولاء لله تعالى، وأعطى القرآن الكريم عناوين عديدة لذلك في التأكيد على هذا النوع من الولاء في آيات عديدة (...وأُولُواْ الاََْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَـبِ اللهِ...)(١) ، وكذلك التأكيد عليه في مجال الاِنفاق على ذوي القربى ـ كالتأكيد على الاِنفاق على المساكين والمحتاجين ـ كمورد من موارد الاِنفاق.

وفي الجملة نلاحظ في الكثير من معالم الشريعة الاِسلامية وجود هذا الاِتجاه في تحكيم أواصر العشيرة والاَسرة والقبيلة، لا على تفكيكهاوإضعافها.

وهذا التحكيم ـ كما ذكرت ـ إنما يكون صحيحاً في إطار الشيء الاَعظم والاَهم من العلاقة، وهو حب الله سبحانه وتعالى، والولاء لله تعالى والاِرتباط به ولا يكون خارجاً على ذلك، وفي داخل هذا الاِطار العام، كما أكد عليه قوله تعالى: (قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَنُكُمْ وَأَزْوَجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى

(١) الاَنفال:٧٥.

٨٣
يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَيَهْدِى الْقَوْمَ الْفَـسِقِينَ)(١)

وبهذا نرى أن الاِسلام عندما أراد بناء المجتمع، وضع أحد الاَسس التي تحكم هذا البناء الاجتماعي وتجعله أكثر ترابطاً هو إحكام هذه العلاقات الاَسرية بين هؤلاء الناس، وحاول في الوقت نفسه أن يعالج خطر تحول العشيرة إلى صنم يعبد من دون الله بإسلوبين:

أحدهما: تأكيد أن يكون هذا الولاء ضمن إطار الولاء لله تعالى.

والآخر: هو كسر الحواجز الاجتماعية والنفسية التي قد تنمو بين الشعوب والقبائل من خلال الحث على التعارف بينها والزواج والاِتصال والمساواة في القيمة الاِنسانية.

وهذا الاَمر في الواقع يمكن أن يذكر كأحد العناصر المهمة في تفسير هذه الظاهرة الاجتماعية، ولذلك نرى المجتمع ينظر إلى ابن الاَسرة وإلى ابن البيت الذي يكون قريباً من صاحب البيت ينظر له ويتفاعل معه، نظرة تختلف عن نظرته إلى الاَجنبي عن ذلك البيت، وهذه الحقيقة من الحقائق القائمة اجتماعياً.

ولذلك نحن ننظر إلى الزهراء عليها السلام في قربها لرسول الله صلى الله عليه وآله من خلال

(١) التوبة:٢٤.

٨٤
أمور كثيرة، ولكن أحد هذه الاَمور التي ننظر فيها الى الزهراء عليها السلام هي هذا القرب من رسول الله صلى الله عليه وآله(١)

إذن، فهذا الاِنتماء يعطي الوصي والخليفة والاِمام موقعاً (اجتماعياً) متميزاً في الحركة الاجتماعية، ولعل ذلك أحد العوامل والاَسباب في هذا الاِمتداد.

(١) ذكرت في محاضرة سابقة، أن الزهراء عندما أرادت أن تستثير المسلمين تجاه مظلوميتها، تحدثت في البداية عن حقوقها المغتصبة، في الخطبة المعروفة التي يتحدث عنها خطباء المنبر، ولكن في حركة أخرى دخلت الزهراء عليها السلام إلى المسلمين من هذا المدخل، أي مدخل أنها ابنة رسول الله، ويجب ان تحمى باعتبار هذه القرابة وهذه الصلة برسول الله، وعندما تحدثت مع الاَنصار الذين كانوا قد دخلوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في ميثاق وعهد بأن يحموا رسول الله وأهله، وقد تخلفوا عن هذه الحماية بعد وفاته، تحدثت معهم من هذا المدخل وخاطبتهم بصورة خاصة (ايها بني قبله)، وهذا المنطلق يعبّر عن حقيقة كانت قائمة في الحالة الاجتماعية حينذاك.

٨٥
٨٧
وهنا قد يثار سؤال ثالث يرتبط بهذا الموضوع، وهو أنه إذا كان استمرار الاِمامة في أهل البيت عليهم السلام ضرورياً، فماذا عن تعين عدد الاَئمة الهداة في الاِثني عشر إماماً فقط، دون أن يكون باب الاِمامة مفتوحاً في أهل البيت بصورة عامة، كما يذهب إلى ذلك بعض فرق الشيعة، كالاِسماعيلية والزيدية، فما هو تفسير هذه الظاهرة التي يتبناها خصوص الاِمامية الاِثنى عشرية، حيث أنهم يتبنون ضرورة استمرار النبوة في الاِمامة، كما يتبنون استمرار ضرورة أن تكون هذه الاِمامة في خصوص أهل البيت، ويتبنون في الوقت نفسه أن تكون الاِمامة في أثني عشر دون التوسع في أعداد الاَئمة؟

وعندما أتحدث عن الاِمامة ـ طبعاً ـ أتحدث عن الاِمامة المعصومة التي تكون في هذا العدد الخاص، فما هو تفسير هذه الظاهرة؟

وفي هذا الموضوع يوجد جانبان من البحث:

٨٨

أدلة العدد المحدود

الجانب الاَول: جانب يرتبط بعلم الكلام، وهوجانب مهم جداً، يذكر في هذا المجال مجموعة من الاَدلة والقرائن التي تؤكد هذه الحقيقة، وسوف نتناول ـ إن شاء الله في القسم الثاني من البحث ـ هذه الاَدلة والقرائن، ولكن أشير إلى بعض عناوينها:

أولاً: هناك نصوص عديدة يجمع عليها المسلمون وردت عن النبي صلى الله عليه وآله، تؤكد أن الخلفاء بعد رسول الله هم هذا العدد، أي أثنى عشر خليفة(١) ، وهذه النصوص يمكن أن يستدل بها على ثبوت هذه الحقيقة.

ثانيا: أن هناك نصوص أخرى ـ أيضاً ـ وردت عن أهل البيت عليهم السلام تؤكد هذه الحقيقة(٢) (وأهل البيت أدرى بما فيه)، أي أن علياً عليه السلام لا يشك أحد من المسلمين في صدقه ومعرفته، وهكذا بالنسبة إلى فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، لا يشك أحد من المسلمين في صدقهم وعلمهم ومعرفتهم، فعندما ترد النصوص عن أئمة أهل

(١) راجع بحار الاَنوار٣٦:٢٢٦ ـ ٣٧٣، باب نصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الاَئمة عليهم السلام، وصحيح البخاري٥:٩٠ و٩٢، صحيح الترمذي٢:٣٥، وغيرها من الصحاح.

(٢) البحار٣٦:٣٧٣ ـ ٤١٤.

٨٩
البيت عليهم السلام تجدهم موضع الاِحترام والتصديق المطلق من قبل المسلمين، وهي تؤكد ـ أيضاً ـ هذه الحقيقة، وهذا يمكن ـ أيضاً ـ أن يشكل قرينة ودليلاً وبرهاناً على صحتها.

ثالثاً: يؤكد ذلك ـ أيضاً ـ شخصية أئمة أهل البيت عليهم السلام التي تتميز هذه الشخصية بمواصفات لا نعرف لها نظيراً في التاريخ الاِسلامي، في خصائصها ومواصفاتها، والحديث في هذا الموضوع ـ كما قلت ـ له مجاله الخاص، وسوف نشير إلى هذه الخصائص والمواصفات، بحيث يتبّين بصورة واضحة أن هؤلاء الاَئمة الاثني عشر يتصفون بمواصفات وخصائص لا يشبههم فيها أحد من الناس.

رابعاً: أن دراسة الجماعة الصالحة ـ التي ألتزمت بهذه العقيدة وآمنت بها ـ في خصائصها ومواصفاتها وطبيعة حركتها ونموها وتطورها المستمر في خطها البياني يؤكد ـ أيضاً ـ هذه الحقيقة، وهذا بحث يحتاج إلى شرح وتوضيح، يأتي في محله ـ كماقلنا ـ إن شاء الله.

وهذه الاَمور الاَربعة نؤجل البحث فيها إلى وقت آخر.

٩٠

تفسير العدد المحدود

ولكن يبقى عندنا الجانب الآخر، وهو ما نريد أن نبحثه في عرض النظرية وهو تفسير هذه الظاهرة مع قطع النظر عن هذه الاَدلة، ما هو تفسير أن يكون العدد محدوداً بهذه الصورة، مع أن الرسالة الاِسلامية رسالة خاتمة، والاَمة الاِسلامية أمة باقية حتى تقوم الساعة؟ ولماذا توضع الاِمامة محصورة بعدد معيّن من الناس، ويكون هذا العدد هو أثني عشر؟

هذه القضية تحتاج إلى تفسير كبقية الظواهر الكونية والاجتماعية، بما ينسجم مع نظام الحكمة الاِلهية، ومع قطع النظر عن الاَدلة السابقة المشار إليها التي نستدل بها في علم الكلام، من أجل تصديق هذه الظاهرة، وبيان نسبتها إلى الاِسلام وإلى الرسالة الاِسلامية.

في تفسير هذه الظاهرة يمكن أن نشير إلى أمرين رئيسيين:

التفسير الغيبي للظاهرة

الاَمر الاَول: هو الاَمر الغيبي، فقد ذكرنا في حديثنا عن النظرية وهنا ـ أيضاً ـ نذكر ذلك، وسوف نبقى نؤكد هذا الموضوع أن الرسالة الاِسلامية وكل الرسالات الاِلهية هي ظواهر غيبية، مرتبطة بعالم
٩١
الغيب، وحياة الاِنسان الذي أرسلت إليه هذه الرسالات ـ أيضاً ـ فيها جانب غيبي، لاَن الله تعالى وإن كان قد خلق الاِنسان من طين لازب، ومن ثم ففيه هذا العنصر المادي، فهو لحم وعظم ودم، وغير ذلك مما يتمثل فيه الجانب المادي في الاِنسان، ولكن الله تعالى قد خص الاِنسان بخصوصية دون غيره من المخلوقات المنظورة، وهو أنه نفخ فيه من روحه، وهذه الخصوصية لا نراها في أي موجود آخر يتحدث عنه القرآن الكريم، وقد تكون موجوده في مخلوقات عالم الغيب التي لا نعرفها، وهي خارج النظام الكوني المشهود.

كما أن حياة الاِنسان ليست مختصة بهذه الحياة المادية وهي الحياة الدنيا، وإنما الحياة الحقيقة لهذا الاِنسان الدائمة الاَبدية المستمرة هي الحياة الآخرة وهي حياة غيبية.

ثم أن هذه الحياة الدنيوية فيها جانب غيبي في مستقبل زمانها وتاريخها، وهو ما تشير إليه بعض الآيات والروايات العديدة عن أهل البيت، من (الرجعة) التي قد تمثل دورة ومرحلة جديدة للحياة الاِنسانية، تعبر عن الكمال فيها(١)

(١) الرجعة فكرة ورد تأكيدها في روايات أهل البيت عليهم السلام إلى حد التواتر أو التظافر، وأشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: (قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ) غافر:١١، ويوجد فيها تفاصيل لا تبلغ حد القطع واليقين، ولا مجال لبحثها في هذا العرض، ولعلنا نوفق لذلك في كتاب آخر لهذه الموسوعة، نتناول فيه عدد من القضايا والاَفكار.

٩٢
إذن، فالرسالة رسالة غيبية، والاِنسان نفسه فيه جانب غيبي، وحياة الاِنسان ـ أيضاً ـ فيها جانب أعظم وأهم وهو الجانب الغيبي، فعنصر الغيب لابد أن ننظر إليه دائماً عندما نريد أن نفسر الظواهر ذات العلاقة بالاِنسان وحركته، ولا يمكن أن نفسر الظواهر ذات العلاقة بحركة الاِنسان بالتفسيرات المادية المحضة، أو المدركة والمشهودة وحدها، وإنما يمكن أن يكون وراء الكثير من الظواهر القائمة في حياة الاِنسان أسباب وعناصر غيبية، لا يمكن للاِنسان أن يعرف كل أبعادها وكل خصوصياتها.

وفي هذه الظاهرة يمكن أن نفترض وجود العنصر الغيبي ـ أيضاً ـ لاَن الله سبحانه وتعالى يصطفي من عباده من يشاء وله في أولياءه أحكام خاصة، ذات علاقة بهؤلاء الاَنبياء، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في عدة آيات.

كما أن هذا الاَمر ليس أمراً غريباً في تاريخ الرسالات الاِلهية، فمثلاً

٩٣
نلاحظ أن الاَنبياء اُولي العزم كانوا خمسة، وقد يطرح هذا السؤال: لماذا لم يكونوا ستة أو سبعة أو عشرة، أي لماذا كان إختصاص النبوة بهذه الدرجة العالية خاصة بهذا العدد من الاَنبياء المعيّن، فنحن نعرف من خلال حركة النبوات أن الاَنبياء اُولي العزم الذين أشار إليهم القرأن الكريم هم خمسة (نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونبينا محمد صلى الله عليه وآله)، قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّين مِيثَـقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَـقًا غَلِيظًا)(١) ونرى أن هذه ظاهرة في النبوات أشار إليها القرآن الكريم، قد لا نعرف لها تفسيراً محدداً إلا التفسير الغيبي في رؤية حركة التاريخ الرسالي.

وهكذا نلاحظ ذلك في الكثير من الظواهر التي نراها في الاِسلام من قبيل اختصاص العبادات بهذه العبادات الخاصة، ولم تكن هناك عبادات أخرى، واختصاص الصلوات اليومية الواجبة بالصلوات الخمسة، واختصاص هذه الصلوات الخمسة بالركعات السبعة عشر، إلى غير ذلك مما نراه من اختصاصات في الاَعداد، الذي يمكن أن يكون له تأثير في حياة الاِنسان الدنيوية والاَخروية، ولكنه تأثير في

(١) الاَحزاب:٧.

٩٤
الغيب غير المنظور والمعروف لنا بصورة كاملة، كما أن ظاهرة وجود الاَعداد المعّينة الخاصة في الاِصطفاء ليست ظاهرة مختصة بهذه القضية وفي هذه الاَمة حتى يقال أن هذه ظاهرة غريبة، وإنما توجد ظواهر أخرى مماثلة لها في الاَمم السابقة.

ومن هذه الظواهر التي تقرب هذا المعنى، ظاهرة النقباء الاِثني عشر في بني إسرائيل، والذين يشير إليهم القرآن الكريم في عدة مواضع، منها قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَـقَ بَنِىَ إِسْرََءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللهُ إِنِّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوةَ وَءَاتَيْتُمْ الزَّكَوةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لاََُّكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـََاتِكُمْ وَلاََُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاََْنْهَـرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ)(١)

وقضية النقباء الاِثني عشر ـ أيضاً ـ هذه قد تكون المثال لما يجري في الاَمة الاِسلامية الخاتمة، حيث أشرت في حديث سابق ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله من تطابق الاَحداث في الاَمة الاِسلامية بما يجري في الاَمم السابقة حذو النعل بالنعل، كما جاء في تعبير بعض

(١) المائدة:١٢.

٩٥
النصوص أو القذة بالقذة كما جاء في بعض آخر منها، وهي نصوص متواترة يرويها جميع المسلمين بهذا المضمون.

وقد تكون ظاهرة الاِثني عشر إمام متطابقة مع تلك الظاهرة التي شهدتها أمة بني إسرائيل التي هي ـ أيضاً ـ من الاَمم المصطفاة والمنتخبة والتي فضّلها الله سبحانه وتعالى في بعض أدوار التاريخ، وجعل منهم أنبياءً وملوكاً، وخصهم ـ أيضاً ـ بهذه الظاهرة الاَثني عشرية ـ إذا صح التعبير ـ في خصوصية بني إسرائيل، وهي نكتة أخرى يمكن أن تؤكد الجانب الغيبي، أو تضيف إليه بعداً آخر.

وكذلك يؤكد هذه الظاهرة في بعدها الغيبي، ما ورد في شأن انتخاب رسول الله صلى الله عليه وآله للنقباء الاِثني عشر من الاَنصار في بيعة العقبة، من قوله صلى الله عليه وآله ـ على ما رواه ابن إسحاق وابن سعد ـ: (اخرجوا إليّ إثني عشر منكم، يكونوا كُفلاء على قومهم كما كفلت الحواريون بعيسى بن مريم ولا يجدن أحدكم في نفسه أن يؤخذ غيره فانما يختار لي جبريل)(١)

وبذلك يشير هذا الحديث إلى خصوصيتين:

إحداها: ذات علاقة بالعدد المذكور من تاريخ الاَنبياء، وهو عدد

(١) كنز العمال:١٠٣، برقم:٤٦٥.

٩٦
الحواريين الاِثني عشر، الذي يؤكد ـ أيضاً ـ هذه الظاهرة، وقد ورد تأكيد هذا العدد فيهم في روايات أخرى.

ثانيها: أن هذا الاختيارهو اختيار غيبي، يرتبط بقرار إلهي يبلغه جبرائيل عليه السلام.

إذن، فهذا الجانب الغيبي يمكن أن يكون تفسيراً لهذه الظاهرة.

التفسير التاريخي للظاهرة

الاَمر الثاني: الذي يمكن أن نذكره بهذا الصدد في تفسير هذه الظاهرة، هو أمر له بعد مادي، بُعد في فهم حركة التاريخ، وتفسير هذه الحركة، وذلك بأن نفترض بأن المدة (الاعتيادية) لهؤلاء الاَئمة الاَثني عشر الذين تحدث عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله (الاَئمة الاَطهار من أهل البيت عليهم السلام) هي بين (٣٥٠ ـ ٤٠٠) سنة، إذا كانت أعمارهم أعمار اعتيادية بالنسبة إلى الظروف التي كان يعيشها الناس في الآباء والاَبناء.

وإذا كان الاَمر كذلك، فيمكن أن نقول أن هذه المدة تمثل الدورة الزمنية التي يمكن أن يتم فيها إعداد الاَمة الخاتمة إعداداً كاملاً في جميع أبعادها، بحيث تصبح أمة مؤهلة لاِستلام الخلافة الاِلهية كأمة

٩٧
وجماعة، وذلك عندما تصبح أمة متكاملة اجتماعية بدرجة يكون التكامل فيها كصفة ثابتة، وتنتقل بذلك ـ حينئذٍ ـ إدارة الحياة الاجتماعية من الاَشخاص المنتجبين الاَصفياء الذين كانوا ينتخبون لها كأنبياء وأئمة للقيام بدور الخلافة والحكم إلى الاَمة الجماعة، أي عندما تبلغ الاَمة مرحلة دور الوحدة الاِنسانية الكاملة في تطبيق الرسالة الاِلهية، ودور تجسيد إرادة المستخلِف الذي هو الله الذي يؤهلها لهذه الخلافة الاِلهية، بعد أن كانت البشرية قد مرت بأدوار الوحدة الفطرية والاِختلاف في العبادة والاِختلاف في الرسالة، ويبقى دور الاِمامة فيها ـ عندئذٍ ـ دور المحافظة على هذا التكامل والشهادة والرقابة على مسيرة الاَُمة وإقامة الحجة على الناس، وكذلك المحافظة على العلاقة والرابطة بين السماء والاَرض في حفظ النظام والحياة..إلى غير ذلك من الخصوصيات الاَخرى التي أشارت إليها النصوص الشريفة(١)

(١) هذا الموضوع يحتاج إلى مزيد من البحث والتوضيح لخصوصياته وتفاصيله، قد نوفق لتناوله عند تناول موضوع (الرجعة)، حيث يتبين من خلال ذلك البحث تفسير عدة قضايا مهمة:

١ ـ حقيقة الرجعة.

٩٨
الصفحة: ٩٩ فارغة

منهج البحث التاريخي للاِعداد

وهذا الموضوع وهو الدورة الزمنية لاِعداد الاَمة، وإن كان يحتاج إلى بحث تاريخي واجتماعي واسع له مجال آخر، ولكن أشير هنا إلى بعض أبعاده وخطوطه النظرية والمنهجية كمحاولة لتفسير هذه الظاهرة الرسالية.

الاَول: بحث نظرية الاَدوار التي مرت بها البشرية في الوحدة والاِختلاف وعوامل الوحدة والاِختلاف فيها، ومنهج الرسالات الاِلهية في معالجة هذه الاَدوار، وتوضيح الهدف الرئيس لها وهو إقامة الوحدة البشرية على أساس الرسالة الاِلهية ودعائم الحق والعدل المطلق.

وهذا الهدف هو ما أكدته الرسالات الاِلهية والقرآن الكريم وبشر به جميع الاَنبياء، ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله، وذلك في الاَخبار عن قيام المهدي عليه السلام من أهل البيت الذي يحقق هذا الهدف، فيملاَ الاَرض

١٠٠