×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أهل البيت (عليهم السلام) في الحياة الاِسلامية / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

الصفحة: ١٠١ فارغة
أهل البيت (عليهم السلام) في الحياة الاِسلامية للسيد محمد باقر الحكيم ص (١٠١) - ص (١١٨)الْمُشْرِكُونَ)(١)

والاَمر الثاني: هو فرض القدرة والسلطة والهيمنة الاِسلامية على البشرية كلها تدريجياً، من خلال حركة القوة والقدرة لاِقامة الحق والعدل التي تواكب حركة الهداية والاِرشاد وإقامة الحجة على الناس، لاَن فرض القدرة بالسلطة لابد أن يكون بعد إقامة الحجة على الناس وإبلاغ الرسالة لهم، وهو أمر آخر مطلوب في الحركة الرسالية، كما حدث ذلك بالنسبة إلى الرسالة الاِسلامية في زمن النبي، حيث أن النبي صلى الله عليه وآله قام بأقامة الحجة على الناس أولاً، ثم بعد ذلك قام بالتحرك السياسي والعسكري من أجل فرض هيمنة الحكم الاِسلامي وإقامة الحق والعدل بين الناس، وعندها تحققت الهيمنة للاِسلام على الجزيرة العربية بصورة عامة في زمانه، وإن لم تكن هذه الهيمنة ـ أيضاً كما أشرنا سابقاً ـ هيمنة كاملة، ولكنها كانت هيمنة عامة للاِسلام على الجزيرة العربية في هذه المدة المحدودة، ولعل هذه الهيمنة السياسية العامة هي المقصودة بقوله تعالى ويكون الدين كله لله ـ والله العالم ـ قال تعالى: (وَقَـتِلُوهُمْ حَتَّى لاَتَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(٢)

(١) التوبة:٣٣.

(٢) الاَنفال:٣٩.

١٠٢
الاَمر الثالث: المطلوب إنجازه في الرسالة الخاتمة هو تطبيق الحق العدل على الناس تطبيقاً كاملاً على مستوى الفرد والجماعة معاً، حيث يمكن أن نفترض بأن الحجة تقام على الناس وتفرض الهيمنة العامة بعد ذلك للمؤسسة السياسية التي نعبر عنها بالدولة أو الحكومة على الناس، ولكن لا يتحقق التطبيق الكامل للشريعة الاِسلامية على جميع هؤلاء الناس، كما كان ذلك الاَمر في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله في حدود الجزيرة العربية، فأن رسول الله صلى الله عليه وآله تمكن من فرض الهيمنة الاِسلامية كدولة وقوة يخضع لها الناس في حدود الجزيرة العربية، بعد أن أقام الحجة عليهم، ولكن الكثير من هؤلاء الناس كان يرتكب الآثام ـ أيضاً ـ ويحرف قوانين الحق والعدل التي شرعها الاِسلام، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك عند الاِشارة إلى حركة المنافقين، وإلى مجتمع الاَعراب ومخالفات بعض المسلمين من المؤلفة قلوبهم، أو ضعفاء الاِيمان، أو ضعفاء الاِرادة والاِلتزام، حيث كان ترتكب مثل هذه القضايا حتى في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعلن ـ أحياناً ـ إنكاره وبراءته مما كان يرتكب في زمانه من هذه المخالفات، إذ لم يطبّق الحق تطبيقاً كاملاً على جميع هؤلاء الناس حتى في حدود الجزيرة العربية.

وهذا التطبيق الكامل هو الذي نعبر عنه في ثقافتنا وثقافة

١٠٣
المسلمين بصورة عامة بقيام دولة الحق في زمان يخرج فيه الاِمام المهدي عليه السلام فيملاَ الاَرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

ويؤكد ذلك فكرة (الرجعة) التي أشرنا إليها سابقاً، حيث يفهم من بعض النصوص أنه عندما تكتمل الدورة الاِنسانية لاِعداد الجماعة البشرية، ويتحقق هذا الهدف العظيم الذي جاءت به الرسالات الاِلهية، تبدأ البشرية بدورة جديدة يتجسد فيها حضور الاَنبياء والاَوصياء والاَولياء والاَئمة كلهم، ليمارسوا دورهم الطبيعي في الحياة الاِنسانية بصورة كاملة، وفي مجتمع إنساني متكامل، ويشهد فيه الكافرون والمنافقون النصر الاِلهي الذي حققه الله تعالى لاَنبيائه وأوليائه، قال تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الاََْشْهَـدُ)(١)

دراسة حركة الرسالة

الثالث: القيام بدراسة تاريخية لحركة الرسالة الاِسلامية، منذ زمن النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء الراشدين والخلافة الاَموية والعباسية وحتى نهاية هذه المدة المفترضة (٣٥٠ ـ ٤٠٠) عاماً، ومتابعة (المؤشرات)

(١) غافر:٥١.

١٠٤
الاِيجابية والسلبية في هذه المدة التاريخية ذات العلاقة بهذا الهدف الرباني، وهو تطبيق الحق والعدل بصورة كاملة، بحيث تصبح الاَمة رشيدة في هذا التطبيق ومؤهلة لهذه الخلافة الاِلهية، حيث يتبين من هذه الدراسة أن هذه المدة المفترضة كانت كافية للوصول بالاَمة إلى هذه الدرجة العالية من الرشد والاِعداد والتهيؤ لتحمل هذه المسؤولية العظمى، لو كانت الاَمور جرت على ما أمر الله به، من استلام الاَئمة الاَثني عشر للاِمامة خارجياً بكل أبعادها، ومنها الحكم الاِسلامي والمرجعية الفكرية والدينية الكاملة للمسلمين، واستثمار فرص الهداية والبلاغ الاِلهي.

ونشير ـ هنا ـ إلى نماذج من هذه المؤشرات التي يمكن متابعتها في هذه الدراسة التاريخية:

موازنة حركة الهداية والسلطة

المؤشر الاَول: مدة الثلاث والعشرين عاماً التي قضاها رسول الله صلى الله عليه وآله في إبلاغ الرسالة الاِسلامية والتي تمكن فيها من فرض الهيمنة الاِسلامية على الجزيرة العربية، ومسيرة الدعوة الاِسلامية فيها والاِنجازات التي حققها النبي صلى الله عليه وآله في هذه المدة الزمنية على
١٠٥
المستويات الثلاثة، إقامة الحجة، وفرض السلطة، وإقامة الحق والعدل، مقاسة بالعالم.

ويلاحظ في هذا المؤشر بصورة دقيقة مجموعة خصوصيات:

الاَولى: إن قيادة الحكم كانت قيادة معصومة بكل أبعادها، وهي في الوقت نفسه كانت قيادة مؤسسة تحملت آلام محنة وبلاغ الرسالة في بدايتها وقدسية الرسول والرسالة عند انتصار الرسالة.

الثانية: السرعة الفائقة التي تمكن أن يحقق فيها رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الاِنجازات الفريدة على المستويات الثلاثة السابقة:

ومن هذه الاِنجازات: تأسيس مشروع الاَمة الواحدة المتعددة الاَطراف والخصوصيات، من جماعات متفرقة ومتناحرة ومختلفة دينياً وثقافياً، والتي حولها إلى أمة واحدة تتمتع بمعنويات عالية، تمكنت من إدامة الزخم الرسالي، وتحمل الكثير من أعباء حمل الرسالة والجهاد من أجل فرض سيطرتها.

ومنها: تأسيس الدولة الاِسلامية، المشروع التطبيقي الفريد في تاريخ الرسالات الاِلهية، كما أشرنا إليه فيحديث سابق(١)

ومنها: فرض الهيمنة على الجزيرة العربية كلها، والدخول في

(١) يراجع ـ أيضاً ـ في ذلك بحثنا حول (العالمية والخاتمية والخلود) من خصائص الرسالة الاِسلامية، وبحثنا حول الهجرة ومعطياتها.

١٠٦
فتح أبواب الهيمنة على المناطق المجاورة لاِخضاعها.

ومنها: إقامة الحجة على الاَمم المجاورة من خلال مخاطبته لها بالاِسلام، بصورة أولية من خلال الرسائل والمبعوثين.

ومنها: إبلاغ الرسالة وإكمال بيانها للناس، من خلال تلاوة القرآن الكريم وحفظه وبيانات السنة النبوية العامة والخاصة، وإلى غير ذلك من الاِنجازات.

الثالثة: المقارنة الدقيقة في البحث والاِستنتاج وموازنة تحقيق الاَهداف بين حركة الهداية وإقامة الحجة على الناس، وفرض الهيمنة السياسية على الجماعة، حيث نلاحظ:

أولاً: إن رسول الله كان يبذل في البداية كل الجهود من أجل الهداية بدون استخدام القوة، وكان يقدم التضحيات الغالية من أجل ذلك، ثم يبدأ بعملية استخدام القوة كعامل لاِزالة الحواجز أمام حركة الهداية.

ثانياً: إن الهداية، وإن كانت تحتاج إلى تضحيات وتواجه صعوبات وفترة زمنية كبيرة نسبياً، ولكنها كانت في الوقت نفسه تمثل أحد العوامل المهمة في إيجاد تسهيلات أمام حركة فرض السيطرة السياسية، وتسليم الناس للاِسلام وقبول الرسالة الاِسلامية.

ولذلك كانت الفترة المكية لحركة الرسول أطول زماناً من الفترة

١٠٧
المدنية، والنتائج لفرض السيطرة السياسية للفترة المكية كانت محدودة جداً، ولكنها كان لها تأثير مهم في النتائج التي حققها رسول الله بعد ذلك في الفترة المدنية، من تسهيل فرض السيطرة فيها على الجزيرة العربية، ومنها مكة المكرمة نفسها.

وكذلك نلاحظ ـ في هذا المجال ـ أن الجهود الكبيرة التي بذلها الرسول في معالجة قضية أهل الكتاب، وتحمله المعاناة من أجل مخاطبتهم وإقامة الحجة عليهم، كان لها دور كبير في تحقيق نتائج الهيمنة السياسية على مناطقهم المنيعة (هُوَ الَّذِىَ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَـبِ مِن دِيَـرِهِمْ لاََِوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّوَاْ أَنَّهُم مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِنَ اللهِ فَأَتَـهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَـأُوْلِى الاََْبْصَارِ)(١)

القيادة غير المعصومة

المؤشر الثاني: هو حركة الدولة الاِسلامية في مدة الخلفاء الثلاثة الذين تولوا السلطة بعد الرسول والتي تم فيها إبعاد الاِمام عليّ عليه السلام من قيادة التجربة الاِسلامية بصورة عامة، والدولة الاِسلامية

(١) الحشر:٢.

١٠٨
بصورة خاصة، ولكنها مع كل ذلك كانت تتصف بدرجة معينة من الاِلتزام الديني العام والقرب الزمني من عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، بحيث كان يعبر عنها الاِمامعليّ عليه السلام ـ أحياناً ـ بما روي عنه من قوله: (ووالله لاَسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلاَّ عليَّ خاصة)(١) شك، وكان يقدم فيها المشورة إلى الخلفاء ويشترك في إدارة بعض الاَمور فيها، وكان يشارك فيها أخيار الصحابة وصلحائهم وخاصتهم، أمثال سلمان الفارسي ـ الذي يعبر عنه الرسول صلى الله عليه وآله بسلمان المحمدي ـ وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان وعبدالله بن مسعود، وغيرهم كثير...

حيث تمكنت هذه الدولة في فترة ربع قرن من الزمان من أن تفرض هيمنتها على جزء كبير من العالم المتحضر في ذلك العصر (الدولة الفارسية) بكامل أجزاءها والقسط الاَعظم من (الدولة الرومانية) وقسم كبير من إفريقيا.

وحركة الهداية وإقامة الحجة في هذه الفترة الزمنية، وإن لم تكن في مستواها المطلوب، قد واكبت حركة الهيمنة والسلطة، ولكنها كانت حركة قائمة وتحضى باهتمام مناسب من الدولة، ولاسيما وأن النبي كان قد شَرَعَ فيها قبل وفاته.

(١) نهج البلاغة:خطبة ٧٤.

١٠٩
ولكن هذه الحركة الرسالية (حركة إقامة الحجة) لو كانت بالمستوى المطلوب، لاَمكن أن يتحقق إنجاز أعظم على مستوى تثبيت القواعد والدعائم في هذه المنطقة، ولاَمكن فرض السيطرة الكاملة ـ أيضاً ـ على جميع أجزاء الدولة الرومانية.

ولكن بسبب التلكؤ في حركة الهداية من ناحية، وإقصاء الاِمام عليّ عليه السلام عن قيادة الحكم من ناحية أخرى، بقيت الجيوش الاِسلامية تواجه مقاومة داخلية وخارجية، أي في داخل الجزيرة العربية من خلال حركة الاِرتداد والتمرد والاَختلاف في تفسير النصوص الاِسلامية، أو من خارج الجزيرة في مناطق إيران وتركيا وإفريقيا، وغيرها من المناطق التي وقعت تحت سيطرة الجيوش الاِسلامية، وكذلك كانت تواجه مقاومة خارجية من الدولة الرومانية في آسيا وعمقها الجغرافي في اُروپا وبعض مناطق إفريقيا.

ومن ناحية ثالثة كانت الاختلافات الداخلية التي بدأت ونمت وتجذرت في زمن الخليفة عثمان بسبب الاِنحرافات في السلطة، ثم تفجرت في زمن الاِمام عليّ عليه السلام عليه والاِمام الحسن عليه السلام من بعده بسبب تمرد معاوية على السلطة الشرعية، كل هذه العوامل كانت وراء التلكؤ في حركة الهداية.

وهذا هو ما تنبأت به الزهراء عليها السلام في خطبتها المعروفة حول

١١٠
الخلافة والبيعة والمطالبة بحقوقها(١) وما تنبأ به سلمان الفارسي ـ أيضاً ـ في تلك المناسبة عندما كان يردد قول: (والله لو وليتموها عليَّاً لاَكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم).

وقد كان في النموذج الذي قدمه الاِمام عليّ عليه السلام في السنوات الاَربع من حكمه، بالرغم من إنشغاله بالحروب الداخلية، أفضل دليل على ما كان يمكن أن يتحقق على مستوى الخط الثالث من حركة الرسالة، وهو التطبيق الكامل للاَحكام الشرعية.

مشاكل الدولة وتراجعها

المؤشر الثالث: حركة الدولة الاِسلامية في عهد الاَمويين

(١) (...والله لو تكافَّوا عن زمام نبذه رسول الله صلى الله عليه وآله إليه لاعتلقه، ولسار بهم سيراً سجحا، لا يكلم خشاشه، ولا يتعتع راكبه، ولاَوردهم منهلاً نميراً فضفاضاً تطفح ضفّتاه ولاَصدرهم بطاناً، قد تحيّر بهم الرَّيُّ غير متحلّ منه بطائل إلاّ بغمر الماء وردعة شررة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والاَرض، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.

...أما لعمر إلهك لقد لقحت فنظرة ريثَ ما تنتج ثمَّ احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً، وذعافاً ممقراً، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون، غبَّ ما سنَّ الاََوَّلون، ثمَّ طيبوا عن أنفسكم أنفساً، وطأمنوا للفتنة جأشا، وأبشروا بسيف صارم، وهرج شامل، واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيداً، وزرعكم حصيداً فياحسرتي لكم، وأنى بكم، وقد عميت (قلوبكم) عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون.)، البحار٤٣:١٥٨ ـ ١٥٩، حديث ٨.

١١١
والعباسيين، فانه بالرغم من وجود فوارق رئيسية بين العهدين لا مجال لبحثهما(١) َ.

فأنه بالرغم من القوة والمنعة اللتان كانتا تتمتعان بهما، ولاسيما في العهد العباسي والتطور الكبير الذي شهده في القدرة المادية والتنظيم الاِداري والمدني، إلا إن حركة الدولة فيهما كانت تتصف ـ بصورة عامة ـ بصفتين سلبيتين رئيسيتين:

إحداهما: أن القضية الاَولى والهم الاَعظم للدولة في هذين العهدين كان هو فرض السلطة السياسية وبسط الهيمنة المادية والحصول على الاِمكانات والثروات على الاَرض، سواء في داخل الدولة الاِسلامية أو في خارجها، وهو ما نعبر عنه نظرياً بالاِتجاه إلى تحويل الدولة إلى دولة كسروية وقيصرية، وبذلك تخلت الدولة ـ لا الاَمة ـ عن مشروعها الرسالي الاَساس.

ثانيهما: الصراعات الداخلية وأولوية القضاء على الخصوم السياسيين الداخليين، سواء التقليديين منهم أو الاَقربين، وممارسة عمليات القمع السياسي، حتى لو لم يكن ذا طابع عسكري مسلح، الاَمر الذي أدى إلى إضعاف القدرة الاِسلامية، وتبديد الطاقات

(١) تناولناها في بعض محاضراتنا حول الاِمام الصادق عليه السلام، وسوف نتحدث عنها ـ إن شاء الله ـ عند الحديث عن أدوار أئمة أهل البيت عليهم السلام ومواقفهم.

١١٢
والاِمكانات التي كانت تملكها الاَمة.

ومن الظواهر والنتائج التي تؤشر على هذه الحقيقة:

١ـ ظاهرة القمع الوحشي لحركة الاِصلاح ـ الخروج على الدولة ـ المبررة شرعاً في الواقع أو الظاهر والتي بدأت بنهضة الاِمام الحسين عليه السلام واستمرت بصور متعددة، مثل حركة المدينة المنورة ووقعة الحرة، وحركة ابن الزبير، وحركة التوابين والمختار الثقفي، وحركة زيد بن علي وأولاده، وحركة الحسين بن علي صاحب فخ، وقبله محمد وإبراهيم ابني عبدالله بن الحسن المثنى.

٢ـ ظاهرة التوقف، ثم تراجع الدولة الاِسلامية في حركة الفتح الاِسلامي على أبواب أورپا الغربية وأفرقيا الجنوبية وأسيا الوسطى والجنوبية.

٣ـ ظاهرة انتشار الهدى في بعض المناطق داخل الدولة الاِسلامية أو المجاورة لها على أيدي المشردين والمطاردين السياسيين من أهل البيت وأبنائهم وشيعتهم، كما في بعض مناطق الغرب العربي وإفريقيا السوداء وبلاد الترك والديلم، وغيرها من البلاد.

٤ـ ظاهرة سيطرة القبائل والشعوب حديثة العهد على مقدرات الدولة، لاَسباب التترس بها في الصراعات الداخلية.

١١٣
٥ـ ظاهرة الحروب والغزوات ذات الطابع العدواني والمكاسب المادية في الغنائم والاِماء، الاَمر الذي أدى إلى بروز ظاهرة الدفاع عن النفس في الشعوب المجاورة، وتنافي المشاعر القومية والطائفية.

٦ـ ظاهرة الاِنشقاقات العنيفة في داخل السلطة الواحدة والبيت الواحد، مثل بعض الاَحداث التي وقعت في زمن الاَمويين والعباسيين، ومنها اقتتال المأمون والاَمين ولدي هارون الرشيد.

وإلى غير ذلك من الظواهر السيئة البعيدة عن الاِسلام وأهدافه وقيمه ومثله.

وبذلك يمكن أن نفهم الكثير من المواقف والاِدانات التي كانت تصدر عن أهل البيت بالنسبة إلى هذه الظواهر.

مثل رفض وإدانة التعاون مع حكام الجور.

وظاهرة رفض المشاركة في الحروب والغزوات وإدانتها، مع التأكيد على وجوب المرابطة والدفاع.

وظاهرة الطعن بشرعية أموال الغنائم وتملك الاِماء في هذه العمليات العدوانية.

وكذلك يمكن أن نفهم السبب في وقوف الجيوش الاِسلامية المنظمة والقوية عاجزة أمام القبائل الاَورپية الوحشية وغير المنظمة المستقرة في مجاهل أورپا والاِكتفاء بالاِستقرار في الاَندلس وحدها،

١١٤
ثم التراجع عنها.

وكذلك السبب في وقوفها عاجزة أمام قبائل المغول الوحشية وغير المنظمة في مجاهل آسيا، ثم التراجع أمامها، بحيث أدى إلى سقوط أكثر العالم الاِسلامي بيدهم.

وكذلك السبب في تحول الدولة الاِسلامية إلى يد الدولة المغولية في إيران أو العثمانية في تركيا...الخ.

الاِستنتاج

إن دراسة هذه الاَمور الثلاثة الرئيسية مع خصائصها وظواهرها ومؤشراتها، سوف ينتهي بنا إلى هذا التصور ـ الذي ذكرناه ـ في تفسير ظاهرة الاَئمة الاِثني عشر، وهو أن مدة إمامة هؤلاء الاَئمة بحسب تقدير الحكمة والعدل الاِلهي في هداية الناس، تمثل دورة زمنية مناسبة لاِعداد الاَمة وتأهيلها للقيام بهذا الواجب الاِلهي، وهو الخلافة لله تعالى في الاَرض كأمة وجماعة، وتكون بذلك مصداقاً لقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ...)(١) ولقوله تعالى: (الَّذِينَ إِن مَكَّنَّـهُمْ فِى الاََْرْضِ أَقَامُواْ الصَّلوَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَوةَ

(١) آل عمران:١١٠.

١١٥
وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَللهِ عَـقِبَةُ الاَُْمُورِ)(١) وبذلك يعم العدل ويقوم القسط بين الناس ويحكم الحق فيهم ويتحقق الوعد الاِلهي لهم (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّـلِحَـتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الاََْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُـمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا...)(٢)

إن هذه الدراسة، سوف توضح أن زخم الهدى والصلاح الذي تركه رسول الله في أصحابه لو استمر بالطريقة التي شرعها الله تعالى، وبلغها رسول الله لاَمته وبذل كل جهده لاَقامة الحجة عليها، بحيث تحفظ فيها موازنة حركة الهداية مع حركة السلطة، كان كفيلاً بتحقيق هذا الهدف الكبير في هذه المدة الزمنية، هذا الزخم الذي رأينا أثره وفعله وتأثيره في العالم المحيط بالمسلمين ـ بالرغم من الاِنحراف الذي تعرّضت له في المسيرة في أهم موقع لها ـ بحيث تداعت أركان الدولة الفارسية بأكملها، وكادت أن تسقط به ـ أيضاً ـ أركان الدولة الرومانية، وهما الدولتان المتحضرتان القويتان في ذلك العصر، وتفتح فيه أبواب القبائل الوثنية المشتتة في العالم، في مدة لا تزيد على ربع

(١) الحج:٤١.

(٢) النور:٥٥.

١١٦
قرن من الزمن، كل ذلك لتحقق، لو كانت القيادة لهذا الزخم الرسالي الاِلهي قيادة ربانية مدعومة بمسيرة الهدى والصلاح وإقامة الحجة على الناس، وتذليل النفوس والقلوب قبل تذليل الاَجساد والقوى المادية؟!

إن تنسيق حركة الهدى مع حركة الهيمنة وتقدمها على حركة القدرة والسلطة، قد يؤجل بسط الهيمنة المادية بعض الوقت، ولكنه سوف يفرض تصاعداً حتمياً مثمراً في الخط البياني لمسيرة الخطوط الثلاثة، الاَمر الذي يؤدي إلى تحقيق هذا الهدف الحتمي الاِلهي العظيم (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاََْرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّـلِحُونَ*إِنَّ فِى هذا لَبَلَـغًا لِقَوْمٍ عَـبِدِينَ*وَمَا أَرْسَلْنَـكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَـلَمِينَ)(١)

كما أن (عملية) بسط العدل والحق المطلق والهيمنة الكاملة لها وحل جميع معالم وصور الاِختلاف بين الناس التي أشارت إليها آية سورة النور السابقة، قد تحتاج إلى وقت أطول من وقت عملية إقامة الحجة وعملية بسط الهيمنة السياسية، لاَنها أكثر تعقيداً من العمليتين الاَخيرتين، ولكن هذا الوقت المفترض وهذه المدة المحدودة تكفي

(١) الاَنبياء:١٠٥ ـ ١٠٧.

١١٧
ـ بأذن الله ـ في تحقيق كل ذلك، كما تشير إليه هذه الملاحظات(١)

وعندما يتحقق هذا الهدف الكبير قد ينتهي بذلك بعض أدوار الاِمامة المعصومة، بعد أن تكون الاَمة قد بلغت الرشد في حركة الهداية، وأصبحت معصومة كأمة، وتمت سيطرة الاِيمان والدين سياسياً حتى لا تكون فتنة ويقوم القسط بين الناس، ووضعت أوزار الخلافات والخصومات، وأصبحت العبادة لله تعالى وحده دون غيره، لايشرك بعبادته أحد من الناس، وتصبح الحجة لله البالغة على الناس، ويبدأ دور جديد للاِمامة المعصومة هو دور (الرجعة).

ولكن شاء الله تعالى أن تجري الاَمور بطريقة أخرى، لمزيد من الاِمتحان والاِبتلاء والاِختبار لهذه الاَمة، ولمزيد من التكامل الاِنساني من خلاله مما جعل المدة أطول، فكانت الغيبة الصغرى والكبرى.

(١) لقد كانت هذه النتائج هي التي أشارت إليها الزهراء عليها السلام في خطبتها المعروفة، وسلمان الفارسي في تعليقته ـ كما أشرنا إلى ذلك ـ وبهذا الصدد تنقل طريفة تعبر عن جانب من هذه الرؤية، وهي أن أحد المستشرقين البريطانيين الذين كانوا يصطحبون القوات البريطانية في فتحها للعراق في الحرب العالمية الاَولى، دخل إلى مسجد الكوفة بعد الفتح وشاهد بناءه المتواضع ومواضع الاِمام علي (عليه السلام) فيه وفي الكوفة، فعلق على ذلك بما معناه (أن لمعاوية وابن ملجم ـ قاتل الاِمام علي ـ فضل كبير على الاَمة البريطانية، إذ لولاهما لرأيت مسجد الكوفة هذا يعج بالقبعات البريطانية المؤمنين).

١١٨