×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ايمان أبي طالب وسيرته / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٢ فارغة
كتاب ايمان أبي طالب وسيرته للشيخ عبد الحسين الأميني النجفي (ص ١ - ص ١٥)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

تمهيد

أحسب أن القوم لم ينسجوا هذا الإفك [ اسلام والدي أبي بكر ] على نول الجهل بتراجم الرجال فحسب، ولا أن لهم مأربا في آباء المهاجرين أسلموا أو لم يسلموا، أو أن لهم غاية في إسلام أبوي أبي بكر، لكنهم زمروا لما لم يزل لهم فيه مكاء وتصدية من تكفير سيد الأباطيح شيخ الأئمة أبي طالب والد مولانا أمير المؤمنين سلام الله عليهما، وذلك بعد أن عجزوا عن الوقيعة في الولد فوجهوها إلى الوالد أو إلى الوالدين كما فعله الحافظ

٣
العاصمي في زين الفتى. وكن من تهويلهم في تخفيف تلكم الوطأة أن جروا ذلك إلى والدي النبي المعظم صلى الله عليه وآله وسلم وعليهما حتى قال العاصمي في زين الفتى عند بيان وجه الشبه بين النبي والمرتضى صلى الله عليهما وآلهما: أما تشبيه الأبوين في الحكم والتسمية، فإن النبي في كثرة ما أنعم الله تعالى عليه ووفور إحسانه إليه لم يرزقه إسلام أبويه، وعلى هذا جمهور المسلمين (١) إلا شرذمة قليلين لا يلتفت إليهم، فكذلك المرتضى فيما أكرمه الله به من الأخلاق والخصال وفنون النعم والأفعال لم يرزقه إسلام أبويه. انتهى.

فلم تفتأ هلم في ذلك جلبة ولغط مكابرين فيهما المعلوم من سيرة شيخ الأبطح وكفالته لصاحب الرسالة، ودرئه عنه كل سوء وعادية، وهتافه بدينه القويم، وخضوعه لناموسه الإلهي في قوله وفعله وشعره ونثره، ودفاعه عنه بكل ما يملكه من حول وطول.

ولو أبو طالب وأبنه * لما مثل الدين شخصا وقاما
فذاك بمكة آوى وحامى * وهذا بيثرب جس الحماما
تكفل عبد مناف بأمر * وأودى فكان علي تماما
فقل في تبير مضى بعد ما * قضى ما قضاه وأبقى شماما (٢)
فلله ذا فاتحا للهدى * ولله ذا للمعالي ختاما
وما ضر مجد أبي طالب * جهول لغا أو بصير تعامى
كما لا يضر إياب (٣) الصبا * ح من ظن ضوء النهار الظلاما (٤)

(١) أفك الرجل على جمهور المسلمين، فان الإمامية والزيدية على بكرة أبيهم ومن حذا حذوهم من محققي أهل السنة ذهبوا إلى إسلام والدي النبي الأقدس، ومن شذ عنهم فلا يؤبه به ولا يلتفت إليه. (المؤلف).

(٢) ثبير وثمام: اسما جبلين.

(٣) في شرح النهج: إياة، ومعناه الضوء.

(٤) ذكرها ابن أبي الحديد نفسه في شرحه: ٣ / ٣١٧ [ ١٤ / ٨٤ كتاب ٩ ]. (المؤلف).

٤

وهناك طرق لا يمكن التوصل إلى الإذعان بنفسيات اي أحد إلا بها، ألا وهي:

١ ـ استنباطها مما يلفظ به من قول.

٢ ـ أو مما ينوء به من عمل.

٣ ـ أو مما يروي عنه آله وذووه. فإن أهل البيت أدرى بما فيه.

٤ ـ أو مما أسنده إليه من لاث به وبخع له.

_ ١ _
أقوال أبي طالب المثبته لإيمانه

أما أقوال أبي طالب سلام الله عليه فإليك عقودا عسجدية من شعره الرائق مثبتة في السير والتواريخ وكتب الحديث.

أخرج الحاكم في المستدرك (١) (٢ / ٦٢٣) بإسناده عن ابن إسحاق قال: قال أبو طالب أبياتا للنجاشي يحضه على حسن جوارهم والدفع عنهم ـ يعني عن المهاجرين إلى الحبشة من المسلمين:

ليعلم خيار الناس أن محمدا * وزير لموسى والمسيح ابن مريم
أتانا بهدي مثل ما أتيا به * فكل بأمر الله يهدي ويعصم (٢)
وإنكم تتلونه في كتابكم * بصدق حديث لا حديث المبرجم
وإنك ما تأتيك منها عصابة * بفضلك إلا أرجعوا بالتكرم

وقال سلام الله عليه من قصيدة:

فبلغ عن الشحناء أفناء غالب * لويا وتيما عند نصر الكرائم
لانا سيوف الله والمجد كله * إذا كان صوت القوم وجي الغمائم
ألم تعلموا أن القطيعة مأثم * وأمر بلاء قاتم غير حازم
وأن سبيل الرشد يعلم في غد * وأن نعيم الدهر ليس بدائم

(١) المستدرك على الصحيحن: ٢ / ٦٨٠ ح ٤٢٤٧.

(٢) في البيت إقواء.

٥
فلا تسفهن أحلامكم في محمد * ولا تتبعوا أمر الغواة الأشائم
تمنيتم أن تقتلوه وإنما * أمانيكم هذي كأحلام نائم
وإنكم والله لا تقتلونه * ولما تروا قطف اللحى والغلاصم (١)
ولم تبصروا والأحياء منكم ملاحما * تحوم عليها الطير بعد ملاحم
وتدعو بأرحام أواصر بيننا * فقد قطع الأرحام وقع الصوارم
زعمتم بأنا مسلمون محمدا * ولما نقاذف دونه ونزاحم
من القوم مفضال أبي على العدى * تمكن في الفرعين من آل هاشم
أمين حبيب في العباد مسوم * بخاتم رب قاهر في الخواتم
يرى الناس برهانا عليه وهيبة * وما جاهل في قومه مثل عالم
نبي أتاه الوحي من عند ربه * ومن قال لا يقرع بها سن نادم
تطيف به جرثومة هاشمية * تذبب عنه كل عات وظالم

ديوان أبي طالب (ص ٣٢)، شرح ابن أبي الحديد (٣ / ٣١٣) (٢).

ومن شعره في أمر الصحيفة التي سنوقفك على قصتها قوله:

ألا أبلغا عني على ذات بينها * لويا وخصا من لوي بني كعب
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * رسولا كموسى خط في أول الكتب
وأن عليه في العباد محبة * ولا حيف فيمن خصه الله بالحب
وأن الذي رقشتم في كتابكم * يكون لكم يوما كراغية السقب (٣)

(١) في رواية: والجماجم. الغلاصم جمع الغلصمة: اللحم بين الرأس والعنق. (المؤلف).

(٢) ديوان أبي طالب: ٨٤ ـ ٨٥، شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٣ كتاب ٩.

(٣) في رواية ابن هشام:

وإن الذي ألصقتم من كتابكم * لكم كائن نحسا كراغية السقب

رقش: كتب وسطر. الراغية من الرغاء: أصواب الإبل. السقب: ولد الناقة. (المؤلف).

أفيقوا أفيقوا قبل أن تحفر الزبى (١) * ويصبح من لم يجن ذنبا كذي ذنب
٦
ولا تتبعوا أمر الغواة وتقطعوا * أواصرنا بعد المودة والقرب
وتسجلبوا حربا عوانا (٢) وربما * أمر على من ذاقه حلب الحرب
فلسنا وبيت الله نسلم أحمدا * لعزاء من عض الزمان ولا كرب (٣)
ولما تبن منا ومنكم سوالف * وأيد أترت (٤) بالمهندة الشهب
بمعترك ضنك ترى كسر القنا * به والضباع العرج تعكف كالشرب (٥)
كأن مجال الخيل في حجراته * ومعمعة الأبطال معركة الحرب
أليس أبونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب
ولسنا نمل الحرب حتى تملنا * ولا نشتكي مما ينوب من النكب
ولكننا أهل الحفائظ والنهى * إذا طار أرواح الكماة من الرعب

سيرة ابن هشام (١ / ٣٧٣)، شرح ابن أبي الحدبد (٣ / ٣١٣)، بلوغ الأرب (١ / ٣٢٥)، خزانة الأدب للبغدادي (١ / ٢٦١)، الروض الأنف (١ / ٢٢٠)، تاريخ ابن كثير (٣ / ٨٧)، أسنى المطالب (ص ٦، ١٣)، طلبة الطالب (ص ١٠) (٦). ومن شعره قوله:

ألا ما لهم آخر الليل معتم * طواني وأخرى النجم لما تقحم

(١) في سيرة ابن هشام [ ١ / ٣٧٧ ]: الترى، بدل الزبى. (المؤلف).

(٢) الحرب العوان: التي قوتل فيها مرة بعد أخرى. أشد الحروب. (المؤلف).

(٣) العزاء: السنة الشديدة. عض الزمان: شدته وكلبه. (المؤلف).

(٤) تبن: تنفصل. السوالف: صفحات الأعناق. أترت: قطعت. (المؤلف).

(٥) ضنك: ضيق. الضياع العرج مر ص ٥٨. الشرب: الجماعة من القوم يشربون. والشطر الثاني في سيرة ابن هشام [ ١ / ٣٧٩ ]: به والنسور الطخم يعكفن كالشرب. (المؤلف).

(٦) السيرة النبوية: ١ / ٣٧٧ ـ ٣٧٩، شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٢ كتاب ٩، خزانة الأدب: ٢ / ٧٦، الروض الأنف: ٣ / ٢٨٣، البداية والنهاية: ٣ / ١٠٨.

٧
طواني وقد نامت عيون كثيرة * وسامر أخرى قاعد لم ينوم
لأحلام أقوام أرادوا محمدا * بظلم ومن لا يتقي البغي يظلم
سعوا سفها واقتادهم سوء أمرهم * على خائل من أمرهم غير محكم
رجاة أمور لم ينالوا نظامها * وإن نشدوا في كل بدو وموسم
يرجون منا خطة دون نيلها * ضراب وطعن بالوشيج المقوم (١)
يرجون أن نسخي بقتل محمد * ولم يختضب سمر العوالي من الدم
كذبتم وبيت الله حتى تفلقوا * جماجم تلقى بالحميم وزموم (٢)
وتقطع أرحام وتنسى حليلة * حليلا ويغشى محرم بعد محرم
وينهض قوم بالحديد إليكم * يذبون عن أحسابهم كل مجرم
هم الأسد أسد الزارتين إذا غدت * على حنق لم تخش إعلام معلم
فيا لبني فهر أفيقوا ولم تقم * نوائح قتلى تدعي بالتسدم (٣)
على ما مضى من بغيكم وعقوقكم * وغشيانكم في أمرنا كل مأتم
وظلم نبي جاء يدعو الى الهدى * وأمر أتى من عند ذي العرش قيم (٤)
فلا تحسبونا مسلميه ومثله * إذا كان في قوم فليس بمسلم
فهذي معاذير وتقدمة لكم * لكيلا تكون الحرب قبل التقدم

ديوان أبي طالب (٥) (ص ٢٩)، شرح ابن أبي الحديد (٣ / ٣١٢) (٦).

وله قوله مخاطبا للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم:

(١) الوشيج: الرماح.

(٢) في الديوان: تفرقوا. بدلا من: تفلقوا. و: بالحطيم. بدلا من: بالحميم.

(٣) التسدم من السدم: الهم مع الندم، الغيظ مع الحزن. (المؤلف).

(٤) في رواية شيخ الطائفة: مبرم. (المؤلف).

(٥) ديوان أبي طالب: ص ٨٢ ـ ٨٣.

(٦) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧١ كتاب ٩.

٨
والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وابشر بذاك وقر منك عيونا
ودعوتني وعلمت أنك ناصحي * ولقد دعوت وكنت ثم أمينا (١)
ولقد علمت بأن دين محمد * من خير أديان البرية دينا

رواها الثعلبي في تفسيره وقال: قد أتفق على صحة نقل هذه الأبيات عن أبي طالب: مقاتل، وعبد الله بن عباس، والقسم بن محضرة، وعطاء بن دينار.

راجع: (٢) خزانة الأدب للبغدادي (١ / ٢٦١)، تاريخ ابن كثير (٣ / ٤٢)، شرح ابن أبي الحديد (٣ / ٣٠٦)، تاريخ أبي الفدا (١ / ١٢٠)، فتح الباري (٧ / ١٥٣، ١٥٥)، الإصابة (٤ / ١١٦)، المواهب اللدنية (١ / ٦١)، السيرة الحلبية (١ / ٣٠٥)، ديوان أبي طالب (ص ١٢) طلبة الطالب (ص ٥) بلوغ الارب (١ / ٣٢٥)، السيرة النبوية لزيني دحلان هامش الحلبية (١ / ٩١/ ٢١١)، وذكر البيت الأخير في أسنى المطالب (ص ٦) فقال: عدّة البرزنجي من كلام أبي طالب المعروف.

لفت نظر:

زاد القرطبي وابن كثير في تاريخه على الأبيات:

لولا الملامة أو حذاري سبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا

(١) وفي رواية القسطلاني:

ودعوتني وزعمت أنك ناصحي * ولقد صدقت وكنت ثم أمينا

(المؤلف)

(٢) خزانة الأدب: ٢ / ٧٦، البداية والنهاية: ٣ / ٥٦، شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٥٥ كتاب ٩، فتح الباري: ٧ / ١٩٤، ١٩٦، المواهب اللدنية: ١ / ٢٢٣، السيرة الحلبية: ١ / ٢٨٧، ديوان أبي طالب: ص ٤١، السيرة النبوية لزيني دحلان: ١ / ٤٥، أسنى المطالب: ص ١٠.

٩

قال السيد أحمد زيني دحلان في أسنى المطالب (١) (ص ١٤): فقيل: إن هذا البيت موضوع أدخلوه في شعر أبي طالب وليس من كلامه.

قال الأميني: هب أن البيت الأخير من صلب ما نظمه أبو طالب عليه السلام فإن أقصى ما فيه أن العار والسبة، اللذان كان أبو طالب عليه السلام يحذرهما خيفة أن يسقط محله عند قريش فلا تتسنى له نصرة الرسول المبعوث صلى الله عليه وآله وسلم، إنما منعاه عن الإبانة والإظهار لاعتناق الدين، وإعلان الإيمان بما جاء به النبي الأمين، وهو صريح قوله: لوجدتني سمحا بذاك مبينا، أي مظهرا، وأين هو عن اعتناق الدين في نفسه، والعمل بمقتضاه من النصرة والدفاع ؟ ولو كان يريد به عدم الخضوع للدين لكان تهافتا بينا بينه وبين أبياته الأولى التي ينص فيها بأن دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم من خير أديان البرية دينا، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم صادق في دعوته أمين على أمته.

ومن شعره قوله قد غضب لعثمان بن مظعون حين عذبته قريش ونالت منه:

أمن تذكر دهر غير مأمون * أصبحت مكتئبا تبكي كمحزون
أم من تذكر أقوام ذوي سفه * يغشون بالظلم من يدعو إلى الدين
ألا ترون أذل الله جمعكم * إنا غضبنا لعثمان بن مظعون
ونمنع الضيم من يبغي مضيمنا * بكل مطرد في الكف مسنون
ومرهفات كأن الملح خالطها * يشفى بها الداء من هام المجانين
حتى تقر رجال لا حلوم لها * بعد الصعوبة بالأسماح واللين
أو تؤمنوا بكتاب منزل عجب * على نبي كموسى أو كذي النون (٢)

ومن شعره يمدح النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قوله:

(١) أسنى المطالب: ص ٢٥.

(٢) شرح ابن أبي الحديد: ٣ / ٣١٣ [ ١٤ / ٧٣ كتاب ٩ ] (المؤلف).

١٠

لقد أكرم الله النبي محمدا * فأكرم خلق الله في الناس أحمد
وشق له من إسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد

أخرجه (١) البخاري في تاريخه الصغير من طريق علي بن يزيد، وأبو نعيم في دلائل النبوة (١ / ٦)، وابن عساكر في تاريخه (١/٢٧٥)، وذكره له ابن أبي الحديد في شرحه (٣ / ٣١٥)، وابن كثير في تاريخه (١ / ٢٦٦)، وابن حجر في الإصابة (٤ / ١١٥)، والقسطلاني في المواهب اللدنية (١ / ٥١٨) نقلا عن تاريخ البخاري، والديار بكري في تاريخ الخميس (١ / ٢٥٤) فقال: أنشأ أبو طالب في مدح النبي أبياتا منها هذا البيت:

وشق له من إسمه ليجله *........................

حسان بن ثابت ضمن شعره هذا البيت فقال:

ألم تر أن الله أرسل عبده * بآياته والله أعلى وأمجد
وشق له من إسمه ليجله *.......................

والزرقاني في شرح المواهب (٣ / ١٥٦) وقال: توارد حسان معه أو ضمنه شعره وبه جزم في الخميس، أسنى المطالب (٢) (ص ١٤).

ومن شعره المشهور كما قاله ابن أبي الحديد في شرحه (٣) (٣ / ٣١٥).

أنت النبي محمد * قرم أغر مسود
لمسودين أكارم * طابوا وطاب المولد
نعم الأرومة أصلها * عمرو الخضم الأوحد

(١) التاريخ الصغير: ١ / ٣٨، دلائل النبوة: ١ / ٤٤ ح ٢، تاريخ مدينة دمشق: ٣ / ٣٢ ـ ٣٣، شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٨ كتاب ٩، البداية والنهاية: ٢ / ٣٢٥، المواهب اللدنية: ٢ / ٢٥.

(٢) أسنى المطالب: ص ٢٤.

(٣) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٧ كتاب ٩.

١١
هشم الربيكة في الجفا * ن وعيش مكة أنكد (١)
فجرت بذلك سنة * فيها الخبيزة تثرد
ولنا السقاية للحجيـ * ـج بها يماث العنجد (٢)
والمأزمان (٣) وما حوت * عرفاتها والمسجد
أنى تضام ولم أمت * وأنا الشجاع العربد
وبطاح مكة لا يرى * فيها نجيع أسود
وبنو أبيك كأنهم * أسد العرين توقدوا
ولقد عهدتك صادقا * في القول لا يتزيد
ما زلت تنطق بالصوا * ب وأنت طفل أمرد

جاء أبو جهل بن هشام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ساجد وبيده حجر يريد أن يرميه به، فلما رفع يده لصق الحجر بكفه فلم يستطع ما أراد، فقال أبو طالب:

أفيقوا بني غالب وانتهوا * عن الغي من بعض ذا المنطق
وإلا فإني إذن خائف * بوائق في داركم تلتقي
تكون لغيركم عبرة * ورب المغارب والمشرق
كما نال من كان من قبلكم * ثمود وعاد وماذا بقي
غداة أتاهم بها صرصر * وناقة ذي العرش قد تستقي
فحل عليهم بها سخطه * من الله في ضربة الأزرق (٤)

(١) عمرو: أسم هاشم بن عبد مناف. الخضم: كثير العطاء. الربيكة: طعام يعمل من تمر وأقط وسمن.

(٢) مات الشيء ميتا: مرسه. ومات الملح في الماء: أذابه. العنجد: الزبيب.

(٣) المأزمان: موضع بمكة بين المشعر الحرام وعرفة وهو شعب بين جبلين [ معجم البلدان: ٥ / ٤٠ ].

(المؤلف)

(٤) الأزرق: عاقر ناقة صالح.

١٢
غداة يعض بعرقوبها * حساما من الهند ذا رونق
وأعجب من ذاك في أمركم * عجائب في الحجر الملصق
بكف الذي قام من خبثه * إلى الصابر الصادق المتقي
فأثبته الله في كفه * على رغمه الجائر الأحمق
أحيمق مخزومكم إذ غوى * لغي الغواة ولم يصدق

ديوان أبي طالب (١) (ص ١٣)، شرح ابن أبي الحديد (٣ / ٣١٤) (٢).

قال ابن أبي الحديد في شرحه (٣) (٣ / ٣١٤): قالوا: وقد اشتهر عن عبد الله المأمون رحمه الله أنه كان يقول: أسلم أبو طالب والله بقوله:

نصرت الرسول رسول المليك * ببيض تلألا كلمع البروق
أذب وأحمي رسول الإله * حماية حام عليه شفيق
وما إن أدت لأعدائه * دبيب البكار حذار الفنيق (٤)
ولكن أزير لهم ساميا * كما زار ليث بغيل مضيق

وتوجد هذه الأبيات مع بيت زائد في ديوانه (٥) (ص ٢٤).

ولسيدنا أبي طالب أبيات كتبها إلى النجاشي بعد ما خرج عمرو بن العاص إلى بلاد الحبشة ليكيد جعفر بن أبي طالب وأصحابه عند النجاشي. يحرض النجاشي على إكرام جعفر والإعراض عن ما يقوله عمرو (٦) منها:

(١) ديوان أبي طالب: ص ٤٢.

(٢) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٤ كتاب ٩.

(٣) المصدر السابق.

(٤) الفنيق: الفحل المكرم لا يؤذي ولا يركب لكرامته جمع فنق وأفناق. (المؤلف).

(٥) ديوان أبي طالب: ص ٧٠.

(٦) ديوان أبي طالب ص ١٠٩ وهي مما استدركه محقق الديوان على جامعه.

١٣
ألا ليت شعري كيف في الناس جعفر * وعمرو وأعداء النبي الأقارب
وهل نال إحسان النجاشي جعفرا * وأصحابه أم عاق عن ذاك شاغب
تعلم أبيت اللعن (١) أنك ماجد * كريم فلا يشقى إليك المجانب
ونعلم أن الله زادك بسطة * وأسباب خير كلها بك لازب

تاريخ ابن كثير (٢) (٣ / ٧٧)، شرح ابن أبي الحديد (٣/٣١٤).

قال ابن أبي الحديد في شرحه (٣) (٣ / ٣١٥): ومن شعره المشهور أيضا قوله يخاطب محمدا، ويسكن جأشه، ويأمره باظهار الدعوة:

لا يمنعنك من حق تقوم به * أيد تصول ولا سلق بأصوات
فإن كفك كفي إن بهم مليت (٤) * ودون نفسك نفسي في الملمات

قال ابن هشام (٥): ولما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تاركه لشيء أبدا، حتى يهلك دونه، فقال أبو طالب:

خليلي ما أذني لأول عاذل * بصغواء في حق ولا عند باطل
ولما رأيت القوم لاود فيهم * وقد قطعوا كل العرى والوسائل
وقد صارحونا بالعداوة والأذى * وقد طاوعوا أمر العدو المزايل

(١) أبيت اللعن، كلمة كانت العرب تحيي بها ملوكها في الجاهلية، معناها: أبيت أيها الملك أن تأتي بها تلعن عليه.

(٢) البداية والنهاية: ٣ / ٩٧.

(٣) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٧ كتاب ٩.

(٤) في المصدر: إن بليت بهم.

(٥) السيرة النبوية: ١ / ٢٩١.

١٤
وقد حالفوا قوما علينا أظنة (١) * يعضون غيظا خلفنا بالأنامل
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة * وأبيض عضب من تراث المقاول (٢)

* * *

أعوذ برب الناس من كل طاعن * علينا بسوء أو ملح بباطل
ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة * ومن ملحق في الدين ما لم نحاول
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى في حراء ونازل (٣)
وبالبيت حق البيت من بطن مكة * وبالله إن الله ليس بغافل
وبالحجر المسود إذ يمسحونه * إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل

* * *

كذبتم وبيت الله نترك مكة * ونظعن إلا أمركم في بلابل
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل (٤)
ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وينهض قوم بالحديد إليكم * نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل (٥)
وحتى نرى ذا الظغن يركب ردعه * من الطعن فعل الأنكب المتحامل (٦)
وإنا لعمر الله إن جد ما أرى * لتلتبس أسيافنا بالأماثل
بكفي فتى مثل الشهاب سميدع * أخي ثقة حامي الحقيقة باسل

(١) أظنة: جمع ظنين: المتهم. (المؤلف).

(٢) سمراء سمحة: أراد بها قناة لينة تسمح بالانعطاف عند هزها. العضب: القاطع. المقاول: أراد بها السادات. (المؤلف).

(٣) نور وثبير وحراء: جبال في مكة. (المؤلف).

(٤) نبزى: تسلب.

(٥) الروايا: الإبل التي تحمل الماء، واحدتها: راوية. الصلاصل جمع الصلصلة: الصوت وذات الصلاصل: المزادات التي فيها بقية من الماء يسمع لها صوت حين تسير الإبل. (المؤلف).

(٦) يقال: ركب ردعه، أي خر صريعا لوجهه. الأنكب: الذي يمشي على شق. (المؤلف).

١٥
كتاب ايمان أبي طالب وسيرته للشيخ عبد الحسين الأميني النجفي (ص ١٦ - ص ٣٥)
١٦
فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها * وزينا لمن والاه رب المشاكل

فأصبح فينا أحمد في أرومة * تقصر عنه سورة المتطاول

حدبت بنفسي دونه وحميته * ودافعت عنه بالذرى والكلاكل (١)

فأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير باطل

هذه القصيدة ذكر منها ابن هشام في سيرته (٢) (١ / ٢٨٦ ـ ٢٩٨)، أربعة وتسعين بيتا وقال: هذا ما صح لي من هذه القصيدة. وذكر ابن كثير منها اثنين وتسعين بيتا في تاريخه (٣) (٣ / ٥٣ ـ ٥٧)، وفي رواية ابن هشام ثلاثة أبيات لم توجد في تاريخ ابن كثير وقال (ص ٥٧) قلت: هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعها، وقد أوردها الأموي في مغازيه مطولة بزيادات أخر والله أعلم.

وذكرها أبو هفان العبدي في ديوان أبي طالب (٤) (ص ٢ ـ ١٢) في مائة وأحد عشر بيتا ولعلها تمام القصيدة.

وقال ابن أبي الحديد في شرحه (٥) (٣ / ٣١٥) بعد ذكر جملة من شعر أبي طالب: فكل هذه الأشعار قد جاءت مجيء التواتر، لأنه إن لم تكن آحادها متواترة فمجموعها يدل على أمر واحد مشترك وهو تصديق محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومجموعها متواتر كما أن كل واحدة من قتلات علي عليه السلام الفرسان منقولة آحادا ومجموعها متواتر يفيدنا

(١) حديث عطفت ومنعت. الذرى جمع ذرة: أعلى ظهر البعير. الكلاكل جمع كلكل: معظم الصدر.

(المؤلف)

(٢) السيرة النبوية: ١ / ٢٩١ ـ ٢٩٩.

(٣) البداية والنهاية: ٣ / ٧٠ ـ ٧٤.

(٤) ديوان أبي طالب: ص ٢١ ـ ٣٨.

(٥) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٨ كتاب ٩.

١٧
العلم الضروري بشجاعته، وكذلك القول فيما روي من سخاء حاتم وحلم الأحنف ومعاوية وذكاء أياس وخلاعة أبي نواس وغير ذلك. قالوا: واتركوا هذا كله جانبا، ما قولكم في القصيدة اللامية التي شهرتها كشهرة قفا نبك ؟ وإن جاز الشك فيها أو في شيء من أبياتها جاز الشك في قفا نبك وفي بعض أبياتها.

وقال القسطلاني في إرشاد الساري (١) (٢ / ٢٢٧): قصيدة جليلة بليغة من بحر الطويل، وعدة أبياتها مائة وعشرة أبيات، قالها لما تمالأ قريش على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونفروا عنه من يريد الإسلام.

وذكر منها في المواهب اللدنية (٢) (١ / ٤٨)، أبياتا فقال: هي أكثر من ثمانين بيتا قال ابن التين: إن في شعر أبي طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يبعث لما أخبره به بحيرا وغيره من شأنه. وقال العيني في عمده القاري (٣): (٣ / ٤٣٤) قصيدة طنانة وهي مائة بيت وعشرة أبيات أولها:

خليلي ما أذني لأول عاذل * بصغواء في حق ولا عند باطل

وذكر منها البغدادي في خزانة الأدب (٤) (١ / ٢٥٢ ـ ٢٦١) اثنين وأربعين بيتا مع شرحها، وقال: أولها:

خليلي ما أذني لأول عاذل * بصغواء في حق ولا عند باطل

خليلي إن الرأي ليس بشركة * ولا نهنه عند الأمور البلابل (٥)

(١) إرشاد الساري: ٣ / ٢٦.

(٢) المواهب اللدنية: ١ / ١٨٥.

(٣) عمدة القاري: ٧ / ٣٠.

(٤) خزانة الأدب: ٢ / ٥٩ ـ ٧٥.

(٥) النهنه: المضيء، والنير الشفاف الذي يظهر الأشياء على جليتها. البلابل: جمع بلبلة أو بلبال، وهما بمعنى الهم ووساوس الصدر.

١٨
ولما رأيت القوم لاود عندهم * وقد قطعوا كل العرى والوسائل

وذكر الآلوسي عدة منها في بلوغ الأرب (١) (١ / ٢٣٧) وذكر كلمة ابن كثير المذكور وقال: هي مذكورة مع شرحها في كتاب لب لباب لسان العرب.

وذكر منها السيد زيني دحلان أبياتا في السيرة النبوية هامش الحلبية (٢) (١ / ٨٨) فقال: قال الإمام عبد الواحد السفاسقي (٣) في شرح البخاري: إن في شعر أبي طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يبعث لما أخبره به بحيرا الراهب وغيره من شأنه، مع ما شاهده من أحواله، ومنها الاستسقاء به في صغره ومعرفة أبي طالب بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم، جاءت في كثير من الأخبار زيادة على أخذها من شعره.

قال الأميني: أنا لا أدري كيف تكون الشهادة والاعتراف بالنبوة إن لم يكن منها هذه الأساليب المتنوعة المذكورة في هذه الأشعار ؟ ولو وجد واحد منها في شعر أي أحد أو نثره لأصفق الكل على إسلامه، لكن جميعها لا يدل على إسلام أبي طالب. فاعجب واعتبر !

هذه جملة من شعر أبي طالب عليه السلام الطافح من كل شطره الإيمان الخالص، والإسلام الصحيح، قال العلامة الأوحد ابن شهرآشوب المازندراني في كتابه متشابهات القرآن عند قوله تعالى: (ولينصرن الله من ينصره) (٤): إن أشعار أبي طالب الدالة على إيمانه تزيد على ثلاثة آلاف بيت يكاشف فيها من يكاشف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويصحح نبوته. ثم ذكر جملة ضافية ومما ذكر له قوله في وصيته:

(١) بلوغ الإرب: ١ / ٣٢٦.

(٢) السيرة النبوية: ١ / ٤٣.

(٣) هو ابن التين المذكور في كلام القسطلاني. (المؤلف).

(٤) الحج: ٤٠.

١٩
أوصي بنصر نبي الخير أربعة * إبني عليا وشيخ القوم عباسا

وحمزة الأسد الحامي حقيقته * وجعفرا أن تذودا دونه الناسا

كونوا فداء لكم أمي وما ولدت * في نصر أحمد دون الناس أتراسا (١)

ـ ٢ ـ
ما ناء به من عمل بار وقول مشكور

أما ما ناء به سيد الأباطح أبو طالب سلام الله عليه من عمل بار وسعي مشكور في نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكلاءته والذب عنه والدعوة إليه وإلى دينه الحنيف منذ بدء البعثة إلى أن لفظ أبو طالب نفسه الأخير، وقد تخلل ذلك جمل من القول كلها نصوص على إسلامه الصحيح، وإيمانه الخالص، وخضوعه للرسالة الإلهية، فإلى الملتقى. روى القوم:

١ ـ قال ابن إسحاق: إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجرا، فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير هب له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ بزمام ناقته وقال: يا عم إلى من تكلني لا أب لي ولا أم لي ؟ فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا. قال: فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وتهيأ راهب يقال له بحيرا في صومعة له، وكان أعلم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة راهب إليه يصير علمهم من كتاب فيهم كما يزعمون يتوارثونه كائنا عن كائن، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا ما يمرون عليه قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يتعرض لهم، حتى إذا كان ذلك العام نزلوا به قريبا من صومعته فصنع لهم طعاما كثيرا وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله صلى الله عليه وآله وسلم من بين القوم. ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة وتهصرت، يعني تدلت أغصانها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى

(١) في النسخة المطبوعة من متشابهات القرآن تصحيف وتحريف في الأبيات. راجع: ٢ / ٦٥. (المؤلف).
٢٠